الأساس القانوني لواجب الإدارة في حماية الثقة المالية للدولة
المؤلف:
زهراء علي عبد الواحد الفتلاوي
المصدر:
سلطة الإدارة في حماية الثقة المالية للدولة في العراق
الجزء والصفحة:
ص 34-40
2026-08-20
36
يتمثل الأساس القانوني لواجب الإدارة في حماية الثقة المالية للدولة في النصوص القانونية التي وردت في القوانين المتعلقة بالجانب المالي والاقتصادي في الدولة، بالإضافة الى النصوص القانونية التي وردت في القانون الجنائي والتي بينت الأفعال التي تمثل اعتداء على الثقة المالية للدولة من جهة، واعتداء على الاقتصاد الوطني بشكل عام من جهة أخرى، ووفقاً لما يلي :
أولاً: النصوص القانونية التي وردت في التشريعات المتعلقة بالجانب المالي والاقتصادي في الدولة: بالنظر لتعدد النصوص القانونية المتعلقة بالاقتصاد والثقة المالية للدولة، لذلك فإننا سوف لن نتناولها جميعا بل سنقتصر على التشريعات التي نصت على دعم وحماية الثقة المالية للدولة بشكل مباشر، ففي فرنسا يعد تبني القانون العضوي المتعلق بالقوانين المالية المسمى اختصاراً " LOLF" لعام 2001 ، والذي شرع في تنفيذه بداية عام 2006 ، اصلاحاً عميقاً لتسيير المالية العمومية فيها (1)، إذ يهدف هذا القانون الى تقوية دور البرلمان في مالية الدولة وتبسيط الموازنة العامة وجعلها اكثر وضوحاً من خلال تجميع الاعتمادات في مهام تتعلق بأنشطة عدد من الوزارات وإمكانية نقل تلك الاعتمادات من مشروع إلى اخر إذا لزم الأمر ، والانتقال من ثقافة الأداء إلى ثقافة النتائج التي تأخذ بعين الاعتبار الأهداف والبرامج التي تسعى اليها الموازنة العامة، كما أن هذا القانون قد إعطاء حرية أكبر للمسيرين عند التصرف أو أعادة توزيع الاعتمادات بين البنود المختلفة ضمن البرنامج ذاته، فضلاً عن دوره في تفعيل وتحسين الرقابة على النفقات العامة(2).
وفي مصر يعد أول هذه القوانين وأهمها، قانون المالية العامة الموحد رقم (6) لسنة 2022 المعدل (3)، الذي ينظم الموازنة والشؤون المالية العامة في الدولة، إذ بين مبادئ الموازنة العامة وضرورة اعتماد موازنة البرامج والأداء ، واسس ومراحل اعداد الموازنة العامة، وقواعد تنفيذها واحكام الانفاق العام وتحصيل الإيرادات العامة بالإضافة إلى الرقابة والضبط الداخلي على الموازنة العامة والحسابات المالية الأخرى.
وكذلك يمكن الاشارة إلى دور قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي المصري رقم (194) لسنة 2020 المعدل (4) ، في دعم وتقوية الثقة المالية للدولة، إذ تضمن الفصل الثاني منه نصوصاً قانونية تشير إلى اهداف البنك المركزي واختصاصاته، إذ يعمل البنك المركزي على تحقيق سلامة النظام النقدي والمصرفي واستقرار الأسعار في الإطار السياسة الاقتصادية العامة للدولة، كما أن من أهم مهام البنك المركزي هو وضع السياسة النقدية وتنفيذها (5) ، إذ إن النشاط المصرفي يؤدي دوراً مهماً في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، من خلال الخدمات المالية والنقدية التي يقدمها لعملائه، والتي تسهم في دفع عملية التنمية الاقتصادية عن طريق خلق الائتمان المصرفي الذي تعود فائدته على المجتمع بأكمله، وهذا الامر بالتأكيد لا يخفى دوره اطلاقاً في حماية الثقة في المالية العامة. كما أن البنك المركزي في أية دولة انما يقع على عاتقه مسؤولية إدارة دين الدولة العام الداخلي والخارجي، من خلال إدارة الموجودات المالية التابعة للحكومة داخل السوق المالية، وتحصيل قيمها وتسديد الفوائد المترتبة عليها ، وكذلك مسؤولية إدارة القروض المالية، وتسديد اقساطها وفوائدها والمفاضلة بين القروض الداخلية والخارجية، لذا يقوم البنك المركزي بالتنسيق بين السياستين النقدية والمالية على مستوى الاقتصاد الوطني من اجل تحقيق ذلك(6).
أما في العراق فإن قانون الإدارة المالية الاتحادية رقم (6) لسنة 2019 المعدل، قد شرع لغرض تنظيم القواعد والإجراءات التي تحكم الإدارة المالية والمحاسبية في مجال التخطيط وكل ما يتعلق بالموازنة العامة الاتحادية وتوجيه الإيرادات الاتحادية إلى الخزينة العامة لتغطية الانفاق العام، وذلك بما يضمن تحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي والاستقرار المالي وتعزيز تخصيص موارد الموازنة وتحسين كفاءة وفعالية الانفاق، بالإضافة إلى ضمان إدارة النقد على النحو الأمثل وتحسين نوعية معلومات الموازنة المقدمة الى مجلس النواب والى الجمهور (7) .
وهنا يتضح مدى اهمية تقديم المعلومات المتعلقة بالموازنة العامة إلى ممثلي الشعب في البرلمان وإلى الشعب نفسه عن طريق وسائل الاعلام المختلفة وتحسين نوعية تلك المعلومات المقدمة حتى يمكن للأفراد من الاطلاع عليها ومن ثم امكانية إبداء رأيهم بها عن طريق ممثليهم في البرلمان أو بطريق آخر، ومن هنا تبدو أهمية استماع الحكومة لتلك الآراء والاستجابة لما يمكن الاستجابة له منها كون أن هذا الأمر سيسهم بصورة كبيرة في بناء وتقوية ودعم ثقة الافراد بالمالية العامة للدولة. وكذلك قانون وزارة المالية رقم (92) لسنة 1981(8) ، حيث ورد في المادة (1/ أولا) منه، على أن تهدف وزارة المالية، الى تحقيق المساهمة في وضع أسس واتجاهات التخطيط المالي في القطر، وفي تحديد الاطار العام والتفصيلي لعناصر الخطة المالية ضمن اطار السياسة العامة للدولة وخطط التنمية القومية وتهيئة وسائل إعداد الخطة والاشراف على تنفيذها، كما تسعى الوزارة الى تحقيق أهدافها بوسائل محددة في النص القانوني ذاته ومنها الاستخدام الأمثل للسيولة النقدية المتاحة ومنها ما يتصل بالاستثمارات أو تحديد أوجه الاستخدام وعناصرها، وبما أن وزارة المالية تتولى إدارة السياسة المالية للدولة وتهدف إلى التنسيق مع السياسة النقدية من أجل ذلك فإنه من الواضح جداً مدى ارتباط هذه الأهداف بالسياسة المالية والنقدية ودعم الثقة المالية للدولة، وهذا يشكل أساس تشريعي مباشر لواجب الإدارة المالية وزارة المالية في حماية ودعم الثقة المالية للدولة وتوجيه الاقتصاد الوطني بما يعزز تلك الثقة. زيادة على ذلك، فإنه ينبغي ملاحظة الدور المهم جداً لقانون البنك المركزي العراقي رقم (56) لسنة 2004(9)، في حماية ودعم الثقة المالية للدولة، إذ تضمنت المادة (3) منه الأهداف الرئيسة للبنك المركزي، والمتمثلة في عمل البنك المركزي على تعزيز التنمية المستدامة وإتاحة فرص العمل وتحقيق الرخاء في البلد وتحقيق الاستقرار في الأسعار المحلية والعمل على الحفاظ على نظام مالي ثابت يقوم على أساس التنافس في السوق، إذ يعد الجهاز المصرفي في أية دولة هو الجهاز المسؤول عن مد المشروعات الاقتصادية باحتياجاتها القصيرة والمتوسطة والطويلة الاجل من الأموال(10). وهذا يسهم بلا شك في تقوية الثقة في المالية العامة للدولة سواء من قبل المواطنين أو المؤسسات المالية ونصت المادة (4) من القانون المذكور على مهام البنك المركزي العراقي والتي منها صياغة وتنفيذ السياسة النقدية، ويمكنه أن يقوم كذلك بأي عمل يعتقده ضرورياً لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب وتنظيم والاشراف على شركات الإقراض وشركات التمويل الجزئي، وأية مؤسسات مالية غير مصرفية أخرى لم يتم تنظيمها وفق القانون وهذه المهام التي يتولاها البنك المركزي العراقي تسهم مساهمة فعالة في حماية الثقة في المالية العامة للدولة.
ثانياً: النصوص القانونية التي وردت في التشريع الجنائي للدولة
إلى جانب الحماية الواردة في الدستور والتشريعات العادية للثقة المالية للدولة بوجه خاص وللشأن الاقتصادي والمالي بوجه عام، فإن المشرع الجنائي قد حرص ايضاً من جانبه على توفير الحماية الجزائية للثقة المالية للدولة. وعلى الرغم من عدم وجود نصوص تشير صراحة الى الثقة المالية للدولة في التشريعات المالية كما اشارا سابقاً، إلا أنه نجد أن قانون العقوبات المصري رقم (58) لسنة 1937 المعدل ، قد إشارت الى الأفعال التي تمثل اعتداء على الثقة المالية للدولة، إذ عاقب المشرع الجنائي كل مصري اذاع عمداً في الخارج اخباراً أو بيانات أو اشاعات كاذبة أو مغرضة حول الأوضاع الداخلية للبلاد وكان من شأن ذلك اضعاف الثقة المالية للدولة أو هيبتها أو اعتبارها أو باشر بأية طريقة كانت نشاطاً من شأنه الاضرار بالمصالح القومية للبلاد (11).
أما في العراق يعد الاعتداء على هذه الثقة من قبل الجرائم الماسة بأمن الدولة الخارجي إذ يعد قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل الأفعال التي من شانها اضعاف الثقة المالية للدولة او النيل من مركزها الدولي واعتبارها او باشر بأي طريقة كانت نشاطاً من شأنه الاضرار بالمصالح الوطنية من وصف الجنحة، وتكون تلك الأفعال من وصف الجناية إذا وقعت في زمن الحرب (12). بالإضافة إلى أن الفصل الخامس من الباب الخامس من القانون ذاته أشار إلى الجرائم الماسة بالاقتصاد الوطني والثقة المالية للدولة متضمناً عدداً من الجرائم والعقوبات المقررة لها، والتي تمثلت بثلاث جرائم وهي جريمة إذاعة معلومات غير صحيحة (13) ، وجريمة التحريض على سحب الأموال المودعة في المصارف أو الصناديق العامة (14)، وجريمة عدم قبول عملة وطنية متداولة قانوناً(15)، إذ حرصت النصوص القانونية في مجملها على حماية الثقة في نقد الدولة وسنداتها والثقة المالية فيها، وعاقبت كل من يحرض بطريق العلانية على سحب الأموال المودعة في المصارف أو الصناديق العامة أو بيع سندات الدولة، أو الإمساك عن شرائها، أو إذاعة وقائع ملفقة أو مزاعم كاذبة تؤدي إلى هبوط أوراق النقد الوطني، وفقدان الثقة في مالية الدولة، وبالاستناد للعقوبات الواردة في النصوص فأن الجرائم بصورها الثلاثة تعد من وصف الجنحة ايضاً، وأن العلة التشريعية من تجريم تلك الأفعال وتشديد العقوبة إذا كانت صادرة من موظف أو مكلف بخدمة عامة كون تلك الأفعال تضر بالاقتصاد الوطني وتزعزع الثقة المالية للدولة، فضلاً عن اخلال الموظف بواجباته الوظيفية إذا لم يؤدي أعمال وظيفته بأمانة وشعور المسؤولية ولم يحافظ على أموال الدولة التي في حوزته او تحت تصرفه واستخدامها بصورة غير رشيدة وعدم قيامه بواجبات الوظيفة حسبما تقرره القوانين والأنظمة والتعليمات (16).
لذا يتضح لنا مما تقدم أن مصطلح الثقة المالية للدولة لم يرد بهذه الصياغة وبصورة واضحة في التشريع الجنائي الفرنسي إلا انه قد ورد في التشريع الجنائي سواء في العراق او مصر، إذ بين المشرع الأفعال التي تمثل اعتداء على الثقة المالية للدولة، وبين العقوبات على تلك الأفعال.
_______
1- ينظر : نقلاً . عن أكحل محمد القانون العضوي المتعلق بالقوانين المالية (LOLF) وحكامة الانفاق العمومي في فرنسا، بحث منشور في مجلة المتوسطية للقانون والاقتصاد جامعة باتنة الجزائر، مجلد 6 ، العدد 1، 2021، ص 46.
2- ينظر : فتحية الجوزي الاستفادة من الاتجاهات العالمية في مجال الميزانية العامة للدولة في اصلاح النظام الموازني بالجزائر، أطروحة دكتوراه جامعة الجزائر ، كلية العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير والعلوم التجارية، 2014، ص 147.
3- ينظر : قانون المالية العامة الموحد في مصر رقم (6) لسنة 2022 ، المنشور في الجريدة الرسمية، العددة مکرر (د)، بتاريخ 2022/2/8.
4- ينظر : قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي المصري رقم (194) لسنة 2020 ، المنشور في الجريدة الرسمية العدد 37 مكرر (و)، بتاريخ 27 محرم سنة 1442هـ الموافق 9/15 / 2020.
5- ينظر : المادتان (6 ، 7 /ب) من قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي المصري رقم (194) لسنة 2020.
6- ينظر : د. علي محمد جواد محمد عطا رقابة البنك المركزي على المؤسسات المالية الخاصة، ط 1، دار أمجد، عمان، 2019، ص 52 .
7- ينظر : الأسباب الموجبة لتشريع قانون الإدارة المالية الاتحادية رقم (6) لسنة 2019 المعدل.
8- ينظر : قانون وزارة المالية رقم (92) لسنة 1981 ، المنشور في جريدة الوقائع العراقية، العدد 2874، بتاريخ 1981/8/31
9- ينظر : قانون البنك المركزي العراقي لسنة 2004 الصادر من سلطة الائتلاف المؤقتة المنحلة ذي رقم (56)، بتاريخ 2004/3/1.
10- ينظر : د. علي محمد جواد محمد عطا المرجع السابق، ص13.
11- ينظر : المادة (80/ د) من قانون العقوبات المصري رقم (58) لسنة 1937المعدل.
12- ينظر : المادة (180) من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل.
13- ينظر : المادة (304) من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل.
14- ينظر : المادة (305) من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل.
15- ينظر : المادة (306) من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل.
16- ينظر : المادة (4/ أولا، سادساً ، ثاني عشر ) من قانون انضباط موظفي الدولة والقطاع العام رقم (14) لسنة 1991 المعدل، منشور جريدة الوقائع العراقية، رقم العدد 3356، 1991/6/3.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون المالي
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة