يُطلِق العلماء على العصر الحجريِّ الذي سبق العصرَ الحجريَّ القديم (الباليوليت) اسمَ الإيوليت Eolithic، وهو عصرُ الفجرِ الحجري (السحيق) الذي ليس له بدايةٌ محدَّدةٌ؛ فهو يأتي بعد ظهور الإنسانِ، ويمتدُّ لأكثرَ من مليونِ سنةٍ حتى نصفِ مليونِ سنةٍ من الآن، وسادَ فيه الإنسانُ الماهرُ Homo habilis وظهرَت فيه الثقافةُ الحصَوِيَّة Pebble Culture حين هذَّبَ الإنسانُ الحصى الكبير، واستعملها كسلاحٍ وأداةٍ للعمل. وتشيرُ أغلبُ القرائنِ الآثاريةِ إلى أن هذا العصرَ ظهر بوضوحٍ في قارة أفريقيا. ورغم أننا لم نعثُر في فلسطينَ على أدواتٍ حصَويَّة تشير إلى هذا العصرِ إلا أن الإنسانَ الماهرَ كان قد انتقل من أفريقيا عَبْر الجسرِ البريِّ الذي يربط آسيا بأفريقيا واستقرَّ في فلسطين، وتحديدًا على جانبَي غَور الأردن؛ حيث تحرَّك باتجاه الشرق نحو الأزرق في الأردن وباتجاه الغرب نحو سواحلِ البحر الأبيض المتوسط في فلسطين. ويبدو أن حيواناتٍ كثيرةً انتقلَت معه؛ مثل الفيلِ والزرافةِ والظِّباءِ ووحيدِ القرنِ وغيرِها.
وقد عُثر في موقع «العُبيدية» الواقع إلى الجنوبِ الغربيِّ من بحيرة طبرية — وعلى عمق 205 أمتارٍ تحت مستوى سطحِ البحر — على أقدمِ ما عرفه علمُ الآثار حتى الآن من المخلَّفات البشريةِ في العالم، ماعدا صخورَ أفريقيا الوسطى. وقد وُجدَت هذه المخلَّفاتُ المتحجِّرةُ مطويةً في طبقاتٍ جيولوجية، نَشِطَت بعد استقرار الإنسان هناك في عصر البليستوسين الأدنى. وتُشير هذه التشكيلاتُ الجيولوجيةُ إلى أن الموقعَ كان يقوم على شاطئ بحيرةٍ اختفَت بفعل عواملِ الطبيعةِ في الانهدام السوريِّ-الأفريقي، الذي يشكِّل غورُ الأردنِ جزءًا منه (1).
تَلُّ العُبَيديَّة Ubeidiya Tel يقعُ في منتصفِ الضَّفَّةِ الغربيةِ لوادي الأردن، عند التقاءِ وادي العمودِ بنهر اليرموكِ على بُعدِ ثلاث كيلومتراتٍ جنوبَ بحيرةِ طبريَّا في فلسطين، في مكانٍ ينخفضُ نحوَ 205 أمتارٍ عن مستوى سطح البحر. اكتُشفَ مُصادفةً عام 1959م، في أثناء فتحِ الجرافاتِ بِرَكًا لتربية السمك؛ كشفَت عن نوعَين من الأدوات الحجَرية؛ يشتمل الأول على أدواتٍ أبيفيلية صُنعَت من حَصَى البحيرات والأودية وشواطئ البحار. أمَّا الثاني فجاءت أدواتُه أقلَّ عددًا، وتألفَت من فئوسٍ يدويةٍ مُشَذَّبة الوجهَين. وتُشير المخلَّفات المادية إلى أن الإنسانَ المنتصبَ القامةِ استوطن المنطقةَ مدةً طويلة، وتكوَّنَت الأدواتُ الحجريةُ المكتشفةُ من فئوسٍ يدويةٍ ذاتِ وجهَين، ومن معاولَ، وقواطعَ، وشظايا، وأنوية.
إلا أن الاكتشافَ الأهمَّ — في الموقع — هو العثورُ على بقايا بشرية؛ تكونَت من أربعة أجزاءٍ من جمجمةٍ وسِنَّين، تعود للإنسان المنتصبِ القامة، ويُعَدُّ ذلك — إلى جانب البقايا البشريةِ المكتشفةِ في موقع الندوية في سوريا — من أقدم البقايا البشرية في بلاد الشام.
دلَّتِ التحرِّياتُ المختبَريةُ على أن عمرَ الموقعِ يعودُ إلى حوالي 700000 سنة، واقترح آخرونَ تاريخًا آخرَ يتراوحُ ما بين 1900000–1400000 سنة من الآن، استنادًا إلى دراسة الأدوات الصَّوَّانية، والبقايا الحيوانية، والطبقات الجيولوجية.
ولا بد من التذكير أن أقدمَ آثارٍ بشريةٍ حَفْرية عُثر عليها خارجَ منطقةِ الظهورِ الأوَّلِ للإنسان في تنزانيا في «أومو»، وهي موجودةٌ في هذا الجدول المُبَسَّط:
|
ت
|
البلد
|
مكان الحفرية
|
نوعها
|
الزمن التقريبي لها قبل الآن
|
|
1
|
المغرب
|
جبل إرهود Jebel Irhoud
|
بقايا الانسان العاقل
|
300000
|
|
2
|
إثيوبيا
|
بقايا في موقعَين Ethiopia
|
بقايا الإنسان العاقل
|
195000 و160000
|
|
3
|
فلسطين
|
مساليا في جبل الكرمل Misliya Mount Carmel
|
فك بشري وأدوات حجرية
|
194000 و177000
|
يدُل هذا على أن فلسطين كانت هي الأقدمَ في استقبال الإنسانِ الماهر و/أو المنتصبِ القامةِ خارجَ أفريقيا.


شكل 3: حَفْرية عَظْم الفكِّ العُلويِّ مع عدة أسنان. وعُثر معها على أدواتٍ حجريةٍ في مكانٍ قريب. الأدوات والفك تعود لما بين 177000 و194000 سنة قبل الآن، الموقع هو مسليا في جبل الكرمل Misliya, Mount Carmel.
......................................
1- إلياس شوفاني، الموجزُ في تاريخِ فلسطينَ السِّياسي، ط2، بيروت، 1998م، ص13–14.