سعى القناصل والوكلاء البريطانيون إلى كسب ثقة طوائف العراق بهدف الحصول على نفوذ في البلاد، وعملوا على اختراق منظومة العشائر الكردية وإثارة مشكلة العشائر العربية (1).
وكان للمناطق الشمالية التي يقطنها الأكراد بوصفها أجزاء غنيّةً ومهمّةً من الناحية الإستراتيجية مكانة خاصة في التوجهات البريطانية، مما دعا مسؤوليها وبعض تجارها للسعي بمختلف الوسائل لتعزيز نفوذهم فيها، بغية تأمين الطرق البرية الموصلة إلى الهند والسيطرة على منطقة واسعة وحساسة من الشرق الأوسط، من خلال إحكام السيطرة على شمالي العراق، وتحديد الطرق المهمة والمواقع الإستراتيجية التي وصلها عدد من الضباط البريطانيين (2).
لقد كرّست الإجراءات التي اتخذتها الإدارة البريطانية في تعزيز نفوذها في العراق، ومن هذه الإجراءات لجوؤها إلى منح التأييد القوي للمصالح التجارية البريطانية ولا سيما في العراق، فلما طلب خط الملاحة العائد لشركة لينج (3) إذن الحكومة العثمانية بتشغيل باخرة ثالثة في دجلة، أولت الحكومة البريطانية دعمها التام للشركة، فقد كتب لويد جورج(4) (Liod George) إلى السير تشارلس هاردنغ (Charles Hardinge) في 18/ كانون الأول / 1906م يؤيد له دعم الشركة: «أن أبادر القول أنَّ أيَّ إضعاف لوضعنا الحاضر في دجلة لا يعني فقط إضعاف مركزنا برمته في بلاد ما بين النهرين، بل يعني كذلك زيادة مقابلة في التجارة ونشاط الألمان(5)»، وقد اتسع هذا النشاط واكتسب بُعدًا آخر مع اتساع أساليب الاستعمار في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، وأصبح عاملا مهما للتصارع بين الدول على إخضاع البلاد المضطهدة، فلم يكن الاستعمار مقتصرًا على القوة العسكرية والنشاط الاقتصادي، بل عملوا على اتباع سياسة قائمة على الأمور الآتية:
1. إغراء القوميّات المنضوية تحت لواء الدولة العثمانية بمنحهم الاستقلال. في حال الانتفاض على الدولة العثمانية.
2. استخدام الأساليب الإنسانية لتحقيق أهدافٍ وتوسعات استعمارية في العراق عن طريق حماية الأقليات الدينية (6).
ويظهر أنَّ هذا التقارب مع القوميات أخذ بُعدًا أكثر قوةً من قبل، لاسيما بعد انقلاب الاتحاديين عام 1908 م، عندما صرّح قادة (جمعية الاتحاد والترقي): أنَّ الأمة العثمانية كانت وستظل هي ا الأمة الحاكمة في السلطنة العثمانية، وأنَّ العثمانيين يتمتعون بحقوق وامتيازات سامية بصفتهم فاتحين، فلا مجال إذا للاعتراف بحقوق مساوية للعناصر العرقيّة الأخرى» (7)، وكان هذا التصريح كافيًا ليولد شعور بالتمرّد على الدولة العثمانية آنذاك.
مع ذلك فإنَّه لم يحدث أي تعديل في سياسة الأوساط العثمانية الحاكمة إزاء الشعوب غير التركية بعد انتصار الاتحاديين في عام 1908م، بل على العكس من ذلك سرعان ما ظهرت منطلقات جديدة وهي خيبةٌ في نفوس هؤلاء السكان تجاه الاتحاديين، ومنها أمور أخرى بدأت تمس حياة الفرد اليومية بصورة مباشرة، والتي أسهمت في انتقاد الاتحاديين ليوظف ذلك الموقف ضدهم(8)، وفي تقرير بريطاني أوضح أهداف دولته تجاه السكان المحليين مستفيدين من موقف السكان العدائي للاتحاديين: لم يكن لدينا سبيل للاعتقاد بأنهم كانوا معادين كليًا للعثمانيين، وفعلا فإنَّ المليون أو أكثر من السكان لم يكونوا كذلك، ولكن أملنا يعتمد على قدراتنا في إقناعهم منذ البداية أن ينتابنا نحوهم ونحو معتقداتهم طيبة، وبذلك نستطيع إبقائهم على الحياد، فبدعوتنا نسوي خلافاتنا مع العثمانيين دون التأثير عليهم»(9).
وكان من بين جهود تعزيز مركز بريطانيا إرسال الإرساليات، ومنها الإرسالية الطبيّة في الموصل العائدة إلى الجمعية الإرسالية لكنيسة إنكلترا فيما بين النهرين، وكادت أن تُنهي أعمالها لعدم توفّر الأموال لولا تدخل الموظفين البريطانيين لضمان استمراريتها، وبهذا كتب لويد جورج في مذكرة بتاريخ 3/ أيلول/ 1907م، قائلا: «يجب أن نُدرك بوضوح من وجهة النظر السياسية، أن وجود الإرسالية وعملها لهما أهمية عظيمة وبعيدة المدى، ومن المتعين على المصالح البريطانية كذلك، إما أن تتطور سريعًا، أو أن تتدهور على مدى العقد القادم من السنين، نظرًا للتطوّر الذي بشَّر بفتح هذه البلاد للاستثمار والمنافسة الأجنبيتين، ويبدو أنَّ من غير المستحسن جدًا التفريط بمثل هذه الوسيلة القوية من وسائل نشر الحضارة والنفوذ السياسي»، وقد أمكن للإرسالية في الموصل أن تستمر في البقاء بمعونة من القنصلية البريطانية في بغداد، وقد زودت القنصلية اعتبارًا من 1906م إحدى المدارس اليهودية بأموال لقاء المباشرة بتدريسها للغة الإنكليزية (10) .
.....................................................
1. عبد العزيز سلیمان نوار تاريخ العراق الحديث من نهاية حكم داود باشا إلى نهاية حكم مدحت باشا، ص301.
2. عبد الرحمن صالح إدريس، سياسة بريطانيا تجاه كُرد، العراق، أطروحة دكتوراه، جامعة بغداد، كلية التربية (ابن رشد)، ص 39-40.
3. هي: شركة نهرية بريطانية، أسستها أسرة لنج في عام 1841 م، عندما سجلها ستيفن فينس لنج في لندن بماركة الحكومة البريطانية مع أخويه هنري بلوس وتوماس كير باسم (شركة لنج إخوان المحدودة)، وتنوع نشاط الشركة بين النقل والتجارة، ولقيت مساندةً من الوكيل السياسي البريطاني في العراق، وحصلت رسميًا على الحماية من وزارة الخارجية البريطانية.
4. لويد جورج (1863 - 1945م): سياسي بريطاني، وعضو في حزب الأحرار، انتخب عدة مرات عضوا في مجلس العموم البريطاني منذ العام 1890م، شغل منصب رئيس الوزراء للفترة (1916-1922م)، ومنح لقب لورد للمزيد، يُنظر:
Encyclopedia Britannica Ultimate Reference Suite, Chicago: 2013.
5. العطية غسان نشأة الدولة (العراق)، ص 105.
6. عبد العزيز سليمان نوار وعبد المجيد نعنعي، التاريخ المعاصر لأوربا، ص308-309.
7. محمد إبراهيم محمد، مقاومة العرب للاضطهاد العثماني، ص33.
8. النصيري، عبد الرزاق أحمد، دور المجددين في الحركة الفكرية والسياسية في العراق (1908-1932م)، ص218.
9. قزانجي، فؤاد العراق في الوثائق البريطانية، ص 4.
10. العطية غسان، نشأة الدولة (العراق)، ص 105-106