كانت ألمانيا قد حققت وحدتها عام 1871م، وبدأت بالظهور على مسرح الأحداث الأوربية والعالمية كقوة سياسية واقتصادية وعسكرية كبيرة، ونشطت دعوات المفكرين الألمان إلى ضرورة الاستفادة الألمانية من الإمكانات الاقتصادية في مناطق الدولة العثمانية وتحديدًا بالنسبة للعراق، حيث قام المفكر الألماني شبنغلر (Schpringer) برحلةٍ طويلةٍ في الدولة العثمانية، وكتب كتابًا بعنوان بابل أغنى بلد في الماضي وأكثر المناطق ملائمة للاستيطان في الحاضر، وأنه لا توجد في العالم كله منطقة أكثر ملائمةً منها لاستيطان الألمان مثل العراق، وأما المفكر الألماني هوجو كروتة (Hougo Kroteh ) فقد أصدر عام 1902م، كتابًا بعنوان (سكة حديد بغداد والفلاحون الشفابيون فيما وراء القفقاس وفلسطين)، حمل فيها دعوات إلى الاستيطان في العراق(1).
حدث آنذاك تقارب كبير بين ألمانيا وبين الدولة العثمانية منذ أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، واعتقد العثمانيون بأنّ ألمانيا ليس لها أطماع استعمارية في أراضي الدولة العثمانية كبريطانيا وفرنسا وروسيا، كما أعجب العثمانيون بالتقدّم الكبير الذي حدث في ألمانيا خاصةً في المجال العسكري والاقتصادي، وعملوا على الاستفادة من تجربتها من أجل زيادة قوة الدولة العثمانية لمواجهة تدخلات الدول الكبرى، وجرى تعاون كبير بين الدولتين من خلال إرسال البعثات العسكرية العثمانية إلى ألمانيا أو جلب الضباط العسكريين الألمان لتنظيم وتدريب الجيش العثماني، وكذلك العمل على زيادة النشاط الاقتصادي الألماني في أراضي الدولة العثمانية من خلال المؤسسات المالية التابعة لها.
بدأت المفاوضات بين الدولتين من أجل الوصول إلى امتياز منح إنشاء خط سكك حديد بغداد برلين منذ سنة 1898م، وتكللت بمنح العثمانيين امتياز بناء سكة حديد بغداد برلين إلى شركة حديد الأناضول المدعومة من البنك الألماني في 5 آذار 1902م، وحدد بنود الاتفاق على أن يكون الامتياز لمدة زمنية طويلة (99) عاما)، وأخرى تتعلّق باستغلال المناطق المجاورة لخط السكة اقتصاديًا من قبل الشركة، فضلا عن بنود أخرى جرى التعديل على بعض منها بعد مرور سنة واحدة (2) إذ كانت ألمانيا ترغب في الاستفادة من هذا الخط من أجل زيادة نفوذها الاقتصادي لمناطق بعيدة ذات أهمية اقتصادية كبيرة، ومنها العراق الذي وجدت فيه مصدرًا مهمًا للمواد الأولية والغذائية الداخلة في الصناعات والاحتياجات الألمانية، خاصة بالنسبة للحبوب التي كانت تستوردها آنذاك من روسيا، إلى جانب إمكانية تطوير بعض المحاصيل الزراعية الضرورية للألمان في العراق كالقطن (3) .
كان الامتياز ينص على تمديد خط سكة الحديد من قونية إلى الموصل، ومن هناك إلى بغداد، وعبر مدن الفرات الأوسط وصولا إلى الناصرية، ثم البصرة والخليج العربي، مع إقامة عددٍ من الخطوط الفرعية لها منها خط خانقين- بغداد من أجل ربط الحدود والدواخل الإيرانية بالمدن العراقية، وتحديدًا مدن العتبات المقدسة لنقل المسافرين من الزوار والتجار. عارضت بريطانيا منح الامتياز، ورأت في المشروع تهديدًا لنفوذها السياسي والاقتصادي في المنطقة، إذ إنّ مد سكك الحديد إلى تلك المنطقة سيكون بمنزلة بداية لاقتحام ألمانيا للمنطقة ومنافسة للطريق البحري المار عبر قناة السويس الذي كانت تسيطر عليه بريطانيا آنذاك (4) ، وقد أشارت بعض التقارير البريطانية إلى ذلك بالقول: «إن الآثار المحتملة لمد سكة حديد بغداد إلى الخليج سوف لن يكون تأثيرها على المصالح البريطانية في العراق فقط وإنما ستؤثر على مصالح كل من بريطانيا والهند في منطقة الشرق الأوسط وخاصةً في إيران والخليج(5)». وجرت مناقشات واسعة في الأوساط السياسية والبرلمانية البريطانية حول مدى إمكانية مشاركة بريطانيا في هذا المشروع، وفي الوقت ذاته عملت بريطانيا على الاحتفاظ بمكانتها المتقدمة في نشاطها التجاري مع العراق لمنع تغلغل التجارة الألمانية إليه، حيث إنه ازدادت الصادرات البريطانية إلى العراق عام 1903م إلى (1,258000 جنيه إسترليني، التي شكلت نسبة 80٪ من المستوردات الأجنبية الداخلة إلى العراق، كما قامت بدعم نشاطات شركة ( لنج) البريطانية العاملة في النقل النهري بالعراق عبر دعم مطالبيها في زيادة عدد بواخرها العاملة في هذا المجال (6)، كما حاولت بريطانيا الضغط على ألمانيا لقبول مشاركة بريطانيا في الامتياز من خلال إعادة طرح فكرة مشروع سكة حديد وادي الفرات) المار ذكرها سابقا عام 1909م، غير أنّ المشروع البريطاني لم يكن سوى تهديد للقبول بتسوية لمشروع سكة حديد برلين- بغداد، فتم الاتفاق بين بريطانيا والدولة العثمانية في حزيران سنة 1913م حول النفوذ البريطاني في الخليج وتحديدًا في الكويت، وكذلك تم الاتفاق بين بريطانيا وألمانيا في حزيران عام 1914م، حول القبول بوجود مساهمين بريطانيين في شركة سكة الحديد، وبأن يكون نهاية الخط في مدينة البصرة والتنازل عن مده إلى ساحل الخليج العربي (7)، وعلى أية حال كانت الشركة المنفذة للامتياز قد تمكنت من إنجاز معظم خط سكة حديد بغداد- برلين قبيل قيام الحرب العالمية الأولى، وتم تشييد أول قطار بين بغداد وسميكة ( الدجيل) في حزيران 1914م.
.......................................................
1- التكريتي، هاشم صالح، التغلغل الألماني في المشرق العربي قبيل الحرب العالمية الأولى، ص 44-45.
2- بحري، لؤي يونس، سكة حديد بغداد - برلين: دراسة في تطور دبلوماسية قضية سكة حديد برلين بغداد حتى عام 1914، ص 69-72.
3- ألكسندر أداموف، ولاية البصرة ماضيها وحاضرها، 2/ 208، 248.
4- ز. ي هر شلاغ، مدخل إلى التاريخ الاقتصادي الحديث للشرق الأوسط، ص 67.
5- شكري، ياسين شهاب، ولاية بغداد: 1872-1909م، ص 149.
6- Stuart Acohen, British policy in Mesopotamia 1903-1914, (London, 1967) , pp.35-39.
7- بحري، سكة حديد بغداد - برلين دراسة في تطور دبلوماسية قضية سكة حديد برلين بغداد حتى عام 1914، ص 167-172.