قال الواقديّ: لمّا كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يتجهّز لغزوة تبوك، جاءه خمسة من المنافقين من أصحاب مسجد ضرار وهم: مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيرٍ، وثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ، وخِذَامُ بْنُ خَالِدٍ، وأبُو حَبِيبَة بْنُ الأزْعَرِ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ نَبتَل بْن حَارِث، وقالوا: يا رسول الله! إنّا رُسُل من خلفنا من أصحابنا!
إنّا قد بنينا مسجداً لذي القلّة والحاجة، والليلة المَطيرة، والليلة الشاتية. إذ لا يقدرون على الذهاب إلى مسجد قبا. ونحن نحبّ أن تأتينا فتصلّي بنا فيه. ورسول الله يتجهّز إلى تبوك، فقال لهم: إنّي على جَناح سَفَر وحال شُغل؛ ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلّينا بكم فيه. فلمّا نزل بذي أوان[1] راجعاً من تبوك، أمر بهدمه[2].
لمّا خرج رسول الله من المدينة، ونزل عسكره في الجُرْف وثَنِيَّة الوَدَاع، نصب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه أفضل صلوات الله وملائكته المقرّبين وأنبيائه المرسلين في المدينة خليفة لأهل المدينة كافّة، وكذلك لأهل رسول الله وعياله وإدارة شئون الامّة.
وعند ما رأي منافقو المدينة عليّاً عليه السلام مكان النبيّ، طفقوا يبثّون الإشاعات على أنّ النبيّ لم يأخذه معه استثقالًا منه.
جاء في «تفسير عليّ بن إبراهيم» فلمّا اجتمع لرسول الله الخيول، رحل من ثَنِيَّة الوَدَاع وخلّف أمير المؤمنين (عليّ بن أبي طالب عليه السلام) على المدينة فأرجف المنافقون بعليّ وقالوا: مَا خَلَّفَهُ إلَّا تَشَاؤمَاً بِهِ. فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليّاً، فأخذ سيفه وسلاحه، ولحق برسول الله بالجُرْف؛ فقال له رسول الله: يَا عَلِيّ! أ لَمْ اخَلِّفْكَ على المَدِينَةِ؟! قال: نَعَمْ ولَكِنَّ المُنَافِقِينَ زَعَمُوا أنَّكَ خَلَّفْتَنِي تَشَاؤُمَاً بي! فَقَالَ: كَذِبَ المُنَافِقُونَ يَا عَلِيّ! أ مَا تَرْضَى أنْ تَكُونَ أخِي وأنَا أخُوكَ وأنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى إلَّا أنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي؟! وإنْ كَانَ بَعْدِي نَبِيّ لَقُلْتُ أنْتَ أنْتَ! وأنْتَ خَلِيفَتِي في امَّتِي؛ وأنْتَ وَزِيرِي وأخِي في الدُّنْيَا والآخِرَةِ!
فرجع أمير المؤمنين عليه السلام إلى المدينة[3].
وروى جمع عظيم من محدّثي الفريقين ومؤرّخيهم ومفسّريهم في كتبهم هذا الحديث حين خروج رسول الله إلى غزوة تبوك[4].
[1] جاء في «وفاء الوفاء بأحوال المصطفي» ج 2، ص 250: ذو أوَان موضع على ساعة من المدينة.
[2] «المغازي» ج 3، ص 1045 و 1046؛ و «مجمع البيان» ج 3، ص 72؛ و «تفسير عليّ بن إبراهيم» ص 280.
[3] «تفسير القمّيّ» ص 268؛ و جاء في «بحار الأنوار» ج 6، ص 624 عن «تفسير القمّيّ».
[4] «الإرشاد» للمفيد ص 83 إلى 85 من الطبعة الحجريّة؛ و «بحار الأنوار» ج 6، ص 623 و 624 عن «الإرشاد» و في ص 627 عن «الاحتجاج» للطبرسيّ، و عن «تفسير إلامام الحسن العسكريّ عليه السلام»، و في ص 629 عن «الأمالي» للشيخ الطوسيّ روايتان: الاولى عن أبي سعيد الخدريّ، و الاخرى بسنده عن الإمام الرضا عليه السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام، و كذلك في ص 630 بسند آخر عن تفسير الإمام. و رواه أيضاً في ج 9، ص 237 عن «الأمالي» للطوسيّ، عن الرضا، عن آبائه، و في ص 239 عن كتاب «العمدة» لابن بطريق، بإسناده عن سعيد بن مالك (أبو سعيد الخدريّ)، و في ص 240 عن كتاب عليّ بن عبد الواحد الواسطيّ، عن سعد بن أبي وقّاص، و فيها أيضاً عن ابن بطريق في كتاب «المستدرك» عن كتاب «المغازي» لمحمّد بن إسحاق، و في ص 241 عن ابن حجر العسقلانيّ في «فتح الباري شرح صحيح البخاريّ» عن سعد بن أبي وقّاص؛ و «السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 151؛ و «سيرة ابن هشام» ج 4، ص 946 و 947؛ و «تاريخ الطبريّ» ج 2، ص 368 طبعة مطبعة الاستقامة؛ و «البداية و النهاية» ج 5، ص 7؛ و «حبيب السير» ج 1، ص 399؛ و «الطبقات الكبرى» لابن سعد، ج 3، ذكر في ص 23 و 24 أربع روايات بأربعة أسناد. و نقل ابن المغازليّ في مناقبه من ص 27 إلى 37 سبع عشرة رواية في حديث المنزلة تحت الرقم 40 إلى 56، و أربع منها نصّت على وقت التوجّه إلى تبوك؛ و «مسند أحمد بن حنبل» ج 1، ص 171؛ و «الكامل في التاريخ» ج 2، ص 278؛ و «الاستيعاب» ج 3، ص 1097؛ و «الإصابة» ج 2، ص 502؛ و «الميزان» ج 9، ص 386 عن تفسير «الدرّ المنثور» و «اسد الغابة» ج 4، ص 25 و 26، و كذلك في «اسد الغابة» ج 1، ص 188.