ما زالتِ الآراءُ متضاربةً حول ذلك العصر؛ فمنهم من يرى أنه يبدأ ﺑ (19000ق.م.). ومنهم من يرى بدايته ﺑ «14000» ق.م. ومنهم من يرى بدايته ﺑ «12000» ق.م. ومنهم من يراها ﺑ «10000» ق.م. وفريقٌ آخَرُ مختلفٌ تمامًا يرى أن لا وجودَ لعصرٍ اسمُه الحجريُّ الوسيط (الميزوليت) في الشرق الأدنى، ويُطلِق على هذه الفترة اسمَ الحجَري القديم المجاوِر أو الخارجي Epipalealithic الذي يرتبطُ مباشرةً بالعصرِ الحجريِّ الحديث، دون أن تكون هناك فترةٌ وسيطةٌ بين الحجريِّ القديمِ والحجريِّ الحديث.
ظهر اسم الباليوليت كأنه المرحلةُ الانتقاليةُ من الجمع إلى الإنتاج؛ أي من جمع الطعام إلى إنتاجه خلال الفترة بين 19000–17000. والتحضيرُ لفاصلٍ ميزوليتي يؤدِّي الى العصر النيوليتي. تميَّزَت هذه الفترةُ بتغييرٍ في الأحوالِ المُناخيةِ لتصبحَ قريبةً من الأحوال الجويةِ السائدةِ حاليًّا في بلاد الشام. وتناقصَت المواردُ الحيوانيةُ التي كان يصطادُها الإنسانُ؛ لهذا بحث عن مصادرَ أخرى، فجمع بذورَ الأعشابِ البرية؛ مثل القمحِ والشعير، كنوعٍ من الزراعةِ البريةِ التي اهتمَّ بحصرِها والاعتمادِ عليها، والتي أصبحَت تُكوِّنُ المصدرَ الأساسَ لغذاء الإنسان.
لكننا نرى، متفقينَ مع فئةٍ كبيرةٍ من العلماء، أن فلسطين شهدَت مرحلةً حجريةً وسيطةً متميزةً جدًّا تستحقُّ أن نتوقفَ عندها؛ فالإبيباليوليت أو الميزوليت الفلسطيني هو أساسُ ثقافةٍ كانت بمثابة ردِّ الفعلِ على الجفاف الذي ظهَر في الباليوليت الأعلى من جهة، وتقدمة مهمة لظهور النيوليت الزراعي من جهةٍ أخرى.
في هذا العصر انتهى جفاف الباليوليت الأعلى في الشرق الأدنى وفلسطين بخاصَّة، وأصبح للإنسان، كما للحيوان، المُناخُ الدافئُ الذي يُمكِن فيه أن يمارس حياته بشكلٍ صحيح. وهكذا خرج الإنسانُ من الملاجئِ والكهوفِ نحو ضفافِ الأنهار، وبنى له مساكنَ بدائيةً أدَّى تجمُّعُها إلى نشوء ما يُعرَفُ ﺑ «قرى الصيادين». وكانت تلك القفزةُ الاجتماعيةُ كفيلةً بظهور قُدراتٍ جديدةٍ للإنسان تجلَّت بوضوحٍ في الديانة، من خلال ممارسات الدفنِ والاهتمام بالمقدَّسات الحيوانية، وفي الفن من خلال ظهور النقوش والدُّمى الطينية والعظمية.
ولعل أفضلَ تقسيمٍ نلجأ إليه لتوضيحِ حضاراتِ ذلك العصرِ في فلسطين وبلادِ الشامِ عامَّةً هو تقسيمُها إلى ثقافتَين متميزتَين هما: الكبارية والنطوفية.
الثقافة الكبارية
سُمِّيَت كذلك نسبةً إلى مغارة كبَّارة أو كبارا في الطرَف الغربي لجبال الكَرْمل حيث عُثر على أدواتٍ وآثارٍ دالَّةٍ عليها. وتمتاز هذه الحضارة الكبارية بمجموعة من المِيزات الهامَّة التي يمكن تلخيصُها بالنقاط الآتية:
(1) استخدام الأدواتِ الحجريةِ الدقيقة (المايكروليثية Microlithic) إضافةً إلى الأدوات الحجَرية التقليدية، وظهور الأدوات الزراعية البازلتية كالأجران والمِدَقَّاتِ والرَّحَى لاستخدامها في التخزين وجرْشِ الحبوبِ التي كانوا يقتاتونَ بها.
(2) نزوحُ الإنسانِ من الكهوف إلى الوديان، وبناؤُهُ للبيوت دائريةِ الشكلِ المبنيةِ على شكل حفرةٍ ذاتِ جدرانٍ وأرضيةٍ من الطين والحجر وذاتِ سقفٍ من الجلود والأغصان؛ ففي منطقة «النقْب» على الشاطئ الجنوبي-الشرقي لبحيرة طبرية اكتُشِفَ أقدمُ بناءٍ معروفٍ في بلاد الشام حتى الآن؛ إذ يعود بناؤه إلى 14000ق.م.
ومن هذه البيوت البسيطة إنشاءُ الإنسانِ الميزوليتيِّ الفلسطينيِّ ما يُعرَفُ ﺑ «قُرى الصيادين» التي أظهرَت أوَّلَ تجمُّعاتٍ كبيرةٍ للإنسان في تلك العصور، وهو ما جعلَه يطوِّر قُواه الاجتماعية والدينية والفنية.

(3) إضافةً إلى صيد الحيواناتِ البَريَّة كالحصان والإبل، ومحاولة استئناس بعضها كالكلب والماعز والماشية، اتجه الإنسان نحو صيد الأسماك، واستعمال الحبوب الزراعية كوجبةٍ في غذائه، مما جعله يجمعُها ويحفظُها في أوعيةٍ حجريةٍ وداخلَ أمكنةٍ خاصَّة.
(4) بعد أن كانت المرحلةُ الأولى من الثقافة الكبارية غيرَ هندسية، تطوَّرَت إلى المرحلة الثانية التي تُسمَّى الكيبارية الهندسية Kebarian Geometric حيث أصبَحَت أدواتُه الحجريةُ تأخذ أشكالًا هندسيةً واضحةً مثل المُثلثِ والمُنحرِف، وأصبَحَت لها قضبانٌ خشبيةٌ أو عظمية، واستُخدِمَت في صيد الطيورِ والأسماك. وظهرَت أدواتٌ جديدةٌ كان أهمُّها المناجلَ الصَّوَّانيةَ التي استُعمِلَت في قطع النباتاتِ وحصادِ القمحِ والشعيرِ البريَّين (1).
(5) تُعَدُّ الثقافةُ الكبارية أوَّلَ حضارةٍ شاميةٍ واسعةِ الانتشارِ انطلقَت من فلسطين؛ فقد شملَت بلادَ الشام كلَّها من الفُرات حتى سيناء، وجعلتها وَحْدةً حضاريةً متجانسةً أظهرَت تفوقًا ماديًّا وروحيًّا واضحًا؛ قياسًا إلى مُقابلها أو مثيلاتها في الشرق الأدنى.
..........................................
1- أحمد هبو، تاريخ الشرق القديم 1، سوريا، ط2، صنعاء، 1999م، ص50.