تمييزها عن سياسة القاضي الإداري
المؤلف:
محمد جبار طالب الموسوي
المصدر:
السياسة القضائية للمحكمة الاتحادية العليا في العراق
الجزء والصفحة:
ص 28-30
2026-06-22
46
يتشابه عمل القاضي الدستوري مع القاضي الإداري بأن عمل كلا منهما استثناء على مبدأ الفصل بين السلطات ، فالقاضي الاداري يتدخل بعمل السلطة التنفيذية ويراقب مدى مشروعية القرارات التي تصدر عنها ومطابقتها مع القانون ، كما هو حال القاضي الدستوري الذي يراقب على السلطة التشريعية ويطابق مدى شرعية أعمالها و مطابقة القوانين التي تصدر عنها مع الدستور (1) ، كما يتشابهان بأن كلا منهما قضاء متخصص بنوع معين من الدعاوى ، وأن كلا منهما قضاء إلغاء فالأول يحكم بإلغاء القرارات الإدارية إذا كانت مخالفة للقانون والثاني يحكم (في الدول التي لديها قضاء دستوري ) بإلغاء القوانين المخالفة للدستور .
كما يملك القاضي الدستوري دورا على درجة كبيرة من التحرر ، فكان من نتيجة ذلك أن أصبح دورهما أنشائياً وأصبح دور القاضي الدستوري في تكوين القانون الدستوري مشابه لدور القاضي الاداري في تكوين القانون الاداري ، وظهر هذا كله من خلال الدور الخلاق في استنباط المبادئ العامة للقانون (2) ، بید أنهما يختلفان ببعض النقاط سنوضحها على النحو الآتي :-
أولاً / طريقة التفسير من قبل القاضي الدستوري تأتي مختلفة عن غيرها فالاخير يستهدف من تفسيره للدستور إعتبارات سياسية واقتصادية واجتماعية في ظل المصلحة العليا للدولة ، و لأن الدستور هو الذي يهتدى به لتنظيم هذه الامور فإنه لا يكتفي كغيره من القضاة بالمعايير والضوابط المعتادة عند تفسير النصوص ، بل يستوحي أفكار وضوابط مختلفة بما لا يجعل الدستور أداة جامدة معطلة أو يجعلها آلة صماء لا تجاري أوضاع الحكم والأفكار السياسية وأهدافها (3) ، في حين نجد القاضي الاداري يفسر القانون تفسيرا قانونيا ويطبقه على المنازعات دون أن يتجاوز ذلك أو يذهب لاعتبارات أخرى (4) .
ثانيا / القاضي الدستوري هو قاضي مهمة وهو في الاصل قاضي عدالة دستورية (5) ، وله سياسته الخاصة بمراقبة أعمال السلطة التشريعية ومدى مخالفتها لاحكام الدستور عبر دعوى يرفعها الحكام وأحيانا الأفراد العاديين عند توافر المصلحة ، في حين أن القاضي الإداري لا يراقب على الدستورية على سبيل الأصل ، فهي ليست مهمته بالتحديد لكنها مرتبطة بمهنته الاصلية وفرضها مبدأ تدرج القوانين واحترام توزيع الاختصاص بين السلطات العامة (6) .
ثالثا / أصبحت المحاكم الدستورية تنطلق من حماية الدستور وضمان احترامه لتلعب دوراً مهماً وخطيرا ولافتا في الحياة السياسية من خلال التدخل في مجال عمل السلطتين التشريعية والتنفيذية، حتى بات القضاء الدستوري يحتل المرتبة الثانية بعد الدستور في تقييد وتوجيه كل من هاتين السلطتين ، علاوة على دوره في التعقيب على أعمالهما وتصحيح انحرافهما ، فساهم في صنع السياسة العامة للدولة كغيره من المؤسسات (7) .
فنجد أن أهم تطور حصل في وظائف القضاء الدستوري هو تدخله بمجال الاحزاب السياسية والعملية الانتخابية ، فالنص على الحقوق والحريات السياسية لا يكفي بحد ذاته كضمان لها أذ يستتبع حكما تدخل القضاء الدستوري لضمان عدم المساس أو الانحراف بها لتخرج عن حدودها الطبيعية ، فالقضاء الدستوري هو الذي يقرر إبطال التشريعات التي تمس الحريات السياسية وهو من يفصل بصحة الانتخابات ويستند بتدخله في مجال الاحزاب السياسية والانتخابات إلى أسس تتمثل في مراقبة أنشطتها السياسية وحماية وتنظيم الممارسات الديمقراطية (8)
فيما نجد القضاء الاداري نأى بنفسه عن المجال السياسي وأقر أعمال السيادة وأمتنع عن النظر في تلكم القرارات الادارية لسببين أولهما أن المشرع نص صراحة على عدم اختصاصه بها وثانيهما الطبيعة السياسية لتلكم الاعمال ، أن تصدر عن الحكومة بوصفها المسؤولة عن السياسة العليا للدولة ومنها العلاقات الدولية وأعلان الحرب أو فضها أو علاقة السلطتين التشريعية والتنفيذية (9) .
_____________
1- د. توفيق شمبور ، مراقبة المجلس الدستوري للقوانين الاستثنائية ، دار الكتب العلمية، بيروت ، دون سنة نشر ،ص141 1.
2- ميثم حنظل شريف وصبيح وحوح حسين ، أثر تفسير نصوص الدستور على تحول أحكام القضاء الدستوري – دراسة مقارنة ، بحث منشور في مجلة جامعة بابل للعلوم الانسانية ، المجلد 25 ، العدد 3 ، 2017 ، ص 517
3- د. محمد فوزي نويجي ، التفسير المنشيء للقاضي الدستوري - دراسة مقارنة ، القاهرة، دار النهضة العربية، ص19
4- د. عصمت عبد المجيد ، مجلس الدولة، دار الكتب العلمية ، بيروت، 2012 ، ص 212
5- يقصد بالعدالة الدستورية ضمان الامتثال للدستور من قبل السلطات الثلاث والتحقق من مطابقة القوانين مع الدستور.
6- د. زواقري الطاهر ، العدالة الدستورية ضمانة للفصل بين السلطات وتوازنها ، بحث منشور في مجلة الحقوق والعلوم السياسية المجلد 1 ، العدد 1 ، 2014 ، الجزائر ، ص 23
7- Robert A Dahl, Decision making in a democracy, the supreme court as a National Policy maker, journal of public law, U.S.A, 1957, P 180 - 181
8- میسون طه حسين ، الدور السياسي للقاضي الدستوري ، أطروحة دكتوراه مقدمة الى كلية القانون – جامعة بابل ، 2015 ، ص 228
9- أ.د غازي فيصل مهدي و د. عدنان عاجل عبيد ، القضاء الاداري ، ط 2 ، مؤسسة النبراس للطباعة والنشر ، النجف الاشرف ، 2013 ، ص 78 .
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون الدستوري و النظم السياسية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة