ادوات السياسة المالية ودورها في حماية الثقة المالية للدولة
المؤلف:
زهراء علي عبد الواحد الفتلاوي
المصدر:
سلطة الإدارة في حماية الثقة المالية للدولة في العراق
الجزء والصفحة:
ص 48-53
2026-08-20
37
للإحاطة الكافية بأدوات السياسة المالية العامة وكذلك دورها في حماية الثقة المالية للدولة لا بد لنا من التطرق للموضوع في نقطتين أساسيتين، إذ سنتطرق في الأولى إلى أدوات السياسة المالية الموجهة إلى حماية الثقة المالية للدولة، في حين ستتناول في الثانية دور السياسة المالية في حماية الثقة المالية للدولة، ووفقاً لما يلي:
أولاً : أدوات السياسة المالية الموجهة الى حماية الثقة المالية للدولة:
تستطيع الحكومة التأثير في الاقتصاد الوطني وحماية الثقة المالية للدولة عن طريق أدوات السياسة المالية وذلك من خلال استخدام هذه الأدوات والتي تشمل الإيرادات والنفقات العامة والموازنة العامة, وسيتم التطرق الى هذه الادوات بقدر تعلق الأمر بموضوع دراستنا، كون هذه الأدوات هي التي تستعين بها الحكومة في دعم وتعزيز الثقة بالمالية العامة للدولة، وأن تأثير الحكومة عبر أدوات السياسة المالية قد يتم من خلال أدوات مباشرة وأخرى غير مباشرة، فالأدوات المباشرة للسياسة المالية قد تتمثل بما تقوم به الحكومة من تغيير في معدلات الضريبية أو البرامج الانفاقية عن طريق إصدار تشريعات جديدة، أما الأدوات غير المباشرة فتتخذ شكلين هما الضرائب التصاعدية والمدفوعات التحويلية، إذ ان الضرائب التصاعدية ترتفع معدلاتها جراء الزيادة التي تحصل في مستويات الدخل وبالعكس تنخفض وبصورة تلقائية عند حصول انخفاض في مستويات الدخول الشخصية، أما فيما يتعلق بالمدفوعات التحويلية فأنها تدفع بلا مقابل من قبل الحكومات مثل خدمات التأمين ضد البطالة(1)، وسنتطرق الى أدوات السياسة المالية المعدة لحماية الثقة المالية للدولة وفقاً لما يلي:
1. النفقات العامة : عرفت النفقات العامة بأنها (مبالغ من النقود تخرج من ذمة شخص عام بهدف تحقيق منفعة عامة) (2)، وبهذا المفهوم فهي تتكون من ثلاثة عناصر تمثل صفاتها المميزة لها عن غيرها، وهذه العناصر تتمثل بأن النفقات العامة عبارة عن مبالغ نقدية، يقوم بنفاقها شخص عام، تهدف إلى تحقيق منفعة عامة (3) وفق هذا المفهوم لا تعد من النفقات العامة تلك النفقات التي لا تشبع الحاجات العامة ولا تحقق نفع عام للأفراد كما يقيم الفكر المالي الحديث تقسيمات النفقات العامة وفقاً لأربعة معايير تتنوع النفقات العامة تبعاً لها وهي المعيار الاقتصادي والمعيار التقليدي ومعيار الإنتاجية والمعيار الوظيفي (4).
2. الإيرادات العامة : لكي تقوم الدولة بأداء وظيفتها المالية لابد أن تتوفر لديها الموارد الاقتصادية الكافية لتغطية النفقات العامة، وقد وضع الفقه المالي مجموعة من التعاريف لتوضيح مفهوم الإيرادات العامة، فقد عرفها بعضهم بأنها مجموع المبالغ النقدية او الأموال التي تحصل عليها الدولة وغيرها من الاشخاص العامة التابعة لها من أجل تغطية النفقات العامة ووضع السياسة المالية للدولة موضع التنفيذ (5)، وكذلك عرفت بأنها ( ما يقرر المشرع جبايته من أموال أو ما تحصل علية الدولة أو أي من اشخاص القانون العام الأخرى بموجب مصدر من مصادر الحق)(6).
ومن جانبنا نجد بأن التعريف الأخير هو التعريف الذي اشتمل على أركان تلك الإيرادات(7)، كما يتسق أكثر مع الدور الذي تقوم به الإيرادات في الوقت الحاضر ، إذ إن دور الإيرادات العامة قد انحصر سابقا في تغطية النفقات العامة اللازمة لإداء وظائف الدولة التقليدية في ظل الفكر المالي التقليدي، إلا أن مفهوم الإيرادات العامة قد اتسع ليشمل كل ما يحقق الاهداف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية حيث أصبحت الإيرادات العامة أداة من أدوات السياسة المالية التي توجهها الحكومة نحو تحقيق تلك الأهداف (8).
3- الموازنة العامة: تعرف الموازنة العامة بأنها الخطة المالية للدولة والتي تعكس الأهداف والبرامج التي تتبناها الدولة، وتتضمن التقديرات التخمينية للنفقات والايرادات العامة لسنة مالية مقبلة، ولا يمكن تنفيذها إلا بإجازة من السلطة التشريعية (9) ، كما عرفت أيضاً بأنها بيان تقديري لما يجوز للحكومة انفاقه وما تستطيع ان تجلبه خلال فترة معينة من الزمن (10). وقد أوضح الدستور العراقي لعام 2005 الأسس القانونية لإعداد الموازنة العامة (11) ، إذ يتولى مجلس الوزراء اعداد الموازنة العامة استناداً إلى نص المادة (80 / رابعاً)، كما ان قانون الإدارة المالية الاتحادية رقم (6) لسنة 2019 المعدل قد أوضح كيفية إعداد الموازنة وإقرارها وتنفيذها، إذ تشدد الدولة إجراءات إعداد الموازنة العامة وكذلك تفرض الرقابة البرلمانية على تنفيذها وذلك لأنها أصبحت أداة رئيسة من أدوات السياسة المالية تستخدمها الدولة لتحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية بل وحتى السياسية خلال فترة من الزمن غالباً ما تكون سنة أو لعدة سنوات كما في موازنات الأعوام 2023 و 2024 و 2025 في العراق.
ثانياً: دور السياسة المالية في حماية الثقة المالية للدولة:
قد ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية دول متقدمة تمتاز بالتقدم والتطور الاقتصادي، والرفاه الاجتماعي وارتفاع مستوى المعيشة وأخرى متخلفة أو ما يطلق عليها بدول العالم الثالث أو الدول النامية التي تمتاز بانخفاض الدخل القومي مما ينعكس على تدني متوسط دخل الفرد، وعدم مساهمة القطاع الصناعي إلا بنسبة ضئيلة جداً من الناتج الوطني، وكذلك تتميز بضعف وعدم مرونة جهازها الإنتاجي، وأيضاً ارتفاع معدلات العجز في الموازنة العامة (4)، وهذا كله يرتبط بلا شك باختلاف دور السياسة المالية التي استخدمتها تلك الدول في معالجة المشاكل الاقتصادية ومنها تعزيز الثقة المالية للدولة.
وعلى ذلك، ففي الدول المتقدمة ومنها فرنسا يكون دور السياسة المالية موجها نحو العمل على تحقيق الاستقرار الاقتصادي وجعل الموازنة العامة تتغير تبعاً للدورة الاقتصادية، فمثلاً عندما يكون الاقتصاد في حالة كساد، أي عندما يكون الانفاق الكلي على الناتج القومي أقل مما هو ضروري للاحتفاظ بمستوى العمالة الكاملة، فإنه يصبح لازماً على الدولة أن تكيف مستوى انفاقها وايراداتها حتى وأن لجأت إلى التمويل بالعجز كي تملأ الفجوة القائمة بين الدخل القومي عند مستوى العمالة الكاملة ومستوى الانفاق الكلي، كذلك قد تلجأ الدولة لإحداث فائض في الموازنة العامة إذا زاد الطلب الكلي على السلع والخدمات زيادة كبيرة لا تقابلها زيادة في الدخل الحقيقي للمجتمع تلافياً لحدوث تضخم نقدي (13) .
ويتضح مما تقدم ان للسياسة المالية دوراً مهماً في حماية الثقة المالية للدولة في الدول المتقدمة اقتصادياً، سواء على مستوى القطاع العام او القطاع الخاص، إذ تسعى الى تهيئة البيئة
المناسبة لازدهار الاستثمار ونموه والتخفيف من حدة التقلبات الاقتصادية، إضافة إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي ومستوى التشغيل الكامل للموارد الإنتاجية العاطلة، وهذا كله يسهم في دعم وحماية وتعزيز الثقة المالية للدولة.
أما في دول العالم الثالث فإن السياسة المالية للدولة تمارس دوراً مهماً للغاية في الحياة الاقتصادية، كما هو الحال في مصر والعراق، إذ أصبح دور الدولة فيهما هو القائد والمحرك الأساسي للنشاط الاقتصادي و تطويره وبما أن عملية التنمية تحتاج الى جهاز انتاجي قوي يعتمد بشكل وفي ضوء ما تقدم ولأن العراق يعد من الدول العالم الثالث فإنه ينبغي إيجاد سياسة مالية ناجحة وفعالة، من أجل حماية الثقة المالية لتلك الدول، عن طريق توفير مستوى اداري وتخطيطي كفؤ، وتوفير الرؤية الاستراتيجية بحيث تكون قادرة على استشراف المستقبل والتخطيط له، وايضاً توفير الوعي الضريبي لدى الافراد الذي يسهم في امتثال الأفراد والمؤسسات المالية للقوانين والقرارات المتعلقة بشأن المالي للدولة، بالإضافة إلى تحقيق النمو والتقدم في المؤسسات العامة، ولاسيما المؤسسات المالية التي تدير الشؤون المالية للدولة.
____________
1- ينظر : د. حيدر يونس كاظم، الفكر الحديث في السياسات الاقتصادية، ط 1 ، مركز كربلاء للدراسات والبحوث كربلاء، 2016، ص 23 وما بعدها.
2- د. عادل فليح العلي المالية العامة والتشريع المالي الضريبي، ط 1 ، دار الحامد عمان، 2007، ص 50.
3- لمزيد ينظر: د. رمضان صديق الوجيز في المالية العامة والتشريع الضريبي دار النهضة العربية، القاهرة، 2008، ص 104 وما بعدها.
4- لمزيد ينظر : د. طاهر الجنابي المالية العامة والتشريع المالي، دار الكتب، الموصل، بلا سنة نشر، ص 19 وما بعدها.
5- ينظر : د. رائد ناجي احمد علم المالية العامة والتشريع المالي في العراق، ط ، العاتك لصناعة الكتاب، القاهرة، 2017، ص 43.
6- د. احمد خلف حسين الدخيل الممارسات العد الاتية في انفاذ القوانين المالية، ط 1 ، مكتبة القانون المقارن، بلا مكان طبع، 2022، ص 52
7- لكي يكون الايراد ايراداً عاماً، لابد ان يتوفر فيه ركنين هما الركن المادي والركن الشرعي، ويتمثل الركن المادي بوجود أحد مصادر الحق التي لا تخرج عن التصرف القانوني او الواقعة المادية، اما الركن الشرعي فيتمثل بوجود نص قانوني يقرر المشرع فيه جباية بعض الإيرادات وينطبق ذلك على القروض العامة والغرامات والضرائب وأيضا الرسوم العامة في العراق. ويتجلى هذا الركن في الثمن العام بقرار الإدارة الذي يحدد سعر الوحدة المباعة من السلعة التي تبيعها، اما بقية صور الإيرادات التي يتم تحصيلها بموجب مصدر من مصادر الحق التي ذكرت في الركن المادي، فأنها تحتاج الى قرار إداري خاص بتحصيل كل منها على حدة، وبالتالي يتم تحصيل دينها وفقاً للقوانين المرعية في الدولة. ينظر : د. احمد خلف حسين الدخيل، المرجع السابق ذاته . ص 54.53.
8- ينظر : د. محمد خصاونة المالية العامة النظرية والتطبيق دار المناهج للنشر والتوزيع، عمان، 2014، ص 62.
9- ينظر : د. محمد شاكر عصفور أصول الموازنة العامة، ط3، دار المسيرة للنشر والتوزيع، عمان، 2011، ص 16.
10- ينظر : جيهان حسن السيد احمد خليل دور السلطة التشريعية في الرقابة على أموال الدولة، أطروحة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة القاهرة، 2016، ص 21.
11- ينظر : نص المادة (62) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005.
12- ينظر : د. محمد طاقة ، د. هدى العزاوي، اقتصاديات المالية العامة، ط 2 ، دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة عمان، 2010، ص 26 .
13- ينظر : د. أعاد حمود القيسي، المالية العامة والتشريع الضريبي، ط ، ، دار الثقافة، عمان، 2011، ص 85.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون المالي
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة