حينما نجد أنّ أفراداً من بني اميّة كانوا أقوياء في ولائهم لمولى الموالى أمير المؤمنين عليه السلام، ومخالفتهم للغاصبين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، ومعاوية ونظائرهم، وأنّهم لم يبايعوا قطّ، بل تحمّلوا السجن، والتعذيب، والمعاناة، والقتل في سبيل ذلك الولاء، فلما ذا نقول: هم في جهنّم لأنّهم من عِرقٍ امويّ؟ هلمّوا فانظروا ولاحظوا!
الأوّل: خالد بن سعيد بن العاص بن اميّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قُصَيّ القرشيّ الأمويّ، عُرف بنجيب بني اميّة. كان من صحابة النبيّ صلى الله عليه وآله، ومن السابقين الأوّلين، وأحد المتمسّكين بولاية أمير المؤمنين عليه السلام. هاجر إلى الحبشة مع جعفر، وعاد معه.
حضر غزوة الطائف، وفتح مكّة، وغزوة حنين. وولّاه رسول الله صلى الله عليه وآله على جميع صدقات اليمن. وهو الذي عقد لُامّ حبيبة ابنة أبي سفيان للنبيّ صلى الله عليه وآله في الحبشة وكالةً. ولمّا توفّي النبيّ لم يبايع أبا بكر حتى بايع عليّ عليه السلام بالإكراه فبايع هو أيضاً كرهاً. وهو من الاثني عشر الذين اعترضوا على أبي بكر وأنكروا عليه خلافته يوم الجمعة حينما كان على المنبر. وهذه القصّة موجودة في كتابَي «الاحتجاج» و«الخصال».[1]
الثاني: محمّد بن أبي حُذَيفة بن عُتْبَة بن رَبيعة بن عبد شمس، ابن خال معاوية بن أبي سفيان، إلّا أنّه من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام وانصاره وشيعته. وقد حبسه معاوية مدّة من الزمن. وحواره معه بعد خروجه من السجن مشهور. وذكره المحدِّث القمّيّ. وفي آخره قال لمعاوية: ووَ اللهِ لَا أزَالُ احِبُّ عَلِيَّاً للهِ ولِرَسُولِهِ، وابْغِضُكَ في اللهِ وفي رَسُولِ اللهِ أبَداً مَا بَقِيتُ!
قال ابن أبي الحديد: إنّ محمّد بن أبي حُذيفة اصيب لمّا فتح عمرو ابن العاص مصر، فبعث به إلى معاوية، فحبسه معاوية في سجن له. فمكث فيه كثيراً، فهرب فذهب في طلبه رجل من خثعم يقال له: عبيد الله ابن عمرو بن ظلام، وكان عثمانيّاً فوجده في غار، فأخذه وضرب عنقه.[2]
الثالث: محمّد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان. كان يقال له: محمّد الديباج. وهو أخو عبد الله المحض، وإبراهيم الغمر، والحسن المثلَّث لُامّهم. ذلك أنّ الحسن المثنّى عند ما مات فإنّ زوجته فاطمة ابنة الحسين عليه السلام أقامت العزاء على قبره سنة كاملة تحت خيمة قائمة ليلها صائمة نهارها. وطلب عبد الله بن عمرو بن عثمان يدها وألحّ على ذلك فرفضت رفضاً شديداً. ثمّ استجابت فتزوّجته، وأولدها محمّداً. وهذا الزواج مذكور في كتب التأريخ مفصّلًا.
ولم يكن محمّد الديباج من الموالين لأهل البيت عليهم السلام فحسب، بل تحمّل في سبيلهم صنوف العذاب والضرب بالسياط والسجن إلى أن فاضت روحه إلى بارئها على هذا الطريق.
وكان شديد الحبّ لأخيه من امّه عبد الله حتى كان عبد الله يقول: ليس في الدنيا أبغض إليّ من والد محمّد: عبد الله بن عمرو، وليس فيها أحبّ إليّ من ولده محمّد.
هذه الأمثلة والنماذج الثلاثة تكفي هنا. وفي التأريخ شواهد كثيرة غيرها يطول الكلام بذكرها. وإذا قال أحد: جاء في زيارة عاشوراء المعروفة: اللَهُمَّ الْعَنْ بَنِي اميَّةَ قَاطِبَةً! فجوابه: أنّ هذا الدعاء مسوق للغلبة. أي: أغلب بني اميّة من شيعة معاوية ويزيد ومروان هم هكذا. وتجري هنا القاعدة المعروفة: مَا مِنْ عَامٍّ إلَّا وقَدْ خُصَّ.[3]
[1] «منتهي الآمال» ج 1، ص 89، طبعة علميّة إسلاميّة الرحليّة. وعدّه ثامن صحابيّ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله.
[2] «منتهي الآمال» ج 1، ص 156، الطبعة السابقة نفسها. وعدّه الرابع والعشرين من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام.
[3] أفضل دليل على هذا الموضوع رواية تدور حول سعد الخير. قال المرحوم المحدِّث القمّيّ في كتاب «تحفة الأحباب»، ص 118: هو سعد بن عبد الملك من أولاد عبد العزيز بن مروان. وهو الذي كتب إليه الإمام الباقر عليه السلام الرسالة الموجودة في «روضة الكافي»، وأوّلها: بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد؛ فَإنّي اوصيك بتقوى الله فإنّ فيها السلامة مِنَ التلف والغنيمة في المنقلب. ورسالة اخرى خاطبه فيها بقوله: يا أخي. وفيها قيل: لَا يكون المؤمن مؤمناً حتى يكون أبغض إلى الناس إلى آخرها. روى العلّامة المجلسيّ في «مرآة العقول» عن كتاب «الاختصاص» للشيخ المفيد أنّه روى بإسناده عن أبي حمزة الثماليّ قال: دخل سعد بن عبد الملك، وكان أبو جعفر عليه السلام يسمّيه سعد الخير وهو من وُلد عبد العزيز بن مروان، على أبي جعفر عليه السلام. فبينا ينشج كما تنشج النساء. قال: فقال أبو جعفر عليه السلام: ما يبكيك يا سعد؟ قال: وكيف لا أبكي وأنا من الشجرة الملعونة في القرآن؟! فقال له: لَسْتَ مِنْهُم أنتَ امَويّ مِنّا أهل البيت. أ ما سمعتَ قول الله عزّ وجلّ يحكي عن إبراهيم: فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ ومِنِّي. وجاء في «رياض السالكين» ص 27، طبعة سنة 1327، وطبعة جماعة المدرّسين: ج 1، ص 185 إلى 187، الأوّل تحت عنوان (تكملة)، والثاني تحت عنوان (تتمّة): ما ذكره (الإمام الصادق) عليه السلام في مقدّمة «الصحيفة السجّاديّة» من أنّ الآية أ لَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وأحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ، جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وبِئْسَ الْقَرَارُ 1 انزلت في بني اميّة، وردت به روايات اخرى من طريق العامّة والخاصّة. أمّا من طريق العامّة فأخرج البخاريّ في تأريخه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، عن عمر بن الخطّاب في قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً قال: هما الأفجران من قريش: بنو المغيرة وبنو اميّة. فأمّا بنو المغيرة فقد كفيتموهم في يوم بدر. وأمّا بنو اميّة فمتّعوا حتى حين. 2 وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبرانيّ في «الأوسط»، والحاكم وصحّحه، وابن مردويه من طريق عليّ بن أبي طالب عليه السلام في قوله تعالى: أ لَم تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً قال: هما الأفجران من قريش: بنو اميّة وبنو المغيرة. فأمّا بنو المغيرة فقطع الله دابرهم يوم بدر. وأمّا بنو اميّة فمتّعوا إلى حين. 3 وأخرج ابن مردويه عن عليّ عليه السلام أنّه سئل عن هذه الآية، قال: بنو اميّة، وبنو مخزوم، رهط أبي جهل. ذكر ذلك كلّه الحافظ السيوطيّ في «الدرّ المنثور». 4
وأمّا من طريق الخاصّة: فروى عليّ بن إبراهيم عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير، عن عثمان بن عيسى، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الله عزّ وجلّ:i أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراًE، قال: نزلت في الأفجرين: بني اميّة، وبني المغيرة. فأمّا بنو المغيرة فقطع الله دابرهم يوم بدر. وأمّا بنو اميّة فمتّعوا إلى حين. ثمّ قال: ونحن والله نعمة الله التي أنعم بها على عباده! وبنا يفوز من فاز. 5
-----------------------------------------------------------
[1] الآيتان 28 و29، من السورة 14: إبراهيم.
[2 الي 4] «الدرّ المنثور» ج 4، ص 184.
[5] «تفسير القمّيّ» ج 1، ص 371.