واستمد المواطن الأول سلطته من مصدرين مختلفين، أحدهما حقيقي واقعي، والآخر تقليدي قانوني من الجيش ومن السناتوس والشعب. ولما كانت موافقة الشعب شكلية، وكان حق انتقاء المواطن بيد أعضاء السناتوس، جاز القول إن وصول المواطن الأول إلى وظيفته كان من الناحية القانونية الشرعية مربوطًا بموافقة السناتوس، وجاز القول أيضًا إن السناتوس كان لا يزال يتمتع بحقوق عظيمة وسلطة واسعة، فهو الذي كان ينتقي القناصل، ويشرف على إدارة إيطالية والولايات، وعلى خزينة الدولة وطرقها، وعلى مصلحة مياه العاصمة ومصلحة تموينها بالحبوب، ونظر السناتوس أيضًا في نوع من الدعاوى التي كانت تُرفع إليه، وأصدر فيها أحكامًا مبرمة، وسنَّ القوانين فصدرت «آراء سناتوسية Senatus Consulta»، وظل يمارس شيئًا من صلاحياته القديمة في العلاقات الخارجية، ولكنه كان خاضعًا في الواقع لرأي المواطن الأول؛ لأن هذا المواطن انتقى أعضاءه انتقاءً، وراقب حركاتهم وسكناتهم، وأوحى وأوعز إليهم، فكان لهم فيلسوفًا وصديقًا (1).
وكان الرومانيون لا يزالون منتظمين طبقات؛ شيوخًا وفرسانًا وعامة ومعتقين وأرقاء، فكان السناتوسي يولد سناتوسيًّا، وقد يصير سناتوسيًّا بعطف المواطن الأول؛ لأنه كان يحق لهذا أن يمنح تزيين الطوغة ﺑ «القلم الأرجواني laticlava» من يشاء. وكان المواطن الأول ينتقي هؤلاء — في غالب الأحيان — من طبقة الفرسان، وكان على المرشح لهذا الترفيع الاجتماعي السياسي أن يكون صاحب مليون سستركة، وأن يوظفها في الأراضي الإيطالية. وظل هذا التقليد ساريَ المفعول زمنًا طويلًا، فإنه بعد أن بدأ غير الإيطاليين ينالون شرف الانتماء إلى السناتوس، ظل متوجبًا عليهم أن يوظفوا ثلث أموالهم في الأراضي الإيطالية (2).
واشترك السناتوسيون اشتراكًا فعليًّا في إدارة الدولة، وكانوا يبدؤون في الوظائف الصغيرة، فيقومون سنة واحدة ﺑ «أعمال الرجال العشرين vigintiviri»، فإما أن ينتموا إلى «رجال النقود الثلاثة Tresviri monetales»، وإما إلى «رجال الشرطة الثلاثة Tresviri Capitales»، وإما إلى «المهندسين الأربعة Quatuorviri viis in urbe purgandis»، وإما إلى «قضاة محاكم الشرطة العشرة Decemviri slitibus Iudicandis». وكانوا بعد هذا يلتحقون بالجيش: إما ضباطًا في «فرق المشاة tribuni militum»، وإما ضباطًا في كتائب «الخيالة المساعدة praefecti alac»، فإذا ما أتموا هذين النوعين من الخدمة، وأكملوا الخامسة والعشرين من العمر أمسوا مرشحين لوظيفة «المحقق quaestor»، وكان عدد المحققين في الدولة عشرين، وكانت مدة خدمتهم سنة واحدة، تبدأ في الخامس من كانون الأول وتنتهي في الرابع منه، وقد يكون المحقق مدققًا ماليًّا في إحدى الولايات الخاضعة للسناتوس quaestor pro praetore، وقد يكون «مدققًا في خزينة الدولة quaestor urbanus»، وقد يكون ضابطَ ارتباط بين الإمبراطور والسناتوس quaestor principis، أو quaestor consultum. فإذا ما عُين محققًا مدققًا اعتُبر عضوًا عاملًا في السناتوس ورشح للتربنة، أو «النظارة aedilitas»، وكان عدد الترابنة عشرة وعدد النظار ستة. وفي الثلاثين من العمر أصبح عضو السناتوس أهلًا ﻟ «المقدمية praetura» لرئاسة المحاكم أو لإدارة الخزينة، وكانت المقدمية تبدأ في أول كانون الثاني، وتنتهي في الحادي والثلاثين من كانون الأول، وبعد ذلك بسنتين، أي بعد أن يصبح عضو السناتوس في الثالثة والثلاثين من العمر، كانت تبدأ المنافسات والمناورات للوصول إلى القنصلية، وكان لا بد من الحصول عليها للوصول إلى حاكمية رومة، أو حاكمية إحدى الولايات المهمة، أو إلى قيادة جيش من الجيوش (3).

خارج السناتوس.
وضبط أوغوسطوس الدخول في عضوية السناتوس، بجعل الخدمة في الجيش شرطًا من شروطها الأساسية، فالتعيينات في صفوف الضباط صدرت عنه وحده، فإذا ما وافق على التحاق أبناء السناتوسيين بالجيش، مهَّد لهم السبيل للدخول في عضوية السناتوس والجلوس مع آبائهم فيه، وما صح عن هؤلاء انطبق كل الانطباق على أبناء الفرسان، الذين رغبوا في الترقية والوصول إلى عضوية هذا المجلس.
وعني أوغوسطوس أيضًا بأسلوب العمل في السناتوس وبتصرفاته، فأنقص في السنة 11ق.م. النصاب اللازم لإصدار رأي المجلس في أمر معين senatus consultum. وبعد ذلك بسنتين، جعل هذا النصاب يختلف باختلاف القضايا موضوع البحث. وكان أوغوسطوس قد منع الأعضاء من مغادرة إيطالية بدون موافقته منذ السنة 29ق.م.، فجاء في السنة 9ق.م. يغرِّم المتغيبين عن الجلسات بدون عذر قانوني، ثم أبطل نشر أعمال المجالس وتعميمها.
وكان لا بد من بحث الأمور التي تُعرض على السناتوس مسبقًا في مجلس أوغوسطوس الخاص، فإن هو وافق على بحثها في السناتوس بُحثت، وإن هو امتنع عن عرضها امتنع المجلس عن بحثها. والجدير بالذكر أيضًا، أن المجلس الخاص كان يتألف من سناتوسيين وغيرهم، وأن عدد هؤلاء ازداد مع مرور الزمن، فأمست صلاحيات السناتوس الاشتراعية والتنفيذية مقيدة بموافقة أوغوسطوس ومجلسه الخاص.
واضطر أوغوسطوس أن يحد من صلاحيات السناتوس في حقل العلاقات الخارجية؛ وذلك لأسباب أهمها أن الدول المفاوضة رغبت في التفاوض مع أصحاب الحل والربط في الجمهورية الرومانية مع المواطن الأول نفسه لا مع السناتوس، وأن التقليد الروماني قضى بعدم خروج الأعضاء للمفاوضة خارج حدود الدولة، فأمسى دور السناتوس في الأمور الخارجية محصورًا في المقابلات الرسمية وتبادل اللياقات.
ولم يتمكن السناتوس من ممارسة صلاحياته الإدارية كاملة في إيطالية وفي الولايات التابعة له، فحرس أوغوسطوس كان حامي إيطالية و«نظار curatores» أوغوسطوس أشرفوا على الطرقات العمومية، وعلى سير مصلحة الحبوب. والشرطة والإطفائيون كانوا خاضعين لأوامر أوغوسطوس مباشرة، وكان لأوغوسطوس نفوذ كبير في الولايات التابعة للسناتوس، كما تبين من نقش قيرينة (4) وغيره. وكانت حاميات هذه الولايات رهن إشارة أوغوسطوس، يأمر بنقلها حيث يشاء، كما كان بإمكانه أن يحوِّل الولايات السناتوسية إلى ولايات خاضعة له مباشرة (5).
...........................................
(1) DIO CASS., 53:21, 33, 55:10; SUET., Aug. 24; FRONT., de Aq. 100, 104, 106, 125, 127; HOMO, L., Inst. Pol. Rom., 270–273; JONES, H., Senatus, Cam. Anc. Hist., X, 159-175.
(2) DIO CASS., 52, 54, 55; SUET., Aug. 35; HOMO, L., Haut-Emp., 60-61.
(3) DIO CASS., 53, 54; TACIT., Ann., I, II, VI; SUET., Aug., 37; HOMO, L., Haut-Empire 64–67; JONES, H., Constit. of Senate, Cam. Anc. Hist., X, 161–163.
(4) ANDERSON, J., Journ. Rom. Stud., 1927, 43–49.
(5) TACITUS, Ann., I, 2; ABELE, TH., Der Senat unter Augustus, (1907) ; HAMMOUD, M., The Augustan Principate, (1933) ; VOLKMANN, H., Zur Rechtprechung im Prinzipal des Augustus, (1935).