إذن رسول الله صلّى الله عليه وآله للحجّاج بالرحيل إلى بيت الله الحرام، وطواف النساء أو الوداع.[1] وجاء هو وأمير المؤمنين عليه السلام وسيّدة العالم: الصدّيقة الزهراء عليها السلام، والحسنان، والزينبان، وآخرون غيرهم من ذوي العلاقة، جاءوا إلى بيت الله الحرام قبل صلاة الصبح ليطوفوا، ويصلّوا صلاة الطواف.
وتقول: زوجته الكريمة امّ سلمة: شكوت إلى رسول الله أنّي أشتكي.
فقال: طوفي من وراء الناس وأنتِ راكبة! فطفت ورسول الله يصلّى حينئذٍ إلى جنب البيت وهو يقرأ: {وَ الطُّورِ ، وكِتابٍ مَسْطُورٍ ، فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ ، والْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ، والسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ}.[2]
وطاف الرسول الأكرم بعد صلاة الصبح، وتوقّف في المُلْتَزَم (موضع بين الحجر الأسود، وباب الكعبة) فدعا، ثمّ ألصق وجهه وصدره بالملتزم بحيث التصق جسده الشريف بجدار الكعبة.[3]
وأخذ رسول الله شيئاً من ماء زمزم. وكان كلّما رجع من غزوة أو حجّة أو عمرة يقول ثلاثاً: اللهُ أكْبَرُ اللهُ أكْبَرُ. وبعد ذلك يقول: "لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ ولَهُ الْحَمْدُ، وهُوَ على كُلِّ شَيءٍ، قَدِيرٌ آئِبُونَ، عَابِدُونَ، سَاجِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللهُ وَحْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَهُ، وهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ".
وعند ما دخل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مكّة، دخلها من أعلاها، من ثَنيّة الكَدَاء.[4] وعند ما خرج منها، فإنّه خرج من أسفلها، من ثَنيَّة الكُدَى (بضمّ الكاف والقصر).[5]
واستغرقت إقامته في مكّة عشرة أيّام:[6] دخلها في يوم الأحد الخامس من ذي الحجّة، وبقي في الأبطح حتّى يوم الأربعاء، ثمّ تحرّك صوب عرفات، وبقي ليلة الخميس في منى، وكان في عرفات يوم الخميس، وهو يوم عرفة. ويوم الجمعة وهو يوم العيد، كان في منى، وأقام فيها يوم السبت، والأحد، والاثنين حتّى الظهر من أجل أداء مناسكها. وكان بمكّة في الأبطح الثلاثاء، وجاء إلى بيت الله قريباً من أذان الصبح. وبعد الطواف وصلاة الصبح، خرج من مكّة يوم الثلاثاء وتوجّه نحو المدينة المنوّرة.
وخرجت قافلة الحجيج من مكّة باتّجاه الجُحفة وغدير خمّ. وغدير خمّ هو الموضع الذي تمّ فيه الإعلان عن الولاية المطلقة لأمير المؤمنين عليه السلام. فما أعظمه من مقام! وما أرفع شأنه من أعلان.
[1] «البداية والنهاية» ج 5، ص 206 و207.
[2] «نفس المصدر السابق».
[3] «نفس المصدر السابق».
[4] الثنيّة تعني العقبة، والطريق الذي ينتهي إليها. والكداء بفتح الكاف والمدّ.
[5] «البداية والنهاية» ج 5، ص 207؛ و«السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 307؛ و«حبيب السير» ج 1، الجزء الثالث، ص 412.
[6] «السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 307؛ و«بحار الأنوار» ج 6، ص 666.