استدلّ الأشعري بوجوه:
الدليل الأول: قوله سبحانه (إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)(1) قال الأشعري: ومما يدل من كتاب الله على أنّ كلامه غير مخلوق قوله عزوجل: (إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)(2).
فلو كان القرآن مخلوقا لوجب أن يكون مقولا له «كن فيكون». ولو كان الله عزوجل قائلا للقول «كن» لكان للقول قول. وهذا يوجب أحد أمرين : إما أن يؤول الأمر إلى أنّ قول الله غير مخلوق ، أو يكون كل قول واقعا بقول لا إلى غاية وذلك محال. وإذا استحال ذلك صحّ وثبت أنّ لله عزوجل قولا غير مخلوق (3).
يلاحظ عليه : أوّلا ـ إنّ الاستدلال مبني على كون الأمر بالكون في الآية ونظائرها أمرا لفظيّا مؤلفا من الحروف والأصوات. وأنّه سبحانه كالسلطان الآمر ، فكما أنّه يتوسل عند أمره وزراءه وأعوانه باللفظ ، فهكذا سبحانه يتوسّل عند خلق السّماوات والأرض باللفظ والقول ، فيخاطب المعدوم المطلق بلفظة «كن».
ولا شك أنّ هذا الاحتمال باطل جدا ، إذ لا معنى لخطاب المعدوم. وما يقال في تصحيحه بأنّ المعدوم معلوم لله تعالى فهو يعلم الشيء قبل وجوده وأنّه سيوجد في وقت كذا ، غير مفيد ، لأن العلم بالشيء لا يصحح الخطاب ، وإن كنت في شك من ذلك فلاحظ النجّار الذي يريد صناعة الكرسي بالمعدات والآلات ، فهل يصح أن يخاطبها بهذا اللفظ ، هذا وإن كان بين المثال والممثّل له فرق أو فروق.
وإنّما المراد من الأمر في الآية ، كما فهمه جمهور المسلمين ، هو الأمر التكويني المعبّر عن تعلّق الإرادة القطعية بإيجاد الشيء ، والمقصود من الآية أنّ تعلق إرادته سبحانه يعقبه وجوده ، ولا يأبى عنه الشيء ، وأنّ ما قضاه من الأمور وأراد كونه فإنه يتكون ويدخل في حيز الوجود من غير امتناع ولا توقف ، كالمأمور المطيع الذي يؤمر فيمتثل ، لا يتوقف ولا يمتنع ولا يكون منه الإباء.
وبذلك تقف على الفرق بين الأمر التكليفي التشريعي الوارد في الكتاب والسنّة ، والأمر التكويني. فالأول يخاطب به الإنسان العاقل للتكليف ولا يخاطب به غيره فضلا عن المعدوم. وهذا بخلاف الأمر التكويني فإنّه رمز لتعلق الإرادة القطعية بإيجاد المعدوم.
وهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يفسّر الأمر التكويني بقوله «يقول لما أراد كونه كن ، فيكون. لا بصوت يقرع ولا بنداء يسمع ، وإنّما كلامه سبحانه فعل منه ، أنشأه ومثّله ، لم يكن من قبل ذلك كائنا ، ولو كان قديما لكان إلها ثانيا» (4).
وثانيا ـ نحن نختار الشقّ الثاني ، ولا يلزم التسلسل. ونلتزم بأنّ هنا قولا سابقا على القرآن هو غير مخلوق أوجد به سبحانه مجموع القرآن وأحدثه حتى كلمة «كن» الواردة في تلك الآية ونظائرها. فتكون النتيجة حدوث القرآن وجميع الكتب السماوية وجميع كلمه وكلامه إلّا قولا واحدا سابقا على الجميع. فينقطع التسلسل بالالتزام بعدم مخلوقية لفظ واحد.
ثالثا ـ كيف يمكن أن تكون كلمة «كن» الواردة في الآية وأمثالها قديمة. مع أنها إخبار عن المستقبل فتكون حادثة. يقول سبحانه مخبرا عن المستقبل (إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ). ولأجل ذلك التجأ المتأخرون من الأشاعرة إلى أنّ لفظ «كن» حادث والقديم هو المعنى الأزلي النفساني (5).
الدّليل الثاني ـ قوله سبحانه : (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) (6).
قال الأشعري : ف «الخلق» جميع ما خلق داخل فيه ، ولما قال «والأمر» ذكر أمرا غير جميع الخلق. فدل ما وصفناه على أنّ أمر الله غير مخلوق. وأما أمر الله فهو كلامه. وباختصار : إنّه سبحانه أبان الأمر من الخلق ، وأمر الله كلامه ، وهذا يوجب أن يكون كلام الله غير مخلوق (7).
يلاحظ عليه : إنّ الاستدلال مبني على أنّ «الأمر» في الآية بمعنى كلام الله وهو غير ثابت بل القرينة تدل على أنّ المراد منه غيره ، كيف وقد قال سبحانه في نفس الآية : (وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) والمراد من اللفظين واحد ، والأول قرينة على الثاني. وهدف الآية هو أنّ الخلق ـ بمعنى الإيجاد ـ وتدبيره كلاهما من الله سبحانه وليس شأنه سبحانه خلق العالم والأشياء ثم الانصراف عنها وتفويض تدبيرها إلى غيره حتى يكون الخلق منه والتدبير على وجه الاستقلال من غيره ، بل الكل من جانبه سبحانه.
فالمراد من الخلق إيجاد ذوات الأشياء ، والمراد من الأمر النظام السّائد عليها ، فكأنّ الخلق يتعلق بذواتها والأمر بالأوضاع الحاصلة فيها والنظام الجاري بينها. ويدل على ذلك بعض الآيات التي تذكر «تدبير الأمر» بعد الخلق.
يقول سبحانه : (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ) (8).
وقال تعالى : (اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ، ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ) (9).
فليس المراد من الأمر ما يقابل النهي ، بل المراد الشئون الراجعة إلى التكوين ، فيكون المقصود أنّ الإيجاد أولا ، والتصرف والتدبير ثانيا منه سبحانه فهو الخالق المالك لا شريك له في الخلق والإيجاد ولا في الإدارة والتدبير.
الدليل الثّالث ـ قوله سبحانه: (إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ) (10).
قال الاشعري: «فمن زعم أنّ القرآن مخلوق فقد جعله قولا للبشر، وهذا ما أنكره الله على المشركين» (11).
يلاحظ عليه : إنّ من يقول بأنّ القرآن مخلوق لا يريد إلّا كونه مخلوقا لله سبحانه. فالله سبحانه خلقه وأوحى به إلى النبي ونزّله عليه منجّما على مدى ثلاث وعشرين سنة وجعله فوق قدرة البشر فلن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.
نعم ، كون القرآن مخلوقا لله سبحانه لا ينافي أن يكون ما يقرؤه الإنسان مخلوقا له لبداهة أنّ الحروف والأصوات التي ينطق بها الناس مخلوقة لهم وهذا كمعلقة امرئ القيس وغيرها ، فأصلها مخلوق لنفس الشاعر ، ولكن المقروء مثال له ، ومخلوق للقارىء.
والعجب أنّ الأشعري ومن قبله ومن بعده لم ينقّحوا موضع النزاع فزعموا أنّه إذا قيل «القرآن مخلوق» فإنما يراد منه كون القرآن مصنوعا للبشر ، مع أنّ الضرورة قاضية بخلافه ، فكيف يمكن لمسلم يعتنق القرآن ويقرأ قول البارئ سبحانه فيه : (وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ) (12) ، أن يتفوّه بأنّ القرآن مخلوق للبشر. بل المسلمون جميعا يقولون في القرآن نفس ما قاله سبحانه في حقّه. غير أنّ المقروء على ألسنتهم مخلوق لأنفسهم ، فيكون مثال ما نزله سبحانه مخلوقا للإنسان ، وكون المثال مخلوقا لهم ليس دليلا على أنّ الممثّل مخلوقا لهم. والناس بأجمعهم عاجزون عن إيجاد مثل القرآن ولكنهم قادرون على إيجاد مثاله. فلاحظ وتدبر.
وبذلك تقف على أنّ أكثر ما استدل به الأشعري في كتاب «الإبانة» غير تام من جهة الدلالة ، ولا نطيل المقام بإيراده ونقده. وفيما ذكرنا كفاية.
بقي هنا نكتة ننبه عليها وهي : إنى المعروف من إمام الحنابلة أنّه ما كان يرى الخوض في المسائل التي لم يخض فيها السلف الصالح لأنه ما كان يرى علما إلّا علم السلف ، فما يخوضون فيه يخوض فيه ، وما لا يخوضون فيه من أمور الدّين يراه ابتداعا يجب الإعراض عنه. وهذه المسألة لم يتكلم فيها السلف فلم يكن له أن يتكلم فيها. والمبتدعون هم الذين يتكلمون ، فما كان له أن يسير وراءهم وكان من واجبه حسب أصوله أن يتوقف ولا ينبس ببنت شفة. نعم نقل عنه ما يوافق التوقف ـ رغم ما نقلنا عنه من خلافه ـ وأنّه قال : من زعم أنّ القرآن مخلوق فهو جهمي ، ومن زعم أنّه غير مخلوق فهو مبتدع.
ويرى المحققون أنّ إمام الحنابلة كان في أوليات حياته يرى البحث حول القرآن ، بأنّه مخلوق أو غير مخلوق ، بدعة. ولكنه بعد ما زالت المحنة وطلب منه الخليفة العباسي المتوكل ، المؤيد له ، الإدلاء برأيه، اختار كون القرآن ليس بمخلوق. ومع ذلك لم يؤثر عنه أنّه قال: إنّه قديم. (13).
_____________
(1) سورة النحل : الآية 40.
(2) سورة النحل : الآية 40.
(3) الإبانة ، ص 52 ـ 53.
(4) نهج البلاغة ، الخطبة 186.
(5) دلائل الصدق حاكيا عن الفضل بن روزبهان الأشعري ، ج 1 ، ص 153.
(6) سورة الأعراف : الآية 54.
(7) الإبانة ، ص 51 ـ 52.
(8) سورة يونس : الآية 3.
(9) سورة الرعد : الآية 2.
(10) سورة المدثر : الآية 25.
(11) الإبانة ـ ص 56.
(12) سورة الانعام : الآية 155. ومثله قوله : (تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) (الجاثية : الآية 2) وآيات كثيرة أخرى.
(13) تاريخ المذاهب الإسلامية ، ص 300.