روى المجلسيّ رضوان الله عليه عن «الأمالي» للصدوق بسنده عن الأصبغ بن نباته، قال: بَيْنَا أمير المؤمنين عَلَيهِ السَّلَامُ يَخْطُبُ النَّاسَ وهُوَ يَقُولُ: سَلُونِي قَبْلَ أن تَفْقِدُونِي! فَوَ اللهِ لَا تَسْألُونِي عَنْ شَيءٍ مَضَى ولَا عَنْ شَيءٍ يَكُونُ إلَّا نَبَّأتُكُمْ بِهِ.
فَقَامَ إلَيْهِ سَعْدُ بْنُ أبي وَقَّاصٍ فَقَالَ: يَا أمير المؤمنين! أخْبِرْنِي كَمْ في رَأسِي ولِحْيَتِي مِنْ شَعْرَةٍ؟!
فَقَالَ لَهُ: أمَا واللهِ لَقَدْ سَألْتَنِي عَنْ مَسْألَةٍ حَدَّثَنِي خَلِيلِي رَسُولُ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: أنَكَ سَتَسْألُنِي عَنْهَا! ومَا في رَأسِكَ ولِحْيَتِكَ مِنْ شَعْرَةٍ إلَّا وفي أصْلِهَا شَيْطأنٌ جالِسٌ! فَإنَّ في بَيْتِكَ لَسَخْلًا[1] يَقْتُلُ الحُسَيْنَ ابْنِي! وعُمَرُ بْنُ سَعْدٍ يَوْمَئذٍ يَدْرُجُ بَيْنَ يَدَيْهِ[2].
أجل، أعرض سعد عن بيعة الإمام ونصرته والانضواء تحت رايته، ومُني بطمع معاوية. وامتنع عبد الله بن عمر المتنسّك المتعنّت ذو الافق الضيّق من بيعة الإمام. وبايع يزيد بن معاوية، وعبد الملك بن مروان.
هر كه گريزد ز خراجات شاه *** باركش غول بيابان شود[3]
وكان معاوية بن أبي سفيان يتوقّعه أن يسبّ عليّاً، فيؤاخذ على ذلك.
وكيف يسبّ سعد عليّاً مع سوابقه ومعرفته بسوابق رفيقه صاحب الولاية، والحائز على العلم والفقه والقرآن والقضاء: أمير المؤمنين عليه السلام ذي السوابق عديمة المثيل. ومع معرفته بسوابق معاوية المشرك وأبيه أبي سفيان رأس الفساد ومجيّش الجيوش على الإسلام، ومنبع الخيانة والجناية، وعفريت النفاق والازدواجيّة إذ أسلما في فتح مكّة في السنة الثامنة من الهجرة مكرهين مضطرّين؟! فلهذا كان سعد يعيش في قصره بالعقيق على بعد عشرة أميال عن المدينة مستعليا يرقب الأوضاع مع ما واجه به معاوية من موقف حادّ، ومع سكوته عن جواب معاوية المكّار الغدّار، ومشاهدة الثورة وتشويش الأوضاع بعد استشهاد الإمام المظلوم أمير المؤمنين عليه السلام الذي لم يترك شيئاً بعد استشهاده[4]، ومع استبانة مظلوميّته وصيحاته وخطبه التي ظلّت بلا جواب.
ولمّا رأى معاوية أنّه لا يستطيع أخذ البيعة لابنه يزيد مع وجود سعد بن أبي وقّاص، ومكانته عند الناس، لهذا قتله بالسم مع سبط رسول الله الحسن المجتبى عليه السلام.
ذكر أبو الفرج الأصفهانيّ بسنده المتّصل أنّ معاوية لمّا أراد البيعة لابنه يزيد، وضع سمّاً في طعام خفية، وأطعمه الإمام الحسن عليه السلام وسعداً، فماتا منه وبين موتهما أيّام[5].
وروى بسنده الآخر أيضاً أنّه لمّا فرغ الإمام الحسن عليه السلام من خطبته، انصرف إلى المدينة فأقام بها وأراد معاوية البيعة لابنه يزيد فلم يكن شيء أثقل من أمر الحسن بن عليّ وسعد بن أبي وقّاص، فدسّ إليهما سمّاً، فماتا منه[6].
[1] جاء في «أقرب الموارد» السُّخَّل و السخَّال الضعفاء من الرجال الأرذال. يقال: رجالٌ سُخَّل و سُخَّال. قال خالد: و احدهم سَخْل. و السُّخْلُ أيضاً ما لم يَتم من كلّ شيء. أمّا ولد الشاة فهو سَخْلَة[ كيف] ما كان. و جمعه سَخْل و سِخال و سُخْلان.
[2] «بحار الأنوار» ج 9، ص 635، طبعة الكمبانيّ. و مضافاً إلى ابن بابويه، فإنّ ابن قولويه ذكرها أيضاً في «كامل الزيارات» ص 74 و فيها اسم سعد بن أبي وقّاص، لكنّ الشيخ المفيد ذكرها في «الإرشاد» بلفظ: قام إليه رجل. و فيما يأتي كلامه: ... خطب عليّ بن أبي طالب عليه السلام فقال في خطبته: سلوني قبل أن تفقدوني! فو الله لا تسألوني عن فئة تضلّ مائةً و تهدي مائة إلّا نبّأتكم بناعقها و سائقها إلى يوم القيامة. فقام إليه رجل فقال: أخبرني كم في رأسي و لحيتي من طاقة شعر؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: و الله لقد حدّثني خليلي رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم بما سألت عنه و إنّ على كلّ طاقة شعر في رأسك مَلَكاً يلعنك و على كلّ طاقة شعر من لحيتك شيطان يستفزّك و إنّ في بيتك لسخلًا يقتل ابن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم و آية ذلك مصداق ما أخبرتك به و لو لا أنّ الذي سألت عنه يعسر برهانه لأخبرتك به و لكن آية ذلك ما نبأت به من لعنتك و سخلك الملعون. و كان ابنه في ذلك الوقت صبيّاً صغيراً يحبو. فلمّا كان من أمر الحسين عليه السلام ما كان، تولّى قتله و كان الأمر كما قال أمير المؤمنين عليه السلام. «الإرشاد» ص 182 و 183، الطبعة الحجريّة. و نقل ابن شهرآشوب هذه القضيّة برمّتها في مناقبه ج 1، ص 427 عن فضيل بن الزبير، عن أبي الحكيم، عن مشايخه.
[3] يقول: «من فرّ من ضرائب الملك، فإنّ غول الصحراء يجعل منه حمّالًا».
[4] جاء في «مقاتل الطالبيّين» ج 1، ص 51 و 52 طبعة دار المعرفة بلبنان، ضمن خطبة الإمام الحسن المجتبى عليه السلام بعد استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: و ما خلف صفراء و لا بيضاء إلّا سبعمائة درهم بقيت من عطائه أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله.
و ورد هذا المطلب أيضاً في «الطبقات» لابن سعد، ج 3، ص 38؛ و كذلك في «كنز العمّال» ج 15، ص 172.
[5] «مقاتل الطالبيّين» ج 1، ص 50.
[6] «مقاتل الطالبيّين» ج 1، ص 73. و قال في سند آخر أيضاً: توفي الحسن بن عليّ و سعد بن أبي وقّاص في أيّام بعد ما مضى من إمارة معاوية عشر سنين و كانوا يرون أنّه سقاهما سمّاً. و ورد ذلك في تعليقة لابن أبي الحديد.