

القانون العام

القانون الدستوري و النظم السياسية


القانون الاداري و القضاء الاداري

القانون الاداري

القضاء الاداري

القانون المالي


المجموعة الجنائية


قانون العقوبات

قانون العقوبات العام

قانون العقوبات الخاص

قانون اصول المحاكمات الجزائية

الطب العدلي

التحقيق الجنائي


القانون الدولي العام و المنظمات الدولية

القانون الدولي العام

المنظمات الدولية


القانون الخاص

قانون التنفيذ

القانون المدني


قانون المرافعات و الاثبات

قانون المرافعات

قانون الاثبات

قانون العمل

القانون الدولي الخاص

قانون الاحوال الشخصية


المجموعة التجارية

القانون التجاري

الاوراق التجارية

قانون الشركات


علوم قانونية أخرى

علم الاجرام و العقاب

تاريخ القانون

المتون القانونية
أثر فلسفة الدستور في تحديد السلطات الرسمية المعنية بالتشريع
المؤلف:
رقية علي شبوط الزبيدي
المصدر:
اثر فلسفة الدستور في جودة التشريع
الجزء والصفحة:
ص83-91
2026-04-25
37
لا يمكن للجماعات البشرية العيش في حالة من الفوضى دون أن يسودها قانون ينظم العلاقات بين أفراد الهيئة الاجتماعية ، والتوفيق بين المصالح المتعارضة؛ وإن قيام مثل هذا القانون ، يتطلب وجود هيئة تتبناه وتوجب احترامه ولو قسرًا وارغاما، سواءً أكان ذلك الارغام معنوي أو مادي. وهذه الهيئة هي الهيئة الحاكمة داخل ذلك المجتمع وهي التي تتمتع بسلطة الأمر والنهي(1) ، وبذلك توجد فئتان أساسيتان في كل دولة أولهما الفئة الحاكمة والأخرى هي الفئة المحكومة، غير أن اقرارنا بوجود تلك الفئتين لا يعني بالضرورة وجود هوة واسعة تؤدي إلى عزل الفئة الحاكمة عن بقية أفراد المجتمع، فكلما اتسعت هذه الهوة دل ذلك على فساد النظام الذي يسود الدولة، ويمكننا تناول هذا الفرع في فقرتين. أولهما لفلسفة الدستور في الأنظمة الفردية ، والأخرى لفلسفة الدستور في الأنظمة الديمقراطية وبيان مدى تأثير تلك الفلسفات في جودة التشريع .
أولا: الأنظمة الفردية
كانت في القدم توجد سلطة واحدة تجمع بين يديها جميع وظائف الدولة بضمنها التشريع ، وتتمثل هذه السلطة بشخص الحاكم أو الأسرة الحاكمة؛ ويعزى سبب خضوع الأفراد لنفوذ الحاكم كنتيجة لعقيدة دينية، فيرى البعض من أنصار هذه العقيدة أن المصدر الوحيد الذي بإمكانه الزام الأفراد بالخضوع للشرائع، هو الله تعالى فسلطة الحاكم لا تتسم بالمشروعية إلا إذا كان مصدرها الهي وقد سادت هذه النظرية في الغرب قبل الثورة الفرنسية وبموجبها عد الحاكم ممثلا الاله(2) ، فنجد أن هذا التوجه يتسم بالتعصب والمغالاة ، وقد أدى إلى تركيز السلطة وانفراد الحكام بالحكم والتشريع واستبدادهم ومنع خروج الأفراد عليهم ؛ لأنهم والحالة هذه ممثلي الإلهة ومحاطين بهالة قدسية، تمنع التمرد عليهم أو الخروج عن طاعتهم؛ مما ادى إلى تقوية سلطة الحكام ونفوذهم وشخصنة الدولة في من يحكمها.
في حين يذهب آخرون نظرًا للمغالاة الذي اتسمت بها نظرية الحق الالهي المباشر وعدها الحاكم وكيل الاله؛ فقد تم اللجوء لإيجاد نظرية أخرى ، تفسر أولا طبيعة السلطة ومن ثم خضوع الفرد لتلك السلطة وبذلك ظهرت نظرية الحق الالهي غير المباشر، وتتبلور هذه النظرية في أن الله لا يخلق الدول ويختار حكامها بشكل مباشر، إنما يقوم بذلك بطريق غير مباشر بوساطة توجيه العناية الإلهية نحو اختيار أسرة معينة أو شخص معين ليتولى مقاليد الحكم والسلطة في الدولة، ووفقا لهذه النظرية فأن الأفراد هم الذين يقومون باختيار الحكام ولكنهم في اختيارهم هذا مسيرون وغير مخيرين ، وبذلك فقد تم إزالة الهالة القدسية المحيطة بالحاكم بوصفه وكيل الالهة (3) ، وبناءً على ذلك لا يمكن البحث في بيان أثر فلسفة الدستور في تحقيق جودة التشريع في مثل تلك الأنظمة؛ فلم تكن الأنظمة الدينية أنظمة دستورية ، أي إنه لم يكن ثمة دستور يحكمها ، إنما للحاكم سلطة مطلقة في الحكم وفقًا لما يشاء ويهوى. و لا بد من الاشارة إلى أنه حتى رغم التطور الذي طرئ على أنظمة الحكم في العصر الحديث وظهور الأنظمة الديمقراطية ، فلا تزال توجد أنظمة دكتاتورية، فقد تتركز سلطة داخل الدولة بيد شخص واحد يستحوذ على جميع اختصاصات وسلطات الدولة، ويحكم القابض على السلطة الدولة وفقًا لرأيه وأهوائه ، ويضع ذلك الدكتاتور دستورا؛ لوسم سلطته بالشرعية واثبات أنه يمثل الجماعة، و يعد هذا تفسيرًا للفلسفة الدستورية في مثل تلك الأنظمة ، والتي تتجه في ظاهرها للاعتراف بحقوق الأفراد وحرياتهم من ضمنها حقهم في الانتخابات أو المشاركة في الاستفتاءات، غير أن الحقيقة الكامنة وراء ذلك الاعتراف في الحقيقة ، لا يجوز للأفراد ممارسة حقوقهم وحرياتهم ، إلا وفقًا لما . يرتضيه القابض على السلطة فتكون تلك الممارسة للحقوق والحريات ذات توجه واحد ، بمعنى إنه لا يتمكن الأفراد من مزاولتها إلا لصالح نظام الحكم القائم فعلا (4)، ولما كان القابض على السلطة يجمع بين يديه جميع سلطات الدولة ويستحوذ عليها ومن ضمنها السلطة التشريعية؛ لذلك فلا يتوقع في ظل مثل تلك الأنظمة صدور تشريعات على مستوى من الجودة ، فليس من المهم في الدكتاتورية فلسفة الدستور فتلك الفلسفة كما بينا فقط لإضفاء الشرعية على الحكم لا أكثر؛ إنما ما يهم هو واقع نظام الحكم الذي لا يتوقع في ظله تشريعات على مستوى من الجودة ؛ لان اغلب التشريعات في الدكتاتورية تمثل مصلحة القابض على السلطة وتتعدى على حقوق الأفراد، فضلا عن هذا عدم صدورها من ممثلي الشعب ولا يكون للشعب أي رأي فيها .
ومن أمثلة هذه الدساتير دستور (جمهورية العراق ) المؤقت لعام (1958) بدلالة المادة ( 21 ) ، إذ يجمع مجلس الوزراء بموجبها السلطتين التشريعية والتنفيذية .
ثانياً : الأنظمة الديمقراطية
نتيجة للاستبداد والتسلط الذي تقود إليه النظرية الدينية التي تدعي باستنادها إلى الحق الالهي تم إيجاد العقيدة العلمانية المؤمنة بإن الشعب هو المالك الحقيقي للسلطة وهو الذي يفوض تلك السلطة إلى الحاكم ويكون بإمكانه استردادها منه في حالة عدم التزامه وتقيده بالمصلحة العامة(5).
وإن فلسفة الدستور في ظل الأنظمة الديمقراطية تتسم بأنها فلسفة معبرة عن سيادة الشعب ومتوجهة إلى ضمان مشاركته في التشريع بأساليب مباشرة وغير مباشرة . وقد جسدت تلك الأفكار العلمانية مبدأ سيادة الشعب ، ووجدت فلسفات دستورية تهدف إلى تنظيم وظائف الدولة بتوزيعها دستوريًا على سلطات دستورية ، ومنح كل سلطة من تلك السلطات اختصاصات معينة فلا يمكن لأحدها الخروج عن تلك الاختصاصات ، والإفتات على سلطات الدولة الأخرى كذلك وتنظيم العلاقة بين تلك السلطات وفقًا للفلسفة المتبناة دستوريًا.
ويقصد بالعلاقة بين السلطات " المظهر الذي يتبناه الدستور في تنظيم العلاقة بين سلطات الدولة ( التشريعية، التنفيذية، القضائية ) فيما لو اتجه دستور الدولة لجمع أو حصر وظائف الدولة بيد سلطة واحدة، أو إنه اتجه نحو فصل السلطات وتوزيع وظائف الدولة فيما بينها سواء أكان توزيعا متساويًا أو ان الدستور فضل احد تلك السلطات على غيرها (6) ، ولا يأتي تنظيم الدستور السلطات الدولة وتحديد أواصر العلاقة بينها عن فراغ؛ إنما لغاية يروم واضعو الدستور بلوغها بتحديد اختصاصات كل سلطة وحدود العلاقة بينها بما يمنع استبداد واحتكار السلطة .
و وفقًا لتحديد اختصاص كل سلطة ووضع حدود العلاقة المرسومة دستوريا بين سلطات الدولة يتحدد التوجه الدستوري تجاه نظام الحكم، أي فلسفة الدستور في اعتناقها لنظام دون آخر فإذا ما اتجه الدستور لإيجاد توازن بين سلطات الدولة ، واقامة العلاقة بينها على أساس من التعاون فيما بينها ، كان هذا التوازن الدستوري بمثابة حاجز الصد أمام هيمنة سلطة على أخرى واستحواذها على اختصاصات غيرها من السلطات (7).
فقد تتجه فلسفة الدستور للأخذ بنظام الفصل الشديد بين سلطات الدولة ، لا سيما السلطتين التشريعية والتنفيذية دون ترجيح أحدهما على الأخرى ، فنكون والحالة هذه أمام نظام رئاسي يتسم بحصر جميع صلاحيات واختصاصات السلطة التنفيذية بيد رئيس الدولة، ممثلا برئيس الحكومة الذي يتم انتخابه مباشرة بوساطة الشعب ، وبذلك فلا وجود لمجلس وزراء في ظل النظام الرئاسي، ولا توجد اية علاقة بين البرلمان ورئيس الدولة هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تتمتع السلطة التنفيذية باستقلاليتها فلا يمكن الجمع بين عضوية البرلمان والوزارة ، ولا يمكن للسلطة التشريعية التدخل بأعمال السلطة التنفيذية (8) ، ونظرًا لكون رئيس الدولة وفقًا لهذه الفلسفة ينتخب مباشرة من الشعب؛ لذلك لا يمكن تصوره في ظل دولة ذات فلسفة ملكية؛ إنما يسود في الدول التي تتجه فلسفتها للأخذ بالنظام الجمهوري(9)، ونتيجة للصلاحيات الواسعة الممنوحة لرئيس الدولة وعدم التعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية يؤدي النظام الرئاسي إلى عدم تحقيق المساءلة والشفافية. وذلك لأن الرئيس لديه صلاحيات كبيرة للاعتراض على التشريعات دون إشراف كبير من السلطة التشريعية ، ودون أن يكون مسؤولا عن توضیح سياساته ومناقشتها أمام البرلمان ، فعلى سبيل المثال نصت المادة الأولى من دستور (الولايات المتحدة) لعام ( 1789) المعدل الفقرة سابعًا البند (3) على : « كل أمر أو قرار أو تصويت يستلزم موافقة مجلس الشيوخ ومجلس النواب (باستثناء موضوع رفع الجلسات ) ينبغي تقديمه لرئيس الولايات المتحدة. وقبل أن يصبح نافذاً، يجب أن ينال موافقته، أو إذا لم يوافق عليه، تتعين إعادة إقراره من قبل ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ والنواب ...».
وعلى الرغم من أن الاتجاه العام في الفقه الأمريكي ، ونتيجة لخلو الدستور من بيان الجهة المختصة بتقديم مقترح التشريع؛ فأنه يذهب إلى قصر سلطة تقديم مقترحات التشريعات على الكونغرس، ويذهب اتجاه فقهي آخر بأن الرئيس في (الولايات المتحدة ) يمارس اقتراحا تشريعيًا فعليًا؛ وذلك استنادًا إلى الحق الذي تمنحه إياه المادة (2) من دستور ( الولايات المتحدة) لعام (1789) المعدل بقيام الرئيس بإفادة الكونغرس من وقت لآخر بوضع الدولة، وأن يقوم برفع توصياته إليه بشأن ما يدرك أنه ضروري ولازم من إجراءات، وبمقتضى هذا الحق يخاطب رئيس الولايات المتحدة) الكونغرس بوساطة رسالة مكتوبة أو شفهية يخطره بموجبها بأحوال الاتحاد وهذا ما يطلق عليه ( حق الرسائل) أو (حق التوصية التشريعية) ؛ ووفقًا لذلك لا تقوم الرسائل مقام الاقتراح التشريعي، إنما تمثل مجرد وسيلة اعلام واتصال (10) ، وبترجيحنا لرأي الاتجاه الثاني يكون بإمكان رئيس الدولة في (الولايات المتحدة) التوصية بضرورة وضع تشريعات ، تفتقر إليها المنظومة التشريعية داخل الدولة بموجب المادة (2) من دستور ( الولايات المتحدة) لعام (1789) المعدل (11) ، وتوصياته تلك تكون نابعة من واقع اجتماعي وممارستها لسلطتها في تنفيذ التشريعات أي بحكم الاتصال المباشر بين السلطة التنفيذية والمواطنين؛ مما يعني تحقيق الكفاءة في التشريع ، وذلك لأن الرئيس يوصي بضرورة وضع تشريعات تمس الحاجة الاجتماعية إلى وجودها مما يحقق الجودة في التشريع.
ويمكن أن يؤدي عدم الرقابة المتبادلة بين السلطتين ، نتيجة للفصل الشديد بين السلطات إلى تشريعات غير مدروسة جيدًا لا تخدم مصالح الناس أو تتلاءم مع ما يطمحون إليه ، كذلك ويؤدي نقص التعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية إلى تشريعات مكتوبة بشكل سيء ،يصعب تنفيذها نتيجة لعدم وجود المناقشات وتبادل وجهات النظر في موضوع التشريع، مما يؤثر سلبًا في تحقيق الجودة التشريعية فتكون التشريعات وهذه الحالة يعوزها عنصر الكفاءة والإحاطة بجميع حيثيات
الموضوع تلك العناصر الناشئة نتيجة للاستفاضة في المناقشات الوزارية داخل القبة البرلمانية . في حين قد تتجه الفلسفة الدستورية إلى إيجاد آليات تعاون بين السلطات؛ وبذلك فأن الفصل بين السلطات في ظل هذه الفلسفة لا يكون فصلا تامًا ومتشددًا ، كما هو الحال في النظام الرئاسي ؛ إذ تعمل الفلسفة الدستورية لإيجاد تعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية ، فتمارس عملها بانسجام وتعاون مع وجود الوسائل التي يحددها الدستور لكل من تلك السلطتين التي تمكنها من تحقيق التوازن فنكون و هذه الحالة أمام فلسفة دستورية تأخذ بالنظام البرلماني ، ويمكن إيجاد هذه الفلسفة في كل من الدول الملكية والجمهورية على حد سواء(12).
ومن الوسائل التي توجدها هذه الفلسفة الدستورية لإقامة التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في ظل النظام البرلماني ، الرقابة المتبادلة بين كل من تلك السلطتين، فمن جانب تكون الوزارة مسؤولة أمام البرلمان وتكون مسؤوليتها مسؤولية سياسية ، فيبحث البرلمان عن مشروعية الإجراءات المتخذة وزاريًا ومدى مطابقتها للقانون، وكذلك في مدى ملائمة تلك الإجراءات للظروف الواقعية التي صدرت فيها وتوافقها مع المصلحة العامة كهدف أساس لها، والمسؤولية الوزارية قد تكون فردية أي أن يكون كل وزير مسؤولاً عن الأعمال التي يقوم بها وحده، وقد تكون المسؤولية الوزارية جماعية أي ما يسمى المسؤولية التضامنية عن ما يصدر عنها من قرارات؛ وذلك لأن الوزراء يمثلون في النظام البرلماني فريقًا متكاملا بقيادة رئيس مجلس الوزراء، وهذا يعني أن حجب البرلمان للثقة عن رئيس مجلس الوزراء يعني استقالة الوزارة بأكملها ويأخذ تدخل السلطة التشريعية .
في أعمال السلطة التنفيذية بوساطة صور عديدة كالسؤال البرلماني، والتحقيق البرلماني، والاستجواب البرلماني (13) في حين أن السلطة التنفيذية تتدخل بأعمال البرلمان بوساطة حقها في دعوة البرلمان للانعقاد وفض دورات الانعقاد، وحق دخول الوزراء إلى البرلمان لتوضيح سياسة الحكومة والدفاع عنها وكذلك حق حل البرلمان والدعوة لأجراء انتخابات جديدة(14).
ومن مظاهر التعاون في فلسفة الدستور في النظام البرلماني حق الحكومة في اقتراح التشريعات والتصديق على التشريعات وحق الاعتراض التوقيفي، وإمكانية الجمع بين الوزارة والعضوية داخل السلطة التشريعية، وكذلك حق الوزراء في دخول المجلس التشريعي لتوضيح السياسة الحكومية والاشتراك في مناقشات المجلس والدفاع عن تلك السياسة (15) ولكون أعضاء البرلمان يمثلون الشعب؛ لذلك فان النظام البرلماني يقدم عملية تشريعية أكثر شمولاً و تشاركية من الأشكال الحكومية الآخرى مما يعني تحقيق معيار المشاركة ومعيار الشمولية في جودة التشريع؛ إذ يمثل أعضاء البرلمان في النظام البرلماني دوائرهم الانتخابية ، ويمكنهم تقديم مشاريع تشريعات تعكس اهتمامات ناخبيهم وما يطمحون إليه، وبذلك يتحقق معيار المشاركة ومعيار الشمولية في جودة التشريع ، وهذا الأثر يمكن عده من الآثار المشتركة بالنسبة لأنظمة الحكم الديمقراطية التي تتكون السلطة التشريعية بموجبها من ممثلي الشعب .
ونجد أن الرقابة البرلمانية على أعمال السلطة التنفيذية، تعمل على تحسين جودة التشريعات من خلال ضمان توافق القوانين مع الدستور ، مما يعني تحقيق معيار المشروعية في جودة التشريع، وما يزيد من تحقيق معيار المشروعية أن السلطة التنفيذية مسؤولة عن أفعالها مسؤولية سياسية أمام البرلمان؛ لذلك فهي ملزمة عند تنفيذها للتشريعات بمبدأ المشروعية وإلا تعرضت للمسائلة البرلمانية . وقد تتجه فلسفة الدستور للأخذ بنظام حكم لا يمكن نسبه إلى النظام الرئاسي أو البرلماني ويجمع بين مبادئ وعناصر تعود لكلا النظامين ، وبذلك يوصف مثل هكذا نظام بأنه نظام مختلط ؛ أي إن فلسفة الدستور لم تأخذ بصورة واضحة لأي من الأنظمة المعروفة، فتمزج بين تلك الأنظمة لتخرج منها بنظام قائم بذاته ومستقل (16)
وتُعد (فرنسا) من أبرز الأمثلة على فلسفة الدستور التي تأخذ بالنظام المختلط، وذلك بدلالة دستور الجمهورية الخامسة لعام (1958) المعدل نص في المادة (6)(17) منه على أن رئيس الجمهورية ينتخب مباشرة من الشعب، وهو بذلك اختلف عن النظام البرلماني الذي يتم اختيار رئيس الدولة وفقًا له بوساطة البرلمان، غير أنه يقترب من النظام الأخير في تقرير المسؤولية أمام البرلمان وذلك بدلالة المادة (20) من دستور ( فرنسا ) لعام (1958) المعدل التي نصت على : « وهي مسؤولة أمام البرلمان وفقا للشروط وللإجراءات المنصوص عليها في المادتين 49 و 50» .
ويتمتع رئيس الدولة باختصاص اصدار اللوائح المستقلة وذلك بدلالة المادة (37) من دستور (فرنسا ) لعام (1958) المعدل بنصها على : « تكون المسائل غير تلك التي تدخل في نطاق اختصاص القانون مسائل للوائح» . وبهذا النص فأن سلطة البرلمان هي السلطة المقيدة بإصدار التشريعات، ورئيس الدولة هو من يتمتع بالسلطة الواسعة ويتضح أثر فلسفة الدستور التي تعتنق نظام الحكم المختلط في مدى تحقيق جودة التشريع من الناحية الايجابية في تحقيق معيار المشاركة العامة والشمولية المستخدمة لقياس مدى تحقيق الجودة في التشريع، غير أن توزيع سلطة وضع التشريعات بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية يؤدي إلى حدوث تضخم تشريعي ، مما يعني أنه يؤثر سلبًا في تحقيق الجودة التشريعية، كذلك فأن إعطاء سلطة وضع التشريع للحكومة ، يقلل من إمكانية القبول الشعبي الذي يعد عنصرًا مهما لقياس الجودة التشريعية لكونه لم يوضع من ممثلي الشعب ، وبالتالي قد لا يتلاءم مع طموحات الشعب وأماله.
وقد تتجه فلسفة الدستور إلى تركيز سلطات الدولة بيد هيئة واحدة لتكون تلك الهيئة هي المفضلة دستوريًا على ما سواها فنكون وهذه الحالة أمام نظام يطلق عليه ( حكومة الجمعية) أو ( النظام المجلسي) ، ويتم تركيز سلطات الدولة بيد السلطة التشريعية، بوصفها السلطة المكونة من قبل ممثلي الشعب، ولما كان يتعذر على البرلمان القيام بجميع وظائف الدولة، فإنها تعهد في ممارستها إلى مساعدين يقومون بممارسة بعض الوظائف ، بوصفهم تابعين إلى البرلمان وبذلك يملك الأخير سلطة عزل أولئك المساعدين أو الغاء ما يصدر منهم من قرارات (18) ، ويعد دستور (سويسرا) لعام (1999) المعدل من الأمثلة البارزة لتفضيل السلطة، وتكمن أهمية فلسفة الدستور التي تعتنق النظام المجلسي بالنسبة لجودة التشريع في انه يمثل الارادة الشعبية ويعلي منها بوساطة اعلائه للسلطة التشريعية المكونة من ممثلي الشعب، مما يعني تحقيق معيار الواقعية والشمولية لجودة التشريع، غير أن ما يحد من تلك الأهمية خضوع السلطتين الأخرى التنفيذية والقضائية للسلطة التشريعية ، مما يؤثر في تطبيق وتنفيذ التشريع، وفي هذه الحالة نكون أمام فرضية تقرر متى ما كانت السلطة التشريعية صالحة، صلحت بقية السلطات داخل الدولة، والعكس صحيح؛ أي إنه في الحالة التي تكون فيها السلطة التشريعية غير مجردة ومهيمن عليها من بعض الأشخاص أو الأحزاب فتكون في مثل هذه الحالة بقية سلطات الدولة متأثرة بتلك الهيمنة، فتقوم بتنفيذ التشريع بما يتلاءم مع تلك التوجهات الفئوية أو الحزبية، وتقوم بتفسير التشريعات وفقًا لما تقتضيه مصالحهم الخاصة، لا تماشيًا مع المصلحة العامة مما يؤثر سلبًا في تحقيق جودة التشريع.
ولا يقتصر البحث في السلطة المختصة بوضع التشريع على بيان موقع تلك السلطة في التنظيم الإفقي لسلطات الدولة ؛ أي المؤسسات الدستورية التنفيذية والتشريعية والقضائية؛ فقد تأخذ فلسفة الدستور باللامركزية السياسية أي ( الفيدرالية) (19) وهنا تبرز مؤسسات أخرى داخل الدولة تقوم بوضع التشريع.
إن الدول الفيدرالية تتباين فلسفتها الدستورية من حيث الاختصاصات الممنوحة للمجالس التشريعية فيها ، ففي بعض الدول تكون الصلاحيات الممنوحة للهيئات التشريعية في الأقاليم أكثر منها بالنسبة للهيئة التشريعية أو البرلمان داخل الدولة، وفي بعض الأحيان نجد العكس؛ إذ تحافظ فلسفة الدستور على سمو المجلس التشريعي الشعبي على مجالس الأقاليم، وقد تقف بعض الفلسفات الدستورية في الأنظمة الفيدرالية موقفًا وسطاً ، بتقريرها الاختصاصات الحصرية لكل من مجلس الشعب ومجالس الأقاليم (20) . ونجد أن الطريقة الأخيرة طريقة معيبة؛ لعدم إمكانية توقع كل ما سيواجه الدولة مستقبلا وأي السلطات المختصة بوضع التشريعات الملائمة له، ونجد أن دستور ( الهند ) النافذ لعام (1950) قد أخذ بتوسيع سلطات الدولة على السلطات الاتحادية، وهذا التوجه يؤثر في جودة التشريع في الحد من إمكانية حدوث تضخم تشريعي وتشتت القواعد التشريعية داخل الدولة، في حين أن الفلسفة التي تبناها دستور الامارات العربية المتحدة) لعام (1971) كانت قد وسعت من اختصاصات الولايات على حساب السلطات الاتحادية وذلك بدلالة المادة (120) من دستور (الامارات العربية المتحدة) لعام (1971) المعدل والتي جاء في مستهلها « ينفرد الاتحاد بالتشريع والتنفيذ في الشؤون التالية...» ، وهذا التوجه الدستوري له تأثيراً أكبر في جودة التشريع من حيث تحقيق معيار الواقعية في التشريع ، وزيادة فاعليته وقبوله الاجتماعي ؛ لإنه يأتي وفقًا لتوجهات وطموحات سكان تلك الولاية فلا يكون مفروض عليهم.
__________
1- د. محمد طي ، القانون الدستوري والمؤسسات السياسية، ط5، ص 77 .
2- د. محمد طي ، القانون الدستوري والمؤسسات السياسية، ط5 ، ص 79 .
3- د. علي يوسف الشكري، مبادئ القانون الدستوري، ط1، دار صفاء للنشر والتوزيع، عمان ،2011، ص 26 27 .
4- د. صالح جواد الكاظم، د. علي غالب العاني الأنظمة السياسي، مطبعة دار الحكمة، بغداد، 1991، ، ص 16-17 .
5- صالح جواد الكاظم، د. علي غالب العاني الأنظمة السياسي، مطبعة دار الحكمة، بغداد، 1991، ص 80.
6- د. سحر محمد نجيب العلاقة بين السلطات في الدساتير العربية دار شتات للنشر والبرمجيات، القاهرة، 2011، ص 49 .
7- د. محمد احمد محمد غوغر التوازن بين السلطات العامة في دساتير الجمهورية اليمنية (1991 )(2001) ، ط 2منقحة دار النهضة العربية، القاهرة 2010، ص 7 .
8- د. نعمان أحمد الخطيب الوسيط في النظم السياسية والقانون الدستوري، ط 7 ، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، 2011 ص 36-37 .
9- طه حمید حسن العنبكي، النظم السياسية والدستورية المعاصرة أسسها ومكوناتها وتصنيفاتها، ط2، مكتب الغفران للطباعة 2015، ص 241 .
10- ينظر: حازم ،صادق سلطة رئيس الدولة بين النظامين البرلماني والرئاسي دراسة مقارنة، مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2012، ص 377 وما بعدها .
11- المادة (2) من دستور ( الولايات المتحدة) لعام (1789) المعدل
12- د. سحر محمد نجيب العلاقة بين السلطات في الدساتير العربية دار شتات للنشر والبرمجيات، القاهرة، 2011، ص 65
13 - د. حسین عثمان محمد عثمان النظم السياسية، دار الجامعة الجديد، الاسكندرية، 2005، ص 255-256
14- د. ماجد راغب الحلو، النظم السياسية والقانون الدستوري، ط1، منشاة المعارف الاسكندرية، 2000، ص 246 .
15- د. حسین عثمان محمد ،عثمان مصدر سابق، ص 258 .
16- د. محمد كامل ليلة النظم السياسية الدولة والحكومة، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، 1969، ص 1071
17- نصت المادة (6) من دستور (فرنسا) النافذ لعام (1958) على (يُنتخب رئيس الجمهورية لمدة خمس سنوات بالاقتراع العام المباشر) .
18- د. حسين عثمان محمد عثمان، مصدر سابق، ص 290 .
19- الفيدرالية تنازل دول متعددة عن جزء من سيادتها الخارجية وشيء من السيادة الداخلية لتنصهر في الكيان المؤسس، مكونة بذلك دولة واحدة غايتها في ذلك التأسيس لدولة كبيرة قوية الاواصر، والدفاع عن الدول الداخلة ضمن ذلك الاتحاد وتوفير مصالحها الحيوية والتأليف بين رغبات الامم المكونة للاتحاد واهدافهم المتباينة؛ بتركها لإدارة شؤونهم المحلية وفقا لما تقتضيه مصلحة كل منها . ينظر : نبيل عبد الرحمن حياوي، اللامركزية والفيدرالية، ط3، شركة العاتك لصناعة الكتاب، القاهرة، 2007، ص 20
20- د. هاتف محسن كاظم تشريع القوانين ودور السلطتين التشريعية والتنفيذية في الأنظمة الاتحادية الفيدرالية دراسة ،مقارنة دار السنهوري، بيروت ،2017، ص 105
الاكثر قراءة في القانون الدستوري و النظم السياسية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)