تطبيق نظام التقدير الذاتي الضريبي على كبار المكلفين (الشركات) في العراق
المؤلف:
علي هاشم جواد نصر الله
المصدر:
التقدير الذاتي للضريبة واثره في فاعلية النظام الضريبي في العراق
الجزء والصفحة:
ص 121-123
2026-05-23
65
إن نظام التقدير الذاتي للضريبة من اهم أدوات الإدارة الضريبية الحديثة ويستند إلى مبدأ مسؤولية المكلف في تحديد قيمة الضريبة المستحقة عليه وفق سجلاته المالية الفعلية. ويكتسب هذا النظام أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بكبار المكلفين، وهم الشركات الكبرى التي تتميز بحجم معاملاتها المالية الكبير وتعقيد عملياتها المحاسبية ما يجعل إدارة تقدير الضرائب لهم تحديًا فريدًا يتطلب دقة قانونية وإدارية عالية. ويهدف هذا النظام إلى تبسيط الإجراءات الضريبية، وتقليل الاحتكاك بين المكلف والإدارة، وتحقيق الالتزام الطوعي، فضلاً عن تمكين الإدارة من التركيز على الرقابة الانتقائية والمراجعة الدقيقة. وفي العراق، يشكل كبار المكلفين جزءًا جوهريا من الاقتصاد الوطني، خصوصا الشركات العاملة في قطاعات النفط والاتصالات والمصارف حيث تمثل إيراداتهم نسبة كبيرة من إيرادات الدولة الضريبية. لذلك، فإن دراسة تطبيق التقدير الذاتي في هذه الشريحة تعد ضرورية لفهم مدى فاعلية النظام، وتحليل العقبات التي تعترض تنفيذ أحكامه على أرض الواقع، ومقارنة النتائج المتوقعة مع التطبيق النظري المنصوص عليه القانون. فقد نص قانون الضريبة على الدخل رقم (113) لسنة 1982 المعدل على التزامات المكلفين بتقديم إقرارات ضريبية دقيقة وصحيحة، ويحدد في مواده كيفية احتساب الضريبة وتقديم المستندات الداعمة لها. ويعتمد نظام التقدير الذاتي على قاعدة جوهرية مفادها أن المكلف هو المسؤول الأول عن تقديم بيانات مالية حقيقية، ويحق للإدارة الضريبية التحقق من هذه البيانات عن طريق الفحص والمراجعة الانتقائية.
ويُلزم القانون كبار المكلفين بتقديم الإقرارات الضريبية بشكل دوري، مع إرفاق كافة المستندات والفواتير الداعمة، كما تحدد المواد القانونية آليات استيفاء البيانات والمستندات، ومدة تقديمها، وحق الإدارة في طلب بيانات إضافية عند الحاجة. ويشدد القانون على ضرورة التدرج في إجراءات الفحص، بحيث يبدأ بالتحقق الميداني والتحليل المالي قبل اللجوء إلى العقوبات، بما يحقق التوازن بين حقوق المكلف وحماية مصالح الدولة المالية (1) . وفي الواقع العملي، تتبع دائرة كبار المكلفين في العراق خطوات محددة عند تطبيق نظام التقدير الذاتي على الشركات :-
1- قديم الإقرار الضريبي: تقدم الشركات إقراراتها الضريبية السنوية وفق نموذج موحد، مدعومة بالدفاتر والمستندات المحاسبية الرسمية.
2- التحقق المبدئي: يقوم موظفو الإدارة بمراجعة البيانات الظاهرية للتأكد من اكتمال المستندات وصحة الحسابات الأساسية.
3- الفحص المتعمق تشمل هذه المرحلة تحليل السجلات المالية، ومطابقة الفواتير، والتأكد من تطبيق أسعار التحويل الداخلية والقوانين ذات الصلة، مع توثيق كل مرحلة في محاضر رسمية (2).
4- التقدير النهائي بعد الفحص، تحدد الإدارة الضريبة المستحقة على الشركة، ويُخطر المكلف بالنتيجة، مع توضيح أي فروقات بين التقدير الذاتي والنتيجة النهائية للفحص.
يُظهر التطبيق العملي للنظام أن الشركات الكبرى غالبًا ما تتمتع بقدرة أكبر على الامتثال الدقيق نظراً لتوافر الخبرة المحاسبية والفنية لديها، كما أن الالتزام الطوعي يرتفع مع وجود نظم محاسبية متطورة، اما الإجراءات التصحيحية والاعتراضات فانه يحق للمكلف الاعتراض كتابيًا خلال مدة محددة على التقدير النهائي، وتقوم الإدارة بدراسة الاعتراض والرد عليه على وفق الإجراءات القانونية المعمول بها .
وعلى الرغم من الفوائد الكبيرة لنظام التقدير الذاتي، لكنه يواجه تطبيقه عدة تحديات في العراق منها:
1- ضعف الثقافة الضريبية بعض الشركات لا تمتلك معرفة كافية بمبادئ التقدير الذاتي، مما يؤدي إلى أخطاء غير مقصودة في الإقرارات الضريبية..
2- ضعف الثقة بين الإدارة والمكلف الشعور بالرقابة المكثفة أو خوفًا من العقوبات قد يدفع بعض الشركات إلى تقديم معلومات ناقصة أو غير دقيقة.
3- البيروقراطية والإجراءات المعقدة التداخل بين الدوائر الإدارية، وصعوبة الوصول إلى المستندات المطلوبة، يؤخر عملية الفحص ويزيد من العبء على المكلفين.
4- القيود التقنية والإدارية بعض الدوائر لا تمتلك نظمًا إلكترونية متكاملة لدعم عمليات التقدير الذاتي والفحص الرقمي، مما يحد من سرعة وفعالية التقدير.
هذه التحديات تشير إلى أن نجاح تطبيق النظام يعتمد على تعزيز الثقافة الضريبية لدى الشركات وتطوير قدرات الإدارة الضريبية، واستخدام التكنولوجيا الحديثة لدعم عمليات الفحص والتحقق تظهر الممارسات الفعلية في بغداد أن الشركات الكبرى في قطاعات النفط والاتصالات والمصارف غالبا ما تتقيد بالتقدير الذاتي، لكن المشكلات تظهر لدى الشركات المتوسطة الحجم التي لديها عمليات محاسبية معقدة أو أنظمة داخلية ضعيفة وقد أظهرت الدراسات أن الالتزام الطوعي يرتبط مباشرة بوجود رد أنظمة مالية واضحة، وثقافة إدارية تدعم الامتثال وعلاقات تعاون إيجابية مع الإدارة الضريبية (3).
اما ما نراه من وجهة نظر، فان تطبيق نظام التقدير الذاتي على كبار المكلفين، يمثل خطوة استراتيجية نحو تحسين الإدارة الضريبية في العراق، إذ يتيح توزيع المسؤوليات بين الإدارة والمكلفين ويحفز الشركات على الالتزام الطوعي بدلاً من الاعتماد على الرقابة الصارمة فقط. ويعكس النظام فهما عميقًا لمبدأ العدالة الضريبية، حيث يمنح الشركات القدرة على تقديم بياناتها على وفق نظمها المحاسبية، مع توفير أدوات تحقق فعالة من قبل الإدارة. مع ذلك، لا يمكن النظر إلى النظام على أنه كامل من دون معالجة العقبات العملية التي تعيق فعاليته. فضعف الثقافة الضريبية لدى بعض الشركات، إلى جانب نقص الأنظمة التقنية المتطورة في بعض الدوائر ، يحد من دقة التقديرات ويزيد من احتمالية التقديرات غير الصحيحة أو الاعتراضات المتكررة. لذلك ينبغي للدولة العراقية الاستثمار في برامج تدريبية للشركات والإدارات الضريبية، ودمج نظم معلوماتية حديثة لتسهيل تقديم الإقرارات ومتابعة عمليات الفحص.
________
1- د. عبد الرحمن عادل النظام الضريبي في العراق، ط1، دار الثقافة للنشر والتوزيع، بغداد، 2021، ص45.
2- د. سامي محمد، الإدارة الضريبية وتطبيقات التقدير الذاتي، ط2، دار النهضة العربية، بغداد، 2019، ص112
3- د. كريم عبد الله، كبار المكلفين في النظام الضريبي العراقي دراسة تطبيقية، ط1، دار النهضة الحديثة، بغداد، 2022 ص 153.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون المالي
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة