تعريف سياسة القاضي الدستوري
المؤلف:
محمد جبار طالب الموسوي
المصدر:
السياسة القضائية للمحكمة الاتحادية العليا في العراق
الجزء والصفحة:
ص 16-20
2026-06-22
46
نظرا لأهمية تعريف السياسة القضائية للقضاء الدستوري سنقوم ببيان مدلول هذه السياسة لغة واصطلاحا ومن ثم نتطرق لأنواعها وعلى النحو الآتي :-
أولا / سياسة القضاء الدستوري لغة واصطلاحاً: السياسة في اللغة هي مصدر الفعل ساس ، وساس الامور أي دبرها وقام بأصلاحها ، والسياسة في اللغة هي القيام على الشيء وتدبيره بما يصلحه (1) ، القضاء فهو من الفعل قضى أي حكم وفصل ، والقاضي هو اسم لكل من حكم بين اثنين (2) ، أي أن سياسة القضاء في اللغة هي قيام القاضي بأصلاح الأمور بين اثنين وتدبير شؤونهم .
اما سياسة القضاء الدستوري أصطلاحاً فعرفها البعض أنها معالجة تقوم بها المحكمة بهدف التوفيق بين ما يبدو من قبيل المتعارضات ووضع التوازن بين القيم المتنافسة واحترام دواعي الاستقرار دون الدخول في سجال مع غيرها من السلطات (3) ، وذهب آخرون الى أنها فن الممكن وهي التدبير المستمر للحلول ووضع الأهداف والمفردات وهي لا تقف عند تدبير معين بذاته إنما مستمرة في ذلك بأتباع إجراءات إضافية مكملة وإيجاد أسس لقواعد تكون استراتيجية لما بعدها (4)
وبالتالي فإن سياسة القضاء الدستوري ليست نهجا ثابتاً تسير عليه المحكمة بحيث يمكن التنبؤ به مقدما وعلى وجه القطع وبما سيؤول إليه حكمها في النزاع المطروح أمامها والتي قد تتغير او تتبدل بحسب ظروف ومقتضيات الحال ، فهي سياسة تتأرجح بين تغليب الاعتبارات القانونية من جهة وتغليب أي من الاعتبارات السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية بحسب الأحوال ، أذ تعمل على تحقيق الصالح العام في إطار الإمكانيات المتاحة وفي إطار الواقع العملي المحيط بها ، ولما كانت الامور بعواقبها فعلى المحكمة أن تعمل بعقل وحكمة دائمة لما قد يترتب على حكمها من مصلحة أو ضرر يحدث على صعيد الواقع وتعمل دوماً على مراعاة الهدف الأول لجميع الأنظمة القانونية وهو تحقيق الاستقرار قدر الإمكان . (5)
وبدورنا يمكننا القول ان السياسة القضائية للقضاء الدستوري هي توجهات المحكمة في إنزال القواعد الدستورية على الوقائع ، أو هي مزج النص مع الواقع .
فهذه السياسة يستخرجها القاضي الدستوري من إجراء عملية ذهنية يقوم بها من خلال الترجيح بين الاطراف المتنازعة في ضوء الأهداف التي يبتغي بها قضاءه بعد دراسته للواقع ورؤيته الواضحة للمستقبل محكوماً بالغاية التي يطمح لبلوغها وهي الاستقرار القانوني والتي يستنبطها من المبادئ القانونية المستمدة من الدستور والتفسير والتأويل والاجتهاد والسوابق القضائية التي أبتدعها ذات القضاء أو القضاء المقارن أو من اقوال الفقهاء وصولا للحل القضائي .
ثانيا / أنواع سياسة القضاء الدستوري: سياسة القاضي الدستوري تستهدف بصفة أساسية حماية أحكام الدستور وتفسيرها دون أن يؤدي ذلك إلى فرض أية وصاية على السلطة التشريعية أو التنفيذية ، وفي هذا الإطار يمكن تحديد ثلاث صور رئيسية للسياسات القضائية المتبعة في مجال القضاء الدستوري وعلى النحو الآتي :-
1- سياسة التقيد الذاتي : ومفادها أن تسلك المحكمة الدستورية طريق الحذر والتردد قبل إعلان مخالفة القانون للدستور ، وتفسير الشك حول وجود المخالفة لصالح التشريع تجنباً للاصطدام مع السلطة التشريعية (6) .
وتعد القيود الذاتية من الاسباب التي تحافظ بها جهة الرقابة على الدستورية على مكانتها وأحترام قراراتها وتلافي أحتكاكها ، مع السلطتين التشريعية والتنفيذية ، وحمايتها من محاولة النيل منها أو تقليص سلطاتها ، أذ تبرز أهمية هذه الضوابط من تجنب آثار حدوث أية أزمات دستورية تنتج عن التوسع في الرقابة والتفسير على حساب السلطة التقديرية للمشرع الممثل للارادة الشعبية ، مما يشكل خطراً وأزمات تكون لها أحيانا عواقب وخيمة قد تعصف بفكرة الرقابة ذاتها (7).
ورغم أن هذه القيود هي قيود ذاتية ومن صنع القضاء نفسه وليست مفروضة عليه من سلطة أخرى فهو يقررها ويحدد نطاقها و يتولى تفسيرها، الا أنها لعبت دوراً بالغ الاهمية في رسم سياسة متوازنة للرقابة على الدستورية في القضاء الأمريكي وتبدت أهميتها في تطبيقها لا مجرد القول بها ، أذ يعود الفضل بتقرير هذه الضوابط للمحكمة العليا الأمريكية التي وضعتها على نفسها أيمانا منها بخطورة ودقة المهمة التي تقوم بها حينما تتعرض للحكم على أعمال سلطة أخرى من سلطات الدولة ، فضلا عن الاثار القانونية والسياسية الخطيرة التي قد تترتب على الحكم بعدم الدستورية ، وهذا جنّب المحكمة العليا العديد من المحاولات لتقليص دورها والحد من فاعليتها بفضل تراجعها وعودتها للسياسة المتوازنة والتزامها بالقيود التي تقوم عليها (8) .
فعندما تصدت المحكمة العليا الامريكية لخصوم الرقابة الذين رأوا فيها غصباً للسلطة ، أتجهت الى وضع الضوابط الذاتية المقيدة لها ، ومثالها وجود قرينة قانونية مؤداها أن الاصل في القوانين أتفاقها مع الدستور وعدم أمتداد الرقابة الى بواعث التشريع وملائمته (9).
2. السياسة الإيجابية : وهي سياسة أكثر جرأة وأقدام في تعقب مخالفة التشريع للدستور ، والاعتقاد بأن هذه السياسة هي وحدها التي تحقق سمو الدستور وتوفر الضمانات الحقيقية لحقوق الأفراد وحرياتهم التي يكفلها الدستور (10) .
فالرقابة على دستورية القوانين والتفسير ليست عملية حسابية تتم بصورة آلية قوامها مقابلة النص التشريعي مع نصوص الدستور بل هي رقابة فنية لا يتحدد نطاقها بصورة قاطعة ، فقد تتوسع لتصل لمناطق كانت المحكمة مترددة في النفاذ إليها والولوج فيها متخذة من أمرين كوسيلة لذلك أولهما التفسير كعملية لاستخلاص معنى القاعدة القانونية ومطابقتها مع المبادئ الدستورية التي يبغي المشرع الدستوري حمايتها ، وثانيهما بسط الرقابة على السلطة التقديرية للمشرع والتي تتسم بسعة نطاقها ، وبقدر هذا الاتساع الذي يتمتع به المشرع تتسع سلطة القاضي الدستوري لوزن ومراقبة هذه السلطة وموازنتها مع الدستور (11).
ومنذ أزدياد نشاط المرافق العامة وعظمت قوة الضبط الاداري بهدف تقييد أستعمال الملكية وممارسة الحرية ، لاذ المتضررون في الولايات المتحدة بالقضاء الدستوري كي يتخذوا منه درينة تحميهم من القوانين المقيدة لحرياتهم وتوجهوا للمحكمة العليا طالبين الحكم بعدم دستوريتها ، وبعد تردد وضغط من الرأي العام مارست المحكمة رقابة المعقولية (12) على القوانين التي سنها المشرع الفيدرالي أستناداً لشرط الطريق الواجب قانونا (13) والذي جاء به التعديل الرابع عشر ، وبهذا أقتحمت المحكمة العليا مجال الرقابة على السياسة التشريعية التي أمتدت لحكمة التشريع وملائمته فتنكرت لنوايا المشرع الدستوري وأنتهت الى الخروج على أحكام الدستور (14) .
3- سياسة التوفيق : وهذه السياسة تقوم على اتباع سياستين قضائيتين مختلفتين تختلف باختلاف ميدان الرقابة ، فلو كان في المجال السياسي وفيما يتصل به من حقوق فتتبع السياسة الإيجابية لخطورتها على الافراد ، فيما تتبع سياسة التقييد الذاتي في المجالين الاقتصادي والاجتماعي إيمانا بأن الاختيار بين البدائل المتاحة يمثل ميدان السلطة التقديرية للمشرع التي اختصها الدستور له (15) .
ومن يدرك حجم الصعوبات التي تواجه القضاء الدستوري ومحاولته لوضع ضوابط يتعين عليه الالتزام بها بقصد مباشرة الرقابة على دستورية القوانين حتى لا ينحرف عن غايته في حماية الدستور ، يجد انه قد لا ينتهج سياسة واحدة تجنبا للأزمات الدستورية والتي قد تحدث من جراء أفراط هذا القضاء في الرقابة والوقوف بوجه الإرادة الشعبية المتمثلة بالسلطة تشريعية (16).
ونرى أن هذه السياسة هي الافضل لاعتقادنا أنها سياسة غير مفرطة وتستهدف البقاء في المجال الطبيعي والمتوازن والمعتدل في الرقابة والتفسير ، بشرط عدم القصور في المدى وعدم الخوض في اختصاص ليس لها من دون التنصل عن التصدي للانحراف بالسلطة أو التصدي بالحماية للحقوق والحريات ، وقد لا يعلن من جانب المحكمة عن سياسة قضائية ما بل تتضح معالمها عبر الأحكام الصادرة، والتي تعبر عن التنوع في أداء الاعمال بين رقابة متوازنة وتفسير وتأويل واجتهاد قضائي وعدول ، بما يتفق ومبادئ الدستور والحقوق والحريات وشكل الدولة الدستوري ومبدأ الفصل بين السلطات
_____________
1- المعجم الوسيط ، ط 2 ، 1972، ص 448 ، وكذلك الزمخشري ، أساس البلاغة ، دار الفكر العربي ، بيروت ، 1989، ص 313
2- المعجم الوسيط ، المصدر السابق ، ص 777
3- د. جابر محمد حجي ، سياسة المحكمة الدستورية العليا ، ط ا ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 2012 ، ص 22
4- القاضي سالم روضان الموسوي ، المصدر السابق ، مقال منشور بتاريخ 2015/12/9 على الموقع الإلكتروني للمحكمة الاتحادية العليا الاتي www.iraqfsc.iq تاريخ الزيارة 15 / 8 / 2020
5- د.محمد عصفور ، مذاهب المحكمة الإدارية العليا في الرقابة والتفسير والابتداع ، مطبوعات العالمية ، القاهرة ، 1957 ، ص 43
6- د. عاطف أمين صليبا ، دور القضاء الدستوري في أرساء دولة القانون - دراسة مقارنة ، المؤسسة الحديثة للكتاب ، لبنان ، وكذلك د. أحمد فتحي سرور ، الرقابة الدستورية على القوانين ، بحث منشور في مجلة هيئة قضايا الدولة ، 2002 ، ص 93 العدد الأول ، السنة 43 ، 1999 ، ص 8
7- شعبان أحمد رمضان ، ضوابط وآثار الرقابة على دستورية القوانين ، أطروحة دكتوراه مقدمة لكلية الحقوق – جامعة أسيوط ، 2000 ، ص 511
8- د. أحمد كمال أبو المجد ، الرقابة على دستورية القوانين في الولايات المتحدة والاقليم المصري، مكتبة النهضة العربية ، القاهرة ، 2003 ، ص 496 ، كذلك د. عادل عمر الشريف ، القضاء الدستوري في مصر وقضاء الدستورية ، القاهرة ، 1988 ، ص 134 – 135
9- د.سعد العلوش ، دراسات معمقة في العرف الدستوري ، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان ، 2008 ، ص135
10- د. د. أحمد كمال أبو المجد ، المصدر السابق ، ص 496
11- د. عبير حسين السيد حسين ، دور القاضي الدستوري في الرقابة على السلطة التقديرية للمشرع - دراسة مقارنة ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 2009 ، ص 181
12- رقابة المعقولية تقضي بوجوب وجود علاقة منصفة بين التضحيات التي يقدمها الفرد لمصلحة الجماعة وبين المنفعة التي تعود عليهم بعد تطبيق القانون أذ يجب أن تكون التضحيات أقل من المنافع، لمزيد من التفصيل ينظر د. عدنان عاجل عبيد ، القانون الدستوري، النظرية العامة والنظام الدستوري في العراق ، ط 2 ، مؤسسة النبراس للطباعة والنشر والتوزيع ، النجف الاشرف ، 2012 ، ص 129
13- شرط الطريق الواجب قانوناً يقصد به عدم حرمان أي مواطن من حياته أو حرياته أو ماله دون أتباع أجراءات قانونية صحيحة ، د. عدنان عاجل عبيد ، المصدر السابق ، ص 128
14- د.سعد العلوش ، المصدر السابق ، ص 136
15- د. أحمد كمال أبو المجد ، دور المحكمة الدستورية العليا في النظامين السياسي والقانوني في مصر ، مجلة الدستورية ، العدد الأول ، السنة الأولى 2003 ، ص 8
16- د. عادل عمر شريف، قضاء الدستورية مطابع دار الشعب القاهرة 1988 ، ص 135
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون الدستوري و النظم السياسية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة