في اليوم الأول من رحلةٍ أثرية جديدة إلى كركميش في عام 2011، عثر نيكولو ماركيتي، من جامعة بولونيا، على لوحةٍ حجرية من البازلت، عليها نقوش. وكانت اللوحة قد أُقيمَت في الأصل في الموقع قبل ثلاثة آلاف عام، في القرن العاشر قبل الميلاد، على يد ملكٍ، من ملوك الحيثيين الجُدد، أطلق على نفسه اسمَ سوهي، «حاكم مدينة كركميش، وسيدها».
وكان ماركيتي يُجري مسحًا للموقع بنفسه في ذلك اليوم. ولأنَّ الموقع يقع على الحدود بين سوريا وتركيا المُعاصرتَين، فقد كانت هذه هي المرة الأولى التي يُسمَح فيها لأثريين بالعمل رسميًّا في الموقع منذ الموسم الأخير الذي عمل فيه الأثريون البريطانيون قبل قرن تقريبًا، في عام 1920. ومنذ ذلك الحين، قُسِّم المَوقع بين البلدَين في أعقاب حرب الاستقلال التركية، حيث يقع خمسة وخمسون هكتارًا من الموقع في تركيا وخمسة وثلاثون هكتارًا في سوريا.1
كان الجيش التركي قد أنشأ نقطةَ مراقبة مباشِرة، على الجزء الخاص بالأتراك من الموقع؛ وفي عام 1956، عندما كانت المنطقة مليئةً بالمُهرِّبين، زُرِعَت ألغامٌ مضادة للأفراد ومضادة للدبابات على طول الحدود في شريطٍ عرضُه ثلاثمائة إلى خمسمائة متر (ويمتدُّ لمسافة خمسمائة كيلومتر). ولذلك، قبل أن يُتاح البدء في الاستكشافات الأثرية الجديدة، كان لا بدَّ من إزالة الألغام من المنطقة. عندما بدأ ماركيتي مسْحَه الأثري، قيل له إنَّ الموقع من المؤكَّد أنه خالٍ من الألغام بنسبة 99٫6 في المائة. ومع ذلك، فإن هذا يعني، كما لاحظ «من بين ألفِ لغَم، هناك خطر إحصائي مُتبقٍّ يتمثل في تجاهُل 4 منها.» ولهذا السبب، عندما بدأ أفراد الفريق أخيرًا في التنقيب، وظَّفوا خبراء في إزالة الألغام للتحقُّق مرةً أخرى من المناطق التي كانوا يُخططون للحفر فيها.2
كان ارتفاع اللوحة المنقوشة التي عَثرَ عليها ماركيتي في ذلك اليوم نحوَ مِترَين في الأصل. كان قد أمر ببنائها سوهي الأول تخليدًا لحلِّ نزاعٍ بين أورا-تارهونتا، الملك العظيم لأرض كركميش، و«أرض سورا»، والتي عادةً ما يُنظر إليها على أنها إشارةٌ إلى آشور، الأمر الذي يبدو أنه حدَثَ في وقتٍ سابق.3 ونصُّ النقش كما يلي: «الملك العظيم أورا-تارهونتا، الملك العظيم، والبطل، ملك أرض كركميش، ابن سابازيتي، الملك العظيم، والبطل. نشأ نزاعٌ بينه وبين أرض سورا، وواجه جيشهم. [قَدَّم] إله العواصف العظيم و[الإلهة] كوبابا للملك أورا-تارهونتا حماية قوية، وأعطاه الدعم والقوة؛ ممَّا مكَّنه من حلِّ النزاع بنفسه. ونَصَبَ سوهي، قريبُ الملك أورا-تارهونتا العزيز، حاكم مدينة كركميش وسيدها، هذا النُّصبَ التذكاري.»4
يُعتبر هذا حاليًّا أقدَمَ نقشٍ من العصر الحديدي يُعثَر عليه في موقع كركميش. ومن المُثير للاهتمام أنَّ هذا النقش نسخةٌ طِبق الأصل تقريبًا من نقشٍ آخَر عَثَر عليه الأثريون البريطانيون في الموقع قبل ذلك بكثير، ولكنْ يبدو أنَّ أحد أبناء سوهي الأوَّل كان قد نصَبَه لاحقًا.5 ويُمكننا أيضًا أن نوضِّح هذا الأمر بمزيدٍ من التفصيل. فنحن نعرِف ملِكَين سابقَين لكركميش، وهما كوزي-تيشوب وإيني-تيشوب، حكما خلال القرن الثاني عشر. والآن لدَينا هذان الملكان الإضافيَّان، سابازيتي وابنه أورا-تارهونتا، اللذان حكَمَا أرضَ كركميش في أواخر القرن الحادي عشر قبل الميلاد. وكانوا كلُّهم يحملون لقَبَ «الملك العظيم». ومن المؤسِف أننا لسنا متأكِّدين من التواريخ الدقيقة لفترة حكم أورا-تارهونتا؛ لذا فإننا لا نعرِف أيضًا أي حاكمٍ من حكام آشور كان في السلطة في وقت النزاع المُسجَّل. على الأرجح كان آشور ناصربال الأول، الذي حكم من 1049 إلى 1031 قبل الميلاد، أو شلمنصر الثاني، الذي حكم من 1030 إلى 1019 قبل الميلاد، لكن هذا مجرد تخمين.
ومع ذلك، فإن النقش يُعطينا أيضًا اسم سوهي، الذي يدَّعي أنه كان قريبًا لأورا-تارهونتا. يبدو أن حُكم سوهي بدأ في حوالي عام 1000 قبل الميلاد؛ نعلم من هذا النقش وغيره من النقوش أنه أسَّس سلالة من الحكام الذين لم يُطلقوا على أنفسهم جميعًا لقبَ «الملك العظيم»، بل «حاكم مدينة كركميش، وسيدها». كان من بينهم ابنه أستوالامانزا، وحفيده سوهي الثاني، وحفيده كاتوا، وحفيد أكبر يُدعى سوهي الثالث (الذي اعتلى العرش حوالي عام 900 قبل الميلاد).6
ولا يزال الجدل العلمي مُستمرًّا حول الكيفية التي كانت تعمل بها المجموعتان المُختلفتان من الحكام، «الملوك العظماء» و«سادة المدينة». ونظرًا لأنه يبدو أن اللقب الكامل الذي استخدمَه سابازيتي وأورا-تارهونتا، وكذلك خلفاؤهما، كان «الملك العظيم، ملك أرض كركميش»؛ فلعلَّهم حكموا المنطقة كلها التي تُسيطر عليها كركميش، حين كان سوهي وأحفاده مجرد حكام للمدينة نفسها. ذلك هو الموقف المُعتاد الذي يتَّخذه العلماء، أي أن كلتا السلالتَين كانتا تحكمان في الوقت نفسه لفترةٍ وجيزة على الأقل؛ حيث إن سوهي يقول إنه «قريبٌ عزيز» لأورا-تارهونتا. ولكنَّ أليساندرا جيلبرت، الأستاذة بجامعة كا فوسكاري في فينيسيا، اقترحَت أن سوهي الأول ربما كان في واقع الأمر مغتصِبًا للحُكم، استولى على عرش كركميش، وأنه هو وخلفاؤه حكموا المنطقة كلَّها بعد ذلك، وإن كان بهذا اللقب المختلف. ربما يكون هذا صحيحًا؛ لأننا لا نرى كثيرًا من التداخُل، إن وُجِد، فيما يتَّصل بتواريخ الحُكم بين الملوك العظماء وسادة كركميش بعد القرن العاشر قبل الميلاد. ومما يزيد الأمور تعقيدًا، أنَّ حكام مدينة ملاطية القريبة، الذين زعموا أيضًا أنهم ينحدِرون من نسل كوزي-تيشوب، «الملك العظيم لكركميش» حوالي عام 1200 قبل الميلاد، أطلقوا على أنفسهم لقب «سادة المدينة» في ألقابهم.7 باختصارٍ، تظلُّ العلاقة الدقيقة بين هاتَين المجموعتَين من الحكَّام غير واضحة.
...............................................
(1) Marchetti 2012: 132–34, 2014: 36; Aro 2013: 234n5; Dinçol et al. 2014b: 143-44; Younger 2016: 118-19; J. F. Osborne 2021: 153-54.
(2) See again Marchetti 2012: 132–34, 2014: 36; Dinçol et al. 2014b: 143-44; Younger 2016: 118-19.
(3) Dinçol, Dinçol, Hawkins, and Peker 2012: 145; Marchetti 2012: 144–46; Weeden 2013: 10; Dinçol et al. 2014a: 128; Hawkins and Peker 2014: 107; Hawkins and Weeden 2016: 11-12; Younger 2016: 119. See also Simon 2012, for a divergent opinion regarding the identification of Sura, with plentiful previous references.
(4) Translation following Peker 2016: 16; see previously Dinçol, Dinçol, Hawkins, and Peker 2012: 145; Dinçol et al. 2014b: 148. See also Marchetti 2012: 144–46; Weeden 2013: 8–10; Dinçol et al. 2014b: 147, 2014b: 128–30; Younger 2016: 119.
(5) Hawkins 2000: 80–82 (Karkamiš A4b); Marchetti 2012: 144–46; Dinçol, Dinçol, Hawkins, and Peker 2012: 145; Dinçol et al. 2014b: 143-44, 151, 2014b: 128; Hawkins and Weeden 2016: 11; Younger 2016: 119.
(6) See, e.g., Hawkins 2000: 76-77; Gilibert 2011: 12; Bryce 2012: 89–91, 202; Aro 2013; Marchetti and Peker 2018: 98; Bryce 2020: 108; J. F. Osborne 2021: 100; and all of the additional references cited in the next note.
(7) Hawkins 1995, 2000: 76-77; Gilibert 2011: 12; Marchetti 2012: 144–46 and table 2; Dinçol et al. 2014a: 130, 2014b: 150; Hawkins and Peker 2014: 107-8; Brown and Smith 2016: 23–25; Marchetti and Peker 2018: 98; J. F. Osborne 2021: 195; see also various tables in other relevant articles, as cited previously.