بعد سلسلة حروب متصلة بين الدولتين العثمانية والصفوية، أصبح العراق جزءا من الدولة العثمانية وذلك منذ القرن السادس عشر الميلادي، عندما احتلّ السلطان سليم الأول (1) مدينة بغداد في العام 1534م، ومن المعروف أنَّ الدولة العثمانية استمرت تبسط سلطانها على المنطقة العربيّة في قلب الشرق الأوسط ما يقرب من أربعة قرون، لحين زوال تلك السلطة نهائيا من هذه المنطقة في القرن العشرين عند انتهاء الحرب العالمية الأولى، وعلى هذا فإنَّ مصير (العراق) ومستقبله كان قد تقرر استنادًا إلى علاقات الدولة العثمانية مع الدول الأوربية، لا سيما أن التوجهات العثمانية نحو الشرق قد اصطدمت بجدار دولة فارس الصفوية (2) .
كانت ملامح الضعف والتراجع في الدولة العثمانية قد بدأت في الظهور أواخر القرن الثامن عشر، وقد شغل أذهان الساسة في أوروبا التفكير في مصير هذه الدولة ووراثة أملاكها، ومنذ ذلك الوقت المبكّر وأثناء القرن التاسع عشر، كانت بريطانيا وروسيا وفرنسا هي الدول الأكثر اهتمامًا بمصير الدولة العثمانية ومصير أملاكها، فبريطانيا رغبت في تأمين طرق مواصلاتها إلى الشرق الأقصى والهند خصوصا، سواء عن طريق قناة السويس والبحر الأحمر أو عن طريق الخليج العربي ونهري دجلة والفرات، أما روسيا فقد أرادت أن تجد لها منفذا من البحر الأسود إلى البحر المتوسط بالاستيلاء على القسطنطينية ومضايق البسفور والدردنيل، فضلا عن أحلامها في الوصول إلى المياه الدافئة في الخليج العربي(3)، بينما أخذت فرنسا على عاتقها منذ زمن مبكّر حماية مصالح رعايا الدولة (المسيحيين في شرق المتوسط)، إنَّ هذه الدول الثلاث كما سنرى فيما بعد هي الدول التي شاركت في رسم قسمة أملاك العثمانيين، (رجل أوروبا المريض)(4). أثناء الحرب فيما عُرف باتفاقية (سايكس - بيكو) (5).
......................................................
1. السلطان سليم الأول: سليم الأول بن بايزيد الثاني، تاسع سلاطين الدولة العثمانية. ولد في مدينة اماسية بالأناضول في 1470م، اتّصف بالشجاعة والإقدام، وتولى مناصب عدة في عهد والده، وبعد وفاة والده في مايس 1512م تولى عرش السلطنة. هزم الجيش الصفوي بقيادة الشاه إسماعيل في معركة جالديران 1514م وأنهى احتلالهم للعراق، دخل في حروب مع المماليك والبرتغاليين. توفّي في 22/ أيلول/ 1520م، للمزيد يُنظر: المحامي محمد فريد بك، تاريخ الدولة العلية العثمانية، ص 186.
2. المرجع نفسه، ص 144.
3. أوصى بطرس الأكبر the Great peter (1682 ــ 1725)قيصر روسيا القياصرة الذين جاءوا من بعده بالوصول إلى مياه المحيط الهندي الدافئة، بعد أن استطاع بموجب معاهدة 1723 م، مع الدولة العثمانية، السيطرة على الأقاليم الفارسية المجاورة لبحر قزوين ينظر نورس علاء موسى كاظم، العراق في العهد العثماني دراسة في العلاقات السياسية ( 1700 - 1800م)، (بغداد، دار الرشيد للنشر، 1979م)، ص 96؛ ويذكر كرزن أنَّ إنشاء ميناء روسي على الخليج العربي هو حلم الوطنيين المتحمسين من أهل الفولكا (نهر مشهور يمر في موسكو)، لكن هذا الحلم سيكون عنصر اضطراب في الخليج العربي حتّى في وقت السلم، وسيضر بتوازن القوى الذي فرضته بريطانيا بعد مجهود شاق. للمزيد عن الموضوع يُنظر: 49.Gurson. G. N., Persia and the Persian, London: question 1892, Vol.2, p.
4. الرجل المريض: اسم أطلقه قيصر روسيا نيقولاي الأول Nicholas 18-1855م) على الدولة العثمانية سنة 1853 م بسبب ضعفها، ودعا بريطانيا إلى أن تشترك معه في اقتسام أملاك الدولة، ثم شاع هذا الاسم بعد ذلك واستعملته الدول الأوربية الأخرى. للمزيد، يُنظر : الصلابي، محمد علي، الدولة العثمانية.. عوامل النهوض وأسباب السقوط، ص 22-24.
5. اتفاقية سايكس ـ بیکو (sykes-Picot Agreement): هي الاتفاقية التي وقعت في 16/ أيار/ 1916م، بين بريطانيا وفرنسا وانضمت إليها روسيا، وبموجبها حصلت بريطانيا على العراق وفلسطين وحصلت فرنسا على سوريا، أما روسيا فحصلت على ولايات أرضروم و طرابزون وبتليس وجزء كبير من شمالي كردستان يمتد إلى الحدود الفارسية. للمزيد يُنظر: مصطفى، أحمد عبد الرحيم، في أصول التاريخ العثماني، ص 190-192.