(وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [البقرة: 191-192].
خلاصة التفسير:
يأمر الله سبحانه المسلمين في الايتين اعلاه بقتل المشركين أينما وجدوهم وطردهم من مكة المكرمة لأنهم حالوا دون ايمان الاخرين ودخلوهم الى حظيرة الاسلام من خلال موقفهم المتعنت إزاء الوحي الالهي واستهزائهم بالرسول ﷺ وبالمؤمنين وقتل العديد من المسلمين وتعذيب الاخرين والتنكيل بهم والاستيلاء على أموالهم وممتلكاتهم واخراجهم من بيوتهم وديارهم بأيد خالية ويأمرهم كذلك بقتل جميع المشركين الذين كانوا وما زالوا في حالة حرب وقتال مع المسلمين وطردهم من مكة وجزيرة العرب كلها لمنع انتشار كفرهم وشركهم وإعلامهم السيء ومؤمراتهم الدنيئة بشتى أشكالها وصورها.
والسر في نزول حكم القتال حتى غياب القتال والاعتداء أساسا هو كون الفتنة أشد من القتل أي أن ما ينسبه المشركون والكافرون الى المسلمين ظلما وبهتانا (وهي الفنتة) أشد وقعا وأسوأ نتيجة مما يفعله المسلمون بأولئك وتقضي الحكمة الالهية بالقضاء على المشركين المتسببين بأولئك.
وتقضي الحكمة الالهية بالقضاء على المشركين المتسببين في اثارة الفنت والضغائن وقتلهم أو إبعادهم وطردهم عبر الجهاد الابتدائي الذي يمثل الدفاع روحه وجوهره حتى يتم استئصال جذور الكفر والشرك وعبادة الاوثان وهي السياسة التي انتهجها المشركون وكانوا يدافعون عنها بكل السبل والتي تعتبر أكبر الفتن وأبرز نماذجها وأكثرها تهديدا وخطورة على الحياة الانسانية.
ويتمتع المسجد الحرام ومنذ القدم بخصوصية وقدسية استثنائية ولذلك يأمر الله عز وجل المؤمنين من المهاجرين والأنصار بالحفاظ على حرمة هذا المسجد الطاهر وبالتالي عدم البدء بالقتال أوشن الهجوم على الاعداء بالقرب من المسجد الحرام لكن إذا ابتدأهم المشركون بالقتال وكانوا المبادرين الى الحرب فإن المؤمنين مأذونون بمحاربتهم وقتالهم وإن كان ذلك داخل المسجد الحرام لأن حرمة هذا المسجد وسائر الاماكن المقدسة مرهونة بحرمة الله تعالى وحرمة دينه.
نعم هذا الجزء القاتل والصارم هو الجزاء الذي يستحقه الكافرون الزارعون لبذور الفتنة والمعتدون على حرمة المقدسات الذين يصدون الناس عن الدخول في الاسلام ويجرون البعض على الارتداد عن الاسلام بالقوة والحلية والدسيسة والمكر والخدع والمكيدة السياسية والعسكرية والاجتماعية والثقافية إلا إذا فاؤوا الى أمر الله ورجعوا عن بغيهم وتخلوا عن محاربة المسلمين ففي هذه الحالة فإن الله سبحانه غفور رحيم وعفا الله عما سلف منهم.
تفسير المفردات: ثقفتموهم: الثقف: الحذق في إدراك الشيء وفعله ومنه قيل: رجل ثقف أي: حاذق في إداراك الشيء وفعله ويقال: ثقفت كذا إذا أدركته ببصرك الحذق في النظر ثم يتجوز به فيستعمل في الادراك وإن لم تكن معه ثقافة[1].
وأشار الاستاذ العلامة الطباطبائي قدس سره الى أن الثقافة تعني الحصول والإدراك وقال: فمعنى الاية معنى قوله: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ[2])[3].
جزاء: الاصل الواحد في هذه المادة هو (المكافأة) والجزاء أعم من الثواب والعقاب[4]. وقال الراغب الاصفهاني في مفرداته: الجزاء الغناء والكفاية وقال تعالى: (يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا[5])، والجزاء ما فيه الكفاية من المقابلة إن خيرا فخير (وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا[6]) وإن شرا فشر (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا[7]). والجزية: ما يؤخذ من أهل الذمة ... قال الله تعالى: (حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ[8])[9].
وفي الاية المفسرة كان جزاء الفتنة التي أشعلها المشركون وأثارها الكافرون وقتالهم في المسجد الحرام هو القتل أو التشريد. انتهوا: النهي الزجر عن الشيء قال تعالى: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ[10])، وهو من حيث المعنى لا فرق بين أن يكون بالقول: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ[11]) أو بغيره (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ[12]) ومن حيث اللفظ فقوله تعالى: (وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ[13]) والانتهاء هو قبول النهي والكف عن الاستمرار في السلوك والتصرف السابقين وتجنب ارتكابهما ثانية[14]: (فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ[15]) و(قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ[16]).
والمراد به الانتهاء عن مطلق القتال عند المسجد الحرام دون الانتهاء عن مطلق القتال بطاعة الدين وقبول الاسلام فإن ذلك هو المراد بقوله تعالى ثانيا: (فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ)، وأنا هذا الانتهاء فهو قيد راجع الى أقرب الجمل اليه وعلى هذا فكل من الجملتين أعني قوله تعالى: (فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) وقوله تعالى: (فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ) قيد لما يتصل به من الكلام من غير تكرار[17].
تناسب الايات تبين الاية الاولى من بين الآيتين المذكورتين مقدار وحد تطبيق الحكم المشار اليه في الاية السابقة[18]، ورغم أنها مكملة للاية السابقة لكن تعتبر معطوفة عليها بسبب المغايرة في نوع السلوك والتعامل ونطاق العمل المبين في كل منهما[19]، والآية الثانية هي قيد يعود الى جملة (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ...) في الاية الاولى[20].
فأما الذين يعتبرون أن الاية السابقة منسوخة بهذه الاية فإنهم كذلك لا يعترفون بنزولهما معا حتى لا يشكل في كيفية نزول الناسخ والمنسوخ في آن واحد[21]، إلا أن الانسجام المشهود والترتيب المنظم في أحكام الاية يدل بشكل واضح على نزول الايتين معا ويبدو مما كتبه الباحثون المتقدمون والمتأخرون أنهم اقتنعوا بأن ما تتضمنه الايات المذكورة هو التخصيص لا النسخ[22].
هذا وجاء أمر الله تعالى بالجهاد والقتال في الآية السابقة مشروطا بمبادرة الكافرين الى الحرب والقتال ثم زيد على التكليف المذكور فأصبح بالشكل التالي: جاهدوا المشركين وقاتلوهم سواء حاربوكم أم لم يحاربوكم[23]. وبالرغم من أصل التعميم الموجود في الحكم بالنسبة للمكان ووجوب مقاتلة الكافرين أينما وجدوا[24]، يبقى المسجد الحرام مستثنى من ذلك كذلك[25].
وبعد تحريم الاعتداء في الاية السابقة صرحت الاية التي تلتها بإباحة أصل القتال والنظر الى اشتمال الاية الشريفة على الابعاد والطرد والاخراج فإن من شأن ذلك في العادة أن تلازمه المواجهة فقال تعالى: (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ)، ولما كان من الصعب على الاعزاء من المسلمين والثابتين منهم على الجهاد والأنفس الابية التنصل عن تنفيذ أمر الله قال سبحانه: (فَإِنِ انتَهَوْا[26]).
تذكير: لا وجود للتخصيص في الاية السابقة حيث تم النهي عن الاعتداء وتجاوز حدود الله تعالى وما جاء في شأن قتل المشركين في الآية المفسرة (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) فمرده التخصص وليس التخصيص اذ في حالة قيام المشركين أنفسهم بالهجوم فإن معنى القتال (الوارد من قبل) هو الدفاع وعندما كان الكافرون يصدون الاخرين عن الدخول في الاسلام أو إجبار البعض الاخر على الارتداد من خلال الخدعة والدسائس والمكر والحيل السياسية والعسكرية والاجتماعية والثقافية نزلت الاية للتحدث عن القتل (لا القتال) وهو ما نبحثه الآن.
وأما السر في نزول حكم القتل حتى مع عدم القتال والاعتداء فهو أن الفتنة أشد من القتل فما ينسبه المشركون الى المسلمين ظلما وبهتانا وهي الفتنة أكبر وأشنع من معاملة المسلمين لهم.
[1] مفردات ألفاظ القرآن: 173 مادة (ثقف).
[3] تفسير الميزان: 2 / 61 .
[4] التحقيق في كلمات القرآن 2 / 86
[9] مفردات ألفاظ القرآن: 195، مادة «جزا».
[14] مفردات ألفاظ القرآن: 826 - 827، مادة النهي .
[17] تفسير الميزان 2 / 62 .
[18] المصدر السابق: 61. قال الأستاذ العلامة الطباطبائي قدس سره: القتال محاولة الرجل قتل من يحاول قتله، وكونه في سبيل الله إنّما هو لكون الغرض منه إقامة الدين وإعلاء كلمة التوحيد، فهو عبادة يُقصد بها وجه الله تعالى دون الاستيلاء على أموال الناس وأعراضهم، فإنّما هو في الإسلام دفاع يُحفظ به حق الانسانية المشروعة عند الفطرة السليمة... فإنّ الدّفاع محدود بالذات، والتعدي خروج عن الحد، ولذلك عقبه بقوله تعالى: (وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) قوله تعالى(وَلَا تَعْتَدُوا) الاعتداء هو الخروج عن الحد؛ يُقال: عَدا واعتدى، إذا جاوز حده، والنهي، عن الاعتداء مطلق يُراد به كل ما يصدق عليه أنه اعتداء كالقتال قبل أن يُدعى إلى الحق والابتداء بالقتال وقتل النساء والصبيان، وعدم الانتهاء إلى العدو، وغير ذلك ممـا بيـنـه السـنة النبوية.
[19] تفسير التحرير والتنوير: 2/ 198. قال ابن عاشور وعطفت الجملة على التي قبلها وإن كانت هي مكمّلة لها، باعتبار أن ما تضمنته قتل خاص غير قتال الوغى فحصلت المغايرة المقتضية العطف، ولذلك قال هنا (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ) ولم يقل: وقاتلوهم... تنبيها على قتل المحارب ولو كان وقت العشور عليه غير مباشر للقتال وأنه من خرج محارباً فهو قاتل وإن لم يقتل.
[20] تفسير الميزان: 2 / 62 .
[21] تفسير بيان السعادة: 1 / 179
[22] التفسير الكبير: المجلد 5 - 5،6 / 140؛ تفسير المنار: 2 / 209.
[23] تفسير غرائب القرآن: 1/ 529 قال صاحب غرائب القرآن وقيل في سبب نزول الآية: إنه ﷺ خرج مع أصحابه لإرادة الحج، فلما نزل بالحديبية وهـو مـوضـع كثير الشجر والماء، صدهم المشركون عن دخول البيت فأقام شهراً لا يقدر على ذلك، فصالحوه على أن يرجع ذلك العام ويعود إليهم في العام القابل ويتركوا له مكة ثلاثة أيام حتى يطوف وينحر الهدى ويفعل ما يشاء. فرضي ﷺ بذلك وصالحهم عليه وعاد إلى المدينة. وتجهز في السنة القابلة، ثم خاف أصحابه من قريش ألا يفوا بالوعد ويصدّوهم عن المسجد الحرام وأن يقاتلوهم، وكانوا كارهين لقتالهم في الشهر الحرام وفي الحرم. فأنزل الله هذه الآيات وبين له كيفية المقاتلة إن احتاجوا إليها فقال: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا) بابتداء القتال، وإنما كان ذلك في أوّل الأمر لقلة المسلمين ولكون الصلاح في استعمال الرفق واللين، فلما قوي الإسلام وكثر الجمع وأقام من أقام منهم على الشرك بعد ظهور المعجزات وتكرّرها عليهم، حصل اليأس من إسلامهم، فأمروا بالقتال على الإطلاق.
[24] تفسير التحرير والتنوير: 2 / 198
[25] تفسير غرائب القرآن: 1 / 529
[26] نظم الدرر: 1 / 363 - 364. قال :البقاعي: ولما كانت الآيــة نــاظرة إلى قصاص قال: (وَأَخْرِجُوهُم) أي فإن لم يقاتلوكم (مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ) أي مكة التي هـي مــوطـن الحــج والعمرة ومحل الشعائر المقصودة لأهل الإسلام، ولما كان هذا مُشعراً بأنهم لم يكن منهم إليهـم قتال في مكة لغير الأذى المحوج إلى الخروج من الديار على أن التقدير: فإن الإخراج من السكن أشد فتنة، وقد فتنوكم به، فعطف عليه قوله: (وَالْفِتْنَةُ) أي العذاب بالإخراج أو غيره من أنواع الإخافة (أَشَدُّ) تليينهم للإسلام (مِنَ الْقَتْلِ) أعم من أن يكون المراد من قتلكم إياهم في الحرم أو غيره أو قتلهم إياكم أو غير ذلك لما فيه من مواصلة الغمّ القابض للنفس عن مراداتها، فلذلك سوغنا لكم قتلهم قصاصاً بسبب إخراجكم، فكان المراد بالذات إخراجهم لتمكن والاعتمار، ولكنه لما لم يمكن إلا بقتالهم وقتلهم أذِنَ فيهما. وقد كشف الواقع في أمر عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وعبد الله بن أبي ربيعة أنّ الإخراج من مكة لينهم للإسلام أكثر من تليين القتل فإنّهم أسلموا لما أشرفوا على فراق مكة بظهور الإسلام فيها ولم يسلم أحد من قريش خوفاً من القتل، فلكون السياق لإخراجهم عبر هنا أشد. ولما كان النزوع بعد الشروع لاسيما حالة الإشراف على الظفر عسراً على الأنفس الأبية والهمم العلية قال: (فَإِنِ انتَهَوْا) أي عن القتال ومقدماته، وفيه إشعار بأن طائفة منهم تنتهي فإنّ العالم بكل شيء لا يعبر بأداة الشك إلا كذلك.