يحرم الزواج على النساء اللاتي في فترة العدّة، ويجب عليهن الصبر حتى نهايتها. كما يحرم على الرجال إجراء عقد النكاح مع النساء في فترة العدّة: (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ) [البقرة: 235] لأن النهي ظاهر في الحرمة، على الرغم من تمكن الرجال من أخذ موافقة النساء المذكورات ـ تعريضاً ـ على الزواج بعد انتهاء فترة العدة.
ولا بد من الإشارة إلى أن (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ) [البقرة: 235] هي في الحقيقة نهي عن إجراء عقد النكاح لا عن النية في الزواج؛ لأنّ ما يفهمـه الـعـرف في موارد النهي عن نية أحد الأعمال هو النهي عن تنفيذ ذلك العمل، وفي مثل هذه الموارد يكون فهم العرف حجّة، مثلما هو الحال في بحث (الإيلاء) عندما ورد الحديث عن التصميم على الطلاق: (وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 227] حيث يفهم من ذلك وقوع الطلاق، لا مجرد التصميم عليه.
إن النية على الزواج مع النساء المعتدّات ليست حراماً؛ لأن النية أمر نفساني، وهي هنا مجرد مقدّمة لزواج محرم ووفقا للروايات العديدة لا تترتب الحرمة الفقهية على مجرد النية على المعصية قبل العمل[1]. وهذا لا ينفي قبح ذلـك مـن الناحية الأخلاقية، وما يتركه من آثار سلبية على الروح، وكونه سبباً في سقوط الإنسان من المقامات المعنوية والدرجات العالية.
إذن، فالنهي عن التصميم على الزواج هو بسبب أهمية الموضوع؛ حيث يمكن ألا يتوفّر المانع بين العزم على الفعل والتحقق الخارجي له، فيقع الإنسان في ورطة ارتكاب الزواج المحرّم. وهذا يشبه النهي عن الاقتراب من الفواحش: (وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) [الأنعام: 151] والنهي عن الاقتراب من مال اليتيم: (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) [الأنعام: 152] حيث إِنْ الذي يحرم في مثل هذه الموارد هو ارتكاب الفواحش والتصرف ظلماً في مال اليتيم، لكن لما كان الإنسان يحبّ المال حبّاً جماً، ولما كان اليتيم في الغالب عاجزا عن الدفاع عن أمواله؛ جاء النهي عن التقرب من مال اليتيم؛ زيادة في الاحتياط وسدّاً لباب ارتكاب الشخص لهذا التصرف المحرم.
واجتناب الزواج مع النساء في فترة العدّة هو من الأهمية بمكان بحيث إنّ الله سبحانه هدّد من تحدّثه نفسه بالإقدام على مثل هذه الأعمال، فقال: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ) [البقرة: 235] وهذا التهديد هو قرينـة أيـضـاً على أنّ النهي في (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ) [البقرة: 235] هو نهي عن الزواج.
وقد دعا ما ورد من تحريم مجرّد العزم على عقد النكاح في الآية التـي هـي مورد البحث ـ وهو من الموارد القليلة التي ورد فيها التحريم على مجرد إرادة المعصية. إلى أن يقول بعض المفسرين: إنني لا أعرف ـ لا في القرآن، ولا في السنة. مؤاخذة على مجرد الإرادة النفسية، سوى ما ورد في آيتين، هما آية (وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) [الحج: 25] والآية التي هي مورد البحث[2].
ولا شك في أن هناك فرقاً بين المنع الكلامي والأخلاقي، والمنع الفقهي.
[1] راجع: وسائل الشيعة، ج 1، ص 57-58.
[2] رحمة من الرحمن، ج 1، ص 355.