تعريف المسؤولية الجزائية الناشئة عن عقد الزواج
المؤلف:
زينب علي حسن جبار
المصدر:
المسؤولية الجزائية الناشئة عن عقد الزواج
الجزء والصفحة:
ص بدون
2026-09-21
21
إن تعريف المسؤولية الجزائية الناشئة عن عقد الزواج يتطلب إيضاح معانيها بصورة تفصيلية، لكي يتم من خلالها تحديد المعنى الدقيق لهذه المسؤولية وكيفية تحققها، كما أن الوقوف على تعريفها بصورة تفصيلية يتطلب بيان موقف التشريع والقضاء والفقه، ولا نغفل معرفة المعنى اللغوي لكل مفردة من المفردات التي يتكون منها عنوان الدراسة، وذلك لمعرفة ما إذا كان المشرع موفقاً في اختيار المصطلحات التي تعبر عن موضوع التجريم من عدمه، لأن من الصفات الأساسية التي ينبغي أن يتصف بها النص التجريمي هي أن تكون عباراته صريحة وواضحة المعاني حتى تدل على قصد المشرع بوضوح، ليتحقق التطبيق السليم لمبدأ قانونية الجرائم والعقوبات.
ولكي تتم الإحاطة الشاملة بها فلا بد من بيان المعني اللغوي لكل مفردة من مفردات عبارة المسؤولية الجزائية الناشئة عن عقد الزواج، ومن ثم نبين تعريفها الاصطلاحي، ولذلك سنقسم هذا الموضوع على فرعين، إذ نخصص الأول منهما لبيان المعنى اللغوي، ونخصص الفرع الثاني للتعريف الاصطلاحي.
الفرع الأول
المعنى اللغوي
مهما كانت أهمية التعريف الاصطلاحي لموضوع الدراسة فلا بد من بيان معناه اللغوي، وذلك لأهميته الكبيرة، فمن خلال تحديد المعنى اللغوي للمسؤولية الجزائية الناشئة عن عقد الزواج تتم معرفة توفيق المشرع موفقاً في اختيار المصطلحات الدالة على التجريم من عدمه، ونظراً لعدم وجود مركب لفظي لعبارة المسؤولية الجزائية الناشئة عن عقد الزواج في المعاجم اللغوية العربية ولأن هذه العبارة تتكون من أكثر من كلمة كان لزاماً علينا أن نبين المعنى اللغوي لكل مفردة على حدة.
أولاً - المسؤولية :
إن كلمة المسؤولية في اللغة العربية مصدرها الفعل سَأَلَ ، بفتح السين والهمزة واللام، وتدل على تحمل الوزر، والمسؤولية هي ما يسأل به الإنسان ويتحمل تبعته (1)، وسأل تدل على السائل وهو طالب الحاجة ، قال تعالى (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرُ) (2) ، ومسؤول أي يتحمل وزر ما ارتكبه، ومسؤول عنه أي يوجه له اللوم عما اقترفه من فعل (3) ، كقوله تعالى (وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (4)، وسأله عن مسألة أي استعلمه عنها واستخبر منه، كقوله تعالى (قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى) (5).
ثانياً - الجزائية :
الجزائية مصدره الفعل جزى، والجزائية مشتقة من الجزاء، وتدل على المكافأة على الفعل بالإحسان إن كان حسناً أو بالعقاب إذا كان سيئاً (6) ، فتدل على معنى الثواب والعقاب (7)، وسائل على الفعل أي أثاب أو عاقب عليه (8)، قال تعالى (قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ) (9) والجزاء هو ما يترتب على الفعل من ثواب أو عقاب (10) ، فجزاء الإحسان هو الثواب، قال تعالى ( وَهَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إلا الإِحْسَانُ) (11) ، وجزاء الإساءة هي العقاب كقوله تعالى (جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا) (12).
ثالثاً - الناشئة :
لفظ الناشئة مصدرة الفعل (نشا)، نشأ ينشأ ، وتعني الإنشاء ويراد به الابتداء، يقال أنشأ الله الخلق أي بدأ ،خلقهم، وأنشأ الدار ، أي بدأ بناءها ، أنشأ السحاب أي بدأ المطر (13)، ونشأ أي صار وترعرع، ونشأ بمعنى نما وحدث بعد أن كان عدماً ، قال تعالى (ثُمُ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً أَخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحسَنَ الخَالِقِينَ) (14) ، وأنشأه تعني أوجده ، وتدل على حدوث الشيء وصيرورته، ونشأ الشيء تعني شب وتولد ونشأ فيه تربى ونما فيه، وأنشأ الشيء تعني إقامه وصنعه (15)، وإنشاء الشيء تعني إيجاده (16).
رابعاً - عقد :
كلمة عقد في اللغة العربية مصدرها الفعل الثلاثي الماضي عقد، وتعني اتفق، وكلمة العقد تدل على معنى الاتفاق أي توافق وتلاقي الإرادتين، قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بالْعُقُودِ) (17) ، عقدَ، يَعقِدُ، عَقْدًا ، فهو عاقِد، والمفعول معقود للمتعدي، والعاقد هو أحد طرفي العقد (18)، وعقد الاتفاق أي اتفق مع غيره، وعقد العزم أي عزم ونوى وقصد، عقد اتفاقا أي اتفق عليه ومضى فيه وأنجزه، وعقد الحبل أي شد أحد طرفيه ووصلهما بعقد تمسكهما فأحكم وصلهما وجعل منه عروة وأدخل فيها أحد أطرافه، والعقد هو عكس الحل، وعقد هو اتفاق بين طرفين يلتزم بمقتضاه كل منهما تنفيذ ما اتقفا عليه، كعقد البيع والزواج، وعقد اجتماعاً أي تشاور مع غيره على أمر ما (19)، كما تعني كلمة العقد العدد عشرة ، يقال عقد من الزمن أي عشر سنين، وعقدان عشرون سنة، وثلاثة عقود أي ثلاثون سنة وهكذا (20).
خامساً - الزواج :
الزواج لغة يعني الاقتران يقال زوج فلان أي قرينه، وتزوجها أي تزوج بها وأصبحت زوجة له، وتزاوج القوم بعضهم من بعض، أي زوج بعضهم بعضاً والزوج هو البعل، والزوج أيضاً هي المرأة ويقال زوجة ورجل مزواج أي كثير التزوج ، وامرأة (مزواج) أي كثيرة التزوج، والزوج ضد الفرد، وكل واحد منهما يسمى زوجاً، يقال للإثنين زوجين وهما الزوج والزوجة، وزوج، زاوج، أي اقترن، والزواج هو اقتران الرجل بالمرأة بموجب عقد الزواج يفيد حل استمتاع كلا الزوجين بالآخر على الوجه المشروع، وهو اقتران يفيد معنى النكاح (21)، قال تعالى (كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ) (22) ، كذلك قوله تعالى (مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) (23).
وبذلك فإن المعنى اللغوي للمسؤولية الجزائية الناشئة عن عقد الزواج هو أن المسؤولية تعني ما يسأل به الإنسان ويتحمل تبعته، أما الجزائية فتدل على المكافأة على الفعل بالإحسان إن كان حسناً أو بالعقاب إذا كان سيئاً، والناشئة فمصدرها كلمة الإنشاء ويراد به الابتداء والإيجاد والظهور، أما العقد فهو الاتفاق بين طرفين، والزواج هو الاقتران بين رجل وامرأة.
الفرع الثاني
التعريف الاصطلاحي
إن الوقوف على التعريف الاصطلاحي للمسؤولية الجزائية الناشئة عن عقد الزواج يتطلب تناوله في التشريع والقضاء والفقه، وذلك ما سنبينه في الفقرات الآتية.
أولاً - التعريف التشريعي :
لم تضع التشريعات المقارنة تعريفاً للمسؤولية الجزائية الناشئة عن عقد الزواج، وهو مسلك محمود لها، إذ ليس من عمل المشرع وضع التعاريف، وإنما يتحدد دوره بتجريم الأفعال التي تضر بأمن أو مصالح المجتمع وترك تعريفها للفقه، ولا يمكنه أن يتنبأ بالمستحدثات التي تطرأ على ما يرد في تعريفه، لذلك فإن المشرّع يجرم الفعل بصورة تتوافق مع ما يمكن أن يستجد من حالات تدخل في نطاق تطبيقه، كما أن المشرع لو عرّف لهذه المسؤولية فلا يكون موفقاً فيه لأنه مهما حاول فلا يستطيع أن يأتي بتعريف شامل لجميع متطلباتها، ومن ثم يوصف تعريفه بالقصور وضيق النطاق ويكون ذا محل محدود، فيجد الجاني المجال الذي يستطيع من خلاله الإفلات من العقاب بداعي أن ما قام به من نشاط لا يدخل ضمن نصوص التجريم، ما يجعل موقف المشرع عُرضة للنقد، إضافة إلى أن المشرع جعل مصدر قانون العقوبات هو التشريع (24) مما يعني أن لا فائدة من وضع التعريف طالما لأن المشرع قد جرّم الأفعال الضارة الناشئة عن عقد الزواج بالنص (25). وبما أن التشريعات المقارنة لم تعرف المسؤولية الجزائية الناشئة عن عقد الزواج فلا بد من تعريف المصطلحات المكونة لها وهي المسؤولية الجزائية وعقد الزواج في القانون.
ولم يعرف قانون العقوبات العراقي ولا التشريعات المقارنة المسؤولية الجزائية، وتؤيد الباحثة هذا التوجه، لأنه ليس من عمل المشرّع وضع تعريف قد يحدد المسؤولية الجزائية بنطاق ضيق.
إلا إن المشرع العراقي عرف الزواج في الفقرة (1) من المادة (3) من قانون الأحوال الشخصية بأنه ((عقد بين رجل وامرأة تحل له شرعاً غايته إنشاء رابطة الحياة المشتركة والنسل)).
كما أخذ المشرع السوري بذات الاتجاه ولم يعرف عقد الزواج وإنما عرف الزواج في المادة (1) من قانون الأحوال الشخصية رقم (59) لسنة 1953 المعدل بأنه ((عقد بين رجل وامرأة تحل له شرعاً غايته إنشاء رابطة الحياة المشتركة والنسل))، وقد تطابقت هذه المادة مع التعريف الوارد في المادة (1/3) من قانون الأحوال الشخصية العراقي، وكذلك المشرع الأردني الذي لم يعرف عقد الزواج وإنما عرف الزواج في المادة (5) من قانون الأحوال الشخصية رقم (15) لسنة 2019 بأنه عقد بين رجل وامرأة تحل له شرعاً لتكوين أسرة وإيجاد نسل)).
لقد بينت التشريعات المقارنة أن الزواج هو عقد طرفاه رجل وامرأة يشترط أن تحل له شرعاً، كما حددت الغاية من هذا العقد وهو إنشاء رابطة للحياة المشتركة والنسل على الرغم من أن المشرع لا يختص بتحديد الغاية التي يسعى المتعاقدان إلى تحقيقها عند إبرام العقد بل إن أطرافه هم من يحددها، ومن ثم فإن افتراض غاية عقد الزواج هي إنشاء رابطة للحياة المشتركة والنسل قد يخالف الغاية التي يسعى إليها المتعاقدان، فقد لا يريدان الإنجاب، وهنا لا بد من السؤال : هل يُغلب النص القانوني الذي حدد الغاية من عقد الزواج بأنها إنشاء رابطة للحياة المشتركة والنسل، أو إن إرادة المتعاقدين وغايتهم هي من تُغلّب إذا أنهم قصدوا تحقيق غاية غير التي نص عليها القانون؟ للإجابة عن هذ السؤال ذهبت باحثة (26) إلى أن المشرع العراقي قد حدد الغاية من عقد الزواج مستدله بقوله تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (27)، وقوله تعالى (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزْقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَتِ أَفَبِالْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ) (28).
وعليه فإن الغاية من عقد الزواج هي الحياة المشتركة التي قوامها المودة والرحمة وكذلك النسل الذي يتمثل بالأبناء والأحفاد، وهو ما أخذ به المشرع العراقي عندما عرف الزواج في الفقرة (1) من المادة (3) من قانون الأحوال الشخصية بأنه (( عقد بين رجل وامرأة تحل له شرعاً غايته إنشاء رابطة الحياة المشتركة والنسل))، فالمشرع لم يعرف عقد الزواج وإنما عرف الزواج ووصفه بأنه عقد غايته إنشاء رابطة للحياة المشتركة والنسل، فالزواج هو إذن الرابطة المشتركة بين الزوجين، أما العقد فهو تلاقي إرادتيهما وذلك عند اتحاد الإيجاب مع القبول، ومن ثم فإن الغاية من عقد الزواج قد حددها المشرع وهي الحياة المشتركة والنسل، بحسب ما جاء بالآيتين الكريمتين.
ثانياً - التعريف القضائي :
ينتهي دور المشرع عند إصدار القانون ثم يتولى القضاء تطبيقه على النزاع المعروض أمامه وتفسيره فيما إذا شابَهُ غموض يؤدي إلى عدم إدراك المعنى الذي قصده المشرع، فيؤدي القضاء دوراً كبيراً في الكشف عن هذا القصد، لأن المشرع حينما يمتنع عن وضع تعريف ما يريد ترك باب الاجتهاد مفتوحاً للقضاء لوضع تعريف منسجم مع ما قصده في ضوء نيته التي يعبر عنها النص، وفي حدود ما اطلعنا عليه من أحكام تخص موضوع الدراسة لم نجد قراراً قضائياً يعرف المسؤولية الجزائية الناشئة عن عقد الزواج عند تطبيقه للنصوص المتعلقة بها، وذلك لتعدد صور هذه المسؤولية إذ إن من الصعوبة أن يجمعها تعريف واحد، مما دفع القضاء الى عدم وضع تعريف لها حتى يبقى باب الاجتهاد مفتوحاً أمامه لمواءمة نصوص التجريم على الوقائع الحادثة المتصفة بالتطور حتى يستوعبها النص.
ثالثاً - التعريف الفقهي :
في حدود ما تم الاطلاع عليه من مؤلفات الباحثين التي تناولت موضوع الدراسة لم نجد رأياً يعرف المسؤولية الجزائية الناشئة عن عقد الزواج، ونظراً لعدم وجود تعريف فقهي للمسؤولية الجزائية الناشئة عن عقد الزواج فلا بدَّ من تناول تعاريف المصطلحات المكونة لهـا وهـي المسؤولية الجزائية وعقد الزواج.
بالنسبة للمسؤولية الجزائية عرفها رأي بأنها ( تحمل التزاماً أو جزاءً قانونياً معيناً نتيجة فعل أو تصرف قانوني يرتب عليه القانون آثاراً شرعية) (29) ، وتنتقد الباحثة هذا التعريف كونه وصف الجزاء الذي يترتب عند تحقق المسؤولية الجزائية بالآثار الشرعية على الرغم من أن الأخيرة لا تدخل ضمن أنواع الجزاء القانوني، كما وقع هذا الرأي في خلط بين الالتزام والجزاء، فالالتزام هو رابطة قانونية بين طرفين، في حين أن الجزاء الجنائي هو الأثر الذي يرتبه القانون عند ارتكاب الجريمة، ووصف الجزاء المترتب على تحقق المسؤولية الجزائية بالجزاء القانوني دون تخصيصه بالجزاء الجنائي دون الجزاءات الأخرى كالجزاء المدني والجزاء التأديبي، وأشار إلى الفعل والتصرف في حين أنّ الأخير ما هو إلا فعل تتجه إليه الإرادة فتتحقق المسؤولية الجزائية.
وعرف رأي آخر المسؤولية الجزائية بأنها ( الالتزام بتحمل النتائج القانونية المترتبة على توافر أركان الجريمة موضوع هذا الالتزام وهو العقوبة أو التدبير الاحترازي الذي ينزله القانون بالمسؤول عن الجريمة) (30) ، وقد وصف هذا الرأي المسؤولية الجزائية بأنها التزام وهي ليست كذلك، فالالتزام رابطة قانونية بين طرفين بمقتضاها أن يستطيع أحدهما مطالبة الآخر بالقيام بأداء شيء معين أو الامتناع عنه (31)، في حين أنّ المسؤولية الجزائية ليست إلتزاماً، بل تتحقق إذا توجهت الإرادة الحرة المختارة لارتكاب الجريمة.
كما عرفت المسؤولية الجزائية بأنها ( تحميل الإنسان نتيجة أعماله ومحاسبته عليها لأنها تصدر منه عن إدراك لمعناها و لنتائجها وعن إرادة منه لها) (32)، وقد بيّن هذا التعريف أن المسؤولية الجزائية تلقي على مرتكب الجريمة تحمل تبعتها واستحقاقه للجزاء الجنائي الذي ينص عليه القانون لمرتكبها، ما دام وجه إرادته الى ارتكابها كاشفاً بفعله عن إرادته الأئمة التي تستوجب توقيع العقاب.
وعرفها رأي آخر بأنها (أهلية الشخص لأن يتحمل تبعات عقابية لفعل نهى القانون عنه أو ترك ما أمر به، وهذه الأهلية تشمل العوامل النفسية اللازم توافرها في الشخص لكي يمكن نسبة الفعل إليه بوصفه فاعلاً ذا إدراك وإرادة) (33)، ووفقاً لهذا الرأي فإن المسؤولية الجزائية لا تقع على شخص إلا إذا كان الفعل منسوباً إليه.
وعرف آخر المسؤولية الجزائية بأنها ( مجموعة الشروط التي تنشئ عن الجريمة لوماً شخصياً موجهاً ضد الفاعل وهذه الشروط تظهر الفعل من الناحية القانونية على أنه تعبير مرفوض لشخصية الفاعل) (34).
وقد ذهب هذا التعريف إلى وصف المسؤولية الجزائية بأنها شروط تنشأ عن الجريمة وتوجه لوماً الى مرتكبها في حين أنها ليست شروطاً تنشأ عن الجريمة، وإنما تتطلب اتجاه الإرادة المدركة الواعية الى ارتكاب الفعل الذي يعده القانون جريمة مع العلم به، فيرتب القانون على ذلك جزاءً جنائياً.
وبذلك تتمثل المسؤولية الجزائية بأنها الأهلية التي يتطلبها القانون في مرتكب الجريمة لمساءلته عنها وتوقيع الجزاء المقرر قانوناً لها، على أن تكون إرادته مدركة وواعية حينما قارف السلوك المجرم قانوناً (35).
وحتى تتحقق المسؤولية الجزائية لا يكفي وقوع الفعل المادي المكون للجريمة ونسبته إلى فاعله، وإنما تتطلب توافر شرطين لا بد منهما لمساءلة الفاعل وهما الإدراك (التمييز) والإرادة ( حرية الاختيار)، ويراد بالإدراك قدرة الإنسان على فهم ماهية أفعاله وتصرفاته وتمييز المشروعة منها من غير المشروعة، وتنصرف هذه المقدرة لمعرفة ماهية الفعل وطبيعته مع توقع الآثار التي تترتب عليه، فإدراك الشخص لماهية أفعاله يعد شرطاً لقيام مسؤوليته الجزائية، وإن عدم قدرته على ذلك يحول من غير قيام هذه المسؤولية ويعد مائعاً من موانعها (36).
أما الإرادة فهي قدرة الإنسان على توجيه سلوكه نحو عمل أو امتناع عنه من دون تأثير خارجي (37)، فإذا تمكن الإنسان من المفاضلة بين البواعث التي تدفعه لارتكاب الجريمة وتلك التي تمنعه عنها وسلك طريق الجريمة باختياره فيكون حر الإرادة وأهلاً للمسؤولية الجزائية (38). أما بالنسبة لعقد الزواج فقد عرّفه رأي بأنه عقد وضعه الشارع يفيد ملك المتعة قصداً أي حل استمتاع الرجل من امرأة لم يمنع نكاحها مانع شرعي) (39) ، وعرفه آخر بأنه (عقد يفيد حل استمتاع الرجل من المرأة) (40) ، وقد جاء هذا التعريف مقتضباً كونه قد اقتصر عقد الزواج على أنه يفيد حل استمتاع الرجل من المرأة، وهذا القول غير دقيق لأن عقد الزواج لا يقتصر على استمتاع الرجل بالمرأة فقط، بل أن المرأة في عقد الزواج هي من طرفي العقد، وقد نظم الشرع والقانون حقوق متعددة لها ناشئة عن هذا العقد، كما ليس كل رجل يباح له حق الاستمتاع بالمرأة وإنما يقتصر ذلك على الزوجين فقط، وكان الأولى به القول حل الاستماع بين الزوجين. وعرف رأي آخر عقد الزواج بأنه (عقد يفيد حل استمتاع كل من الرجل والمرأة بالآخر على الوجه المشروع، فهو عقد من عقود التمليك، والملك فيه وارد قصداً على متعة كل واحد من الزوجين بالآخر) (41) ، وعرف كذلك بأنه (عقد بين الرجل والمرأة أساسه حل الاستمتاع بينهما، شريطة أن تكون المرأة أجنبية، أي ليست من محارم الرجل كالنسب والرضاع وغيرهما، وهو بمثابة ملك خاص للزوج لا يجيز للمرأة التزوج بغيره، ولا يعد ملكاً خاصاً لها وإنما هو لحل الاستمتاع فقط، ويجيز للرجل التزوج بغيرها) (42).
ونجد أن هذين التعريفين غير دقيقين، لأن عقد الزواج لا يعد من عقود التمليك كما أن الزوجين لا يملك أحدهما الآخر، ولا يقتصر على المتعة فحسب بل يهدف للحياة المشتركة وتكوين أسرة، كما أن المتعة ليست ملكاً لطرفي عقد الزواج وإنما هي حق لأي من الزوجين تجاه الآخر وليس ملكاً له، كما وقع هذان التعريفان في تناقض كونهما قد وصفا حل الاستمتاع بأنه ملك للزوج ولا يعد كذلك للزوجة (43).
ويمكن أن نعرف عقد الزواج بأنه (عقد بين زوجين رجل وامرأة تحل له شرعاً يفيد حل استمتاع أحدهما بالآخر).
وبعد أن بينا موقف التشريع والقضاء والفقه من تعريف المسؤولية الجزائية الناشئة وعقد الزواج كل على انفراد يمكننا تعريف المسؤولية الجزائية الناشئة عن عقد الزواج بأنها (أهلية الشخص بتحمل العقوبة التي تترتب على قيامه بارتكاب فعل يخالف الأحكام القانونية المتفق عليها في عقد الزواج إذا كان الفعل المرتكب صادراً منه عن إدراك وإرادة).
____________
1- محمد مرتضى الزبيدي تاج العروس في جواهر القاموس، ج 29 ، باب ،اللام فصل السين ، دار صادر للنشر، بيروت، بلا سنة نشر، ص 175.
2- سورة الضحى، الآية (10).
3- جمال الدين محمد بن مكرم أبن منظور، لسان العرب، المجلد السابع، دار صادر، بيروت، 1983، ص97.
4- سورة النحل، الآية (93).
5- سورة طه، الآية (36)
6- أحمد بن محمد بن علي الفيومي، المصباح المنير، مكتبة الايمان للنشر والتوزيع، المنصورة، 2008، ص 68.
7- الصاحب بن عباد المحيط في اللغة، ج 7، دار عالم الكتب، بيروت، 1994، ص 151.
8- جمال الدين محمد بن مكرم أبن منظور، لسان العرب المجلد الثاني، الدار التوثيقية للتراث، القاهرة، 2006، ص 215.
9- سورة يوسف، الآية (74).
10- الخليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين، ج 6 ، دار الرشيد للنشر ، بغداد، 1980، ص 164.
11- سورة طه، الآية (36)
12- سورة الكهف، الآية (106).
13- جمال الدين أبو الفضل محمد بن منظور، لسان العرب، المجلد الثامن، دار الحديث للطباعة والنشر، مصر، القاهرة، 2003، ص 546.
14- سورة المؤمنون، الآية (14) .
15- د. أحمد مختار عثمان، معجم اللغة العربية المعاصرة، المجلد الخامس، دار عالم الكتب للطباعة والنشر، مصر، القاهرة، 2008، ص2208 - 2209
16- جبران مسعود، معجم الرائد، ط7 ، دار العلم للملايين لبنان بيروت، 1992، ص139.
17- سورة المائدة، الآية (1).
18- محمد بن أبي بكر الرازي مختار الصحاح، ج 1، تحقيق د. محمود خاطر، مكتبة لبنان للطباعة، لبنان، بيروت، 1995، ص187
19- موسى بن محمد بن الملياني الأحمدي، معجم الأفعال المتعدية بحرف الجر، دار العلم للملايين، لبنان، بيروت، بلا سنة نشر، ص 342.
20- د. عزيزة فوال بابتي، المعجم المفصل في النحو العربي، ج 2، باب العين، ط 1 ، دار الكتب العلمية، لبنان، بيروت، 1992، ص 651.
21- محمد أبو بكر بن عبد القادر الرازي مختار الصحاح، ج 2، دار الكتاب العربي، بلا مكان وسنة طبع، ص178.
22- سورة الدخان، الآية (54).
23- سورة هود، من الآية (40).
24- نصت المادة (19/ ثانياً) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 على ((لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص ...))، ونصت المادة (1) من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1999 على أن ((لا عقاب على فعل أو امتناع إلا بناءاً على قانون ينص على تجريمه وقت اقترافه، ولا يجوز توقيع عقوبات أو تدابير احترازية لم ينص عليها القانون))، ونصت المادة (1/1) من قانون العقوبات السوري رقم (148) لسنة 1949 على ((لا تفرض عقوبة ولا تدبير احترازي أو إصلاحي من أجل جرم لم يكن القانون قد نص عليه حين اقترافه))، ونصت المادة (3) من قانون العقوبات الأردني رقم (16) لسنة 1960) على أن ((لا جريمة إلا بنص ولا يقضى بأي عقوبة أو تدبير لم ينص القانون عليها حين اقتراف الجريمة، وتعتبر الجريمة تامة اذا تمت أفعال تنفيذها دون النظر الى وقت حصول النتيجة)).
25- د. علي حسين الخلف و د. سلطان عبد القادر الشاوي، المبادئ العامة في قانون العقوبات، شركة العاتك لصناعة الكتاب، القاهرة، 2009، ص 130.
26- هناء هاشم عباس المالكي الرقابة الشرعية والقضائية على عقد الزواج، بحث منشور في مجلة دراسات تربوية، تصدر عن قسم الإعلام وزارة التربية بغداد العدد (47) السنة 2019، ص337.
27- سورة الروم، الآية (21)
28- سورة النحل، الآية (72).
29- د. عوض محمد عوض، قانون العقوبات القسم العام، دار المطبوعات الجامعية مصر ، الإسكندرية، 1980، ص 415.
30- مازن مصباح صباح و نائل محمد يحيى المسؤولية الجنائية عن خطأ التطبيب (دراسة فقهية مقارنة)، مجلة الجامعة الاسلامية للدراسات الاسلامية، جامعة الأزهر - غزة، المجلد (20)، العدد (2)، 2012، ص102.
31- المادة (69) من القانون المدني العراقي رقم (40) لسنة 1951 المعدل.
32- د. أحمد صفوت، شرح القانون الجنائي القسم العام، مطبعة حجازي، مصر، ، القاهرة، بلا، ص.155
33- د. مصطفى العوجي، القانون الجنائي العام، ج 2، المسؤولية الجنائية، دار نوفل، بيروت، 1992، ص12.
34- د . ضياء الدين مهدي الصالحي، مفهوم المسؤولية الجزائية في القانون الجنائي، مجلة القضاء، تصدرها نقابة المحامين العراقية، السنة (41)، 1986، ص 12.
35- د. مأمون محمد سلامة، قانون العقوبات النظرية العامة، دار غريب للطباعة القاهرة، 1976، ص 246، د. أحمد عوض بلال، الإثم الجنائي دراسة مقارنة، دار النهضة العربية ، القاهرة، 1988، ص 143.
36- د. محمد علي السالم شرح قانون العقوبات القسم العام، مكتبة دار الثقافة، عمان، 1997، ص 386.
37- د. فخري عبد الرزاق الحديثي، شرح قانون العقوبات القسم العام، مطبعة الزمان، بغداد، 1992، ص323.
38- د. عبود السراج، قانون العقوبات القسم العام، منشورات جامعة دمشق ،ط7، سوريا، دمشق، 1994، ص30.
39- نظام الدين عبد الحميد، حقوق الأسرة بموجب عقد النكاح في الفقه الإسلامي، بلا رقم طبعة، منشورات المكتبة القانونية، بغداد، بلا سنة نشر، ص17.
40- عباس فاضل عباس، محل عقد الزواج، مجلة الجامعة العراقية، المجلد (53) العدد (3)، 2022، ص 499.
41- عبد الوهاب خلاف، أحكام الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية، ط 2 ، دار القلم للطباعة والنشر، الكويت، 1990، ص15
42- د. وفاء كاظم ماضي و حارث إبراهيم حسين الزواج وانواعه وطقوسه في بعض مناطق العراق، مجلة كلية التربية الأساسية للعلوم التربوية والإنسانية جامعة بابل، المجلد (15) ، العدد (62)، 2023، ص 162.
43- يقوم عقد الزواج على أركان وشروط، وبالنسبة لأركانه فهما الإيجاب والقبول حسب المادة (4) من قانون الأحوال الشخصية العراقي، تقابلها المادة (5) من قانون الأحوال الشخصية السوري، والمادة (5) من قانون الأحوال الشخصية الأردني، ويراد بالإيجاب الكلام الصادر من أحد المتعاقدين لانصراف إرادته لإنشاء العقد، أما القبول فهو الكلام الدال قبول عرض الطرف الأول، أما شروط عقد الزواج فهي شروط الانعقاد وهي التي يتم العقد بوجودها، وشروط الصحة وهي التي بتوافرها يوجد العقد وبخلافها يكون موقوفاً حتى تتم إجازته، وشروط اللزوم وهي التي لا يكون العقد ملزماً لكلا طرفيه إلا بوجودها فإذا لم تتوافر جاز المطالبة بالفسخ، د. أحمد الكبيسي، الوجيز في شرح قانون الأحوال الشخصية وتعديلاته، شركة العاتك لصناعة الكتاب، القاهرة، 2007، ص39. شيماء سعيد مجيد، الإشكاليات المتعلقة بأساسيات عقد الزواج، مجلة وميض الفكر للبحوث الكلية الإسلامية الجامعة النجف الأشرف، العدد (9) 2021، ص377.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في قانون الاحوال الشخصية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة