1. متوفي الأرواح: تشتق مفردة (توفّى) من الوفاء لا من الفوت، وتعني الأخذ التام الذي لا يُبقي شيئاً من المتوفّى ويضع تمام حقيقته تحت تصرف المتوفّي ـ بكسر الفاء ـ الذي تصرح الآيات العديدة في القرآن بأنه هو الله: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) [الزمر: 42]، و(وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ) [الأنعام: 60].
وقالوا إن أبا الأسود الدؤلي كان مشاركاً في تشييع إحدى الجنائز فسأله أحد الأشخاص قائلاً: من المتوفّي. بالكسر؟ وكان يقصد بسؤاله أن يعرف من هـو الميت. وكان جواب أبو الأسود أنه هو الله تعالى؛ بمعنى أن المتوفي. بالكسر للفاء، إسم فاعل. هو ذلك الذي يقبض الروح، أما، أمّا الشخص الذي مات فهو المتوفى (بالفتح للفاء). ولما أخبر الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بهذا الخطأ الشائع لدى الناس أمر بتدوين القواعد الأدبية من صرف ونحو و... .
ورغم أن قواعد النحو قد تمّ تدوينها في الكشاف وأمثاله، إلّا أنّ الزمخشري يقول: إن ما نُقل عن أبي الأسود يتناقض مع ما نُقل عن الإمام علي عليه السلام نفسه من أنه قرأ الآية التي هي مورد البحث بصيغة الفعل المعلوم (يَتوفّون)، لا الفعل المجهول[1].
وقد أجاب السكاكي عن ما وقع فيه الزمخشري من تهافت موهوم بالقول إننا لو قرأنا (يُتَوَفون) بصيغة الفعل المعلوم (يَتَوفون) لكانت بمعنى (يستوفون آجالهم)، أي إنّ التوفّي هو بمعنى استيفاء كامل مدّة العمر، والتوفّي بهذا المعنى يصدق على الإنسان، وأنّ ذلك الشخص الذي سأل عن المتوفي في تشييع الجنازة لم يكن مطلعاً على هذا المطلب[2].
إن الذي يظهر من القرآن الحكيم هو أنّ المتوفّي. بالكسر ـ هو الله، وإذا نُسب إلى غير الله - كعزرائيل عليه السلام والملائكة الذين بأمره ـ فالجميع بإذن الله.
2. الفروق بين عدة الوفاة وعدة الطلاق: هناك بعض الفروق بين عدة الوفاة وعدة الطلاق، وهو:
1. إن عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام بينها عدة الطلاق ليست واحدة ومشتركة لجميع النساء، وقد مرّ شرحها في تفسير الآيات سابقاً.
2. تبدأ عدة الوفاة من حين وصول خبر موت الزوج، بينما تبدأ عدة الطلاق من حين وقوع الطلاق.
3. إن حكمة عدة الطلاق تكمن في الاطمئنان بعدم وجود الحمل، ومن هنا لا تجب عدة الطلاق على النساء غير البالغات واليائسات وغير المدخول بهن، كما أن اطلاع أو عدم اطلاع المرأة على وقوع الطلاق ليس له دخل في زمان ابتداء العدّة؛ بينما يختلف الأمر في عدة الوفاة إذ يجب على جميع النساء اللاتي يصدق عليهن عنوان الزوجة أن يصبرن أربعة أشهر وعشرة أيام من زمان سماع الخبر، كما تترتب عليهن في هذه الأيام أحكام تكليفية كوجوب الحداد وترك كل أنواع الزينة، وهي أحكام تجب مراعاتها من حين الاطلاع على وفاة الزوج. ويمكن أن تكون الحكمة في ذلك هي إحياء آثار الموعظة والاعتبار بالموت من ناحية، وحفظ حرمة المؤمن من ناحية أخرى، وملاحظة مدة قابليـة المرأة على الصبر ـ التي لا تزيد على أربعة أشهر، والتي أُضيف إليها عشرة أيام من باب الحكمة لا من باب الفقه. من ناحية ثالثة. وقد سبق أن بحثنا مدة الصبر في مبحث الإيلاء[3].
4. يُكره إخراج وخروج المرأة في عدّة الوفاة من منزل زوجها المتوفى[4]؛ بينما يحرم ذلك في عدّة الطلاق الرجعي (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ) [الطلاق: 1] وذلك للتأثير المهم للمسائل العاطفية والأمل بالعودة إلى الحياة المشتركة ورعاية مصلحة الأطفال الذين لا راعي لهم و... على ما يمكن أن تؤول إليه عدة الطلاق.
[1] الكشاف عن حقائق التنزيل، ج 1، ص 282.
[2] راجع: روح المعاني، ج 2، ص 224.
[3] تسنیم، ج 10، ص 441-444.
[4] سورة البقرة، الآية 240.