مضامين حصر القبض والبسط بيد الله
المؤلف:
الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي
المصدر:
تسنيم في تفسير القران الكريم
الجزء والصفحة:
ج11، ص590-591
2026-10-20
160
إن إشارة القرآن الكريم إلى مبدأ مالكية الله لقبـض الـعـالم وبسطه: (وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ) [البقرة: 245] تجعل الوعد السابق بالأجر المضاعف مقروناً بالتهديد، فهـو يحذر البخلاء الذين لا ينفقون من إمكانية أن يسلبهم الله أموالهم ويجعلهم في ضيق من العيش. كما أنّ هذه الإشارة للقبض والبسط الإلهي ومرجعية الناس إلى الله هي ترغيب للمؤمنين على الإنفاق من خلال إبلاغهم أن الفقر والغنى بيد الله، وأن الإنفاق في سبيل الله لا يجعلهم فقراء، حيث إن عملهم للخير لن يمر دون تعويض.
وحصر القبض والبسط بيد الله (وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ) [البقرة: 245] يشبه حصر الإحياء والإماتة بيده من أجل تبيين التوحيد الخالص في جميع شؤون الحياة؛ لأن محور التوحيد يقضي بعدم قدرة البخل على حفظ المال، وعدم سببية إعطاء القرض الحسن لزواله؛ إذ القبض والبسط ليسا إلا بيد الإرادة الإلهية، لا نتيجة للبخل والسخاء، وإن كان الله سبحانه يقبض عن طريق البخل، ويبسط عن طريق السخاء.
أما معنى قابضيّة الله وباسطيّته فليس هو أن الله يعطي أحياناً، ولا يعطي أحياناً أخرى؛ بل إنّ الله تعالى ليست له يد قابضة وجامعة أصلاً، فهو في حالة إفاضة دائمة: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ) [المائدة: 64] وهذا الكلام ينطبق أيضاً على الأوصاف الإلهية (الرحيم) و(الغضبان) و(الرؤوف) و(المنتقم)؛ حيث إن رحمة الله العامة تشمل كل العالم، وهي رحمة ليس لها من مقابل: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) [الأعراف: 156].
وبناءً على هذا ففي مرحلة القبض يكون الإنسان نفسه هو الذي يضيق على نفسه، وهو الذي لا يستطيع أن يستفيض من الله الدائم البسط: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ) [الشورى: 27].
توضيح ذلك أنّ المبدأ الفاعلي. مرّة. لا يمتلك القدرة على التوسعة والبسط، وذلك بسبب العجز أو الضعف أو الفقدان وما شابهها من الأوصاف السلبية، فيكون محكوماً بالقبض لهذا السبب. ومرة يكون المبدأ الفاعلي نفسه في جميع الأحوال، فلا سبيل إلى أي نقص في ساحة كبريائه وحدود قدرتـه اللامتناهية؛ إلّا أنّ المبدأ القابلي ليس مستعداً لاستلام الفيض الواسع للفياض المطلق. وما يظهر من الآية الأخيرة هو أنّ بعض الأفراد يستفيدون بصورة سيئة من انبساط العطاء، فيغطسون في الجور والظلم والبغي بدلاً من الفكر والذكر والشكر، وهذه الفئة تُبتلى بالقبض بسبب قصورها عن الاستفاضة من البسط الإلهي، وإلا فلا قبض من جهة الله المنّان.
تنبيه: يجب الانتباه إلى أنّ القبض كان دائماً -ولا يزال- مسبوقاً بالبسط؛ لكن البسط أحياناً يكون ابتدائياً وأحياناً مسبوقاً بالقبض. والسر في هذا التفاوت يكمن في سعة الرحمة وإمامتها للقهر والغضب وأمثالهما، كما قال الإمام السجاد عليه السلام: أنت الذي تسعى رحمته أمام غضبه[1].
[1] الصحيفة السجّاديّة، ص 150، الدعاء 16
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في مقالات قرآنية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة