المعرفة النسبية عند ايمانويل كانط

الكاتب : موفق هاشم عبيد

المعرفة قديما كانت تعني إدراك الشيء على ما هو عليه, وهي مسبوقة بجهل خلافا للعلم, لذلك يسمى الباري سبحانه وتعالى بالعالم دون العارف . وتطلق المعرفة على معنيين أساسيين: الأول الفعل العقلي الذي يدرك الظواهر ذات الصفة الموضوعية, الثاني: اطلاقها على نتيجة ذلك الفعل, أي حصول صورة الشيء في الذهن . وهنالك من يذهب الى أن المعرفة تمثل ثمرة التقابل الحاصل بين الذات المدركة والموضوع المدرك, وتختلف عن باقي معطيات الشعور من حيث انها تقوم على التقابل والاتحاد الوثيق بين هذين الطرفين في آن واحد . وعلى هذا الأساس يمكن أن تعد المعرفة نسبية.
وكانت غاية الفلسفة والفلاسفة الوقوف على معرفة حقيقة الأشياء وأحوالها, وهم قديما كانوا يعرّفون الفلسفة على أنها ((العلم بأحوال أعيان الموجودات على ما هي عليه في نفس الأمر بقدر الطاقة البشرية)) . وهذا التعريف يتضمن شرطا وتقييدا لذلك العلم أو المعرفة, وهو أنه يكون "بقدر الطاقة البشرية", وهو ما يعني أن الإنسان مهما استطاع أن يوجه تفكيره ويعمله للحصول على معرفة تامة أو علم تام عن الحقائق فإنه لا يتمكن من الوصول الى ذلك أبدا؛ لمحدودية قدرة الانسان وطاقته.
ويبدو أن الفيلسوف الألماني (عمانوئيل كانت المتوفى 1804) كان أبرز من رأى هذا الرأي في العصر الحديث, إذ ذهب الى اختلاف الشيء في ذاته عمّا هو في وعينا وإدراكنا, فالمعرفة الإنسانية عنده تتعلق بتكوين العقل الإنساني الذي لا يمكنه أن يصل الى الحقيقة أو المعرفة المطلقة, ويذكر (كانت) في مدخل كتابه "نقد العقل المحض" ما مفاده أن معرفتنا كلها تبدأ بلا شك من الخبرة؛ لأنه كيف تستيقظ ملكة معرفتنا وتؤدي عملها ما لم تؤثر الأشياء في حواسنا, ليس لدينا معرفة سابقة زمنيا على الخبرة, ومن الخبرة تأتي كل معرفتنا. لكن بالرغم من أن معرفتنا تبدأ من الخبرة فلا يلزم أنها مشتقة جميعا من الخبرة, إذ تتألف معرفتنا ـ حتى التجريبية منها ـ مما نستقبله من انطباعات ومما تضيفه عقولنا في ذاتها . 
وتتلخص نظرية (كانت) بالقول أن الشيء في ذاته أو في الواقع يختلف عمّا هو في تصورنا وإدراكنا, فعندما تقوم الحواس بنقل ما تمّ تحسسه إلى العقل فإن العقل سيفسر ذلك المحسوس وفق الأطر والسياقات الفكرية التي اُودعت فيه, أي من خلال القوالب المسبقة وضمن المنظومة المعرفية التي خبرها واستحصل عليها وفق تجارب الحياة وما تهيّأ له, وبالتالي فليس بالضرورة أن يتطابق الواقع الخارجي وما انعكس عنه على صفحة العقل البشري, فالإدراك شيء والمُدرك صورة مقاربة له غير مطابقة.
وقد قسّم كانت المعارف الى أقسام ثلاث: الرياضيات والميتافيزيقيا والطبيعيات, فالرياضيات موضوعات ترتبط بالذهن الانساني بشكل محض ومخلوقة من العقل مباشرة, ولا علاقة للحس والتجربة في تحديد تلك المفاهيم الرياضية, فهي فطرية ذات أحكام يقينية؛ فلا دخالة لغير العقل البشري فيها, والرياضيات عنده تتضمّن نقطتين: الأولى أن الكميات لا وجود لها في الخارج, وأن وجودها منحصر في الذهن فقط, والثانية تذهب الى أن المفاهيم الرياضية تتولّد من العقل بلا واسطة, ولا تعتمد على الحسّ إطلاقا . وبذلك فإن أحكام العقل الإنساني الرياضية جميعها أحكام تركيبية أولية تسبق التجربة والحس؛ لأنها تعالج موضوعات فطرية محلها النفس البشرية. أما الميتافيزيقيا فيرى كانت فيها استحالة التوصل الى معرفة عن طريق العقل النظري, وأي محاولة لبناء معرفة ميتافيزيقية على أساس فلسفي هي محاولة فاشلة لا قيمة لها, ولا يصح فيها شيء من الأحكام التركيبية الأولية والثانوية على السواء, فكانت يرى في مسائل الفلسفة أنها لا يمكن أن تضع موضوعا للعلم, وما قيل بشأنها حتى الآن ليس علما وإنما هي مجرد ألفاظ مؤلفة, فحصول العلم يتوقف على شروط عديدة لا تتوافر في الفلسفة الأولى, فأحكام العلوم الرياضية عند كانت هي أحكام تركيبية أولية وهي ذات قيمة مطلقة, والأحكام التي تقوم على التجربة في العلوم الطبيعية أحكام تركيبية ثانوية والمعرفة فيها لا يمكن أن تكون أكثر من معرفة نسبية . فيرى كانت في الطبيعيات أن الذهن لا يدرك من الطبيعة إلا ظواهرها, وموضوع العلوم الطبيعية هي تلك الظواهر المستمدة من الطبيعة, وأحكامها تركيبية ثانوية؛ لأنها تستند على دراسة الظواهر الموضوعية للطبيعة التي تُدرك من خلال التجربة, ولو حللنا الأحكام التركيبية الثانوية عقليا لوجدنا أنها مركبة من عنصرين: الأول تجريبي والآخر عقلي, فالتجريبي يمثل الإحساسات المستوردة عن طريق التجربة من الواقع الخارجي بعد أن سكبها الحس الصوري في قالبي الزمان والمكان, أما العنصر العقلي فهو الرابطة الذهنية الفطرية التي يسبغها عقل الإنسان على المدركات الحسية؛ ليتكون من خلال ذلك العلم والمعرفة العقلية . وهو ما يعني أن المعرفة عبارة عن مزيج من الذاتية والموضوعية, ذاتية في الصورة العقلية المودعة فطريا في الذهن البشري, وموضوعية في المادة التي خضعت للتجربة والحاسة, فهي مزيج من صورة المادة التجريبية في الخارج وإحدى الصور العقلية الموجودة فطريا في العقل, كما هو الحال في تمدد الفلزات وغليان السوائل, فالتجربة تمدّنا بتلك الظواهر المشاهدة في الواقع, ومن دونها لا نستطيع ادراك تلك الظواهر, أما الصور العقلية الفطرية أي سببية الظاهرة فهي ليست تجريبية, بل مردها الى مقولة العلية, التي هي مقولة من مقولات العقل الفطرية, ولو لم نكن نمتلك تلك الصورة المسبقة لما تكوّنت لدينا معرفة, كما لو أننا لم نستطع الحصول على المواد الفلزية التي تظهر عليها حالة التمدد وكذا السوائل, وهذا يعني أن المعرفة تولد من خلال تفاعل العقل مع الموضوعات التجريبية ضمن أنساقه وقوالبه وإطاراته, وتبعا لذلك فإن المعرفة نسبية, ولا يستطيع الإنسان أن يعرف الأشياء كما هي في ذاتها, بل ما يعرفه هو الظواهر فقط, أي كما تبدو الأشياء لعقلنا عن طريق قوانينه, فالعقل يفرض قوانينه على الأشياء, وهي قوانين الزمان والمكان وسائر المقولات الاثني عشر التي قال بها كانت.
والعالم الذي نعرفه حسب كانت هو عالم تجربتنا, أي العالم القائم في مكان وزمان, الذي تترابط أجزاؤه تبعا لقانوني العلية والجوهر, لكن عندما نقول أننا نعرف هذا العالم فإننا لا نعني أن هذه المعرفة قد تحققت بوساطة الاحساسات كما يقول التجريبيون, أو اعتمادا على الأفكار الفطرية كما يذكر أفلاطون وديكارت, ولكن ما نعنيه هو أننا نحن الذين أنشأنا هذه المعرفة فعلا, ومن ثم علينا استبعاد القول أن التجربة هي من تفسر العقل لأنها من انشائه, فانتهى كانت الى أن المعرفة من صنع الانسان . وبالتالي فهي نسبية.
كما كان لـ (وليم هاميلتون المتوفى 1856) أثر في نسبية المعرفة, لأن مبدأه أن (التفكير شرط), وذلك من ثلاثة وجوه: الأول: أن المعرفة تقوم على نسبة بين حدين يجمع بينهما الحكم. الثاني: المعرفة تقوم على نسبة بين ذات عارفة وموضوع معروف يحد أحدهما الآخر. الثالث: المعرفة تقوم على نسبة بين جوهر وعرض, فيدرك الجوهر بالعرض سواء أكان العرض ذاتيا للجوهر أو خارجيا كالزمان والمكان .
ونجد أيضا الفيلسوف الفرنسي (أوكست كونت المتوفى سنة 1857) يقرر أن العقل الانساني قد مر بثلاث مراحل: الأولى المرحلة اللاهوتية الدينية وهي مرحلة الطفولة الفكرية التي يبحث فيها الإنسان عن الكائنات وأصلها ومآلها, وهنا كان العقل البشري يُرجع كل الظواهر والأحداث الى مبدأ غيبي بعيد عن الطبيعة, والمعرفة في هذه المرحلة كانت عيال على المعجزات والسحر والتنجيم وما الى ذلك, وفيها ميل الى تشخيص القوى والأشياء بما نتج عنه تعدد في الآلهة الذين ملكوا زمام السلطة والأمور في الكون, يسخّرون قوى الطبيعة كيف ما يشاؤون . والمرحلة الثانية سمّاها المرحلة الميتافيزيقية (ما وراء الطبيعة) وهي تمثل مرحلة المراهقة وبداية الشباب في الفكر الإنساني, التي استمر فيها الإنسان في البحث عن طبائع الأشياء في مبدأها ومصيرها, ومال الإنسان الى الاعتماد على نفسه في الحصول على المعارف بدلا من الاعتماد على الغيب, وخير ما يمثل هذه المرحلة هو التفكير اليوناني الفلسفي, مثلا استعاض البشر هنا عن الآلهة بالمبادئ الميتافيزيقية كما حدث لأفلاطون مع فكرة الله, وأرسطو مع فكرة المحرك الأول, أي أن المرحلة الثانية اختلفت عن الأولى من ناحية الموضوع, وهما يختلفان أيضا في المنهج, فهذه المرحلة منهجها الاستدلال في حين أن المرحلة اللاهوتية منهجها الخيال, وكما تختلف هذه المرحلة عن سابقتها بالموضوع والمنهج تختلف عنها كذلك في التفسير, فالمرحلة الأولى وصلت الى أوجها في الكثلكة بتفسيرها للطبيعة في فكرة الإله الواحد المدبر لكل شيء بإرادته, أما المرحلة الثانية فقد وضعت قوى ومعاني موضوعية مكان الإرادات المتغيرة, وهنا ضعفت سلطة القوى المفارقة لحساب سلطة القوانين الطبيعية, وبهذا يمكن لنا أن نقول أن المرحلتين اللاهوتية والميتافيزيقية متفقتان باتخاذهما المطلق موضوعا من الناحية النظرية وإن اختلف مصداقه لدى كل مرحلة, لكنهما مختلفان في المنهج والتفسير والنتائج العملية وكلا المرحلتين يعتبران الملاحظة ثانوية . أما المرحلة الثالثة (مرحلة النضج) وهي المرحلة الوضعية العلمية, وهي تختلف عن سابقتيها في الموضوع والمنهج والتفسير, فالاختلاف في الموضوع نلحظ أن الوضعية العلمية أدرك فيها العقل أنه ليس بإمكانه أن يتوصل الى المعارف المطلقة, لذلك ترك بحثه عن مبدأ العالم ومصدره وغايته وما الى ذلك, وانصرف بجهده الى استعمال الملاحظة والتجريب والاستدلال في الكشف عن القوانين  والظواهر وترتيبها, وهو ما أدى الى تطور العلوم وتقدم العالم؛ لأنه تخلّى عن صرف الجهد ومضيعة الوقت ـ بحسب أنصار هذا المذهب ـ في قضايا ليست واقعية وغير خاضعة للتجربة والإحساس, وبذلك تتحقق للإنسان معرفة وضعية علمية . أما منهج هذه المرحلة يعتمد ـ كما ذكرنا ـ على الملاحظة والتجربة المؤدية الى معارق حقيقية, والتفسير هنا تستعيض به هذه المرحلة عن علل الكون المختلف في تحديدها بالقوانين التي هي العلاقات بين الظواهر . 
ويرى كونت ان القوانين ليست مطلقة ضرورة, ومشاهدة قوانين تجري في كل زمان ومكان يحتاج الى مشاهدة كل مصاديقها التي وقعت وممكن أن تقع, وهذا الأمر مستحيل ما دامت المشاهدة محدودة, وبالتالي فليس بإمكاننا الوصول الى خارج دائرة الملاحظة العلمية, إضافة الى أن التفكير العلمي تفكير نسبي لأنه مرتبط بتكوين الإنسان العضوي, فالقوانين بنظر كونت مهما بلغت من الدقة فهي لا تعدو أن تكون تقريبية نسبية, على الرغم مما قدّمته وما زالت من خدمات جليلة للبشرية . فإذا كانت العلوم التجريبية بهذه النسبية وعدم الثبات فمن باب أولى أن يكون فهم الانسان نسبيا وغير ثابت على منوال واحد.
أما الفيلسوف الألماني (فردريش ويلهلم نيتشه المتوفى سنة 1900) فقد كان يعتقد بأن الواقع والحقيقة لا يمكن أن تُدرك, وما يأتينا من أفهام عن تلك الواقعيات والحقائق ما هي إلا خرافات متأثرة بتأويلات عقولنا وأنساقنا الفكرية المسبقة, وهي على ما يبدو عملية تجري بلا شعور من الإنسان, ويذهب نيتشه الى أن مقولات العقل التي تعتبر أساس تشكيل قدراتنا على الفهم والإدراك ما هي إلا أساطير, وأن نصيبها من الواقع لا يتعدى تلك النظرات المنطقية التي تظهر لنا على أنها حقائق ضرورية . 
وهذا يعني أن نيتشه يعتقد بأن التجارب التي نمر بها والأوهام التي نرتشفها من الواقع لها جنبة تأويلية وعلى الأقل جنبة تفسيرية, ويذهب الى أنه ليس هنالك وجود للواقعيات, بل كل ما هو موجود لدينا من معرفة داخل عقولنا هو تفاسير لتلك الواقعيات, وهذا يعني أن أفق التفسير لا تنحصر في العلوم التفسيرية الصرفة, نظير تفسير الكتب المقدسة وكتب اللغة الكلاسيكية والحقوق, بل لابد من ملاحظة جميع علوم الشخص وأنساقه المعرفية وايديولوجياته وتوجهاته الفكرية . فكل ماهية يؤثر فيها الجهاز الإدراكي للإنسان من جهة, والبيئة المكانية والزمانية تؤثر في كيفية ظهوره للشخص المُدرِك من جهة أخرى, وبهذا فكل فرد يدرك أي شيء بشكل يختلف عن الفرد الآخر وهكذا, بل اشخص الواحد يدرك بنحوين مختلفين في حالتين من أحواله .
وبذلك فقد ساهمت نسبية المعرفة في دفع فكرة التعددية الدينية الى الإمام, من خلال نسبية الفهم والمعرفة الدينية التي تكون متغيرة من شخص الى آخر؛ لتفرّد كل شخص بنسق فكري خاص به.
--------------------------

[1] ـ ينظر: التعريفات, الجرجاني: 122.

[2] ـ ينظر: المعجم الفلسفي, جميل صليبا: 2/ 392 ـ 394.

[3] ـ ينظر: موسوعة لالاند الفلسفية, اندريه لالاند, المجلد3, تعريب: خليل أحمد خليل: 1201 ـ 1204.

[4] ـ أسس الفلسفة والمذهب الواقعي, محمد حسين الطباطبائي: 195.

[5] ـ ينظر: نقد العقل المحض, عمانوئيل كانت, ترجمة: أحمد الشيباني: 47.

[6] ـ ينظر: أسس الفلسفة والمذهب الواقعي, محمد حسين الطباطبائي: 206.

[7] ـ ينظر: فلسفتنا, محمد باقر الصدر: 138.

[8]ـ ينظر: المصدر نفسه: 136.

[9] ينظر: طريق الفيلسوف, جان فال, ترجمة: أحمد حمدي محمود: 273.

[10] ـ ينظر: تاريخ الفلسفة الحديثة, يوسف كرم: 337.

[11] ـ ينظر: مدخل نقدي لدراسة الفلسفة, محمد عبد الله الشرقاوي: 155 ـ 156.

[12] ـ ينظر: الفكر المادي الحديث وموقف الإسلام منه, محمود عبد الكريم عثمان: 84 ـ 85.

المزيد

إتصل بنا

ENGLISH

بحث في العناوين     بحث في المحتوى     بحث في اسماء الكتب     بحث في اسماء المؤلفين

القرأن الكريم وعلومه
العقائد الأسلامية
الفقه الأسلامي
علم الرجال
السيرة النبوية
الاخلاق والادعية
اللغة العربية وعلومها
الأدب العربي
الأسرة والمجتمع
التاريخ
الأدارة والاقتصاد
علم الفيزياء
علم الكيمياء
علم الأحياء
الرياضيات
الزراعة
الجغرافية
القانون
الإعلام

رمز الامان : 3195