المعايير المميزة بين العمل الاداري والعمل القضائي
المؤلف:
رائد ناجي احمد الجميلي
المصدر:
القضاء الضريبي ومجالاته في ظل القانون العراقي
الجزء والصفحة:
ص 167-173
2026-09-06
50
طرح الفقه ولا سيما الفرنسي -معايير عدة للتمييز بين الاعمال القضائية والاعمال الإدارية .ويمكن حصرها بثلاثة معايير : المعيار الشكلي والمعيار الموضوعي والمعيار المختلط
الفرع الاول المعيار الشكلي
على وفق هذا المعيار فأن العمل القضائي يتحدد من خلال النظر إلى المظهر الخارجي للجهة مصدرة القرار أو إلى انتفاء عنصر التبعية الإدارية دون الولوج إلى مضمون ذلك القرار وفحواء وطرحت بشان هذا المعيار نظريتان نظرية (Care De Malberg) ونظرية (Merkl) و (Kelsen)
أما النظرية الأولى فأن صاحبها يطرح عنصرين لتمييز العمل القضائي أحدهما عضوي يتمثل بأصداره من جهة مشكلة خصيصاً لممارسة مهمة القضاء والفصل في الخصومات، والآخر اجرائي يتمثل بأتباع تلك الجهة اجراءات معينة لممارسة تلك المهمة (1). واما النظرية الثانية فأن أصحابها يذهبون إلى القول بأن جوهر التمييز بين العمل الاداري والعمل القضائي يكمن في التمييز بين الوضع الذي يشغله من يمارس الوظيفة الإدارية عن ذلك الذي يشغله من يمارس الوظيفة القضائية .
فبالنسبة للطائفة الأولىتربطهم برؤسائهم رابطة التبعية اذ للرؤساء الاداريين حق اصدار التعليمات والتوجيهات لمرؤوسيهم في حين ينتفي ذلك بالنسبة للطائفة الثانية (2). ومن الجدير بالالماع اليه أن صدى نظريات المعيار الشكلي كان يتردد لدى القضاء العراقي لا سيما فيما يتعلق بالمسائل الخاصة بالضرائب الكمركية ومن ذلك ما قررته محكمة التمييز بانه ( لا يصح اعتبار قرار السلطات الكمركية بعدم تخفيض رسوم الارضية مانعاً للمحكمة من النظر في الدعوى بحجة أن قرارها قرينة قانونية ذلك لان هذا القرار ليس حكماً مما ينطبق عليه المادة (503)(3) من القانون المدني وان للمحاكم الولاية العامة للنظر في أي ضرر يلحق بالاشخاص من القرار الاداري المخالف للقانون)(4).
فمن الملاحظ على هذا القرار انه بالرغم من أن قانون الكمارك رقم (56) لسنة 1931 خول السلطات الكمركية وحدها (5) - البت في منازعات الضرائب الكمركية واعتبر قراراتها نهائية في هذا الشأن إلا أن محكمة التمييز لم تعتبر تلك السلطات بمثابة محاكم تتمتع قراراتها بحجية الشيء المقضي به وانما هي جهة ادارية وما تصدره من قرارات تعد اعمالاً ادارية استناداً إلى المعيار الشكلي.
الفرع الثاني
المعيار الموضوعي (المادي)
يستند هذا المعيار في تحديد العمل القضائي على اساس مضمون ذلك العمل اياً كانت الجهة التي اصدرته ومن ابرز النظريات التي قالت به هي نظرية (Duguit) ونظرية (Jèze) أما نظرية (Duguit) فأنها تفترض لتحقق العمل القضائي توافر ثلاثة عناصر موضوعية هي : ادعاء وتقرير وقرار (6).
أ- ادعاء (Pretention) وهو أن يدعي شخص ما بوجود عمل أو تصرف معين مخالف للقانون أو يشكل اعتداء عليه.
ب تقرير (Constatation) وهو تثبت أو تحقق يصل اليه القاضي بعد عمليات مختلفة من فحص ودرس وبحث مستخدماً وسائل البيئة القانونية (7).
ج القرار (Decision) وهو النتيجة المستخلصة من التقرير وينتهي إليها البحث (8). واما نظرية (Jeze) فأنها تقوم على اساس أن جوهر العمل القضائي يكمن في تقرير منصب على مركز (قانوني عام أو خاص أو على وقائع بشرط أن يتمتع ذلك التقرير بقوة الحقيقة القانونية (force de vérite legale أي حجية الشيء المقضي به والمشرع هو الذي يلحق هذه القوة المميزة بالتقرير ويملك في هذا الصدد سلطة تقديرية فله أن يمنح لعمل ما قوة الحقيقة القانونية ويمنعها عن عمل آخر بغض النظر عن الجهة التي أصدرته، قضائية كانت أم ادارية(9).
وقد ايد جانب كبير من الكتاب العراقيين المعيار الموضوعي في تكييف القرارات الصادرة من الجهات الإدارية ذات الاختصاص القضائي وعدوها قرارات قضائية (10) . أما بالنسبة للقضاء فأنه ثمت قرار متعلق بالضرائب الكمركية صدر عن محكمة التمييز يوحي بأخذها بالمعيار الموضوعي اذ قضى ..... وجد أن القرارات الصادرة بالغرامة والمصادرة من السلطات الكمركية استناداً إلى أحكام قانون الكمارك هي قرارات قضائية صادرة من سلطة تملك حق اصدارها وحيث انه وان كانت للمحكمة المدنية الولاية العامة للفصل في كافة المنازعات غير أن هذا لا يعني بأي حال من الاحوال أن يكون للمحاكم المدنية حق التدخل في القرارات القضائية التي تصدرها السلطات الكمركية استناداً إلى أحكام قانون الكمارك (11).
الفرع الثالث
المعيار المختلط
ويقوم هذا المعيار على أساس الجمع بين عناصر المعيار الموضوعي مع عناصر المعيار الشكلي في تحديد العمل القضائي.
وابرز من قال به الفقيه (Guillien ) الذي يرى انه من غير الممكن الاعتماد على المعيار الشكلي أو المعيار الموضوعي كل على حدة في تمييز العمل القضائي وانما ينبغي اعتماد معیار خاص يجمع بين عناصر المعيارين المذكورين.
ويتمثل المعيار الموضوعي في حل مسألة تتعلق بمخالفة قانونية ويتم عرضها أمام جهة محددة. أما المعيار الشكلي فيتمثل بصدور القرار القضائي من شخص لا يخضع لروابط السلطة الرئاسية في المجال الاداري (12).
رأينا في الموضوع
نرى من جانبنا ضرورة اعتماد المعيار المختلط الذي يجمع بين عناصر المعيار الشكلي مع عناصر المعيار الموضوعي في تحديد العمل القضائي، إلا اننا لا نقيم ذلك الجمع على أساس متوازن بل نرجح فيه كفة العناصر الموضوعية على العناصر الشكلية، أي اننا نركن بصورة أساسية إلى عناصر المعيار الموضوعي في تحديد العمل القضائي وعلى وجه الخصوص على عنصر حجية الشيء المقضي به ونرى أنه متى ما اشار اليه المشرع صراحة فأنه لا مناص من الاعتراف بالطبيعة القضائية للعمل الذي قررت بشأنه الحجية اياً كانت جهة اصداره أما في حالة غياب تلك الإشارة الصريحة في فأنه يقتضي الاستعانة بعناصر المعيار الشكلي ومن ابرزها في اعتقادنا هو مدى اتباع الجهة مصدرة العمل للاجراءات الشكلية المتبعة أمام المحاكم ومدى غياب عنصر التبعية الرئاسية المعتمد في ميدان العمل الاداري .
وبناء عليه فأن المقصود بالعمل القضائي ( كل عمل ينطوي على فصل في خصومة صادر من سلطة محددة قانوناً وعلى اساس قاعدة قانونية قرر له المشرع حجية الشيء المقضي به صراحة أو ضمناً من خلال اشكال واجراءات محددة تنتفي في ظلها مظاهر التبعية الإدارية).
وهذا التعريف يشتمل على العناصر الاتية :-
1. أن ينطوي العمل على فصل في خصومة تثور بين طرفين سواء أكانت تلك الخصومة عينية أم شخصية وان يكون ذلك الفصل على اساس قاعدة قانونية.
2. أن يكون العمل صادراً من سلطة محددة قانوناً أي حدد القانون اختصاصاتها ورسم اجراءات الطعن أمامها، ومن ثم فأن القرار الصادر من تلك السلطة لا يكون قضائياً إذا تجاوزت حدود اختصاصاتها المقررة قانوناً.
3.أن يقرر المشرع صراحة لذلك العمل حجية الشيء المقضي به وهو جوهر العمل القضائي وهنالك دلالات صريحة لا تدع مجالاً للشك في اسباغ المشرع صفة العمل القضائي على القرار الصادر من جهة ما ومن ذلك مثلاً أن يقرر المشرع منح تلك الجهة اختصاصاً قضائياً أو تحويل اعضائها سلطات قضائية أو أن يكون لقراراتها حجية الأحكام القضائية.
وحري بالاشارة اليه أن قد يستخدم المشرع عبارات غامضة بالنسبة للقرارات الصادرة من جهة معينة مثل ( قطعية ) أو ( نهائية ) مما تستعمل على حد سواء في اطار عمل القاضي واطار عمل رجل الإدارة ومن ثم لا يمكن الاعتماد عليها في تحديد قصد المشرع الصحيح. ويرى بعض الفقهاء العراقيين (13) أن مثل تلك العبارات إذا ما وردت بالنسبة للقرارات الإدارية فأنها تعني غلق سبل الطعن الإدارية سواء أمام الجهة الإدارية ذاتها أم أمام جهة إدارية أعلى ولا يمكن أن ينصرف معناها إلى غلق سبيل الطعن القضائي.
وبهذه المناسبة لا نؤيد ما يذهب اليه بعض الفقهاء (14) من اشتراط توافر عناصر الاستقلال والحيدة في الجهة الحاسمة للنزاع لكي يعد قرارها قضائياً يتمتع بحجية الشيء المقضي به لان تلك العناصر متعلقة بطبيعة الجهة أصلاً ولا علاقة لها بالقرارات الصادرة عنها والتي منحها القانون الصفة القضائية، أي بمعنى آخر يمكن توجيه سهام النقد إلى مسلك المشرع المعيب والشاذ في إناطة الفصل في الخصومات بجهة غير قضائية لا تتمتع بالأسس التي يشاد عليها القضاء وابرزها الاستقلال والحيدة وبما يتنافى مع مبدأ حق التقاضي ولجوء الشخص إلى قاضيه الطبيعي إلا أن ذلك العيب وهذا الشذوذ منبت الصلة بطبيعة القرارات الصادرة عن تلك الجهة اذ هي قرارات قضائية مادام القانون قد منحها حجية الشيء المقضي به.
4. أما إذا لم تكن ارادة المشرع صريحة في إسباغ حجية الشيء المقضي به على العمل فأنه يقتضي الرجوع إلى أرادته الضمنية وهنا يمكن الاستعانة بعناصر المعيار الشكلي المتمثلة بأتباع إجراءات شكلية معينة مثال ذلك إجراءات المرافعة وحق الدفاع وتسبيب الأحكام والمواجهة بين الخصوم وغيرها من الإجراءات التي تتبع عادة أمام الجهات القضائية مع انتقاء عنصر التبعية الرئاسية المعمول به في ميدان العمل الإداري.
____________
1- R. Carrè De Malberg, Contribution à la théorie général de l'Etat, Tome, Paris, Sirey,
كذلك انظر تفصيل هذه النظرية والنقد الموجه اليها :د القطب محمد طبلية، العمل القضائي في القانون المقارن والجهات الإدارية ذات الاختصاص القضائي في مصر, بلا مكان نشر دار الفكر العربي، 1965 و د. نبيل اسماعيل عمر ، اصول المرافعات المدنية والتجارية ط 1 ، اسكندرية، منشأة المعارف، 1986 ،ص323-326 ، وكذلك د. بدرخان عبد الحكيم إبراهيم معايير تعريف العمل القضائي من وجهة القانون العام، الجزائر، بلا دار نشر ، 1994، ص28.
2- د . احمد محمود جمعة، الطعون الاستئنافية أمام محاكم مجلس الدولة اسكندرية، منشأة المعارف، بلا سنة طبع، ص 271 وكذلك د . عبد المنعم عبد العظيم جيرة، آثار حكم الالغاء ط1، بلا مكان نشر دار الفكر العربي، 1971 ، ص 86 .
3- يجدر التنويه ان هذه المادة كانت ضمن المواد التي الغيت بموجب المادة (147/اولا) من قانون الاثبات رقم (107) لسنة 1979 انظر الوقائع العراقية ع (2728) في 1979/9/3.
4- انظر قرار محكمة التمييز رقم (1335 / حقوقية في 3/2/ 1968 . منشور في مجلة القانون المقارن، ع2، س 2 ،
1968 ص 289-295
5- انظر ص ؟؟؟؟؟ من هذه الأطروحة .
6- L.Duguit, OP.Cit, P431-423
7- أ . هند عبد الحليم طنطاوي، المعيار المميز للعمل القضائي عن القرار الإداري مجلة ادارة قضايا الحكومة، ع (1) س 19، 1975 ،ص315.
8- انظر في النقد الموجه الى نظرية (Duguit) د وجدي راغب فهمي، النظرية العامة للعمل القضائي في قانون المرافعات اسكندرية، منشأة المعارف، 1974 ص 46.
9- انظر في تفصيل نظرية (Jeze) والنقد الموجه اليها د . وجدي راغب فهمي، النظرية العامة للعمل القضائي في قانون المرافعات اسكندرية، منشأة المعارف، 1974 ، ص 25-31 وكذلك د . احمد محمود جمعة، الطعون الاستئنافية أمام محاكم مجلس الدولة اسكندرية، منشأة المعارف، بلا سنة طبع ص 150.
10- للاطلاع على آراء هؤلاء الكتاب انظر، ضامن حسين العبيدي، المجالس واللجان الأعمال ذات الاختصاص القضائي في العراق، اطروحة ماجستير ، كلية القانون والسياسة، جامعة بغداد، 1982 ، ص 37-148.
11- اشار اليه خالد لفته شاكر ، الاختصاص القضائي للادارة في غير منازعات الوظيفة العامة، رسالة دكتوراه، كلية القانون، جامعة بغداد، 1992 ، ص 63.
12- د بدرخان عبد الحكيم إبراهيم معايير تعريف العمل القضائي من وجهة القانون العام، الجزائر، بلا دار نشر ، 1994 ، ص 194 وكذلك د . القطب محمد طبلية، العمل القضائي في القانون المقارن والجهات الإدارية ذات الاختصاص القضائي في مصر, بلا مكان نشر دار الفكر العربي، 1965 ص 270 ، هامش (1).
13- د . عصام عبد الوهاب البرزنجي، الرقابة القضائية على اعمال الإدارة في العراق وآفاق تطورها، مجلة العلوم القانونية، المجلد (4), ع (21)، 1985 ص 136.
14- وهو ما قال به د القطب محمد طبلية، مصدر سابق، ص 143.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القضاء الاداري
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة