انّ الرجعة كالمعاد لا تستلزم عود ما خرج من القوّة إلى الفعل إلى القوّة ثانيا ، فإنّ من الجائز أن يستعد الإنسان لكمال موجود في زمان بعد زمان حياته الدنيوية الأولى فيموت ثم يحيى لحيازة الكمال المعدّ له في الزمان الثاني ، أو يستعدّ لكمال مشروط بتخلّل حياة ما في البرزخ فيعود إلى الدنيا بعد استيفاء الشرط ، فيجوز على أحد الفرضين الرجعة إلى الدنيا من غير محذور المحال ، وتمام الكلام موكول إلى غير هذا المقام (1).
هذا مضافا إلى ما أفاده آية الله السيد أبو الحسن الرفيعي ـ قدس سره ـ في رجعة الأئمة ـ عليهم السلام ـ بما حاصله : «من أنّ التناسخ هو عود الروح إلى البدن الآخر ، مع ما عليه من الفعلية الأوّلية ، وضعف الوجود ، وأمّا رجوع الروح مع بقاء كماله وجوهريته المخصوصة التي حصلت له بالموت ، لتدبير بدن على نحو أكمل من التدبير السابق ، فليس بتناسخ محال ، بل الرجوع المذكور كتمثل بعض الملائكة ، فإنّهم مع عدم احتياجهم إلى الاستكمال من ناحية البدن المحسوس تمثّلوا في موارد بأمره تعالى في أبدان مخصوصة ، كتمثّل جبرئيل بصورة بشر في قصة مريم سلام الله عليها» (2) وبقية الكلام تطلب من مظانّها.
ثم إنّ الرجعة التي تواترت الأخبار بوقوعها في الامة الإسلامية ، تقع بعد ظهور الإمام المهديّ ـ أرواحنا فداه ـ ثم إنّ المرجوعين هم الأشخاص وذواتهم ، لا رجوع أوصافهم ودولتهم ، فإنّه أجنبيّ عن صريح الأخبار وحقيقة الرجعة ، كما أنّ رجوع الأوصاف لا اختصاص له بآخر الزمان ، بل هو أمر واقع من لدن خلقة آدم ، فإنّ كلّ نبيّ ووصيّ كان يقوم في مقام نبيّ أو وصيّ سابق ـ بل أصحابهم أيضا كانوا يقومون مقام أصحاب الماضين من الأنبياء والأوصياء (3).
ثم إنّ الأخبار على طوائف ، منها : تدلّ على رجوع من محض الإيمان محضا ، ومن محض الكفر محضا ، وعن الشيخ الجليل أمين الدين أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي في كتاب مجمع البيان لعلوم القرآن عند قوله تعالى : (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً) أنّه قال : «قد تظاهرت تلك الأخبار عن أئمة الهدى من آل محمّد ـ عليهم السلام ـ في أن الله سيعيد عند قيام المهدي ـ عليه السلام ـ قوما ممن تقدم موتهم من أوليائه وشيعته ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته ويبتهجوا بظهور دولته ، ويعيد أيضا قوما من أعدائه لينتقم منهم ، وينالوا بعض ما يستحقّونه من العذاب والقتل على أيدي شيعته ، والذلّ والخزي بما يشاهدون من علوّ كلمته» (4). وروي في مختصر البصائر عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ : «إنّ الرجعة ليست بعامّة وهي خاصّة ، لا يرجع إلّا من محض الإيمان أو محض الشرك محضا» (5) ولذا قال العلّامة المجلسي ـ قدس سره ـ : «والرجعة عندنا يختصّ بمن محض الإيمان ومحض الكفر ، دون من سوى هذين الفريقين» (6).
ومنها : تدلّ على رجعة رسول الله والأئمة ـ عليهم السلام ـ روى سعد بن عبد الله في مختصر البصائر على ما نقل عنه الحسن بن سليمان بن خالد عن أحمد بن محمّد بن عيسى ومحمّد بن الحسين عن البزنطي عن حمّاد بن عثمان عن بكير بن أعين قال : «قال لي من لا أشك فيه يعني أبا جعفر ـ عليه السلام ـ : إنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ وأمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ سيرجعان» (7).
وعن الصادق ـ عليه السلام ـ : «ليس منّا من لم يؤمن بكرّتنا ويستحل متعتنا» (8) وقد ورد في بعض الزيارات : «إنّي من القائلين بفضلكم مقرّ برجعتكم» (9) وفي الزيارة الجامعة : «فثبتني الله أبدا ما حييت على موالاتكم ... وجعلني ممن يقتصّ آثاركم ويسلك سبيلكم ويهتدي بهديكم ويحشر في زمرتكم ويكرّ في رجعتكم» (10) وفي زيارة قبر الحسين ـ عليه السلام ـ : «اشهدكم أني بكم مؤمن وبإيابكم موقن» (11) وروى علي بن إبراهيم عن أبيه عن النضر بن سويد عن يحيى الحلبي عن عبد الحميد الطائي عن أبي خالد الكابلي عن علي بن الحسين ـ عليهما السلام ـ في قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ) قال : يرجع إليكم نبيكم وأمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام» (12) وإلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة.
ومنها : تدلّ على بعض أشخاص الأئمة ـ عليهم السلام ـ كأمير المؤمنين. روى علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن أبي بصير عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ في ضمن حديث «أنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ قال لعلي ـ عليه السلام ـ : يا علي ، إذا كان في آخر الزمان أخرجك الله في أحسن صورة ومعك ميسم تسمّ به اعداءك» (13) وكحسين بن علي ـ عليهما السلام ـ روى في مختصر البصائر على ما نقل عنه عن عمر بن عبد العزيز عن جميل بن دراج عن المعلّى بن خنيس وزيد الشحام عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال : «سمعناه يقول : أوّل من تكرّ في رجعته الحسين بن علي ـ عليه السلام ـ يمكث في الأرض حتّى يسقط حاجباه على عينيه» (14) وإلى غير ذلك من الأخبار.
ومنها : تدلّ على رجعة الأنبياء روى علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عبد الله بن مسكان عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ في قوله تعالى : «وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ» قال : ما بعث الله نبيا من لدن آدم وهلمّ جرا إلّا ويرجع إلى الدنيا فينصر رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ وأمير المؤمنين» الحديث (15).
ومنها : تدلّ على رجعة بعض الخواصّ من الشيعة ، روى الشيخ الطوسي ـ قدس سره ـ في كتاب الغيبة عن الفضل بن شاذان عن محمّد بن علي عن جعفر بن بشير عن خالد أبي عمارة عن المفضل بن عمر قال : «ذكرنا القائم ـ عليه السلام ـ ومن مات من أصحابنا ينتظره ، فقال لنا أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ : اذا قام اتى المؤمن في قبره فيقال له : يا هذا انه قد ظهر صاحبك فان شئت أن تلحق به فالحق ، وان تشأ ان تقيم في كرامة ربك فاقم» (16).
ومنها : تدلّ على أنّ لعلي ـ عليه السلام ـ كرّات ورجعات ، روي عن مختصر البصائر عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ قال : «قال أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ ... وإن لي الكرّة بعد الكرّة والرجعة بعد الرجعة ، وأنا صاحب الكرّات والرجعات ، وصاحب الصولات والنقمات والدولات العجيبات ، وأنا صاحب الكرّات والرجعات ، وصاحب الصولات والنقمات والدولات العجيبات ، وأنا دابّة الأرض وأنا صاحب العصا والميسم» الحديث (17). وإلى غير ذلك من أصناف أخبار الباب.
_______________
(1) راجع تفسير الميزان : ج 2 ص 110.
(2) راجع رساله اثبات رجعت : ص 33.
(3) راجع التفصيل في راهنماى دين : ج 2 ص 57 ـ 95.
(4) الايقاظ من الهجعة : ص 250.
(5) الايقاظ من الهجعة : ص 360.
(6) بحار الانوار : ج 53 ص 137.
(7) الايقاظ من الهجعة : ص 379.
(8) المصدر : ص 300.
(9) المصدر : ص 301.
(10) المصدر : ص 303.
(11) المصدر : ص 306.
(12) الايقاظ من الهجعة : ص 343 ـ 344.
(13) الايقاظ من الهجعة : ص 257.
(14) الايقاظ من الهجعة : ص 358.
(15) الايقاظ من الهجعة : ص 332.
(16) الايقاظ من الهجعة : ص 271.
(17) الايقاظ من الهجعة : ص 366 ـ 367.