وفي السنة الثامنة عشرة قبل الميلاد، سنة انتهاء سلطته البروقنصلية، أشرك أوغوسطوس أغريبة في السلطتين التريبونية والبروقنصلية، فأوجد لرومة خلفًا يدير شئونها في حال وفاته، وكان الفارق الوحيد بين سلطته التريبونية وبين سلطة أغريبة أن هذه كانت لمدة خمس سنوات فقط، بينما تلك استمرت في يدي أوغوسطوس ما دام حيًّا (1).
وأراد أوغوسطوس في هذه السنة نفسها أن يعيد النظر في لوائح عضوية السناتوس، وأن يجعل عدد الأعضاء ثلاثمائة، كما كان سابقًا في عهد الجمهورية. وكان هذا العمل من واجبات «المحصين censores». وكان أوغوسطوس قد مارس أهم صلاحيات المحصي، كالإشراف على الآداب العامة، وتطهير الدولة، وإعادة النظر في عضوية السناتوس وغيره من منظمات الدولة، والموافقة على أعمال التلزيم الكبرى، ولكنه لم يرضَ أن يظهر هو محصيًّا رسميًّا. وهكذا، فإننا نراه في السنة الثامنة عشرة يقترح إناطة إعادة النظر في عضوية السناتوس بلجنة سناتوسية مؤلفة من ثلاثين عضوًا، ولم يرض الشيوخ الأعضاء عن هذه البدعة، فاضطر أن يقوم هو بإعادة النظر بنفسه. فغضَّ النظر عن العدد ثلاثمائة، وجعل العدد ستمائة؛ ليرضي معظم الأوساط، ويتحاشى الظهور بمظهر المحصي المستبد (2).
ومن أعمال أوغوسطوس في السنة الثامنة عشرة، أنه أصدر «الشرائع اليوليوسية Leges Iuliae» بالتعاون لآخر مرة في هذا المضمار مع الكوميتيات، وما يجدر ذكره لهذه المناسبة، أنه قبل إصدار هذه الشرائع بهذا الشكل، كان قد رفض أن يكون «أمين الآداب curator morum»؛ كي يبتعد عما يمت إلى السلطة الفردية بصلة. والشرائع اليوليوسية كانت في الواقع مجموعة قوانين جديدة حددت الأجرام المتنوعة، وأوضحت أصول المرافعات، كما نظرت في الآداب العمومية (3)، ومن ذلك أنها أعادت النظر في جرم «الخيانة maisstas»، فشيشرون كان قد اعتبر خائنًا كل شخص ينقص بالقول أو الفعل من وقار الشعب أو عظمته أو سلطته، فجاء الشرع اليوليوسي يعتبر خائنًا كل شخص ينقص بالقول أو الفعل من وقار المواطن الأول. وكان من حق كل مواطن في عهد الجمهورية أن يرفع أمره إلى الشعب إذا حكم بالإعدام، فحل المواطن الأول محل الشعب بموجب القوانين الجديدة، وكان سولَّا قد أنشأ عددًا من «المحاكم الاستئنافية الدائمة quaestiones perpetuae»؛ لتمارس حق الشعب في إعادة النظر في حكم القضاة عند الاقتضاء، فأنشأ أوغوسطوس بدوره مجلسًا قضائيًّا «استشاريًّا consilium»، مؤلفًا من عدد من ذوي الخبرة القضائية؛ لينظروا معه في الأحكام القضائية التي تُرفع إليه. وهذا المجلس القضائي الاستشاري أي اﻟ Consilium، هو غير لجنة السناتوس الدائمة اﻟ amici Caesaris، أو consilium amicorum Caesaris، التي سبقت الإشارة إليها. وظل القناصل يستمعون بعض الشكاوى، ويشاورون في أمرها أعضاء السناتوس، فبقي مجلس السناتوس محكمة عليا. أما محاكم «المحلفين العمومية judica publica»، فإنها لم تُهمَل، ولكن أعضاءها انتُخبوا من طبقة الفرسان الأغنياء، ولم ينظروا — في عهد المواطن الأول — في الدعاوى المهمة.
وجرَّت الحروب الأهلية استخفافًا بالقيم الروحية، وتساهلًا في الأمور الأخلاقية، فاستبهمت على الحكام معالمُ القصد، وعمِيت عليهم وجوهُ الرشد، فأحدثت هذه النقائص صدًى عميقًا في مصنفات النصف الثاني من القرن الأول قبل الميلاد في مخلفات سلوستوس وورجيليوس وهوراتيوس وليبيوس.
ولم يكن أوغوسطوس ممن يقول: «بعدي الطوفان»، فبدأ بإحياء الدين والمحافظة على تقاليده. فأنشأ الهياكل والمعابد ورمم المهدَّم فيها، وأحاط رجالها بالإكرام والاحترام، ثم التفت إلى الحياة العائلية؛ ليعيد لها سابق قدسيتها ورونقها. وكانت هذه قد أمست على وشك الانهيار، وكاد الناس في رومة لا يفرقون بين الزواج والمساكنة، فإنهم ما كادوا يخرجون من حروب التوسع الجمهوري حتى دخلوا في حرب أهلية طويلة. وكانت حروب التوسع قد درت عليهم أموالًا طائلة، فلما جاءت الحرب الأهلية، وعم القلق الأوساط الغنية آثر الأغنياء أصحاب هذه الأموال الاحتفاظَ بها نقدًا وعدم توظيفها، وأدى تكادس المال بالنقد إلى الإنفاق على اللهو والملذات، والابتعاد عن التزاوج لما في ذلك من مسئُوليات بعيدة الأمد، فانحطت الأخلاق بين الرجال والنساء وانتشرت العزوبة، وقل التزاوج والتوالد. ونشأ عن التعزب والإثراء داء اجتماعي آخر، هو موآنسة العزَّاب الأغنياء ومواصلتهم ومداهنتهم، والتملق إليهم للحصول على شيء من ثروتهم بعد الوفاة. فأمسى هؤلاء في حلقة مفرغة: تعزُّب يؤدي إلى تملق واستعطاف، وتملق يشجع بدوره على التعزب.
وعالج أوغوسطوس التعزب باشتراع القوانين، فأصدر في السنة 18 قبل الميلاد «قانون الزواج Lex Iulia de Maritandis Ordinibus»، وأردفه في السنة 9 بعد الميلاد بالقانون Papia Poppaea، فمنع كبح الأولاد عن الزواج، وحرَّم حصر الإرث بالعزاب، وفرض ضريبة خصوصية على العوانس، وحرم العزاب من النساء، والرجال الذين تجاوزوا الخمسين والستين من الاستفادة من أنواع معينة من الإرث. ثم ناصر المتزوجين بما دعاه «حق الأولاد الثلاثة ius trium liberorum»، فقدَّم أعضاء السناتوس الذين خدموا الدولة بالتوالد على غيرهم، فأجاز لهم تولي المناصب قبل بلوغ السن القانونية، وفي حال تعادل الأصوات في انتخاب القناصل فاز أبو الأولاد الأكثر عددًا، واعتبر أبا الأولاد الأكثر عددًا بعد الانتخاب مقدمًا على غيره، وحاز مثل هذه الأفضلية في نظره من رشح نفسه للمناصب في حكومات الولايات. والرجل الحر العادي إذا كان أبًا لثلاثة أولاد أُطلقت يده في كل أرضه، ورُفعت يد «سيده patronus» عما كان ممسكًا به منها. وأم الثلاثة تميزت بزيها وبتحررها من سلطة زوجها (4).
وردع أوغوسطوس عن الطلاق ﺑ «قانون العفة وقمع الزنى Lex Iulia de Adulteriis Coercendis»، فلم يكن هنالك ما يعيق الطلاق سوى ضغط الرأي العام وتبكيت المراقب، فأنشأ أوغوسطوس في السنة 18 محكمة للزنى، وأنزل عقابًا صارمًا بالزانية وبالسمسار أيضًا، وعرضهما للنفي إلى الجُزر، ولخسارة ثلث ما يملكان (5).
وذهب أوغوسطوس إلى أبعد من هذا، فاتخذ إجراءات قانونية؛ ليحد بها من البذخ والإسراف، فحدد حجم البيوت، وحظر كثرة الإنفاق على اللباس والزينة والطعام، ولكنه لم يوفق في هذا المضمار توفيقه في الأمور الأخرى.
.................................................
(1) DIO CASS., 54:12.
(2) JONES, H., op. cit., X, 148–150.
(3) Ibid.; ROTONDI, G., Leges Publicae Populi Romani, (1912), 442–454.
(4) DIO CASS., 54:16, 56:6-7,10; SUET., Aug., 34, Claud., 19, 23; HOMO, L., Haut-Empire, 148-149; LAST, H., Social Policy of Augustus, Cam. Anc. Hist., X, 448–456.
(5) HOR., Od. IV, 5, 21; OVID., Fast., II, 139; TACIT., Ann., III, 24; MOMMSEN, Th., Rom Stafr., 628 f., 688 f.; LOTMAR, P., Mélanges Girard, II, 143 f.