يُعد التعامل مع المراهقين فنا تربويا يحتاج إلى مهارات وأساليب متوازنة، تساهم في بناء علاقة قائمة على الفهم، والثقة، والتوجيه السليم. ومن خلال هذه المهارات، يتمكن المربي من تحقيق تواصل فعال، وتوجيه سلوك المراهق دون صدام أو قمع مما يساعد في تكوين شخصيته بشكل إيجابي ومتزن.
وهناك العديد من المهارات التي ينبغي إتقانها في هذا المجال نذكر منها الآتي:
ـ التربية بالقدوة بدلاً من التوجيه
من الخصائص المهمة لمرحلة المراهقة؛ هي ظاهرة المحاكاة، فالمراهق يدقق في خصوصيات الوالدين وسلوكياتهما، ويحاول محاكاتها والاتصاف بها في حياته الشخصية. من هنا، فإن فشل الأبناء في أسرهم في العثور على الصفات والخصال التي ترضيهم في أبويهم سوف يدفعهم للجوء إلى الآخرين؛ ليقتبسوا منهم الخصال والصفات التي يرغبون بتقليدها ومحاكاتها في حياتهم.
لذا، على الوالدين من أجل سلامة المراهق النفسية والنمو الصحيح والمتوازن لشخصيته، أن يسعوا إلى الاتصاف بالصفات الشخصية الإيجابية والمحببة عند أولادهم المراهقين بعبارة أخرى عليهم أن يستعدوا مسبقاً لهذه المرحلة، ويزيلوا ما أمكنهم من النواقص والعيوب في شخصيتهم، ويبدلوها بصفات وخصال متوازنة وناضجة؛ ليكونوا بذلك قدوة وأسوة حسنة لأولادهم في المستقبل(1).
إن التربية بالقدوة هي أسلوب تربوي يعتمد على التأثير غير المباشر من خلال السلوك الفعلي للوالدين والمربين، بحيث يصبحون نموذجا يحتذى به، بدلًا من الاكتفاء بإلقاء التوجيهات والنصائح اللفظية، روي عن الإمام الصادق (عَلَيْهِ السَّلَامُ): ((كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم، ليروا منكم الورع والاجتهاد والصلاة والخير، فإن ذلك داعية))(2).
فالأبناء، وخاصة المراهقين، يتأثرون بالسلوكيات الواقعية أكثر من الكلمات، حيث تنعكس القيم والمبادئ في التصرفات اليومية، مما يسهل عملية ترسيخها في وجدان الأبناء.
روي عن الإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ): ((من نصب نفسه للناس إماما فعليه أن يبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه ومعلم نفسه ومؤدبها أحق بالإجلال من معلم الناس ومؤدبهم))(3).
السؤال المطروح هو كيف يمكن اكتساب مهارة التربية بالقدوة؟
الجواب: يمكن للوالدين والمربين اكتساب هذه المهارة من خلال عدة طرق، منها:
1ـ جعل الأخلاق الحميدة سلوكا يوميًا وليس مجرد كلام يقال،
مثال: لا يمكن للأب أن يطلب من ابنه التحلي بالصبر والهدوء إذا كان هو نفسه سريع الغضب ويتعامل بعصبية مع المواقف اليومية. فإذا أراد الابن أن يتعلم ضبط النفس، يجب أن يرى ذلك في والده أولا.
2ـ الالتزام بالقيم التي يُراد غرسها في الأبناء،
مثال: إذا أرادت الأم أن تغرس في ابنتها حب القراءة، فلا يكفي أن تحثّها على ذلك بالكلام فقط، بل يجب أن تراها ابنتها تمارس عادة القراءة بانتظام، مما يجعلها تدرك أهمية هذا السلوك وتتبناه.
3ـ تجنب التناقض بين الأقوال والأفعال،
مثال: الأب الذي يدخن لا يمكنه أن يكون قدوة فعالة لابنه حين ينصحه بالابتعاد عن التدخين، لأن سلوكه الفعلي يناقض ما يقوله. المراهق سيشعر بعدم المصداقية وسيتجاهل النصيحة.
4ـ إظهار الاحترام المتبادل داخل الأسرة،
مثال: عندما يشاهد المراهق والديه يتحدثان مع بعضهما بود واحترام، سيتعلم كيفية التعامل مع الآخرين بنفس الأسلوب، أما إذا رأى العكس، فسيتأثر بسلوكيات التنافر والصراخ.
5ـ تقديم نماذج مشرقة من الشخصيات القدوة
مثال: يمكن للوالدين سرد قصص عن شخصيات عظيمة كالإمام علي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) في شبابه، حيث كان نموذجا للشجاعة والتقوى، مما يُلهم الأبناء لمحاكاة تلك القيم.
6ـ تعزيز الروابط العائلية من خلال الانسجام بين الوالدين،
مثال: عندما يعيش المراهق في بيئة يسودها التفاهم بين والديه، يشعر بالأمان والاستقرار النفسي، مما ينعكس إيجابًا على سلوكه، بينما الخلافات المستمرة بين الأبوين تشعره بعدم الاتزان العاطفي.
7ـ ملء وقت فراغ الأبناء بنشاطات تربوية مفيدة،
مثال: بدلاً من مطالبة الأبناء بعدم إضاعة وقتهم في الهواتف، يمكن للوالدين مشاركتهم في أنشطة هادفة مثل: قراءة كتاب يومي أو ممارسة الرياضة سويا.
إن الآثار الإيجابية المترتبة على تطبيق التربية بالقدوة عديدة، نذكر منها الآتي:
* زيادة التأثير الإيجابي في الأبناء، لأنهم يميلون لتقليد من يحبونهم ويثقون بهم.
* تعزيز المصداقية بين الوالدين والأبناء، مما يجعل النصائح أكثر قبولا لديهم.
* غرس القيم والسلوكيات الصحيحة في الأبناء بشكل تلقائي ومستمر دون الحاجة إلى التوجيه المستمر.
* تعزيز احترام الأبناء للوالدين، لأنهم يرون فيهم نموذجا عمليا يستحق الاقتداء.
* بناء شخصية متزنة ومستقرة للأبناء، حيث يستمدون سلوكياتهم من قدوات إيجابية بدلاً من التأثر ببيئات خارجية غير مناسبة.
أما الآثار السلبية المترتبة على إهمال التربية بالقدوة فهي كالآتي:
* انعدام المصداقية بين الوالدين والأبناء، مما يجعل نصائحهم غير مؤثرة.
* بحث الأبناء عن قدوات بديلة خارج الأسرة، وقد تكون هذه القدوات غير صالحة.
* انتشار التناقض في شخصية الأبناء، حيث يتعلمون قول شيء وفعل عكسه.
* زيادة احتمالية الانحراف السلوكي، لأن الأبناء يتبنون عادات وسلوكيات غير مرغوبة من مصادر غير موثوقة.
* ضعف العلاقة بين الوالدين والأبناء، مما يؤدي إلى فجوة تواصلية يصعب تجاوزها لاحقا.
نستنج مما تقدم: إن التربية بالقدوة هي الأساس الفعلي في تنشئة الأبناء بشكل صحيح، فهي لا تعتمد على الإملاء المباشر بل على التأثير العملي المستمر. لذلك، فإن كل والد أو مربي يجب أن يحرص على أن يكون نموذجا يحتذى به، لأن الأبناء يتعلمون مما يرونه أكثر مما يسمعونه.
_________________________________
(1) التربية الأسرية - مركز نون للتأليف والترجمة - ص 174.
(2) ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج 4 - ص 3602.
(3) وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي - ج 16 - ص 151.