

علم الحديث

تعريف علم الحديث وتاريخه

أقسام الحديث

الجرح والتعديل

الأصول الأربعمائة

الجوامع الحديثيّة المتقدّمة

الجوامع الحديثيّة المتأخّرة

مقالات متفرقة في علم الحديث

أحاديث وروايات مختارة

الأحاديث القدسيّة

علوم الحديث عند أهل السنّة والجماعة


علم الرجال

تعريف علم الرجال

الحاجة إلى علم الرجال

التوثيقات الخاصة

التوثيقات العامة

مقالات متفرقة في علم الرجال

أصحاب النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)

أصحاب الائمة (عليهم السلام)

العلماء من القرن الرابع إلى القرن الخامس عشر الهجري
شرح الأبيات 759 ــ 763
المؤلف:
شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن السخاوي
المصدر:
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث للعراقي
الجزء والصفحة:
ج4، ص 24 ــ 38
2026-02-21
19
[غَرِيبُ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ]
[تَعْرِيفُ غَرِيبِ الْحَدِيثِ وَأَمْثِلَتِهِ]
(غَرِيبُ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ)
759 - وَالنَّضْرُ أَوْ مَعْمَرُ خُلْفٌ أَوَّلُ ... مَنْ صَنَّفَ الْغَرِيبَ فِيمَا نَقَلُوا
760 - ثُمَّ تَلَى أَبُو عُبَيْدٍ وَاقْتَفَى ... الْقُتَبِيُّ ثُمَّ حَمْدٌ صَنَّفَا
761 - فَاعْنَ بِهِ وَلَا تَخُضْ بِالظَّنِّ ... وَلَا تُقَلِّدْ غَيْرَ أَهْلِ الْفَنِّ
762 - وَخَيْرُ مَا فَسَّرْتَهُ بِالْوَارِدِ ... كَالدُّخِّ بِالدُّخَانِ لِابْنِ صَائِدِ
763 - كَذَاكَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَالْحَاكِمُ ... فَسَّرَهُ الْجِمَاعَ وَهْوَ وَاهِمُ
[تَعْرِيفُ غَرِيبِ الْحَدِيثِ وَأَمْثِلَتِهِ]:
(غَرِيبُ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ) النَّبَوِيِّ، وَهُوَ خِلَافُ الْغَرِيبِ الْمَاضِي قَرِيبًا، فَذَاكَ يَرْجِعُ إِلَى الِانْفِرَادِ مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ، وَأَمَّا هُنَا فَهُوَ مَا يَخْفَى مَعْنَاهُ مِنَ الْمُتُونِ؛ لِقِلَّةِ اسْتِعْمَالِهِ وَدَوَرَانِهِ، بِحَيْثُ يَبْعُدُ فَهْمُهُ وَلَا يَظْهَرُ إِلَّا بِالتَّنْقِيرِ عَنْهُ مِنْ كُتُبِ اللُّغَةِ، وَهُوَ مِنْ مَهَمَّاتِ الْفَنِّ؛ لِتَوَقُّفِ التَّلَفُّظِ بِبَعْضِ الْأَلْفَاظِ فَضْلًا عَنْ فَهْمِهَا عَلَيْهِ. وَتَتَأَكَّدُ الْعِنَايَةُ بِهِ لِمَنْ يَرْوِي بِالْمَعْنَى. وَالْقَصْدُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ بَيَانُ التَّصَانِيفِ فِيهِ، وَلَوْ أُضِيفَ لِذَلِكَ أَمْثِلَةٌ كَغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْوَاعِ، بَلْ كَمَا فَعَلَهُ الْبَرْشَنْسِيُّ فِي أَلْفِيَّتِهِ الِاصْطِلَاحِيَّةِ فِي هَذَا نَفْسِهِ؛ حَيْثُ ذَكَرَ جَانِبًا مِنْهُ. بَلْ وَابْنُ الْجَزَرِيِّ فِي هِدَايَتِهِ الَّتِي شَرَحْتُهَا، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ كَالْأَسْمَاءِ، مِنْهُ مَا هُوَ فَرْدٌ كَالْجَعْظَرِيِّ: الْفَظُّ الْغَلِيظُ، وَمِنْهُ مَا هُوَ كَالْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلِفِ، كَأَنْ تَأْتِيَ كَلِمَةٌ لِمَعْنًى وَيُصَحِّفَهَا لِمَعْنًى آخَرَ، فَيَأْتَلِفَا فِي الْخَطِّ وَيَخْتَلِفَا فِي النُّطْقِ؛ كَقَدَحِ الرَّاكِبِ بِفَتْحَتَيْنِ: الْآنِيَةُ الْمَعْرُوفَةُ مَعَ تَسْوِيَةِ الصَّفِّ، كَالْقِدْحِ بِالْكَسْرِ ثُمَّ سُكُونٍ: السَّهْمُ. وَكَالْمَنْصَفِ، فَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ: الْمَوْضِعُ الْوَسَطُ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ، وَبِكَسْرِهَا: الْخَادِمُ. وَكَحَذَفٍ بِتَحْرِيكِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ فِي قَوْلِهِ: كَبَنَاتِ حَذَفٍ، وَهِيَ الْغَنَمُ الصِّغَارُ الْحِجَازِيَّةُ، وَبِإِسْكَانِهَا فِي قَوْلِهِ: (حَذْفُ السَّلَامِ سُنَّةٌ)، وَهُوَ تَخْفِيفُهُ وَعَدَمُ إِطَالَتِهِ، وَكَالشَّعَفَةِ وَهِيَ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ فِي قَوْلِهِ: (وَرَجُلٌ فِي شَعَفَةٍ مِنَ الشِّعَافِ)، يُرِيدُ بِهِ رَأْسَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ، مَعَ السَّعْفَةِ وَهِيَ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ السَّاكِنَةِ فِي قَوْلِهِ: (إِنَّهُ رَأَى جَارِيَةً بِهَا سَعْفَةٌ)؛ أَيْ: قُرُوحٌ تَخْرُجُ عَلَى رَأْسِ الصَّبِيِّ. وَالسَّعَفَةُ مِثْلُهُ، لَكِنْ بِتَحْرِيكِ الْعَيْنِ: أَغْصَانُ النَّخِيلِ. وَمِنْهُ مَا هُوَ كَالْمُتَّفِقِ وَالْمُفْتَرِقِ، بِأَنْ تَأْتِيَ كَلِمَةٌ فِي مَوْضِعَيْنِ لِمَعْنَيَيْنِ، كَالطَّبَقِ فِي قَوْلِهِ: (فَجَاءَ طَبَقٌ مِنْ جَرَادٍ): الْقَطِيعُ، وَفِي قَوْلِهِ: (بَدَأَ طَبَقُ الْقَرْنِ). وَمِنْهُ مَا فِيهِ الْإِعْجَامُ وَالْإِهْمَالُ؛ كَالتَّشْمِيتِ، وَ(مَصْمِصُوا مِنَ اللَّبَنِ) - لَكَانَ أَفْيَدَ.
[وَنَحْوُهُ تَقْدِيمُ بَعْضِ حُرُوفِ الْكَلِمَةِ وَتَأْخِيرُهَا؛ كَالطَّبِيخِ وَالْبِطِّيخِ، وَجَذَبَ فِي جَبَذَ، وَأَنْعَمَ فِي أَمْعَنَ].
وَمِمَّا رَأَيْتُهُ مُفَرَّقًا وَهُوَ نَافِعٌ مَعَ مُشَاحَحَةٍ فِي بَعْضِهِ: لَا تُحَرِّكُ الْإِبْطَ فَيَفُوحَ، وَلَا تَفْتَحِ الْجِرَابَ، وَلَا تَكْسِرِ الْقَصْعَةَ، وَلَا تَمُدَّ الْقَفَا، وَإِذَا دَخَلْتَ كُوًى فَافْتَحْ، وَإِذَا خَرَجْتَ فَضُمَّ، وَالْجَنَازَةُ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ، فَالْأَعْلَى لِلْأَعْلَى وَالْأَسْفَلُ لِلْأَسْفَلِ. وَمَلِكٌ بِكَسْرِ اللَّامِ فِي الْأَرْضِ، وَبِفَتْحِهَا فِي السَّمَاءِ.
[أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ]:
(وَالنَّضْرُ) بْنُ شُمَيْلٍ أَبُو الْحَسَنِ الْمَازِنِيُّ، (أَوْ) أَبُو عُبَيْدَةَ (مَعْمَرُ) بْنُ الْمُثَنَّى، (خُلْفٌ أَوَّلُ)؛ أَيْ: اخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ (مَنْ صَنَّفَ) مِنْهُمَا فِي الْإِسْلَامِ (الْغَرِيبَ) الْمُشَارَ إِلَيْهِ، (فِيمَا نَقَلُوا) فَجَزَمَ الْحَاكِمُ فِي عُلُومِهِ بِأَوَّلِهِمَا. وَهُوَ الظَّاهِرُ؛ فَإِنَّهُ مَاتَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ. وَمَشَى ابْنُ الْأَثِيرِ فِي خُطْبَةِ النِّهَايَةِ ثُمَّ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي (تَقْرِيبِ الْمَرَامِ) لَهُ عَلَى الثَّانِي، لَكِنْ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ مِنْهُمَا، مَعَ أَنَّ وَفَاتَهُ كَانَتْ فِي سَنَةِ عَشْرٍ وَمِائَتَيْنِ بَعْدَ الْأَوَّلِ بِسَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ عَامًا، وَكِتَابَاهُمَا مَعَ جَلَالَتِهِمَا صَغِيرَانِ؛ لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِذَلِكَ فِي الْمُبْتَدِئِ بِمَا لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ، لَا سِيَّمَا وَالْعِلْمُ إِذْ ذَاكَ أَكْثَرُ فُشُوًّا مِنْ نَقِيضِهِ، وَأَكْبَرُهُمَا كِتَابُ أَوَّلِهِمَا، وَلَقَدْ بَالَغَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ حَيْثُ قَالَ: إِنَّهُ لَا يَصِحُّ مِمَّا أَوْرَدَهُ ثَانِيهِمَا فِي غَرِيبِهِ سِوَى أَرْبَعِينَ حَدِيثًا.
[ذِكْرُ أُمَّهَاتَ الْكُتُبِ فِي هَذَا الْفَنِّ]:
وَمِمَّنْ جَمَعَ فِي ذَلِكَ الْيَسِيرَ أَيْضًا الْحُسَيْنُ بْنُ عَيَّاشٍ أَبُو بَكْرٍ السُّلَمِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُسْتَنِيرِ أَبُو عَلِيٍّ الْمَعْرُوفُ بِقُطْرُبٍ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُمَا قَبْلَ مَعْمَرٍ، الْأَوَّلُ بِسِتِّ سِنِينَ، وَالثَّانِي بِأَرْبَعٍ. ثُمَّ جَمَعَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ قُرَيْبٍ الْأَصْمَعِيُّ عَصْرِيُّ مَعْمَرٍ، بَلِ الْمُتَوَفَّى بَعْدَهُ فِي سَنَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ، كِتَابًا، فَزَادَ وَأَحْسَنَ. فِي آخَرِينَ مِنْ أَئِمَّةِ الْفِقْهِ وَاللُّغَةِ جَمَعُوا أَحَادِيثَ تَكَلَّمُوا عَلَى لُغَتِهَا وَمَعْنَاهَا فِي أَوْرَاقٍ ذَوَاتِ عَدَدٍ. وَلَمْ يَكَدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَنْفَرِدُ عَنْ غَيْرِهِ بِكَبِيرِ أَمْرٍ لَمْ يَذْكُرْهُ الْآخَرُ، وَكَذَا صَنَّفَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْيَزِيدِيُّ فِي ذَلِكَ.
(ثُمَّ تَلَى) الْجَمِيعَ قَرِيبًا مِنْ هَذَا الْآنَ (أَبُو عُبَيْدٍ) الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ، الْمُتَوَفَّى فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ (224هـ)، فَجَمَعَ كِتَابَهُ الْمَشْهُورَ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ وَالْآثَارِ، تَعِبَ فِيهِ جِدًّا؛ فَإِنَّهُ أَقَامَ فِيهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً بِحَيْثُ اسْتَقْصَى وَأَجَادَ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ قَبْلَهُ، وَوَقَعَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِمَوْقِعٍ جَلِيلٍ، وَصَارَ قُدْوَةً فِي هَذَا الشَّأْنِ كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَغَيْرُهُ، حَتَّى إِنَّ ابْنَ كَثِيرٍ قَالَ: إِنَّهُ أَحْسَنُ شَيْءٍ وُضِعَ فِيهِ، يَعْنِي قَبْلَهُ. وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مُرَتَّبٍ، فَرَتَّبَهُ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ بْنُ قُدَامَةَ عَلَى الْحُرُوفِ، وَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ يَنْتَفِعُونَ بِكِتَابِ أَبِي عُبَيْدٍ. وَعَمِلَ أَبُو سَعِيدٍ الضَّرِيرُ كِتَابًا فِي التَّعَقُّبِ عَلَيْهِ.
وَكَذَا مِمَّنْ جَمَعَ الْغَرِيبَ فِي هَذَا الْوَقْتِ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، وَأَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْكِنْدِيُّ الْبَغْدَادِيُّ تِلْمِيذُ مَعْمَرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو شِمْرُ بْنُ حَمْدَوَيْهِ الْمُتَوَفَّى فِي سَنَةِ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ (256هـ)، وَكِتَابُهُ يُقَالُ: إِنَّهُ قَدْرُ كِتَابِ أَبِي عُبَيْدٍ مِرَارًا.
(وَاقْتَفَى) أَثَرَ أَبِي عُبَيْدٍ وَحَذَا حَذْوَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدَّيْنَوَرِيُّ (الْقُتَبِيُّ) بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ نِسْبَةً لِجَدِّهِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، فَصَنَّفَ كِتَابَهُ الْمَشْهُورَ وَجَعَلَهُ ذَيْلًا عَلَى كِتَابِ أَبِي عُبَيْدٍ، فَكَانَ أَكْبَرَ حَجْمًا مِنْ أَصْلِهِ، مَعَ أَنَّهُ أَضَافَ إِلَيْهِ التَّنْبِيهَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَوْهَامِهِ، بَلْ وَأَفْرَدَ لِلِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ كِتَابًا سَمَّاهُ إِصْلَاحَ الْغَلَطِ.
وَقَدِ انْتَصَرَ لِأَبِي عُبَيْدٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي جُزْءٍ لَطِيفٍ رَدَّ فِيهِ عَلَى ابْنِ قُتَيْبَةَ، لَكِنْ قَالَ لَنَا شَيْخُنَا عَنْ شَيْخِهِ الْمُصَنِّفِ: إِنَّ ابْنَ قُتَيْبَةَ كَانَ كَثِيرَ الْغَلَطِ.
وَكَذَا صَنَّفَ فِيهِ أَبُو إِسْحَاقَ الْحَرْبِيُّ أَحَدُ مُعَاصِرِي ابْنِ قُتَيْبَةَ، وَالْمُتَوَفَّى بَعْدَهُ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ، كِتَابًا حَافِلًا، أَطَالَهُ بِالْأَسَانِيدِ وَسِيَاقِ الْمُتُونِ بِتَمَامِهَا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَتْنِ مِنَ الْغَرِيبِ إِلَّا كَلِمَةٌ، فَهُجِرَ لِذَلِكَ كِتَابُهُ مَعَ جَلَالَةِ مُصَنِّفِهِ وَكَثْرَةِ فَوَائِدِ كِتَابِهِ. ثُمَّ صَنَّفَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ أَيْضًا؛ كَأَبِي الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدِ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ، وَثَعْلَبٍ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ، وَأَبِي الْحَسَنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشِّيِّ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ.
وَمِنَ الْمِائَةِ الرَّابِعَةِ؛ كَأَبِي مُحَمَّدٍ قَاسِمِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ حَزْمٍ السَّرَقُسْطِيِّ، الْمُتَوَفَّى سَنَةَ اثْنَتَيْنِ. وَكِتَابُهُ، وَاسْمُهُ (الدَّلَائِلُ)، ذَيْلٌ عَلَى كِتَابِ الْقُتَيْبِيِّ، وَكَانَ قَاسِمٌ قَدِ ابْتَدَأَهُ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَهُ، فَأَكْمَلَهُ أَبُوهُ؛ لِتَأَخُّرِ وَفَاتِهِ عَنْهُ مُدَّةً؛ فَإِنَّهُ مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ. وَكَأَبِي بَكْرِ بْنِ الْأَنْبَارِيِّ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ، وَأَبِي عُمَرَ الزَّاهِدِ غُلَامِ ثَعْلَبٍ، الْمُتَوَفَّى سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ. وَغَرِيبُهُ صَنَّفَهُ عَلَى مُسْنَدِ أَحْمَدَ خَاصَّةً، وَهُوَ حَسَنٌ جِدًّا فِيمَا قِيلَ.
(ثُمَّ) بَعْدَهُمْ أَبُو سُلَيْمَانَ (حَمْدٌ) هُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَطَّابِيُّ الْبُسْتِيُّ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ (388هـ)، (صَنَّفَا) كِتَابَهُ الْمَعْرُوفَ، وَهُوَ أَيْضًا ذَيْلٌ عَلَى الْقُتَيْبِيِّ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلَى أَغَالِيطِهِ.
فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ - أَعْنِي كُتُبَ الْخَطَّابِيِّ وَالْقُتَيْبِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ - أُمَّهَاتُ الْكُتُبِ الْمُؤَلَّفَةِ فِي ذَلِكَ، وَإِلَيْهَا الْمَرْجِعُ فِي تِلْكَ الْأَعْصَارِ، وَوَرَاءَهَا - كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ - مَجَامِيعُ تَشْتَمِلُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى زَوَائِدَ وَفَوَائِدَ كَثِيرَةٍ، بِحَيْثُ كَمَا قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: لَمْ يَخْلُ زَمَنٌ مِنْ مُصَنِّفٍ فِيهِ.
وَمِنْهَا فِي الْمِائَةِ الْخَامِسَةِ كِتَابُ أَبِي عُبَيْدٍ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيِّ صَاحِبِ أَبِي مَنْصُورٍ الْأَزْهَرِيِّ اللُّغَوِيِّ وَعَصْرِيِّ الْخَطَّابِيِّ، بَلْ وَالْمُتَأَخِّرِ بَعْدَهُ؛ فَإِنَّهُ مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِمِائَةٍ (401هـ)، جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ كِتَابَيْ أَبِي عُبَيْدٍ وَابْنِ قُتَيْبَةَ وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ تَقَدَّمَ، مَعَ زِيَادَاتٍ جَمَّةٍ، وَإِضَافَتِهِ لِذَلِكَ غَرِيبَ الْقُرْآنِ، مُرَتِّبًا لِذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ، فَكَانَ أَجْمَعَ مُصَنَّفٍ فِي ذَلِكَ قَبْلَهُ. وَاخْتَصَرَهُ الْفَقِيهُ أَبُو الْفَتْحِ سُلَيْمُ بْنُ أَيُّوبَ الرَّازِيُّ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ (47هـ)، وَسَمَّاهُ (تَقْرِيبَ الْغَرِيبَيْنِ)، وَكَذَا اخْتَصَرَهُ مَعَ زِيَادَاتٍ يَسِيرَةٍ الْحَافِظُ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ الْمُتَوَفَّى فِي أَوَاخِرَ الْمِائَةِ السَّادِسَةِ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ، بَلْ وَجَمَعَ الْحَافِظُ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ الْبَغْدَادِيُّ - وَكَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ خَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ (550هـ) - أَوْهَامَهُ فِي تَصْنِيفٍ مُسْتَقِلٍّ.
وَذَيَّلَ عَلَيْهِ عَلَى طَرِيقَتِهِ فِي الْغَرِيبَيْنِ وَالتَّرْتِيبِ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ ذَيْلًا حَسَنًا، ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَهُمَا - أَعْنِي كِتَابَ الْهَرَوِيِّ وَالذَّيْلَ عَلَيْهِ لِأَبِي مُوسَى مُقْتَصِرًا عَلَى الْحَدِيثِ خَاصَّةً - الْمَجْدُ أَبُو السَّعَادَاتِ الْمُبَارَكُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَثِيرِ الْجَزْرِيُّ مَعَ زِيَادَاتٍ جَمَّةٍ، فَكَانَ كِتَابُهُ النِّهَايَةَ كَاسْمِهِ، وَعَوَّلَ عَلَيْهِ كُلُّ مَنْ بَعْدَهُ؛ لِجَمْعِهِ وَسُهُولَةِ التَّنَاوُلِ مِنْهُ، مَعَ إِعْوَازٍ قَلِيلٍ فِيهِ. وَيُقَالُ: إِنَّ الصَّفِيَّ مَحْمُودَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ حَامِدٍ الْأُرْمَوِيَّ ذَيَّلَ عَلَيْهِ أَوْ كَتَبَ عَلَى نُسْخَتِهِ مِنْهُ حَوَاشِيَ، فَأَفْرَدَهَا غَيْرُهُ، كَمَا أَنَّ لِلْمُصَنِّفِ عَلَى نُسْخَتِهِ مِنْهُ أَيْضًا حَوَاشِيَ كَثِيرَةً، كَانَ عَزْمُهُ تَجْرِيدَهَا فِي ذَيْلٍ كَبِيرٍ، وَمَا أَظُنُّهُ تَيَسَّرَ، وَقَدِ اخْتَصَرَهَا غَيْرُ وَاحِدٍ.
وَكَذَا لِابْنِ الْأَثِيرِ كِتَابٌ آخَرُ سَمَّاهُ (مَنَالَ الطَّالِبِ فِي شَرْحِ طِوَالِ الْغَرَائِبِ) فِي مُجَلَّدٍ. بَلْ وَلَهُ شَرْحُ غَرِيبِ كِتَابِهِ (جَامِعِ الْأُصُولِ) فِي مُجَلَّدٍ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ آخِرَ يَوْمٍ مِنْ سَنَةِ سِتٍّ وَسِتِّمِائَةٍ (606هـ).
وَمِنْهَا كِتَابُ (الْفَائِقِ) لِأَبِي الْقَاسِمِ الزَّمَخْشَرِيِّ مِنْ أَنْفَسِ الْكُتُبِ؛ لِجَمْعِهِ الْمُتَفَرِّقَ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ مَعَ حُسْنِ الِاخْتِصَارِ وَصِحَّةِ النَّقْلِ. وَهُوَ وَإِنْ كَانَ عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ فَهُوَ مُلْتَزِمٌ اسْتِيفَاءَ مَا فِي كُلِّ حَدِيثٍ مِنْ غَرِيبٍ فِي حَرْفٍ مِنْ حُرُوفِ بَعْضِ كَلِمَاتِهِ، فَعَسُرَ لِذَلِكَ الْكَشْفُ مِنْهُ بِالنِّسْبَةِ لِكِتَابٍ الْهَرَوِيِّ، وَلَكِنَّهُ أَسْهَلُ تَنَاوُلًا مِنْ كَثِيرٍ مِمَّنْ قَبْلَهُ. وَكَانَتْ وَفَاةُ مُؤَلِّفِهِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ (538هـ).
وَمِنْهَا (مَجْمَعُ الْغَرَائِبِ) لِلْحَافِظِ أَبِي الْحُسَيْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي الْحُسَيْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيِّ ثُمَّ النَّيْسَابُورِيِّ، الْمُتَوَفَّى سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ (529هـ)، وَرَأَيْتُ فِي كَلَامِ الزَّرْكَشِيِّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ النِّهَايَةَ مَا نَصُّهُ: وَزَادَ عَلَيْهِ الْكَاشْغَرِيُّ فِي مَجْمَعِ الْغَرَائِبِ، فَيُنْظَرُ.
وَمِنْهَا كِتَابُ (الْمَشَارِقِ) لِلْقَاضِي عِيَاضٍ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ (544هـ)، وَهُوَ أَجَلُّ كِتَابٍ، جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ ضَبْطِ الْأَلْفَاظِ وَاخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ وَبَيَانِ الْمَعْنَى، لَكِنَّهُ خَصَّهُ بِالْمُوَطَّأِ وَالصَّحِيحَيْنِ مَعَ مَا أَضَافَ إِلَيْهِ مِنْ مُشْتَبَهِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَنْسَابِ، وَيُنْسَبُ لِأَبِي إِسْحَاقَ بْنِ قُرْقُولٍ تِلْمِيذِ الْقَاضِي عِيَاضٍ الْمُتَوَفَّى بَعْدَهُ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَسِتِّينَ كِتَابُ (الْمَطَالِعِ).
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُنْتَزَعٌ مِنَ (الْمَشَارِقِ) لِشَيْخِهِ، مَعَ التَّوَقُّفِ فِي كَوْنِهِ نَسَبَهُ لِنَفْسِهِ، وَقَدْ نَظَمَهُ الْإِمَامُ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ الْمَوْصِلِيِّ فَأَحْسَنَ مَا شَاءَ. وَكَذَا فِي الْغَرِيبِ (الْمُجَرَّدُ) لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ الْبَغْدَادِيِّ، وَ(قَنْعَةُ الْأَرِيبِ فِي تَفْسِيرِ الْغَرِيبِ) لِبَعْضِهِمْ، وَغَيْرُهُ لِمُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ النَّحْوِيِّ، وَمَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً، وَغَرِيبُ الْبُخَارِيِّ خَاصَّةً لِأَبِي الْوَلِيدِ بْنِ الصَّابُونِيِّ، وَغَرِيبُ الْمُوَطَّأِ لِبَعْضِهِمْ. وَكَذَا جَرَّدَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضِ شُرُوحِ مُسْلِمٍ غَرِيبَهُ، فَهَذَا مَا عَلِمْتُهُ الْآنَ مِنْ كُتُبِ غَرِيبِ الْحَدِيثِ.
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وَأَجَلُّ كِتَابٍ يُوجَدُ فِيهِ مَجَامِعُ ذَلِكَ كِتَابُ (الصِّحَاحِ) لِلْجَوْهَرِيِّ. قُلْتُ: وَ(الْقَامُوسُ) لِلْمَجْدِ الشِّيرَازِيِّ شَيْخِ شُيُوخِنَا. وَهُوَ - كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ - يَقْبُحُ جَهْلُهُ بِأَهْلِ الْحَدِيثِ خَاصَّةً، ثُمَّ بِأَهْلِ الْعِلْمِ عَامَّةً.
[الِاعْتِنَاءُ بِهَذَا الْفَنِّ وَأَهْلِهِ]:
(فَاعْنَ) أَيُّهَا الْمُقْبِلُ عَلَى هَذَا الشَّأْنِ، (بِهِ)؛ أَيْ: بِعِلْمِ الْغَرِيبِ تَحَفُّظًا وَتَدَبُّرًا، وَالْزَمِ النِّهَايَةَ مِنْ كُتُبِهِ، (وَلَا تَخُضْ) فِيهِ رَجْمًا (بِالظَّنِّ)؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِالْهَيِّنِ، وَالْخَائِضُ فِيهِ حَقِيقٌ بِالتَّحَرِّي، جَدِيرٌ بِالتَّوَقِّي.
وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ، وَنَاهِيكَ بِهِ حَيْثُ سُئِلَ عَنْ حَرْفٍ مِنْهُ: (سَلُوا أَصْحَابَ الْغَرِيبِ؛ فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَتَكَلَّمَ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ـ صلى الله عليه [وآله] وسلم ـ بِالظَّنِّ، فَأُخْطِئَ). وَقَالَ شُعْبَةُ فِي لَفْظِهِ: (خُذُوهَا عَنِ الْأَصْمَعِيِّ؛ فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِهَذَا مِنَّا). كَمَا قَدَّمْتُهُ مَعَ غَيْرِهِ مِمَّا يُشْبِهُهُ فِي الْفَصْلِ السَّادِسِ مِنْ صِفَةِ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ. (وَلَا تُقَلِّدْ غَيْرَ أَهْلِ الْفَنِّ) وَأَجِلَّائِهِ إِنْ كَانُوا، وَإِلَّا فَكُتُبُهُمْ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ أَخْطَأَ فِي تَصَرُّفِهِ. وَإِذَا كَانَ مِثْلُ الْأَصْمَعِيِّ، وَهُوَ مِمَّنْ عَلِمْتَ جَلَالَتَهُ يَقُولُ: أَنَا لَا أُفَسِّرُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ -، وَلَكِنَّ الْعَرَبَ تَزْعُمُ أَنَّ السَّقْبَ اللَّزِيقُ. فَكَيْفَ بِغَيْرِهِ مِمَّنْ لَا يُعْرَفُ بِالْفَنِّ؟! أَمْ كَيْفَ بِمَا يُرَى مِنْ ذَلِكَ بِهَوَامِشِ الْكُتُبِ مِمَّا يُجْهَلُ كَاتِبُهُ؟! بَلْ شَرَطَ بَعْضُهُمْ فِيمَنْ يُقَلِّدُ اطِّلَاعَهُ عَلَى أَكْثَرِ اسْتِعْمَالَاتِ أَلْفَاظِ الشَّارِعِ حِقِيقَةً وَمَجَازًا. فَقَالَ: وَلَا يَجُوزُ حَمْلُ الْأَلْفَاظِ الْغَرِيبَةِ مِنَ الشَّارِعِ عَلَى مَا وُجِدَ فِي أَصْلِ كَلَامِ الْعَرَبِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَتَبُّعِ كَلَامِ الشَّارِعِ، وَالْمَعْرِفَةِ بِأَنَّهُ لَيْسَ مُرَادُ الشَّارِعِ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ إِلَّا مَا فِي لُغَةِ الْعَرَبِ. وَأَمَّا إِذَا وُجِدَ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ قَرَائِنُ بِأَنَّ مُرَادَهُ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ مَعَانٍ اخْتَرَعَهَا هُوَ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهَا وَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْمَوْضُوعَاتِ اللُّغَوِيَّةِ، كَمَا هُوَ فِي أَكْثَرِ الْأَلْفَاظِ الْوَارِدَةِ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ. انْتَهَى.
وَهَذَا هُوَ الْمُسَمَّى عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ بِالْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ.
ثُمَّ إِنَّ الْمَذْكُورَ هُنَا لَا يُنَافِي مَا سَلَفَ فِي إِصْلَاحِ اللَّحْنِ وَالْخَطَأِ مِنْ أَنَّهُ إِذَا وَجَدَ كَلِمَةً مِنْ غَرِيبِ الْعَرَبِيَّةِ أَوْ غَيْرِهَا غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ وَأُشْكِلَتْ عَلَيْهِ حَيْثُ جَازَ لَهُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهَا أَهْلَ الْعِلْمِ بِهَا - أَيْ: بِالْعَرَبِيَّةِ - وَيَرْوِيَهَا عَلَى مَا يُخْبِرُونَهُ بِهِ، كَمَا رُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَغَيْرِهِمَا.
[تَفْسِيرُ الْغَرِيبِ بِمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ]:
(وَخَيْرُ مَا فَسَّرْتَهُ)؛ أَيْ: الْغَرِيبَ، (بِـ) الْمَعْنَى (الْوَارِدِ) فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ مُفَسِّرًا لِذَلِكَ اللَّفْظِ؛ (كَالدُّخِّ) بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَحَكَى ابْنُ السَّيِّدِ فِيهَا الْفَتْحَ أَيْضًا، بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ؛ فَإِنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى مَا يَقْتَضِي تَفْسِيرَهُ (بِالدُّخَانِ) مَعَ كَوْنِهِ لُغَةً حَكَاهَا ابْنُ الدُّرَيْدِ وَابْنُ السَّيِّدِ وَالْجَوْهَرِيُّ وَآخَرُونَ، قَالَ الشَّاعِرُ: ............... *** عِنْدَ رِوَاقِ الْبَيْتِ يَغْشَى الدُّخَاء
فِي الْقِصَّةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا، (لِابْنِ صَائِدِ) بِمُهْمَلَتَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ ثُمَّ مُثَنَّاةٌ: أَبِي عِمَارَةَ عَبْدِ اللَّهِ، الَّذِي يُقَالُ لَهُ: ابْنُ صَيَّادٍ أَيْضًا، وَكَانَ يُقَالُ: إِنَّهُ الدَّجَّالُ. فَالْبُخَارِيُّ أَخْرَجَهَا مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ يُوسُفَ، وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، كِلَاهُمَا عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ ـ صلى الله عليه [وآله] وسلم ـ لَمَّا قَالَ لَهُ: (خَبَّأْتُ لَكَ خَبِيئًا). قَالَ ابْنُ صَائِدٍ: هُوَ الدُّخُّ، (كَذَاكَ)؛ أَيْ: كَوْنُهُ الدُّخَانَ، ثَبَتَ (عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ) فِي جَامِعِهِ وَقَالَ: إِنَّهُ صَحِيحٌ. وَكَذَا عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، كِلَاهُمَا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْهُ أَيْضًا. وَاتَّفَقَ الثَّلَاثَةُ عَلَى قَوْلِهِمْ: وَخَبَّأَ لَهُ، يَعْنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ - :{يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ}.
بَلْ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ أَحْمَدَ وَالْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ: فَأَرَادَ ابْنُ صَيَّادٍ أَنْ يَقُولَ: الدُّخَانُ. فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَقَالَ: الدُّخُّ الدُّخُّ. وَذَلِكَ كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ عَلَى عَادَةِ الْكُهَّانِ فِي اخْتِطَافِ بَعْضِ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيَاطِينِ مِنْ غَيْرِ وُقُوفٍ عَلَى تَمَامِ الْبَيَانِ؛ وَلِهَذَا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ -: (اخْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ)؛ أَيْ: فَلَا مَزِيدَ لَكَ عَلَى قَدْرِ إِدْرَاكِ الْكُهَّانِ.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الْبَزَّارِ أَيْضًا، وَالطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ قَالَ: (كَانَ النَّبِيُّ ـ صلى الله عليه [وآله] وسلم ـ خَبَّأَ لَهُ سُورَةَ الدُّخَانِ): وَكَأَنَّهُ أَطْلَقَ السُّورَةَ وَأَرَادَ بَعْضَهَا.
وَحَكَى أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ أَنَّ السِّرَّ فِي امْتِحَانِ النَّبِيِّ ـ صلى الله عليه [وآله] وسلم ـ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ (عَلَيْهِما السَّلَامُ) يَقْتُلُ الدَّجَّالَ بِحَبْلِ الدُّخَانِ، كَمَا فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ، فَأَرَادَ التَّعْرِيضَ لِابْنِ صَائِدٍ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ الدَّجَّالُ. عَلَى أَنَّ الْخَطَّابِيَّ اسْتَبْعَدَ تَفْسِيرَ الدُّخِّ بِالدُّخَانِ، وَصَوَّبَ أَنَّهُ خَبَّأَ لَهُ الدُّخَّ، وَهُوَ نَبْتٌ يَكُونُ مِنَ الْبَسَاتِينِ. وَسَبَبُ اسْتِبْعَادِهِ أَنَّ الدُّخَانَ لَا يُحَطُّ فِي الْيَدِ وَلَا الْكُمِّ، ثُمَّ قَالَ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ خَبَّأَ لَهُ اسْمَ الدُّخَانِ فِي ضَمِيرِهِ.
(وَالْحَاكِمُ) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (فَسَّرَهُ) أَيْضًا فِي عُلُومِهِ (الْجِمَاعَ)؛ أَيْ: بِالْجِمَاعِ، (وَهْوَ) كَمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ (وَاهِمُ) فِي ذَلِكَ، حَتَّى قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: إِنَّهُ تَخْلِيطٌ فَاحِشٌ يَغِيظُ الْعَالِمَ وَالْمُؤْمِنَ. وَلَفْظُ الْحَاكِمِ: سَأَلْتُ الْأُدَبَاءَ عَنْ تَفْسِيرِ الدُّخِّ، فَقَالَ: كَذَا يَدُخُّهَا وَيَزُخُّهَا - يَعْنِي بِالزَّاي بَدَلَ الدَّالِ - بِمَعْنًى وَاحِدٍ، الدُّخُّ وَالزَّخُّ. قَالَ: وَالْمَعْنَى الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ صَائِدٍ - خَذَلَهُ اللَّهُ فِيهِ - مَفْهُومٌ، ثُمَّ أَنْشَدَ...: طُوبَى لِمَنْ كَانَتْ لَهُ مَزَخَّة يَزُخُّهَا ثُمَّ يَنَامُ الْفَخَّة فَالْمَزَخَّةُ بِالْفَتْحِ: هِيَ الْمَرْأَةُ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ. وَمَعْنَى يَزُخُّهَا: يُجَامِعُهَا. وَالْفَخَّةُ: أَنْ يَنَامَ فَيَنْفُخَ فِي نَوْمِهِ. وَيُؤَيِّدُ وَهْمَ الْحَاكِمِ رِوَايَةُ أَبِي ذَرٍّ الْمَاضِيَةُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ قَوْلِهِ: فَأَرَادَ ابْنُ صَائِدٍ أَنْ يَقُولَ: الدُّخَانُ. فَلَمْ يَسْتَطِعْ.
بَلْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: إِنَّهُ لَمْ يَرَ فِي كَلَامِ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الدُّخَّ بِالدَّالِ هُوَ الْجِمَاعُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ بِالزَّاءِ فَقَطْ. وَإِذَا كَانَ كُلٌّ مِنَ الْحَاكِمِ وَالْخَطَّابِيِّ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَئِمَّةِ الْفَنِّ صَدَرَ مِنْهُ خِلَافُ الرِّوَايَةِ فِي مَعْنَى هَذَا اللَّفْظِ، فَكَيْفَ مِمَّنْ دُونَهُمَا عَلَى أَنَّ مِنَ الْغَرِيبِ مَا لَا يُعْرَفُ تَفْسِيرُهُ إِلَّا مِنَ الْحَدِيثِ؟!.
وَقَدْ جَمَعَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ، فَقَالَ فِي (هَرَدَ): قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: الْقَوْلُ عِنْدَنَا فِي الْحَدِيثِ: (بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ) يُرْوَى بِالدَّالِ وَالذَّالِ؛ أَيْ: بَيْنَ مُمَصَّرَتَيْنِ، عَلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، وَلَمْ نَسْمَعْهُ إِلَّا فِيهِ. وَكَذَلِكَ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ لَمْ تُسْمَعْ إِلَّا فِي الْحَدِيثِ، وَنَقَلَ غَيْرُهُ عَنِ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ مِنْهَا حَدِيثَ: «مَنِ اطَّلَعَ فِي صِيرِ بَابٍ فَفَقَيْتَ عَيْنَهُ فَهِيَ هَدَرٌ»، وَحَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ: (أَنَّهُ مَرَّ بِرَجُلٍ وَمَعَهُ صِيرٌ فَذَاقَ مِنْهُ). فَالْأَوَّلُ: الشَّقُّ، وَالثَّانِي: الصَّحْنَاةُ. وَمِنْهَا أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ الْمَفْقُودَ الَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الْجِنُّ: مَا شَرَابُهُمْ؟ قَالَ: الْجَدَفُ. يَعْنِي بِالْجِيمِ وَالْمُهْمَلَةِ الْمُحَرَّكَتَيْنِ بَعْدَهُمَا فَاءٌ، وَهُوَ نَبَاتٌ بِالْيَمَنِ لَا يَحْتَاجُ آكِلُهُ شُرْبَ مَاءٍ. وَقِيلَ: مَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
وَنَازَعَ ابْنَ الْأَنْبَارِيِّ صَاحِبُهُ الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ النَّهْرَوَانِيُّ فِي جَعْلِهِ الصِّيرَ مِمَّا لَا يُعْرَفُ إِلَّا فِي الْحَدِيثِ، بِأَنَّهُ مَشْهُورٌ بَيْنَ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ. وَكَذَا مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَمَدَ فِي الْغَرِيبِ تَفْسِيرُ الرَّاوِي، وَلَا يُتَخَرَّجَ عَلَى الْخِلَافِ فِي تَفْسِيرِ اللَّفْظِ بِأَحَدِ مُحْتَمِلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا إِخْبَارٌ عَنْ مَدْلُولِ اللُّغَةِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ، وَخِطَابُ الشَّارِعِ يُحْمَلُ عَلَى اللُّغَةِ مَا أَمْكَنَ مُوَافَقَتُهُ لَهَا.
وَوَرَاءَ الْإِحَاطَةِ بِمَا تَقَدَّمَ الِاشْتِغَالُ بِفِقْهِ الْحَدِيثِ وَالتَّنْقِيبِ عَمَّا تَضَمَّنَهُ مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْآدَابِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنْهُ. وَقَدْ تَكَلَّمَ الْبَدْرُ بْنُ جَمَاعَةٍ فِي مُخْتَصَرِهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِفِقْهِهِ وَكَيْفِيَّةِ الِاسْتِنْبَاطِ مِنْهُ، وَلَمْ يُطِلْ فِي ذَلِكَ، وَالْكَلَامُ فِيهِ مُتَعَيِّنٌ، وَذَكَرَ شُرُوطَهُ لِمَنْ بَلَغَ أَهْلِيَّتَهُ ذَلِكَ، وَهَذِهِ صِفَةُ الْأَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُجْتَهِدِينَ الْأَعْلَامِ؛ كَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَالْحَمَّادَيْنِ وَالسُّفْيَانَيْنِ وَابْنِ رَاهَوَيْهِ وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَخَلْقٍ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ، وَفِي ذَلِكَ أَيْضًا تَصَانِيفُ كَثِيرَةٌ؛ (كَالتَّمْهِيدِ) وَ(الِاسْتِذْكَارِ) كِلَاهُمَا لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، وَ(مَعَالِمِ السُّنَنِ) وَ(إِعْلَامِ الْحَدِيثِ عَلَى الْبُخَارِيِّ) كِلَاهُمَا لِلْخَطَّابِيِّ، وَ(شَرْحِ السُّنَّةِ) لِلْبَغَوِيِّ مُفِيدٍ فِي بَابِهِ، وَ(الْمُحَلَّى) لِابْنِ حَزْمٍ، كِتَابٍ جَلِيلٍ، لَوْلَا مَا فِيهِ مِنَ الطَّعْنِ عَلَى الْأَئِمَّةِ وَانْفِرَادِهِ بِظَوَاهِرَ خَالَفَ فِيهَا جَمَاهِيرَ الْأُمَّةِ، وَ(شَرْحِ الْإِلْمَامِ) وَ(الْعُمْدَةِ) كِلَاهُمَا لِابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ، وَفِيهِمَا دَلِيلٌ عَلَى مَا وَهَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مِنْ ذَلِكَ.
وَنِعْمَ الْكِتَابُ (شَرْحُ مُسْلِمٍ) لِأَبِي زَكَرِيَّا النَّوَوِيِّ، وَكَذَا أَصْلُهُ لِلْقَاضِي عِيَاضٍ، وَ(شَرْحُ الْبُخَارِيِّ) لِشَيْخِنَا، وَ(الْأَحْوَذِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ) لِلْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ، وَالْقِطْعَةُ الَّتِي لِابْنِ سَيِّدِ النَّاسِ عَلَيْهِ أَيْضًا، ثُمَّ الذَّيْلُ عَلَيْهَا لِلْمُصَنِّفِ، وَانْتَهَى فِيهِ إِلَى النِّصْفِ، وَقَدْ شَرَعْتُ فِي إِكْمَالِهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ إِيرَادُهُ مِنَ الشُّرُوحِ الَّتِي عَلَى الْكُتُبِ السِّتَّةِ، وَكُلُّهَا مَشْرُوحَةٌ.
وَمِنْ غَرِيبِهَا (شَرْحُ النَّسَائِيِّ) لِلْإِمَامِ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ النَّغْمَةِ، سَمَّاهُ (الْإِمْعَانَ فِي شَرْحِ مُصَنَّفِ النَّسَائِيِّ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ)، وَمِنْ مُتَأَخِّرِهَا شَرْحُ ابْنِ مَاجَهْ لِلدَّمِيرِيِّ، وَلِأَبِي زُرْعَةَ ابْنِ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَبِي دَاوُدَ قِطْعَةٌ حَافِلَةٌ، بَلْ وَشَرَحَهُ بِتَمَامِهِ الشِّهَابُ ابْنُ رَسْلَانَ، وَكَذَا عَلَى ابْنِ مَاجَهْ لِمُغَلْطَايْ قِطْعَةٌ، وَعَلَى (الْمُوَطَّأِ) وَ(مُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ) وَ(الْمَصَابِيحِ) وَ(الْمَشَارِقِ) وَ(الْمِشْكَاةِ) وَ(الشِّهَابِ) وَ(الْأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ) وَ(تَقْرِيبِ الْأَحْكَامِ) لِخَلْقٍ، وَمَا لَا يَنْحَصِرُ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَأْرِيخِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ قَالَ: تَفَكَّرْتُ لَيْلَةً فِي رِجَالٍ، فَأُرِيتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّ رَجُلًا يُنَادِي يَا أَبَا زُرْعَةَ: فَهْمُ مَتْنِ الْحَدِيثِ خَيْرٌ مِنَ التَّفَكُّرِ فِي الْمَوْتَى.
تَتِمَّةٌ: مِمَّا قَدْ يَتَّضِحُ بِهِ الْمُرَادُ مِنَ الْخَبَرِ مَعْرِفَةُ سَبَبِهِ؛ وَلِذَا اعْتَنَى أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ أَحَدُ شُيُوخِ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى بْنِ الْفَرَّاءِ الْحَنْبَلِيِّ، ثُمَّ أَبُو حَامِدٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، عُرِفَ بِكُوتَاهْ، بِإِفْرَادِهِ بِالتَّصْنِيفِ.
وَقَالَ ابْنُ النَّجَّارِ فِي ثَانِيهِمَا: إِنَّهُ حَسَنٌ فِي مَعْنَاهُ لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَالْعُكْبَرِيُّ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ. وَقَوْلُ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي أَثْنَاءِ الْبَحْثِ التَّاسِعِ مِنْ كَلَامِهِ عَلَى حَدِيثِ: «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» مِنْ (شَرْحِ الْعُمْدَةِ): شَرَحَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي تَصْنِيفِهِ، كَمَا صَنَّفَ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ، فَوَقَفْتُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى شَيْءٍ مُشْعِرٍ بِعَدَمِ الْوُقُوفِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَقَدْ أَفْرَدَهُ بِنَوْعٍ شَيْخُنَا تَبَعًا لِشَيْخِهِ الْبُلْقِينِيِّ، وَعِنْدَهُ فِي مَحَاسِنِهِ مِنْ أَمْثِلَتِهِ الْكَثِيرُ، وَمِنْهَا حَدِيثُ: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ»، فَالْجُمْهُورُ رَوَوْهُ كَذَلِكَ فَقَطْ، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ سَبَبُهُ، وَهُوَ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ عَبْدًا، فَأَقَامَ عِنْدَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُقِيمَ، ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا، فَخَاصَمَهُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ -، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ قَدِ اسْتَغَلَّ غُلَامِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ -: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ»، وَأَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَالتَّقَيُّدُ بِالسَّبَبِ هُنَا أَوْلَى، وَإِنْ أَخَذَ بِعُمُومِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْمَدَنِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ.
الاكثر قراءة في علوم الحديث عند أهل السنّة والجماعة
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)