

القانون العام

القانون الدستوري و النظم السياسية


القانون الاداري و القضاء الاداري

القانون الاداري

القضاء الاداري

القانون المالي


المجموعة الجنائية


قانون العقوبات

قانون العقوبات العام

قانون العقوبات الخاص

قانون اصول المحاكمات الجزائية

الطب العدلي

التحقيق الجنائي


القانون الدولي العام و المنظمات الدولية

القانون الدولي العام

المنظمات الدولية


القانون الخاص

قانون التنفيذ

القانون المدني


قانون المرافعات و الاثبات

قانون المرافعات

قانون الاثبات

قانون العمل

القانون الدولي الخاص

قانون الاحوال الشخصية


المجموعة التجارية

القانون التجاري

الاوراق التجارية

قانون الشركات


علوم قانونية أخرى

علم الاجرام و العقاب

تاريخ القانون

المتون القانونية
اطراف العلاقة العقدية الاستهلاكية
المؤلف:
صبا علي داود
المصدر:
اختلال التوازن المعرفي في عقود الاستهلاك في مرحلة تنفيذ العقد
الجزء والصفحة:
ص 45-60
2026-04-30
40
.... بما أن عقود الاستهلاك هي تلك العقود المبرمة بين المهنيين مقدمي للسلع والخدمات والمستهلكين لهذه السلع والخدمات من الناحية الأخرى ، بالتالي نستنتج بأن صفة الاطراف المتعاقدة هي التي تضفي على تلك التعاقدات صفة عقود الاستهلاك لتميزها بذلك عن غيرها من العقود الأخرى ، فمتى ما كان احد طرفيها مستهلكاً والآخر مهنياً وصفت هذه العلاقة القانونية المنعقدة بينهما بأنها عقد استهلاك ، (1) ، يقتضي الأمر منا معرفة المقصود بشخص المستهلك ومعرفة أيضاً المقصود بشخص المهني كطرف في العلاقة العقدية الاستهلاكية ، بالنسبة للشخص المهني لم يطرح تعريفة أي صعوبة بينما الشخص المستهلك أثار تعريفة خلافاً بين الفقه والتشريع والقضاء بين الاتجاه الموسع لتحديد المقصود منه والاتجاه الضيق ، و لغرض بيان ذلك سوف نخصص لبيان مفهوم كل طرف ببند مستقل ، نخصص الأول منه لبيان مفهوم المستهلك ونخصص الثاني لبيان مفهوم المهني .
أولاً :- المستهلك
آثار تعريف المستهلك جدلاً بين الأوساط الفقهية والقضائية والتشريعية ، بين اتجاه يرى ضرورة التوسع في مفهوم هذا الشخص ليشمل كل من يتعاقد من أجل الحصول على سلعة أو خدمة ، والاتجاه الآخر يرى بضرورة التضيق من مفهوم هذا الشخص وحصر مفهومه بالأشخاص الذين يتعاقدون لغرض غير المهني (2) ، مما يقتضي منا بحث هذين الاتجاهين للوصول الى تعريف محدد للشخص المستهلك ، فضلاً عن ذلك فأن معرفة المقصود بالشخص المستهلك يتطلب منا التعرف على العناصر التي تجعله يحظى بالحماية التي ضمنتها تشريعات الخاصة بحماية المستهلك ولذلك سوف نقسم هذا البند على فقرتين أولاً وثانياً، نخصص الأولى منها لتعريف المستهلك ونخصص الثانية منه لبيان عناصر تحديد الشخص المستهلك كما يلي :
1 - تعريف المستهلك
من أجل تحديد المقصود بالشخص المستهلك يقتضي الامر منا ، بيان موقف كل من الفقه والتشريع والقضاء من ذلك :-
أ - موقف الفقه من تعريف المستهلك
حضي تعريف الشخص المستهلك بأهتمام الفقه القانوني ، منذ مطلع النصف الثاني من القرن العشرين ، ذهب جانب من الفقه القانوني الى تعريف المستهلك بأنه هو الشخص الذي يتعاقد من أجل اشباع حاجاته الشخصية أو العائلية كالمسكن ، المأكل ، الملبس ، وغيرها من الحاجات ، وذهب الجانب الاخر من الفقه القانوني أيضاً الى التعريف بصورة أوسع من ذلك بأنه كل شخص يتعاقد للحصول على سلعة أو الخدمة، سواء كان الغرض من ورائه اشباع حاجات تتصل بنشاطه المهني أو اشباع حاجاته الشخصية او العائلية ، وبناء على ذلك تباينت تفسيرات الفقه بصدد تحديد مفهومه بين الاتجاهين الضيق والموسع والتي سنبينها تباعاً :-
1 - الإتجاه الضيق لتعريف المستهلك
يسعى هذا الاتجاه الفقهي الى تضييق من مفهوم المستهلك ، فحصر نطاقه بالاشخاص الذين يتعاقدون من اجل الحصول على سلعة أو خدمة ما لأشباع حاجاتهم الشخصية خارج عن نشاطهم المهني ، مما يؤدي الى حرمان الاشخاص الذين يتعاقدون لأجل حاجات تتصل بنشاطهم المهني .
حيث عرفه البعض من الكتاب بأنه " هو كل شخص طبيعي يبرم عقداً لأقتناء أغراض وحاجيات لا تدخل في مجال نشاطه المهني "(3) و نلاحظ ان هذا التعريف يقصر المستهلك بالشخص الطبيعي الذي يتعاقد من اجل حاجات غير مهنية ويخرج من نطاقة الاشخاص المعنوية ، مما يجعله غير جدير بالتأييد وان كان الشخص المعنوي شخصية مفترضه ، الا انه شخص قانوني يملك موطن وجنسية كالاشخاص الطبيعية وله اشخاص ممثلين عنه في اجراء تصرفاته القانونية ، ومن ثم لابد أن تخضع تصرفاتهم لحماية ايضاً .
وعرفه البعض بأنه " كل الشخص يبرم تصرفاً مع البائع المهني ، لشراء السلع والخدمات لإستعماله الشخصي او لإستعمال الاشخاص الذين يعيلهم " (4) و نلاحظ ان هذا التعريف يتفق مع التعريف السابق من حيث الغرض الشخصي من التعاقد ، ويختلف عنه بأنه وسع من نطاقه فشمل ايضا الشخص المعنوي ، لأن عبارة الشخص جاءت عامة ، لكن يؤخذ عليه أنه عرف المستهلك بالمشتري في حين ان المستهلك يشمل كل من يقتني سلعة أو خدمة سواء كان مستأجراً أو مقترضاً أو مؤمناً له وغيرها بالتالي لا يمكن ان نعول عليه.
وعرفة البعض من الفقه تماشياً مع ما ذهب اليه التعريف السابق بأنه " الشخص الطبيعي أو المعنوي الذي يشتري خدمة أو سلعة أو يستأجرها أو يستعلمها أو يستفيد منها ، وذلك لأغراض غير مرتبطة مباشرة بنشاطه المهني " (5) نلاحظ ان هذا التعريف لم يقتصر على تحديد المستهلك في نطاق عقد البيع بل شمل أيضاً من يستأجر سلعة ما او مستفيد منها وان لم يكن هو الشخص الذي أبرم العقد مباشرة مع المهني ، كالأب الذي يشتري مسكن لأفراد عائلته ، و لم يقتصر على تحديد المستهلك في نطاق عقد البيع وشمل ايضا المستهلك كالمستأجر الا انه لا يعد تعريفاً جامعاً ليتلائم مع الطبيعة العامة لعقد الاستهلاك .
وعرفه البعض بأنه " الشخص الذي يتعاقد مع مقدمي السلع والخدمات بعقود متعددة ومتنوعة بهدف الحصول على سلعة أو خدمة معينة لإشباع حاجاته الشخصية او العائلية " (6) ، و نلاحظ أن هذا التعريف لم يقتصر على تحديد المستهلك في نطاق عقد معين، بل شمل جميع الاشخاص الذين يتعاقدون من أجل الحصول على سلعة أو خدمة ما لغرض غير مهني ، فضلا عن أنه عبارة تشمل عقود متنوعة ، طائفة العقود التي يكون فيها المتعاقد مستهلكا لسلعة أو خدمة ما لإشباع حاجاته الشخصية أو العائلية ، ليتماشى بذلك مع الطبيعة العامة لعقود الاستهلاك وعرفه البعض أيضاً بأنه " هو كل شخص طبيعي او معنوي يستخدم او يتملك حاجات او خدمات متوفرة في الاسواق لأغراض غير مهنية " (7).
نستنتج من التعاريف السابقة ان هذا الاتجاه الفقهي يعرف المستهلك بأنه هو من يتعاقد لأجل اقتناء سلعة أو خدمة ما ، تشكل محلاً لعقده ، لغرض اشباع حاجاته الشخصية أو العائلية ، مما يخرج من نطاقه الاشخاص الذين يتعاقدون للحصول على سلعة أو خدمة لأغراض تتصل بنشاطهم المهني ، ولعلة السبب من استبعادهم أن هؤلاء في مركز قانوني متميز ، يتمتع فيها المتعاقد بمقدرة تفاوضية عالية وخبرة في مجال التعاملات تتيح لهم توخي الحذر والحيطة للأيقاع بهم من قبل الاشخاص المهنيين الذين يمارسون نشاطاً يخرج عن النشاط المهني الذي يزاوله .
2- الإتجاه الموسع لتعريف المستهلك
يسعى هذا الاتجاه الفقهي الى تحديد مفهوم المستهلك بصورة اوسع مما ذهب أليه انصار الاتجاه الضيق ، حيث يرى هذا الاتجاه الفقهي ان المستهلك هو كل شخص يتعاقد من أجل الحصول على سلعة أو خدمة ما ، سواء كان الغرض من الاستهلاك هذه السلع والخدمات ، اشباع حاجاته الشخصية أو حاجات الاشخاص الذين يعيلهم و الأشباع حاجات تتصل بنشاطه المهني الذي يزاوله ويختص فيه ، الا انه تباينت الآراء الفقهية لأنصار هذا الاتجاه بصدد تعريف المستهلك .
فعرف المستهلك " هو كل شخص يتعاقد بهدف الاستهلاك " (8) ، و يلاحظ ان هذا التعريف ينظر الى المستهلك من زاوية الغرض من التعاقد ، فمتى ما كانت نية المتعاقد هو الاستهلاك للسلعة أو الخدمة التي تعاقد عليها فأن ذلك ، يضفي عليه صفة المستهلك ، بغض النظر عن الحاجه المراد اشباعها شخصية كانت أو مهنية ، سواء كانت السلعة قابلة للاستهلاك لمرة واحدة فقط كالعلاج ام قابلة للاستهلاك اكثر من مرة كالسيارات ، بالتالي يخرج من نطاق هذا التعريف الأشخاص الذين يتوافر لديهم نية المضاربة تحقيق الربح كشراء السلعة لأعادة بيعها وعرفه البعض أيضاً بأنه " هو ذلك الشخص الذي يبرم تصرفاً قانونياً من أجل الحصول على منتج أو خدمة ما ، لسد حاجته الشخصية او المهنية " (9) ، و بموجب هذا التعريف يعد مستهلكاً كل من يتعاقد من اجل الحصول على سلعة أو خدمة ما ، لسد حاجات تتصل بأستعماله الشخصي أو المهني ، بالتالي أدخل ضمن طائفة الاشخاص المستهلكين المهني الذي يبرم عقوداً للوفاء بأحتياجات يتطلبها مزاولة نشاطه المهني ، فتنطبق عليه صفة المستهلك ويحظى بالحماية التشريعية التي ضمنتها قواعد الخاصة بحماية المستهلكين .
وعرفه البعض بأنه " هو كل شخص طبيعي أو معنوي يبرم تصرفاً قانونياً مع المهني المحترف ، سواء أكان بدولة اخرى أو في ذات الدولة المتواجد فيها بأي وسيلة تقليدية او الكترونية بشأن خدمات ومنتجات تلزمه هو او افراد أسرته او تتطلبها مهنة أو حرفة التي يزاولها " (10) ، وان كان هذا التعريف وسع من نطاق المستهلك كما ورد في التعريف السابق ، اذ انه افضل منه ، لا يقتصر على مفهوم المستهلك التقليدي، الذي يبرم عقداً بوسيلة تقليدية ، بل أدخل ضمن مفهومه المستهلك الذي يبرم عقوداً بوسيلة الكترونية بواسطة شبكات الاتصال الحديثة ليساير بذلك التطور الذي شهده العالم في مجال الاتصالات .
وعرفه البعض الآخر بأنه " كل من يشتري او يستفيد من سلعة أو خدمة " (11) ان هذا التعريف بين بأن المستهلك هو المشتري او المستفيد الذي يستخدم السلعة أو الخدمة ، وهو ليس ذات الشخص الذي قد تعاقد مع المهني ، وان كان هؤلاء يمكن ان يتضررون من تلك السلعة أو الخدمة ، وبالتالي تمتد اليهم نطاق الحماية ، الا انه تعريف غير دقيق يركز على المستهلك عندما يكون مشترياً في حين ان المستهلك يمكن ان يكون مستأجراً أو مقترضاً أو مؤمناً له أو مريضاً وغيرها .
وعرفه البعض الاخر ايضاً بأنه " هو كل شخص طبيعي أو معنوي ، يقوم بالشراء او الاقتراض أو التأمين او الاستئجار سواء كان الغرض من ذلك للاستهلاك الشخصي او لأغراض مهنته " (12) أن كان هذا التعريف بين المستهلك كطرف متعاقد واورد جملة من العقود التي يكون طرفاً فيها الا انه لا يمكن أن نعول عليه فمن غير الممكن حصر العقود التي يكون المستهلك طرفاً فيها في نطاق تعريف معين كون العقود في تطور مستمر بعد مناقشة مفهوم المستهلك على وفق هذا الاتجاه نستنتج أن المستهلك هو من يتعاقد على سلعة أو خدمة ما ، سواء كان الغرض تلبية حاجاته الشخصية ، أو للوفاء بأحتياجاته المهنية ، بالتالي يمد نطاق الحماية للمحترف الذي يبرم عقداً مع محترف آخر يخرج عن اختصاصه ، بهدف تلبية احتياجات في إطار مهنته .
وبعد سرد هذين الإتجاهين وبيان موقفهما بشأن تحديد مفهوم المستهلك يمكن القول ان الاتجاه الضيق لتحديده جدير بالتأييد للمبررات التالية :-
1- أن أنصار الاتجاه الثاني و بصدد تعريف المستهلك ، يدخلون ضمن نطاق مفهوم المستهلك المحترف الذي يتعاقد مع محترفين آخرين يزاولون نشاط مهني خارج عن اختصاصه ، لشراء حاجات تتصل بنشاطه المهني ، كصاحب مصنع الأودية الذي يتعاقد على شراء برنامج معلومات لإدارة مصنعه ، اذ يعد مستهلكاً وفق انصار الاتجاه الموسع ، ومن ثم فأن هذا لا يتلائم مع الحكمة التي دفعت الى ظهور قواعد قانونية آمره خاصة بحماية المستهلك المنظمة بموجب نصوص التشريعية ، من حيث عد المحترف طرفاً ضعيفاً معرفياً ومالياً في أطار التعاملات. ، مما يكون عرضه للتلاعب والغش لجهله بالمعلومات والبيانات الخاصة بالمنتجات التي يتعاقد عليها المقدمة من قبل هؤلاء المحترفين والذين
يملكون المقدرة المالية والمعرفية ، وان المهني المختص، وان تعاقد على ما يحتاج اليه من السلع والخدمات لحاجات تتصل بنشاطه المهني ، الا انه بحكم خبرته في أجراء المعاملات ، يكون اكثر تبصراً من هؤلاء المستهلكين وأن جهل بعض الامور يستطيع الاستعانة بالأشخاص ذي خبرة لاحاطته علماً بما لا يدركه (13) .
2 - أن مد نطاق الحماية لهؤلاء الاشخاص المحترفين ، بوصفهم أشخاصاً مستهلكين، متى ما تعاقدوا بصدد الأمور المتعلقة بنشاطهم المهني ، يكلف القضاء جهداً ووقتاً أكثر لحسم المنازعة فيما لو عرضت عليه ، اذ يتطلب الأمر من المحكمة ان تفحص كل حالة معروضة عليها على حدة ، للتعرف على طبيعة النشاط الذي يزاوله المحترف الماثل أمامها ، ليتنسي لها بالتالي معرفة ان السلع والخدمات التي تعاقد بشأنها لضرورة متعلقة بمزاولة نشاطه المهني مع محترف آخر تتصل بنشاطه المهني (14) .
وبناء على ما ذكرناه لا نجد أي مبرر من ادخال هؤلاء الاشخاص ضمن طائفة المستهلك ،بحجة عدم المساواة المعرفية، ليتسنى لهم الاستفادة من القواعد الحمائية الخاصة بالمستهلكين وضرورة الاكتفاء بمفهوم المستهلك الذي يقتصر على الأشخاص الذي يتعاقدون لتلبية متطلباتهم الشخصية او العائلية وبأمكان هؤلاء المحترفين الاستفادة من قانون المنافسة ومنع الاحتكار التي وجدت لتنظيم العلاقة بين هؤلاء التجار المحترفين
ب - موقف التشريع من تعريف المستهلك
بعد أن بينا موقف الفقه القانوني من تحديد مفهوم الشخص المستهلك ، يقتضي بيان الموقف التشريعي للدول محل المقارنة ، و التي تباين موقفها بين الاتجاه الموسع والاتجاه الضيق ، والتي سنوضحها كالآتي عرفت الفقرة (5) من المادة (1) من القانون حماية المستهلك العراقي رقم 1 لسنة 2010 المستهلك بأنه " الشخص الطبيعي أو المعنوي الذي يتزود بسلعة أو خدمة بقصد الأفادة منها ". نلاحظ أن التعريف الذي أورده المشرع العراقي ، ينظر الى المستهلك من زاوية الغرض من التعاقد ، فمتى ما كان الغرض هو الاستفادة من السلعة أو الخدمة، انطبق على الشخص المتعاقد صفة المستهلك ، وحظي بالحماية المنصوص عليها في القانون سواء كان الشخص الذي ابرم التصرف طبيعياً أو معنوياً ، الا ان عبارة الافادة منها الواردة في التعريف المذكور جاءت بصورة مطلقة ، فهل يراد منها الاستفادة من السلعة أو الخدمة لأشباع حاجة الشخصية أو العائلية للمتعاقد أو الاستفادة منها لأشباع حاجة تتصل بنشاطه المهني ليكون بذلك تبنى الاتجاه الموسع لتحديد الشخص المستهلك ؟ وبالطبع فأن هذا الطرح الأخير لا يتلائم مع الاسباب الموجبة لتشريع هذا القانون ، الذي يهدف الى تحقيق المساواة بين المجهزين والمستهلكين ، بوصفه طرفاً ضعيفاً على عكس هؤلاء المحترفين الذين يملكون المعرفة والدراية و يستطيعون الدفاع عن مصالحهم
أما المشرع المصري فأنه عرف المستهلك بموجب الفقرة (1) من المادة (1) من قانون حماية المستهلك رقم 181 لسنة 2018 بأنه " كل شخص طبيعي أو أعتباري يقدم إليه أحد المنتجات لإشباع حاجاته غير المهنية أو غير الحرفية أو غير التجارية ، أو يجري التعامل أو التعاقد معه بهذا الخصوص ويلاحظ أيضاً ان المشرع المصري ينظر الى المستهلك من خلال الغرض من التعاقد ، فمتى ما كان غرض المتعاقد الشخص الطبيعي أو المعنوي من اجراء التصرف ، هو أستعمال المنتجات والذي يشمل ( السلعة او الخدمة ) ، لأغراض غير مرتبطة بالنشاط الذي يزاوله ينطبق عليه صفة المستهك ، لذلك يتضح من تعريف المشرع المصري، أنه تبنى الاتجاه الضيق ، مستبعداً من نطاق حماية المستهلك المهنيين الذين يبرمون تصرفات خارجه عن نطاق اختصاصهم بصدد المنتجات لها صلة مباشرة بالنشاط الذي يزاوله ، مع ذلك نجده أستخدم عباره غامضة هي تقدم إليه من الافضل ان يستخدم مصطلح ( يستفيد او يستخدم ) ، الا انه مع ذلك ان هذا الموقف يحسب للمشرع المصري بصدد تحديده الغرض من الاستهلاك ، افضل من موقف المشرع العراقي لم يحدد الغرض من الاستهلاك ، مما يؤدي الى الارباك بصدد الاشخاص المقصودين بالحماية التشريعية .
أما فيما يتعلق بموقف المشرع الفرنسي فأنه لم يتضمن قانون الاستهلاك الفرنسي رقم (949 ) لسنة 1993 تعريفاً للمستهلك على الرغم من ان مشروع القانون الصادر في (26) يوليو لسنة 1993 كان قد عرفه بأنه " الشخص الذي يتعاقد للحصول على السلع والخدمات من أجل أشباع حاجات شخصية التي لا تدخل بالاستعمال المهني " ونلاحظ ان ما اورده مشروع هذا القانون حصر تحديد مفهوم هذا الشخص بأنه من يتعاقد من أجل أشباع حاجاته الشخصية ليكون بذلك قد تبنى الاتجاه الضيق ، الا ان القانون بصدوره نهائياً لم يتضمن الاشارة الى هذا التعريف مما ترك بذلك أمر تعريفه للفقه والقضاء . واللذين تباين موقفهما بين الاتجاه الموسع والاتجاه الضيق (15)، وأستمر هذا الخلاف الى ان تم تعديل القانون بموجب القانون رقم (203) لسنة 2017 الصادر في 21 فبراير 2017 حيث تضمنت المادة (3) منه تعريفاً للمستهلك بقولها " هو كل شخص معنوي لا يتصرف لإغراض مهنته "و بمقتضى هذا التعريف فأن كل شخص معنوي يتصرف خارج نطاق اختصاصه بصدد سلعة أو خدمة ما ليس لها صلة مباشرة بالنشاط الذي يزاوله يعد مستهلكاً و يمكنه بالتالي الاستفادة من الحماية التشريعية ، وبذلك يكون المشرع الفرنسي استقر موقفه بتبني الاتجاه الضيق ، لكن يلاحظ انه اكتفى بصدد تعريفه للمستهلك على الشخص المعنوي في حين ان الشخص الطبيعي يشكل المستهلك الاول والاساسي للمنتجات سلعة كانت ام خدمة ما كونه فرد يعيش داخل المجتمع يحتاج لكي يستمر في مزاولة حياته الى مأكل وملبس ومسكن وغيرها من الحاجات ، وهذا يتناقض أيضاً مع الغاية الاساسية من تشريع قوانين حماية المستهلك وهي توفير الحماية للشخص الطبيعي (16) .
ج - موقف القضاء من تعريف المستهلك
أن القضاء الفرنسي لم يكن بعيداً عن الخلاف الفقهي بصدد مفهوم المستهلك ، فتارة نجده يأخد بالاتجاه الضيق بوصف ان المستهلك هو ذلك الشخص الذي يتعاقد لأشباع حاجاته الشخصية والعائلية ومن التطبيقات الصادرة عن القضاء الفرنسي بهذا الصدد هو ماجاء في حكم محكمة النقض الفرنسية في أحدى قرارتها في 15 / أبريل / 1986 حيث لم تعد صاحب شركة التأمين مستهلكاً عند تعاقده مع شركة أعلانات من أجل تنظيم أعلانات لو كالاته التجارية ، حجتها بذلك أن موضوع العقد له علاقة مباشره بمجالها المهني الذي تزاوله ولا يمكنها بالتالي الاستفادة من القواعد القانونية المخصصة لحماية المستهلك (17) ، الا إنه سرعان ما عدلت محكمة النقض عن اتجاه الضيق أخذة بالاتجاه الموسع . ذلك بموجب قرار صادر لها في 28 أبريل 1987 حيث عُدت شركة عقارية وان كانت هي شخص مهني تزاول نشاطها مهنياً ، شخصاً مستهلكاً عندما أبرمت تصرفاً لشراء أجهزة أنذار من أجل حماية مقرها ، بحجة أنها غير متخصصة في مجال نظام الانذار ولا تعلم شيئاً عنه وأن تعاقدها هذا خارج نطاق تخصصها ، عليه تستفيد من الحماية المخصصة للشخص المستهلك (18) الأ أنها عدلت عن موقفها مرة أخرى هذا في حكم حديث لها صادر في 11 ديسمبر 2008 حيث تمسكت بأن صفة المستهلك، لا يعتد بها أطلاقاً ازاء الشركات التي تتعاقد من أجل احتياجاتها المهنية ، بصدد نزاع بين شركتين بشأن صفقة مبرمة بينهما ، بغية تلبية الاحتياجات المهنية ، وقد أستند القضاء الفرنسي بذلك الى نص مادة 3 من القانون 2017/203 ، لتكون بذلك المحكمة حسمت موقفها حول تحديد المستهلك بتبني الاتجاه الضيق (19) أما القضاء المصري والعراقي فلم نحصل على قرارات تحتوي تعريفاً للمستهلك .
بعد سرد الاتجاه الفقهي وتباين الآراء الفقهية بين هذا الاتجاه وذاك ، لتحديد مفهوم المستهلك ومسلك التشريعات في الدول محل المقارنة لتحديد مفهومه وتبني أحد هذين الاتجاهين وموقف القضاء أيضاً ، يمكن ان نعرف المستهلك بأنه " كل شخص طبيعي أو معنوي يبرم عقوداً مختلفة بأية وسيلة كانت تقليدية أو الكترونية مع المهنيين المحترفين ، من أجل توفير ما يحتاج إلية من السلع والخدمات لأشباع حاجاتهم الشخصية أو الاسرية و لا يملك المقدرة العرفية بصددها كما هو بالنسبة الى مقدميها ومن دون ان تكون لدية المضاربة عليها لأجل الربح "
2- عناصر تحديد شخص المستهلك
بعد أستعراض التعريفات التي أوردها الفقه القانوني وتشريعات الدول محل المقارنة والقضاء جميعاً يمكن ان نلتمس منها لزوم توافر شروط معينة لإضفاء صفة المستهلك على الشخص المتعاقد نابعة من التعاريف ذاتها هي كالاتي :-
أولاً : المستهلك شخصاً طبيعياً أو معنوياً
حتى يكتسب المتعاقد صفه المستهلك ليكون بذلك طرفاً في العلاقة العقدية الاستهلاكية ويحظى بالحماية التشريعة ، لابد أن يكون شخصاً قانونياً سواء اكان شخصاً طبيعياً أو معنوياً ، وهذا ما ذهبت إليه الفقرة (5) من المادة (1) من قانون حماية المستهلك العراقي والفقرة (1) من المادة (1) من قانون حماية المستهلك المصري (20) ، وهذا الشرط بديهي كون عقد الاستهلاك تصرف قانوني يقتضي ان يبرم بين شخصين او اكثر ، تتطابق أرادتهما ، ارادة المستهلك من ناحية وارادة مقدم السلعة أو الخدمة على أنشاء هذا التصرف من ناحية أخرى ، فضلاً عن ذلك ايضاً لما كان عقد الاستهلاك ينصب موضوعة على سلعة أو خدمة ما ، يستلزم من المهني تنفيذها للمستهلك ، بالتالي فأن صفة المستهلك ترتبط أساساً بالشخص الذي يحصل عليها سواء كان بغرض الافادة منها بمفردة أو لأفراد عائلته ، لذلك نجد المشتري والمستأجر والمؤمن له والمقترض يكتسب صفة المستهلك .
وغالباً ما يكون هذا المستهلك شخصاً طبيعياً ، كونه فرد يعيش داخل مجتمع يسعى دائماً لأجراء التصرفات القانونية ، للحصول على سلعة أو خدمة ما ، لتلبية حاجاته (21) ، الا انه لا يوجد ما يمنع اعتبار الشخص المعنوي مستهلكاً ، بصريح العبارة التي جاء بها المشرع العراقي من احكام المادة (1) من قانون حماية المستهلك والمادة (1) من قانون حماية المستهلك المصري بشرط الا يكون هنالك علاقة أو صلة مباشرة بين الشيء الذي تعاقد علية من سلعة أو خدمة ما والنشاط المهني الذي يزاوله ، وبالتالي فإن قيام ممثلي الشخص المعنوي بأبرام عقد خارج عن النشاط التي يزاوله هذا الشخص مع المهنيين المحترفين تجعله بمركز ضعيف معرفياً كما هو الحال بالنسبة للأشخاص الطبيعين ، و بالتالي فإن يكونون بحاجة ماسة لشمولهم بالحماية المقررة للأشخاص الطبيعين بموجب قانون حماية المستهلك (22).
ثانياً : أن يرد الاستهلاك على سلع أو خدمات معينة
من عناصر تحديد المستهلك ايضاً ، أن يكون التصرف القانوني الذي عقده المستهلك ، منصباً على سلع وخدمات معينة أياً كان نوعها ، حيث نصت الفقرة (5) من المادة (1) قانون حماية المستهلك العراقي بصدد تعريفها للمستهلك على ما يلي " الشخص الطبيعي أو المعنوي الذي يتزود بالسلعة أو خدمة بقصد الأفادة منها " وكذلك الحال بالنسبة الى المشرع المصري فقد اشار ايضا الى هذا العنصر بموجب المادة (1) من قانون حماية المستهلك رقم 181 السنة 2018 (23) نستنتج من خلال هذين النصين ان كل من يبرم تصرفا لاقتناء سلعة أو خدمة ما يوصف بالمستهلك ، ويقصد بالسلعة بانها كل شيء مادي يمكن ادراكه والتنازل عليه سواء كان بمقابل او من دونه سواء كانت هذه السلعة عقارية ، منقولة ، زراعية ، صناعية ، محولة ، وغيرها سواء كانت قابلة للاستهلاك لمرة واحدة أو مرات عديدة وبذلك يخرج من مفهوم السلعة ، الاشياء المعنوية التي ليس لها وجود مادي ملموس فلا يمكن ان تكون محلاً للاستهلاك تمهيداً لاضفاء صفة المستهلك على الشخص المتعاقد ، ولعل السبب في ذلك يرجع الى ان القواعد الحمائية الخاصة بحماية المستهلك تتضمن العديد من الاجراءات والالتزامات كالالتزام المهني بمطابقة المنتج للمواصفات والالتزام بضمان العيب الخفي وغيرها من الالتزامات الاخرى ، بالتالي لا يمكن ان تكون محلاً لتنفيذ على هذه السلع ، (24) الى جانب السلع يوجد أيضاً الخدمات ، يمكن ان تكون محلاً للاستهلاك من قبل المستهلك التي يقصد بها " كل مجهود لا يتجسد بصورة السلعة المادية يقوم به كل من الصانع ، الحرفي، المنتج ، التاجر ، الزراع ، الفني ، صاحب المهن الحرة ، صاحب مؤسسة مالية وغيرهم ، ويكون محل طلب من قبل المستهلك " جاء هذا التعريف بصوره شاملا لجميع الخدمات سواء كانت ذات طابع تجاري، صناعي ، حرفي ، زراعي ، مالي ، التي يمكن ان تشكلا موضوعاً للاستهلاك يكون الغرض منها ليس مرتبط بنشاط المهني للمستهلك ومقدمة من قبل المهني (25) وهذا ما اقره المشرع العراقي ايضا بموجب المادة (1) الفقرة (3) من قانون حماية المستهلك السالفة ذكرها (26) ، الا ان المشرع المصري اخرج من نطاقها بعض الخدمات كالخدمات المالية والمصرفية المنظمة بأحكام قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي وقانون تنظيم الرقابة على الاسواق والادوات المالية غير المصرفية (27) .
ثالثاً : أن يكون الغرض غير مهني
يقتضي أيضاً لأضفاء صفة المستهلك ان يكون الغرض غير مهني ، حيث أن الفقرة (1) من المادة من قانون حماية المستهلك المصري بصدد تعريفها للمستهلك نصت على " ... لأشباع حاجاته غير المهنية او غير الحرفية او غير التجارية او يجري التعامل او التعاقد معه بهذا الخصوص وكذلك الحال بالنسبة الى المشرع الفرنسي بصدد تعريفة للمستهلك بموجب المادة ( 3 ) من قانون الاستهلاك الفرنسي رقم 203 بقولها أيضاً " لا يتصرف لأغراض مهنية بالتالي يشترط على وفق هذه النصوص القانونية على الشخص المتعاقد لاضفاء صفة المستهلك عليه ، أن يكون الغرض من الحصول على السلعة أو الخدمة التي تعاقد بشأنها تلبية حاجاته الاساسية الخاصة به او بأفراد أسرته ، وعرف علماء الاقتصاد هذا الاستهلاك بأنه آخر العمليات الاقتصادية التي تخصص فيها القيم الاقتصادية لأشباع حاجاته ، (28) و بالتالي متى ما كان الغرض من السلعة أو الخدمة أستهلاكها لأشباع حاجاته الشخصية أو العائلية وصف مقتنيها بالمستهلك سواء كان هو المتعاقد ذاته او مستفيد منها غير طرفاً في العقد ، وهذا لا يتحقق الا عندما لا تكون لدية نية المضاربة على السلعة او الخدمة التي تعاقد عليها بنية الحصول على مردود مالي وتأكيداً على هذا الغرض ذهبت محكمة النقص الفرنسية في أحدى القرارات الصادرة عنها في 15 / 4 / 1986 بالقول ( ان المستهلك هو الفرد الذي يصبح طرفاً في عقد يتعلق بالتزود بالسلع والخدمات وذلك لأجل إشباع حاجاته الشخصية )(29)
فمتى ما توافرت جميع هذه العناصر التي ذكرناها ، انطبقت صفة المستهلك على الشخص المتعاقد تمهيداً لأضفاء عليه الحماية المنصوص عليها بموجب التشريعات حماية المستهلك عكس المشرع العراقي الذي لم يشر الى ذلك .
ثانياً : المهني
بعد أن بينا مفهوم المستهلك طرفاً في عقد الإستهلاك وعناصر تحديده ، يقتضي بيان مفهوم المهني الطرف الثاني في عقد الاستهلاك ايضاً ، في ضوء تحديد المقصود بهذا الشخص يتم التوصل الى عناصر تحديده، ولا سيما اذا علمنا ان عقد الاستهلاك كتصرف قانوني يترتب عليه جملة من الحقوق والالتزامات على عاتق طرفيه وعلى وجه الخصوص هذا المهني المتعاقد ، كونه الطرف الأقوى بما يتمتع به من مقدرة معرفية ومالية عالية ، يرتب عليه القانون في ضوء ذلك جملة من الالتزامات بغية تحقيق التوازن المعرفي بينه وبين المستهلك و لبيان مفهوم هذا الشخص والاحاطة بعناصر تحديده سوف نقسم هذه الفقرة الثانية الى بندين مستقلين نخصص أولاً : تعريف المهني و ثانياً عناصر تحديد الشخص المهني ،
1- تعريف المهني
للاحاطة بتعريف المهني بإعتباره طرفاً في العلاقة العقدية الاستهلاكية ، يقتضي بيان موقف الفقه القانوني وكذلك الاحاطة بما تضمنته قوانين الدول المقارنة بصدد تعريفها لهذا الطرف وكذلك الأشارة الى موقف القضاء من تحديد مفهوم هذا الطرف .
أ - موقف الفقه من تعريف المهني
تباين موقف الفقه القانوني بصدد تعريف المهني ، فعرفه البعض بأنه من يبرم تصرفاً من اجل توفير احتياجاتة المهنية التي يتطلبها نشاطه المهني ، الحرفي ، التجاري ، الصناعي " (30) نلاحظ من خلال التعريف ، ان هذا الاتجاه الفقهي ينظر الى الشخص المهني من خلال طبيعة النشاط الذي يزاوله ، فمتى أبرم عقداً له صلة مباشرة بنشاطه المهني ، وصف هذا الشخص بالمهني ، فضلا عن ذلك ، يعرف المهني كطرف مع محترف اخر يمارس نشاطاً خارجاً عن نطاق اختصاصه وليس طرفاً مع المستهلك وما يعرضه من السلع والخدمات التي تدفع المستهلك للتعاقد معه وولادة عقد الاستهلاك بينهما على اثره ومن ثم فلا يمكن ان نعول عليه .
وعرفه البعض أيضاً بأنه " الشخص الطبيعي أو المعنوي من القطاع الخاص أو العام ، يمارس نشاطاً يتمثل بالتوزيع او البيع أو تأجير او تقديم الخدمات بأسمة ولحسابة او بأسمة ولحساب الغير " (31) وان كان هذا التعريف ينظر أيضاً الى المهني من خلال النشاط الذي يزاوله ، بسرد الانشطة التي يزاولها و شمل طائفة من مقدمي هذه السلع والخدمات ، الا ان الانشطة التي يمارسها المهنيين المختصين لا تقتصر على المذكورة ، وحسناً فعل من الناحية الاخرى بأنه شمل من يمارس النشاط بأسمة او لحساب غيره بالتالي ادخل ضمن طائفته هؤلاء الذين يتوسطون بين منتج السلعة أو بائعها . وعرفه البعض أيضاً بأنه " كل شخص طبيعي او معنوي يقوم بممارسة نشاطاً مهنياً على سبيل الاعتياد والانتظام لأجل تحقيق الربح" (32) ان هذا التعريف ينظر الى المهني من زاوية الاحتراف ، وان صفة المهني تتحقق من خلال الانتظام والاستمرار في مزاولة نشاطه ، وان كان عنصر الاحتراف يسهم بدرجة كبيرة بتحديد مفهوم المهني بما يملكه هذا العنصر من كفاءه وخبرة ومعرفة الفنية الا انه لا يمكن ان نعول عليه ، ليس كل محترف مهني فالبائع العرضي مثلاً ، وان كان لا يمارس نشاطه على سبيل الانتظام والاستمرار ، إذ انه يوصف بالمهني ، مادام يمارس نشاطاً يضع بموجبة السلع للاستهلاك .
وعرفه جانب آخر من الفقه بأنه " كل شخص طبيعي او معنوي الذي يملك موقعاً الكترونياً او محلاً تجارياً ، لممارسة نشاطه المهني وبصرف النظر عن طبيعته المدنية او التجارية "(33)
وان كان هذا التعريف شمل المهني الذي يمارس نشاطه من خلال محل تجاري له وجود مادي والمهني الذي يمارس نشاطاً من خلال موقع الكتروني عبر شبكات الاتصال ، يعرض من خلالها منتجاته ، ليتماشى بذلك مع التطور الذي شهده العالم في مجالات الاتصالات والمعلومات ، الا انه لا يمكن ان نعول عليه إذ ليس بالضرورة أن يكون المهني يمتلك محلاً تجارياً ، فالبائع العرضي والمتجول يعد مهنياً مادام يمارس نشاطاً يضع بموجبة منتجاته للاستهلاك .
وعرفها البعض الاخر ايضا بأنه " وهو من يقوم بشراء المنتجات المصنعة بقصد إعادة بيعها الى المستهلكين لأجل تحقيق الربح " (34)
ويلاحظ ان هذا التعريف ينظر الى المهني من زاوية المضاربة لتحقيق الربح ، فليس من الضرورة ان يكون لدى المهني نية المضاربة ، فهنالك جمعيات ونقابات تتمتع بصفة المهني وان كان لا يتوافر لديها هذه النية ، مادامت تمارس نشاطاً تضع بموجبه السلع والخدمات للاستهلاك ، ومن ناحية الاخرى ، يحصر مفهوم المهني بالبائع الذي يمارس نشاطاً بشراء منتجات لأعادة بيعها وان كانت احدى صور المهني ( البائع) ، الا انه لا يقتصر عليها فهنالك صور اخرى لهذا الشخص ، كالمنتج المصدر و المستورد و الصانع وغيرها بالتالي لا يمكن ان نعول عليه . وعرفه جانب آخر من الفقه أيضاً بأنه هو ذلك الشخص الذي يملك المعرفة الفنية والدراية بالبيانات والمعلومات الخاصة بالسلع والخدمات التي يتعامل بها ، مما يسمح له بالتعاقد على بينة ودراية تامة ، على عكس المستهلك طرف معه في العلاقة العقدية لا يملك المعرفة بصددها " (35) .
نلاحظ ان هذا التعريف ينظر الى المهني من زاوية المقدرة المعرفية ، التي تشكل سبباً رئيساً لإختلال التوازن المعرفي بينه وبين المستهلك ، وهذا ما يهمنا في إطار هذه الدراسة، فضلاً عن أنه وان كان هذا التعريف الافضل من حيث تضمينه الصفة الاساسية التي يتمتع بها المهني في اطار تعاملاته ، الا انها ليست العنصر الوحيد لتحديد مفهومه وما أورده من عبارة (ذلك الشخص )يكتنفها الغموض أيضاً ، هل يراد بها الشخص المعنوي ام الشخص الطبيعي أم كلاهما بصورة عامة بالتالي لا يمكن ان نعول عليه بشكل مطلق وعرفه جانب آخر من الفقه تماشياً مع هذا الاتجاه ايضاً بأنه " هو ذلك الشخص الذي يتمتع بالمقدرة الاقتصادية والمعرفية بصدد النشاط الذي يزاوله مما يتفوق بذلك على المستهلك " (36).
نلاحظ ان هذا التعريف ، لا يقتصر على التفوق المعرفي بل ركز ايضاً على الناحية الاقتصادية وان كانا يشكلان الصفة الاساسية التي يتمتع بها المهني الا انه لا يمكن حصرها بتعريف المهني ،اذ ليس بالضرورة ان يكون المهني متمتعاً بتلك الصفات بالوقت نفسه تمهيداً لأضفاء صفة المهني ، وان كان المهني يتمتع بالمقدرة المعرفية صفة لا محال منها من خلال الاعتياد والتخصص في مزاولة نشاط ما الا انه ليس بالضرورة ان يتمتع بالمقدرة الاقتصادية .
و يلاحظ من خلال ما ذكرناه من التعاريف اعلاه، عدم اتفاق الفقه القانوني على تحديد مفهوم المهني بتعرف محدد شامل للعناصر التي يتمتع بها فكل منهم ينظر اليه من زاوية خاصة به ، الا اننا نلاحظ ان عناصر الشخص المهني لا تخرج عن عرض المنتجات من السلع والخدمات والاعتياد في ممارسة النشاط المهني و التفوق المعرفي و نية تحقيق الربح .
ب - موقف التشريع من تعريف الشخص المهني
وضعت التشريعات الوطنية لحماية المستهلك للدول محل المقارنة ، تعريفاً للشخص المهني كما فعلته بصدد تعريفها لشخص المستهلك ، الا انها تباينت بشأن مصطلح المهني ، فقد أستخدم المشرع العراقي مصطلح المجهز ، اما المشرع المصري فقد استخدم مصطلح المورد ، في حين أستخدم المشرع الفرنسي مصطلح المهني .
فقد عرفه المشرع العراقي بموجب الفقرة (6) من المادة (1) من قانون حماية المستهلك رقم 1 لسنة 2010 بأنه " كل شخص طبيعي او معنوي منتج او مستورد او مصدر او موزع أو بائع سلعة او مقدم خدمة سواء كان اصيلاً ام وسيطاً أو وكيلاً "
بموجب هذا التعريف الذي أورده المشرع العراقي ، يعد المهني كل شخص طبيعي او معنوي من القطاع العام ام القطاع الخاص ينتج ، يستورد ، يصدر ، يوزع ، يبيع ، يقدم سلعاً وخدمات ما ، مادام أنه يمارس احدى هذه الانشطة المذكورة ، ويعد مهنياً ويخضع بالتالي الى قانون حماية المستهلك وحسناً فعل بذلك إذ وسع من دائرة الاشخاص المهنيين المحترفين و شمل بذلك المنتج والموزع و البائع و المصدر و المستورد سواء كان يتعامل بأسمه ولحسابه ام وسيطاً بين منتج السلعة أو بائعها ومستهلكها او بأسمة ولحساب الغير الا انه مع ذلك يكتنفه القصور، إذ لم يتضمن بيان ما يتمتع به المهني من الخبرة والمعرفة بأصول المهنة بوصفه العامل الرئيس في اختلال التوازن المعرفي بينه وبين المستهلك ، و الذي يشكل السبب الرئيسي لتشريع هذا القانون لمعالجة هذا الاختلال بغية تحقيق التوازن المعرفي بين المهنيين والمستهلكين .
اما المشرع المصري فقد اورد تعريفاً للمورد بموجب الفقرة (5) من المادة (1) من قانون حماية المستهلك رقم 181 لسنة 2018 بأنه " كل شخص يمارس نشاطاً تجارياً او صناعياً أو مهنياً أو حرفياً يقدم خدمة للمستهلك ، أو ينتج السلعة أو يصنعها او يستوردها او يصدرها او يبيعها او يؤجرها او يعرضها أو يتداولها او يوزعها او يسوقها ، وذلك بهدف تقديمها الى المستهلك او التعامل او التعاقد معه عليها بأي طريقة من الطرق بما في ذلك الوسائل الالكترونية ، وغيرها من الوسائل التقنية الاخرى "
و نستنتج من هذا التعريف القانوني الذي أورده المشرع المصري، ان كل شخص يمارس نشاطاً تجارياً أو مهنياً أو حرفياً او صناعياً وغيرها من الانشطة الاخرى يعد مهنياً بموجب هذا القانون، مادام يمارس نشاطاً يعرض فيها السلع والخدمات للاستهلاك ، وحسناً فعل بذلك بتوسيع دائرة الاشخاص المحترفين : والتعاقدات التي يعقدها هؤلاء عبر الوسائل التقليدية والالكترونية ليشمل بذلك التعاقدات التي تتم عن بعد عبر الوسائل الالكترونية والتي أفرزها التطور في مجالات الاتصالات والمعلومات ، الا ان ما يعيبه هو انه لم يتضمن الاشارة للتعاقدات التي تبرم عن طريق الاصالة أو الانابة ، ليواكب العقود التي افرزها التقدم كالبيوع المنزلية .
اما المشرع الفرنسي فقد عرف المهني بموجب المادة الثانية من التعديل الاخير لقانون الاستهلاك الفرنسي المرقم 301 السنة 2016 بأنه " كل شخص طبيعي أو معنوي عام أو خاص الذي يتصرف الأغراض تدخل ضمن نشاطه التجاري ، الصناعي ، الحرفي ، الحر ، الزراعي ، بما في ذلك عندما يتصرفون بأسم ولحساب مهني آخر "(37) .
بموجب هذا التعريف عد المشرع الفرنسي المهني ، كل شخص طبيعي او معنوي وسواء كان هذا الشخص خاصاً او عاماً ، يمارس اي نشاط مذكور ضمن التعريف الذي أورده ، وسواء كان يمارس هذا النشاط بأسمه ولحسابه او باسم ولحساب مهني آخر ، وان كان هذا التعريف يواكب التطور في جانب منه فيما يتعلق بالتعاقد باسم ولحساب مهني اخر مما يشمل بذلك طائفة المهنيين الذي يتوسطون بين بائع السلعة أو منتجها وغيرهم من الاشخاص ، والمستهلكين للسلع والخدمات المقدمة من قبل هؤلاء ، الا انه يكتنفه القصور اذ لم يتضمن المفهوم الحديث للمستهلك وما يتمتع به من المقدرة المعرفية بصدد تعاقداته التي تشكل الاساس في اختلال التوازن المعرفي بين الاطراف .
مما سبق يتضح بأن قوانين حماية هذه المستهلك عرفت المهني مانعاً وجامعاً يشمل جميع صور هذا المهني ، وعناصره من المقدرة المعرفية ، الاعتياد في ممارسة نشاط ما و السعي لتحقيق الربح وغيرها من الأمور ، وان كانت تحتوي على جوانب حسنه ، الا انها يكتنفها القصور والغموض في جانب معين .
ج - موقف القضاء من تعريف المهني
بعد ان بينا ما اورده الفقه القانوني والتشريعات الوطنية للدول محل المقارنة بصدد تعريفها للمهني ، يقتضي بيان ما أتجه إليه القضاء لبيان مفهوم المهني ، وبصدد موقف القضاء الفرنسي من تحديد مفهوم المهني كطرف في العلاقة العقدية الاستهلاكية ، أتجهت محكمة النقض الفرنسية في قرار الصادر عنها في 6 كانون الثاني لسنة 2016 ، الى عدم اعتبار جمعية الرفق بالحيوان مهني في قضية تتخلص وقائعها بأنه قد تقدم شخص وزوجته الى جمعية الرفق بالحيوان للتعاقد معها لتبني الكلاب من هذه الجمعية الا ان الجمعية رفضت منحهم ذلك الا بحصول هذين الزوجين على موافقات خطية من الجهات المانحة للكلاب فتقدم بالتالي هذان الزوجان بالطعن بهذا القرار بحجة ان العقد له صلة مباشرة بالنشاط المهني للجمعية ، وان هذا طلب يعد شرطاً تعسفياً بالاستناد الى مادة ( 132 ) من قانون الاستهلاك الفرنسي، فرفضت الغرفة المدنية الأولى لمحكمة النقض الفرنسية ذلك بقولها " مادام التصرف بغرض منح هبة متمثلة في الكلاب ، فأن جمعية الرفق بالحيوان تتصرف لأغراض لا تدخل ضمن نشاطها التجاري، الصناعي ، الحرفي ، الحر ، الزراعي ، بالتالي فليس للجمعية صفة المهني(38) .
نستنتج من ذلك اتجاه القضاء الفرنسي الى حصر صفة بالأشخاص الذين يمارسون الأنشطة المذكورة والمحددة على سبيل الحصر ضمن المادة المذكورة اعلاه ، بالتالي مادام هذه الجمعية تمارس نشاطاً أنسانياً لتحقيق هدف اجتماعي ، لا يمكن اضفاء صفة المهني عليها.
اما فيما يتعلق بموقف القضاء العراقي والمصري لم يتسن لنا العثور على قرارت واضحة حول تحديد مفهوم الشخص المهني وبناء على ما تقدم من التعريفات التي أوردها الفقه القانوني وما قررته التشريعات، وما اتجه الية القضاء ان مفهوم المهني لا يخرج عن كونه شخص طبيعياً أو معنوياً ، يمارس نشاطه المهني سواء كان هذا النشاط تجارياً ، صناعياً ، حرفياً ، زراعياً ، حراً ، وغيره من الانشطة المهنية الأخرى ، لأجل تحقيق الربح ، وبناء على ذلك يمكن ان نعرف الشخص المهني بأنه " كل شخص طبيعي او معنوي يتصرف او يتعامل بصفته أصيلاً أو وسيطاً أو وكيلاً ، سواء كانت بوسيلة تقليدية او الكترونية ، بصدد نشاطه المهني و يعرف بموجبه منتجاته ، اياً كانت طبيعته يمارسه على سبيل الاعتياد والاحتراف و يصل بصدده الى اعلى مراتب التفوق المعرفي الأجل تحقيق الربح "
2- عناصر تحديد صفة المهني
من خلال ما أوردناه من التعريفات لتحديد مفهوم المهني ، نستنتج ان عناصره لا تخرج عن كونه شخصاً طبيعياً أو معنوياً ، يمارس نشاطاً مهنياً لعرض منتجاته ، فضلاً عن تحقيق الربح و الدراية والتفوق المعرفي .
1- المهني شخصاً طبيعي او معنوي
هذا أمر بديهي كون عقد الاستهلاك الذي يكون فيه المهني الطرف الثاني مقابل المستهلك ، تصرفاً قانونياً لا ينعقد الا بين الاشخاص القانونية سواء كان شخصاً طبيعياً أو معنوياً وسواء كان هذا الشخص المهني منتجاً ، موزعاً ، بائعاً للجملة او التجزئة ، حرفياً ، مستورداً ، صانعاً ، وسيطاً ، زراعياً ، وسواء كان باسمه ولحسابه او باسم ولحساب مهني اخر وسواء انعقد هذا التصرف القانوني بوسيلة الكترونية أو تقليدية ، وهذا ما أشار اليه بموجب الفقرة (1) الفقرة (6) من المادة (1) من قانون حماية المستهلك العراقي رقم (1) السنة 2010 (39) ، والفقرة (5) من المادة (1) من قانون حماية المستهلك المصري رقم 181 السنة 2018 (40) ، ومادة (2) من قانون الاستهلاك الفرنسي رقم 301 السنة 2016 بقولهم " كل شخص طبيعي او معنوي " وبذلك وسعت التشريعات الوطنية لحماية المستهلك من مفهوم المهني شملت بذلك الشخص الطبيعي او المعنوي على حد سواء ، أياً كان النشاط الذي يزاوله سواء كان ذات طابع صناعي ، تجاري، حرفي، وغيرها من الانشطة الاخرى ، مادام يقدم أو يعرض السلع والخدمات لجمهور المستهلكين في اطار نشاطه المعتاد ، فضلاً عن ذلك لا يقتصر على من يتعامل باسمه ولحسابه الخاص بصفته اصيلا بل يمتد نطاق صفة المهني حتى وان كان يمارس النشاط بصفته وكيلا او وسيطا عن مهني اخر ، ويكون بذلك مسايراً لما أحدثه التقدم التكنولوجي والتطور العلمي والتقني من تغير ملحوظ في اساليب تسويق السلع والخدمات ، بقيام الاشخاص المهنيين وبغية تصريف منتجاتهم بأرسال اشخاص ممثلين عنهم الى مكان عمل او اقامة المستهلك لأقناعهم بالتعاقد معهم نيابة عنهم ، ومن جانب اخر لا يقتصر انطباق مفهوم هذا المهني سواء كان شخصاً طبيعياً أو معنوياً على من يبرم التصرف بصدد النشاط المهني بوسيلة تقليدية بل يشمل حتى لو ابرم التصرف بوسيلة الكترونية عبر شبكات الاتصال الحديثة في عالم الكتروني خارج عن العالم المادي لعقود الاستهلاك التقليدية ، (41) بالتالي لا فرق في اضفاء الصفة المهنية على هؤلاء الاشخاص أيا كان طبيعته المهنية وصفته بأبرام التصرف .
وبهذا الصدد يثار التساؤل فيما ان كان المهني يمكن ان يعد كل شخص طبيعي او معنوي على حد سواء ، و هل يمكن اضفاء هذه الصفة على الشخص المعنوي التابع للدولة تزاول نشاطاً بموجبة تضع السلع والخدمات موضع الاستهلاك للجمهور، مما يؤدي بالتالي وصف العقود التي تبرمها مع المستهلكين بعقود الاستهلاك لكي تحضى بالحماية التشريعية ؟ للأجابة عن هذا التساؤل ذهب الجانب من الفقه ان هذه المرافق وان كانت شخصاً معنوياً من القطاع العام تابعاً للدولة تقدم خدمات تابعه لها ، الا انها تزاول نشاطاً تزود بمقتضاه المستهلكين بما يحتاجون إليه من السلع والخدمات كمرافق النقل التي تقدم خدمات نقل سواء كان بالسكك الحديدية او بالطائرات ومرافق التي تقدم خدمات الماء والكهرباء والغاز وغيرها ، وان حاجة المستهلكين اليها وبغية الاستفادة من هذه الخدمات لأشباع حاجاتهم الشخصية أو العائلية ، تتقدم لأجراء التصرفات معها للاستفادة من ذلك ، مما يؤدي الى وصف هذه العقود بأنها عقود استهلاك ضرورة لا غنى عنها بغية حماية المستهلكين بما تتمتع به هذه المرافق من التفوق الاقتصادي والمعرفي (42) وبهذا الصدد ذهب القضاء الفرنسي بصدد نزاع بين شركة الكهرباء الفرنسية وأحد الاشخاص المشتركين معها بالقول " إنه ليس من الشك في أن العلاقة بين شركة الكهرباء الفرنسية والمشتركين هو من الطبيعة العقدية ، وليس من شك ان الامداد بالطاقة الكهربائية له خاصية البيع ، وان الشركة تمثل كل خصائص المهني وبصفة خاصة التفوق التقني والقانوني ، وكذلك الوضع الاحتكاري بينما المشتركون المتعاملون معها يمثلون كل خصائص المستهلك في هذه الظروف فإنه ينبغي اعتبار نصوص المادة (2) من المرسوم 301 مارس 2016 مطبقه على العلاقات العقدية بين شركة توزيع الكهرباء الفرنسية ومستخدميها ، في الوقت الذي تعتبر فيه هذه الشركة منشاة عامة مكلفة بأدارة خدمة صناعية وتجارية "(43) .
2- أن يمارس نشاطاً مهنياً لعرض السلع والخدمات للاستهلاك
بالاستناد الى الفقرة (6) من المادة () من القانون حماية المستهلك العراقي (44)، الفقرة (5) من المادة (1) من القانون حماية المستهلك المصري رقم 181 السنة 2018(45) ، فأنه لا يكتفي لتحديد صفة المهني ان يكون شخصاً قانونياً سواء كان طبيعياً أو معنوياً بل يقتضي أيضا منه ان يمارس نشاطاً مهنياً أيا كانت طبيعته يعرض بمقتضاه المنتج للاستهلاك أو استيراد السلع من خارج البلاد لأعادة بيعها على الجمهور عن طريق عرضها في الاسواق المحلية او قيامه بتوزيع السلع التي انتجها على فروع اخرى له او الباعة الجملة او التجزئة لطرحها على الجمهور المستهلكين او قيامه بأي عمل من اعمال المهن الحرة معتمداً فيها على مهارته الشخصية والتي يضع بمقتضاه منتوجات للاستهلاك او قيامه باي عمل من الاعمال التجارية ، وغيرها من الانشطة المهنية الاخرى ، فلا مانع من انطباق صفة المهني متى ما زاول نشاطاً مهنياً اياً كان طبيعتها مدنية او تجارية يعرض بمقتضاه المنتج للاستهلاك ، وبغض النظر عن تعاقداته مع الاشخاص المهنيين التي يقوم بمقتضاه بتلبية حاجاته من المأكل والملبس و المسكن و النقل وغيرها ، فلا تحول صفته كممتهن يمارس نشاطاً مهنياً مشروعاً من ان يعرض بموجبة السلع والخدمات للاستهلاك على أشخاص مستهلكين (46) .
3- الربح
ان المهني اي كانت صفته القانونية بمزاولة نشاطه ( مستورد ، موزع ، بائع ، صانع ، حرفي ، معلن ، تاجر) عادة ما يعرض منتجاته من السلع والخدمات بمقابل للحصول على الربح كمورد للعيش والكسب وضماناً لأستمرار نشاطه ، حرصاً على تحقيق أعلى نسب للأرباح والذي يلجأ الى شتى السبل والأساليب ومن دون الالتفات الى حقوق المستهلك المتعاقد معه وما يترتب عليها من أضرار ، كأرسال أشخاص ممثلين عنه يملكون الخبرة في التعامل والقدرة على الاقناع بالألحاح والمجادلة الى محل اقامة المستهلك او مقر عمله او تحرير عقود نموذجية معدة مسبقاً غالباً ما تتضمن شروطاً ذات طابع تعسفي ، بغية تخفيف الالتزامات المترتبة على عاتقهم على حساب المستهلك او استخدام اعلانات التجارية لتعريف بمنتجاتهم وتضمينها معلومات مغايرة لحقيقتها لإيهام المستهلك بحقيقتها ودفعه للتعاقد معهم (47) الا انه مع : ذلك ذهب البعض من الفقه الى انتقاد هذه الفكرة، بقوله وان كان الربح هو الصفة الغالبة لتحديد المهني الا انه ليس بالضرورة ان تكون هذه الصفة لصيقة بالمهني فهنالك جمعيات ونقابات تمارس نشاطاً مهنياً دون ان تهدف من وراء ممارسة نشاطها الحصول على الربح كالجمعيات الخيرية والتعاونية التي تقدم تسهيلات للمستهلكين ، بالتالي لا تصلح هذه الصفة لتحديد المهني (48) وذهب البعض الاخر منتقداً أيضاً بقوله ان استناد الى هذه الصفة لتحديد الشخص المهني تؤدي الى عدم استقرار المعاملات لما تتيحه من فرص للأفلات والتخلص من الالتزامات الملقاة على عاتقهم بمجرد الاثبات انه لم يحقق الربح من جراء ممارسة نشاطه (49)، ولذلك فإننا نرى ان عنصر الربح لا يمكن ان نعول عليه بوصفه عنصراً أساسياً لتحديد الشخص المهني .
4- الدراية والتفوق المعرفي
ان يمارس المهني لنشاط المشروع يقره القانون يضع بموجبه السلع والخدمات المقدمة من قبله للاستهلاك بصورة معتادة منتظمة وسواء اكان حائزاً للشهادات العلمية او الدراسات اللازمة في مجال تصنيع او تسويق او تقديم خدمة ما كعمل الصيدلاني ببيع العقاقير الطبية مثلاً او ان يكون حائزاً للوسائل الضرورية التي تمكنه من ان يكرس نشاطه للقيام بعمل ما على اكمل وجه ببيع سلعة ما مثلاً ، فيفترض فيه المعرفة الفنية والدراية التامة بصدد المعلومات والبيانات الخاصة بالمنتجات المقدمة من قبله من حيث خصائص السلع ولمكونات الداخلة في تركيبها وطريقة استعمالها وقدرتها على تحقيق المنفعة المقصودة منها ومدى انطباقها للمواصفات القياسية المحددة وما يكتنف استعمالها من المخاطر وغيرها من المعلومات الخاصة بها ، وهذه نتيجة طبيعية بأن من يمارس مهنة معينة على وجه التخصص بها وسواء اعتمد بمزاولتها على شهاداته العلمية او الآلات والادوات اللازمة للقيام بنشاطه وأياً كان طبيعتها مدنية أو تجارية، ويفترض فيه المعرفة التامة بأسرارها وعناصر التعامل فيها ، مما يسمح له بالتعاقد على بينة من الأمر بصدد موضوع وظروف العقد ، وهذا ما يمنحه ميزة التفوق المعرفي على المستهلكين المتعاملين معه (50) وبهذا الصدد عرفه بعض الفقه معتمداً على هذا المعيار لتحديد مفهوم المهني ، بقوله " هو الشخص الذي تتوافر لديه المعرفة والدراية بالامور الفنية والتقنية لمنتجات التي يقدمها ويختص بها ضمن نشاطه المعتاد مما تسمح له بالتعاقد على بينة ودراية تامة "(51) فهذا التعريف قد أوضح بما يتمتع به المهني من ميزة التفوق المعرفي التي تجعل منه المركز الاقوى مع المتعاملين معه ، لذلك نرى أن عنصر التفوق المعرفي من اهم عناصر صفة المهني ، و أن ما يتمتع به من الامكانيات المعرفية مقارنة بالاشخاص المتعاملين معه الذين لا يملكون العلم والدراية الكافية بصدد موضوع العقد نتيجة للتطور العلمي والصناعي وما ترتب عليه من تدخل المعارف التكنولوجيا في مجال انتاج وتصنيع السلع والخدمات ، وذلك يشكل السبب الرئيس لإختلال التوازن المعرفي فيما بين المهني والمستهلك .
_____________
1- بوعرعور عياش ، التوازن العقدي في عقود الاستهلاك ، رسالة ماجستير ، جامعة محمد الصديق بن يحيى ، كلية الحقوق والعلوم السياسية ، السنة 2015 ، ص 11 .
2- عبدالله ذيب محمود ، حماية المستهلك في التعاقد الالكتروني ، ط 1 ، دار الثقافة للنشر والتوزيع ، عمان ، 2012 ، ص 28 .
3- د. خالد ممدوح ابراهيم ، حماية المستهلك في العقد الالكتروني ، ط 1 ، دار الفكر الجامعي ، الإسكندرية ، مصر ، 2008 ، ص 26 .
4- عبدالله ذيب محمود ، مصدر السابق ، ص 30 .
5- د. ريما فرج مكي ، تصحيح العقد ، شركة المؤسسة الحديثة للكتاب ، بيروت ، ط 1 ، السنة 2011 ، ص 54
6- ره نج آزاد محمد سعيد ، حكم الشروط التعسفية في عقد الاستهلاك ، ط1 ، مركز الدراسات العربية ، السنة 2022 ، ص 59
7- معتز نزيه محمد الصادق المهدي ، المتعاقد المحترف ، طا، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 2010 ، ص 31
8- قاسم عطية حسين المسعودي ، التنظيم القانوني للبيع بالمنزل رسالة ماجستير كلية القانون جامعة كربلاء 2021 ، ص 40
9- ابراهيم عبد العزيز داود ، عدم التوازن المعرفي في العقود ، دار الجامعة الجديدة الإسكندرية 2014 ، ص 13.
10- مصطفى أحمد ابو عمرو ، الالتزام بالإعلام في عقود الاستهلاك ، دار الجامعة الجديدة ، السنة 2010 ص 94
11- عباس عبد الصمد عباس ، الخيار القانوني للمستهلك في العدول عن العقد بين القانون الوضعي والفقه الاسلامي ، رسالة ماجستير ، جامعة البصرة ، كلية القانون ، السنة 2012 ، ص 14
12- ره نج آزاد محمد سعيد ، حكم الشروط التعسفية في عقد الاستهلاك ، ط1 ، مركز الدراسات العربية ، السنة 2022 ، ص 56
13- ميكائيل رشيد علي ، العقود الإلكترونية على شبكة الإنترنيت بين الشريعة والقانون، أطروحة الدكتوراه ، الجامعة العراقية ، كلية الشريعة ، العراق، السنة 2012 ،ص 218 .
14- آمانج رحيم احمد ، حماية المستهلك في نطاق العقد ، ط 1 ، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر ، لبنان ،2010، ص 34
15- نجلاء عبد حسن ، القانون الواجب التطبيق على عقد الاستهلاك الدولي ، رسالة ماجستير ، جامعة بابل ، كلية القانون ، العراق ، السنة 2013 ص 30 .
16- جريفيلي محمد ، حماية المستهلك في نطاق العقد ، أطروحة دكتوراه ، كلية الحقوق، جامعة احمد دراية آدرار ، الجزائر ، السنة 2018 ص 31 .
17- نقلاً عن قاسم عطية حسين المسعودي ، التنظيم القانوني للبيع بالمنزل رسالة ماجستير كلية القانون جامعة كربلاء 2021 ، ص 44
18- نقلاً عن عبير مزغيش ، الضوابط الحمائية المصوبة لاختلال التوازن العقدي في عقود الاستهلاك ، مقالة منشوره في
مجلة الحقوق والحريات ، جامعة محمد خيضر ، العدد الرابع ، السنه 2017 ، ص 98
19- نقلا عن ره نج آزاد ، المصدر السابق ، ص 63 .
20- أنظر الى مادة من قانون حماية المستهلك العراقي رقم 1 السنة 2010 ، و المادة 1 من قانون حماية المستهلك المصري رقم 181 السنة 2018 .
21- جريفيلي محمد ، حماية المستهلك في نطاق العقد ، أطروحة دكتوراه ، كلية الحقوق، جامعة احمد دراية آدرار ، الجزائر ، السنة 2018 ، ص 015
22- قاسم عطية حسين المسعودي ، التنظيم القانوني للبيع بالمنزل رسالة ماجستير كلية القانون جامعة كربلاء 2021 ، ص 41
23- الفقرة (1) من المادة (1) من قانون حماية المستهلك المصري " كل شخص طبيعي او اعتباري يقدم اليه المنتجات لإشباع حاجاته غير المهنية .." .
24- أنظر الفقرة (2) من المادة (1) من القانون حماية المستهلك رقم 1 الستة 2010 .
25- مكي فلة ، حماية الطرف الضعيف في عقد الاستهلاك ، اطروحة دكتوراه، جامعة الجزائر ، كلية الحقوق ، الجزائر السنة 2016-2018 ، ص 35 .
26- أنظر مادة 1 الفقرة 3 من قانون حماية المستهلك العراقي رقم 1 السنة 2010 .
27- الفقرة (4) من المادة (1) من القانون حماية المستهلك المصري رقم 181 السنة 2018 بقولها " السلع والخدمات المقدمة من اشخاص القانون العام او الخاص وتشمل السلع المستعملة التي يتم التعاقد عليها من خلال المورد ، عدا الخدمات المالية والمصرفية المنظمة بأحكام قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي ، وقانون تنظيم الرقابة على الاسواق والأدوات المالية غير المصرفية " .
28- ميكائيل رشيد علي ، العقود الإلكترونية على شبكة الإنترنيت بين الشريعة والقانون، أطروحة الدكتوراه ، الجامعة العراقية ، كلية الشريعة ، العراق، السنة 2012 ، ص 217 .
29- المشار الى هذا الحكم لدى ذكرى محمد حسين ، نصير صبار لفتة ، الحماية المدنية للمستهلك من الشروط المألوفة في العقود التجارية ، بحث منشور في مجلة المحقق المحلي للعلوم القانونية والسياسية ، جامعة بابل ، المجلد 1 ، العدد 1 ، 2009 .
30- خالد عبد الفتاح محمد حماية المستهلك في القانون الدولي الخاص ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 2002 ، ص 37
31- د. ريما فرج مكي ، تصحيح العقد ، شركة المؤسسة الحديثة للكتاب ، بيروت ، ط 1 ، السنة 2011 ، ص 54 .
32- د. معتز نزيه محمد الصادق المهدي ، المتعاقد المحترف ، طا، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 2010 ، ص 34 .
33- عبدالله ذيب محمود ، حماية المستهلك في التعاقد الالكتروني ، ط 1 ، دار الثقافة للنشر والتوزيع ، عمان ،2012 ، ص 20 .
34- د. عمر عبد الفتاح السيد عبد اللطيف، التوازن المعرفي في العقود المدنية ، ط1 ، دار الجامعة الجديدة ، الاسكندرية ، ص 135 .
35- ره نج آزاد محمد سعيد ، حكم الشروط التعسفية في عقد الاستهلاك ، ط1 ، مركز الدراسات العربية ، السنة 2022 ، ص 73 .
36- عبد الحق لخذراي ، محمد الامين نويري، خصوصية اطراف عقد الاستهلاك ، مقال منشور في الاكاديمية للدراسات الاجتماعية والانسانية ، القسم العلوم الاقتصادية والقانونية، المجلد 12 ، العدد 2 ، السنة 2020 ، ص 028
37- انظر مادة 2 من القانون الاستهلاك الفرنسي رقم 301 السنة 2011 .
38- مشار الى هذا الحكم لدى جريفيلي محمد ، حماية المستهلك في نطاق العقد ، أطروحة دكتوراه ، كلية الحقوق، جامعة احمد دراية آدرار ، الجزائر ، السنة 2018 ، ص 41 .
39- أنظر المادة 1 الفقرة 6 من القانون حماية المستهلك الفرنسي رقم 1 السنة 2010
40- انظر المادة 1 الفقرة 5 من القانون حماية المستهلك المصري رقم 181 السنة 2018 .
41- قاسم عطية حسين المسعودي ، التنظيم القانوني للبيع بالمنزل رسالة ماجستير كلية القانون جامعة كربلاء 2021 ص 8 .
42- مولود البغدادي ، حماية المستهلك من الشروط التعسفية في عقد الاستهلاك ، رسالة ماجستير ، كلية الحقوق ، جامعة الجزائر ، 2015 ، ص 28
43- مشار الى هذا الحكم لدى ره نج آزاد محمد سعيد ، حكم الشروط التعسفية في عقد الاستهلاك ، ط1 ، مركز الدراسات العربية ، السنة 2022 ، ص 75
44- المادة 1 الفقرة 5 من القانون حماية المستهلك رقم 1 السنة 2010 بقولها " كل شخص طبيعي او معنوي منتج أو مستورد او مصدر او موزع او بائع سلعة او مقدم خدمة سواء اكان اصيلا ام وسيطا ام وكيلا " .
45- المادة 1 الفقرة 5 من القانون حماية المستهلك المصري بقولها " كل شخص يمارس نشاطاً تجارياً أو صناعياً او مهنيا او حرفياً يقدم خدمة للمستهلك ، أو ينتج سلعة أو يصنعها او يستوردها او يصدرها او يبيعها أو يؤجرها او يعرضها او يتداولها او يوزعها "
46- مكي فلة ، حماية الطرف الضعيف في عقد الاستهلاك ، اطروحة دكتوراه، جامعة الجزائر ، كلية الحقوق ، الجزائر السنة 2016-2018 ، ص 54 .
47- آمانج رحيم احمد ، حماية المستهلك في نطاق العقد ، ط 1 ، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر ، لبنان ،2010، ص 20
48- مولود البغدادي ، حماية المستهلك من الشروط التعسفية في عقد الاستهلاك ، رسالة ماجستير ، كلية الحقوق ، جامعة الجزائر ، 2015 ، ص 31
49- د. علاء عمر محمد الجاف ، الآليات القانونية لحماية لمستهلك في عقود التجارة الالكترونية ، ط1، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت ، 2017 ، ص 108
50- د میرفت ربيع عبد العال ، الالتزام بالتحذير في مجال عقد البيع، دار النهضة العربية ، القاهرة ، السنة 2005 ، ص 073
51- ره نج آزاد محمد سعيد ، حكم الشروط التعسفية في عقد الاستهلاك ، ط1 ، مركز الدراسات العربية ، السنة 2022 ، ، ص 73 .
الاكثر قراءة في القانون المدني
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)