

تأملات قرآنية

مصطلحات قرآنية

هل تعلم


علوم القرآن

أسباب النزول


التفسير والمفسرون


التفسير

مفهوم التفسير

التفسير الموضوعي

التأويل


مناهج التفسير

منهج تفسير القرآن بالقرآن

منهج التفسير الفقهي

منهج التفسير الأثري أو الروائي

منهج التفسير الإجتهادي

منهج التفسير الأدبي

منهج التفسير اللغوي

منهج التفسير العرفاني

منهج التفسير بالرأي

منهج التفسير العلمي

مواضيع عامة في المناهج


التفاسير وتراجم مفسريها

التفاسير

تراجم المفسرين


القراء والقراءات

القرآء

رأي المفسرين في القراءات

تحليل النص القرآني

أحكام التلاوة


تاريخ القرآن

جمع وتدوين القرآن

التحريف ونفيه عن القرآن

نزول القرآن

الناسخ والمنسوخ

المحكم والمتشابه

المكي والمدني

الأمثال في القرآن

فضائل السور

مواضيع عامة في علوم القرآن

فضائل اهل البيت القرآنية

الشفاء في القرآن

رسم وحركات القرآن

القسم في القرآن

اشباه ونظائر

آداب قراءة القرآن


الإعجاز القرآني

الوحي القرآني

الصرفة وموضوعاتها

الإعجاز الغيبي

الإعجاز العلمي والطبيعي

الإعجاز البلاغي والبياني

الإعجاز العددي

مواضيع إعجازية عامة


قصص قرآنية


قصص الأنبياء

قصة النبي ابراهيم وقومه

قصة النبي إدريس وقومه

قصة النبي اسماعيل

قصة النبي ذو الكفل

قصة النبي لوط وقومه

قصة النبي موسى وهارون وقومهم

قصة النبي داوود وقومه

قصة النبي زكريا وابنه يحيى

قصة النبي شعيب وقومه

قصة النبي سليمان وقومه

قصة النبي صالح وقومه

قصة النبي نوح وقومه

قصة النبي هود وقومه

قصة النبي إسحاق ويعقوب ويوسف

قصة النبي يونس وقومه

قصة النبي إلياس واليسع

قصة ذي القرنين وقصص أخرى

قصة نبي الله آدم

قصة نبي الله عيسى وقومه

قصة النبي أيوب وقومه

قصة النبي محمد صلى الله عليه وآله


سيرة النبي والائمة

سيرة الإمام المهدي ـ عليه السلام

سيرة الامام علي ـ عليه السلام

سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله

مواضيع عامة في سيرة النبي والأئمة


حضارات

مقالات عامة من التاريخ الإسلامي

العصر الجاهلي قبل الإسلام

اليهود

مواضيع عامة في القصص القرآنية


العقائد في القرآن


أصول

التوحيد

النبوة

العدل

الامامة

المعاد

سؤال وجواب

شبهات وردود

فرق واديان ومذاهب

الشفاعة والتوسل

مقالات عقائدية عامة

قضايا أخلاقية في القرآن الكريم

قضايا إجتماعية في القرآن الكريم

مقالات قرآنية


التفسير الجامع


حرف الألف

سورة آل عمران

سورة الأنعام

سورة الأعراف

سورة الأنفال

سورة إبراهيم

سورة الإسراء

سورة الأنبياء

سورة الأحزاب

سورة الأحقاف

سورة الإنسان

سورة الانفطار

سورة الإنشقاق

سورة الأعلى

سورة الإخلاص


حرف الباء

سورة البقرة

سورة البروج

سورة البلد

سورة البينة


حرف التاء

سورة التوبة

سورة التغابن

سورة التحريم

سورة التكوير

سورة التين

سورة التكاثر


حرف الجيم

سورة الجاثية

سورة الجمعة

سورة الجن


حرف الحاء

سورة الحجر

سورة الحج

سورة الحديد

سورة الحشر

سورة الحاقة

الحجرات


حرف الدال

سورة الدخان


حرف الذال

سورة الذاريات


حرف الراء

سورة الرعد

سورة الروم

سورة الرحمن


حرف الزاي

سورة الزمر

سورة الزخرف

سورة الزلزلة


حرف السين

سورة السجدة

سورة سبأ


حرف الشين

سورة الشعراء

سورة الشورى

سورة الشمس

سورة الشرح


حرف الصاد

سورة الصافات

سورة ص

سورة الصف


حرف الضاد

سورة الضحى


حرف الطاء

سورة طه

سورة الطور

سورة الطلاق

سورة الطارق


حرف العين

سورة العنكبوت

سورة عبس

سورة العلق

سورة العاديات

سورة العصر


حرف الغين

سورة غافر

سورة الغاشية


حرف الفاء

سورة الفاتحة

سورة الفرقان

سورة فاطر

سورة فصلت

سورة الفتح

سورة الفجر

سورة الفيل

سورة الفلق


حرف القاف

سورة القصص

سورة ق

سورة القمر

سورة القلم

سورة القيامة

سورة القدر

سورة القارعة

سورة قريش


حرف الكاف

سورة الكهف

سورة الكوثر

سورة الكافرون


حرف اللام

سورة لقمان

سورة الليل


حرف الميم

سورة المائدة

سورة مريم

سورة المؤمنين

سورة محمد

سورة المجادلة

سورة الممتحنة

سورة المنافقين

سورة المُلك

سورة المعارج

سورة المزمل

سورة المدثر

سورة المرسلات

سورة المطففين

سورة الماعون

سورة المسد


حرف النون

سورة النساء

سورة النحل

سورة النور

سورة النمل

سورة النجم

سورة نوح

سورة النبأ

سورة النازعات

سورة النصر

سورة الناس


حرف الهاء

سورة هود

سورة الهمزة


حرف الواو

سورة الواقعة


حرف الياء

سورة يونس

سورة يوسف

سورة يس


آيات الأحكام

العبادات

المعاملات
مصافقة الناس وبيعتهم أمير المؤمنين عليه السلام في يوم الغدير
المؤلف:
السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ
المصدر:
معرفة الإمام
الجزء والصفحة:
ج9، ص191-210
2026-02-11
24
أمر رسول الله بعد الفراغ من الخطبة أن ينصبوا لأمير المؤمنين خيمة، وأمر المؤمنين أن يهنّئوه على تمام النعمة وكمال الدين الذي أثمر بربط الولاية بالنبوّة، وأتحف الأمّة بفاكهة الحياة الطازجة.
وأمر كبار قريش وشيوخ الأنصار والمهاجرين ووجوهم بتهنئة أمير المؤمنين عليه السلام، والسلام عليه بإمرة المؤمنين السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أميرَ المؤمِنِينَ، والإذعان بإمارته وولايته. كما أمر الشيخين: أبا بكر، وعمر، وزوجاته أن يدخلوا عليه، ويهنّئوه، ويسلموا عليه بالإمامة والحكومة على تلك الحظوة الكبيرة بإشغاله منصّة الولاية وتصدَّر الأمر والنهي في دين الله وإدارة شئون المسلمين بوصفه خليفة رسول الله.
قال العلّامة الأميني: أخرج محمّد بن جرير الطبريّ في كتاب (الولاية) حديثاً بإسناده عن زيد بن أرقم، مرّ شطر منه. وفي آخره قال النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم:
مَعَاشِرَ النَّاسِ! قُولُوا: أعْطَيْنَاكَ على ذَلِكَ عَهْداً عَنْ أنْفُسِنَا ومِيثَاقاً بِألْسِنَتِنَا وصَفْقَةً بِأيْدِينَا، نُؤَدِّيهِ إلَى أوْلَادِنَا وأهَالِينَا، لا نَبْغِي بِذَلِكَ بَدَلًا وأنْتَ شَهِيدٌ عَلَيْنَا وكَفى بِاللهِ شَهيداً. قُولُوا مَا قُلْتُ لَكُم! وسَلِّمُوا على عَلِيّ بِإمْرَةِ المُؤْمِنِينَ! وقُولُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ الذي هَدَانَا لِهَذَا ومَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أنْ هَدَانَا اللهُ، فَإنَّ اللهَ يَعْلَمُ كُلَّ صَوْتٍ وخَائِنَةَ كُلِّ نَفْسٍ، {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ ومَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً}.[1]
قُولُوا مَا يُرْضِي اللهُ عَنْكُمْ فَ {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ}.[2]
قال زيد بن أرقم: فعند ذلك بادر الناس بقولهم: سمِعْنَا وأطَعْنَا على أمْرِ اللهِ ورَسُولِهِ بِقُلُوبِنَا.
وكان أوّل من صافق النبيّ صلّى الله عليه وآله: أبُو بَكْر، وعُمَر، وعُثْمَان وطَلْحَةُ، والزُّبَيْر، وباقي المهاجرين والأنصار، وباقي الناس، إلى أن صلّى الظهرين في وقت واحد، وامتدّت المصافقة وبيعة الناس، إلى أن صلّى العشاءين في وقت واحد، وأوصلوا البيعة والمصافقة ثلثاً [من الليل].
ورواه أحمد بن محمّد الطبريّ الشهير بالخليليّ في كتاب «مناقب عليّ بن أبي طالب»، المؤلَّف سنة 411 بالقاهرة من طريق شيخه محمّد بن أبي بكر بن عبد الرحمن، وفيه: فتبادر الناس إلى بيعته وقالوا:
سمِعْنَا وأطَعْنَا لِمَا أمَرَنَا اللهُ ورَسُولُهُ بِقُلُوبِنَا وأنْفُسِنَا وألْسِنَتِنَا وجَمِيعِ جَوارِحِنَا، ثمَّ انْكَبُّوا على رَسُولِ اللهِ وعلى عَلِيّ بِأيْدِيهِمْ.
وكان أوّل من صافق رسول الله: أبو بكر، وعمر، وطلحة، والزبير، ثمّ باقي المهاجرين، والناس على طبقاتهم ومقدار منازلهم، إلى أن صُلّيت الظهر والعصر في وقت واحد، والمغرب والعشاء الآخرة في وقت واحد، ولم يزالوا يتواصلون البيعة والمصافقة ثلثاً من الليل، ورسول الله كلما بايعه فوج بعد فوج يقول: الحَمْدُ لِلَّهِ الذي فَضَّلَنَا على جَمِيعِ العَالَمِينَ.
وصارت المصافقة سُنّة ورسماً، واستعملها من ليس له حقّ فيها.
وقال في كتاب «النَّشر والطَّيّ»: فبادر الناس بِ: نَعَمْ نَعَمْ سمِعْنَا وأطَعْنَا أمْرَ اللهِ وأمْرَ رَسُولِهِ، آمَنَّا بِهِ بِقُلُوبِنَا. وتداكّوا على رسول الله وعليّ بأيديهم، إلى أن صُلّيت الظهر والعصر في وقت واحد، وباقي ذلك اليوم، إلى أن صُلّيت العشاءان في وقت واحد، ورسول الله كان يقول كلما أتى فوجٌ: الحَمْدُ لِلَّهِ الذي فَضَّلَنَا على العَالَمِينَ.
وقال المولويّ وليّ الله اللَّكْهَنُويّ في كتاب «مرآة المؤمنين» في ذكر حديث الغدير: فلقيه عمر بعد ذلك، فقال له: هَنِيئاً يَا ابْنَ أبي طَالِبٍ! أصْبَحْتَ وأمْسَيْتَ مَوْلى كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ. وكَانَ يُهَنِّئُ أمِيرَ المؤمِنِينَ كُلُّ صَحَابِيّ لَاقَاهُ.
وقال المؤرّخ ابن خاوند شاه المتوفي 903 في «روضة الصَّفا» في الجزء الثاني من ج 1، ص 173 بعد ذكر حديث الغدير: ثمّ جلس رسول الله في خيمة تخصّه، وأمر أمير المؤمنين عليّاً عليه السلام أن يجلس في خيمة اخرى، وأمر كافّة الناس أن يهنِّئوا عليّاً في خيمته. ولمّا فرغ الناس من التهنئة له، أمر النبيّ زوجاته (أُمَّهَات المُؤْمِنِينَ) بأن يَسِرْنَ إليه ويُهَنِّئْنَهُ، ففَعلنَ. وممّن هنَّأه من الصحابة: عمر بن الخطّاب، فقال: هَنيئاً لَكَ يَا ابْنَ أبي طَالِبٍ أصْبَحْتَ مَوْلَايَ ومَوْلَى جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِنَاتِ.
وقال المؤرّخ غياث الدين المتوفي 942 في «حبيب السِّيَر» في الجزء الثالث من ج 1، ص 144: ثمّ جلس أمير المؤمنين بأمر من النبيّ صلّى الله عليه وآله في خيمة تخصّه، يزوره الناس ويهنّئونه، وفيهم، عمر بن الخطّاب، فقال: بَخٍّ بَخٍّ يَا ابْنَ أبي طَالِبٍ! أصْبَحْتَ مَوْلَايَ ومَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ![3]
وخصوص حديث تهنئة الشيخين: أبي بكر، وعمر، رواه من أئمّة الحديث والتفسير والتأريخ من رجال السنّة كثير لا يستهان بعددهم بين راوٍ مرسلًا له إرسال المسلم، وبين راوٍ إيّاه بمسانيد صحاح ورجال ثقات تنتهي إلى غير واحد من الصحابة كابن عبّاس، وأبي هريرة، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم. وذكر المرحوم العلّامة الأميني تلك الروايات في كتابه القيّم: «الغدير» نقلًا عن ستّين كتاباً موثوقاً ومشهوراً من كتبهم التي ألّفها مشاهير وأعاظم مشايخ العامّة.[4]
وننقلها فيما يأتي عن عدد من الكتب لا غير:
1 - روى أبو إسحاق الثعلبيّ في كتاب «الكشف والبيان» بسنده عن البراء بن عازب قال: لما نزلنا مع رسول الله في حجّة الوداع بغدير خمّ، نادى رسول الله: الصلاة جامعة. وكُسح للنبيّ تحت شجرتين فأخذ بيد على: فقال: ألَسْتُ أوْلَى بِالمُؤمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ؟ قالوا: بلى. قال: هَذَا مَوْلَى مَنْ أنَا مَوْلَاهُ! اللهُمَّ والِ مَن وَالاهُ! وعَادِ مَنْ عَادَاهُ! قال: فلقيه عمر فقال: هَنِيئاً لَكَ يَا ابْنَ أبي طَالِبٍ! أصْبَحْتَ مَوْلَي كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُوْمِنَةٍ!
2 - ذكر شيخ الإسلام الحمّوئيّ في «فرائد السمطينِ» بسنده عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة قال: من صام يوم ثمان عشر من ذي الحجّة، كتب الله له صيام ستّين سنة. وهو يوم غدير خُمّ لمّا أخذ رسول الله صلّى الله عليه وآله بِيَدِ عليّ صلوات الله عليه وآله، فقال: مَن كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ، اللهُمَّ والِ مَنْ وَالاهُ، وعَادِ مَنْ عَادَاهُ، وانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ!
فقال عمر بن الخطّاب: بَخٍّ بَخٍّ لَكَ يَا ابْنَ أبي طَالِبٍ! أصْحَبْتَ مَوْلَايَ ومَوْلى كُلِّ مُسْلِمٍ.[5]
3 - روى الخطيب الخوارزميّ بسنده عن البراء بن عازب قال: أقبلنا مع رسول الله في حجّة. ثمّ ذكر الحديث الذي نقلناه عن الثعلبيّ في «الكشف والبيان» نفسه. وقال في آخره أيضاً: فلقي عمر بن الخطّاب عليا، فقال: هَنِيئاً لَكَ يَا ابْنَ أبي طَالِبٍ! أصْبَحْتَ مَوْلَايَ ومَوْلَى كُلِّ مَؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ. وروى بسنده الآخر عن أبي هريرة نفس الحديث الذي نقلناها عن الحمّوئيّ في «فرائد السمطين». وقال في ختامه أيضاً: فقال له عمر بن الخطّاب: بَخٍّ بَخٍّ لَكَ يَا ابْنَ أبي طَالِبٍ! أصْبَحْتَ مَوْلَايَ ومَوْلَى كُلِّ مُسْلِمٍ.[6]
4 - أخرج أحمد بن حنبل في مسنده بسنده عن عديّ بن ثابت، عن البراء بن عازب، أنّه قال: كنّا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في سفر، فنزلنا بغدير خمّ، فنودي: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، وكُسح لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم تحت شجرتين، فصلى الظهر، فأخذ بِيَدِ عليّ رضي الله تعالى عنه، فقال: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنِّي أوْلَى بِكُلِّ مُوْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ؟ قالوا: بلى. فأخذ بِيَدِ عليّ، فقال: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ. اللهُمَّ والِ مَنْ وَالاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ. فلقيه عمر بعد ذلك، فقال: هَنِيئاً لَكَ يَا ابْنَ أبي طَالِبٍ! أصْحَبْتَ وأمْسَيْتَ مَوْلَي كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ.[7]
5- روى الحافظ أبو بكر الخطيب البغداديّ، عن حبشون بن موسى بن أيّوب[8] بسنده عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة أنّه قال: من صام يوم ثمان عشر من ذي الحجّة، كتب له صيام ستّين شهراً، وهو يوم غدير خمّ لما أخذ النبيّ صلّى الله عليه وآله بيد عليّ فقال: ألَسْتُ أوْلَى بِالمُؤمِنِينَ؟ قالوا: بَلى يَا رَسُولَ اللهِ!
قال: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ. بعد ذلك قال عمر بن الخطّاب: بَخٍّ بَخٍّ لَكَ يَا ابْنَ أبي طَالِبٍ! أصْبَحْتَ مَوْلَايَ ومَوْلى كُلِّ مُسْلِمٍ! فأنزل الله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}. ومن صام يوم سبعة وعشرين من رجب، كتب له صيام ستّين شهراً، وهو أوّل يوم نزل فيه جبرائيل عليه السلام على محمّد صلّى الله عليه وآله، اشتهر هذا الحديث برواية حَبْشُونَ.[9]
6 - روى الحافظ ابن عَسَاكِر الدمشقيّ بسندين عن البراء بن عازب، قال: حججنا مع رسول الله، وبعد أن شرح قصّة النزول والخطبة في غدير خمّ، قال في رواية: قال عمر بن الخطّاب: هَنِيئاً لَكَ يَا ابْنَ أبي طَالِبٍ! أصْبَحْتَ اليَوْمَ ولي كُلِّ مُؤْمِنٍ![10] وقال في رواية اخرى: قال له عمر: هَنِيئاً لَكَ يَا عَلِيّ! أصْبَحْتَ مَوْلَايَ ومَوْلى كُلِّ مُؤْمِنٍ![11]
وأخرج بسندين آخرين عن أبي هريرة، السند الأوّل هو الحديث الذي نقلناه عن «تاريخ بغداد» برواية حَبْشون،[12] والسند الثاني هو الحديث الذي نقله عن أبي بكر بن المرزقيّ، وقال عمر في آخره: بَخٍّ بَخٍّ لَكَ يَا ابْنَ أبِي طَالِبٍ! أصْبَحْتَ مَوْلَايَ ومَوْلَى كُلِّ مُسْلِمٍ.[13]
وذكر قول عمر عند تفسير كلام الشافعيّ القائل إنّ معنى الولاء هو ولاء الإسلام. وأخرج ابن عساكر بسنده عن الربيع بن سليمان: أنّه قال: سمعت الشافعيّ يقول في معنى كلام النبيّ صلّى الله عليه وآله لعليّ بن أبي طالب: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ: يعني بذلك ولاء الإسلام.
وذلك قول الله عزّ وجلّ: {ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ}.[14]
وأمّا قول عمر بن الخطّاب لعليّ: أصْبَحْتَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ! يقول: وَلِيّ كُلِّ مُسْلِمٍ.[15]
إن ما ذكرناه في معنى الولاء مفصّلًا قد سطع كالشمس دالَّا على أنّ تفسير الشافعيّ خطأ، وأنّ المراد من ولاء الإيمان الولاية بمعنى الإمارة والإمامة والسيادة، وهي ملزوم القرب، وذلك الملزوم هو معناه الأوّل والحقيقيّ وهو ما نصّه: الوَلَاءُ حُصُولُ الشَّيْئيْنِ فَزَائِداً حُصُولًا لَيْسَ بَيْنَهُمَا مَا لَيْسَ مِنْهُمَا. وعلى كلّ تقدير، أنّ شاهدنا من كلام الشافعيّ الاستشهاد بحديث عمر في التهنئة.
7 - ذكر الحافظ أبو القاسم الحَسْكانيّ ستّ روايات في «شواهد التنزيل» تحت عنوان الروايات الواردة في الآية المباركة: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً}. ووردت تهنئة عمر في اثنتين منها.
الاولى: عن الحاكم أبيه، عن أبي حَفْص شاهين، بسنده عن أبي هريرة، وقد جاء فيها ثواب الصيام في يوم الغدير، وقال عمر بن الخطّاب في آخرها: بَخٍّ بَخٍّ [لَكَ] يَا ابْنَ أبي طَالِبٍ.[16]
الثانية: عن أبي بكر اليزديّ بسنده عن أبي هريرة، وذكر فيها أيضاً ثواب صيام ستّين شهراً في يوم الغدير. وبعد خطبة رسول الله صلّى الله عليه وآله وإعلان الولاية: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ. قال عمر بن الخطّاب: بَخٍّ بَخٍّ لَكَ يَا ابْنَ أبي طَالِبٍ! أصْبَحْتَ مَوْلَايّ ومَوْلَي كُلِّ مُؤْمِنٍ! وأنزل الله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}.[17]
8 - قال الفخر الرازيّ في ذيّل الآية: {يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ}: الوجه العاشر: نزلت هذه الآية في فضل علىّ بن أبي طالب، ولمّا نزلت هذه الآية، أخذ النبيّ بيد عليّ وقال: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ. اللهُمَّ والِ مَنْ وَالاهُ، وعَادِ مَنْ عَادَاهُ، فلقيه عمر، فقال: هَنِيئاً لَكَ يَا ابْنَ أبِي طَالِبٍ! أصْبَحْتَ مَوْلَايَ ومَوْلى كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ! وهو قول ابن عبّاس، والبراء بن عازب، ومحمّد بن عليّ.[18]
9 - قال الشهرستاني في «الملل والنحل» ومثل ما جرى في كمال الإسلام وانتظام الحال حين نزل قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ.} فلما وصل رسول الله غدير خمّ، أمر بالدوحات فَقُمِمْنَ، ونادوا: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ. ثمّ قال وهو على الرِّحال: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ. اللهُمَّ والِ مَنْ وَالاهُ وعَادِ مَنْ عَادَاهُ، وانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ! واخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ! وأدِرِ الحَقَّ مَعَهُ حَيْثُ دَارَ: ألَا هَلْ بَلَّغْتُ، ثلاثاً؟ فادّعت الإماميّة أنّ هذا نصّ صريح: فإنّا ننظر من كان النبيّ صلّى الله عليه وآله مولىً لَهُ؟ وبأيّ معنى؟ فنطّرد ذلك في حقّ عليّ. وقد فهمت الصحابة من التولية ما فهمناه، حتّى: قال عمر حين استقبل عليا: طُوبَى لَكَ يَا عَلِيّ! أصْبَحْتَ مَوْلَي كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ.[19]
10 - قال ابن حجر الهَيْتَميّ المتوفي سنة 973 بعد بيان الحديث: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ الذي نطق به النبيّ في جواب بريدة، بعد أن قال له: يَا بُرَيْدَةُ! ألَسْتُ أوْلَى بِالمُؤمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ؟! قُلْتُ: بَلى يَا رَسُولَ اللهِ! لو سلمنا أنّ المراد من المولى: الأوْلى، لكن لا نسلّم أنّ المراد أنّه الأولى بالإمامة، بل [المراد أولي] بالاتّباع والقرب من رسول الله، كقوله تعالى: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ}. ولا [دليل] قاطع ولا ظاهر على نفي هذا الاحتمال، بل هو الواقع إذ هو الذي فهمه أبو بكر وعمر.
وأفضل دليل على هذا الاحتمال ما فهمه أبو بكر وعمر من الحديث، فإنّهما لما سمعاه، قالا له: أمْسَيْتَ يَا ابْنَ أبي طَالِبٍ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ. أخرجه الدارقطني.[20]
إن قصدنا من رواية الشهرستاني، وابن حَجَر الهيتميّ هو الاستشهاد بتهنئة الشيخين لمولى الموالي أمير المؤمنين عليه السلام، وليس قصدنا الإتيان بالمراد الذي جاءا به من عند أنفسهما في معنى الولاية، وفرضا ذلك المعنى على فهم أبي بكر، وعمر، ذلك أنّنا أثبتنا بوضوح في الجزء الخامس، والسابع من هذه الدورة «معرفة الإمام» أنّ للولاية معنى واحداً لا أكثر، وهو رفع الحجاب بين شيئين بحيث لا يكون بينهما ما ليس منهما، وشرط هذا المعنى، القرب والسيطرة والإمامة والإمارة من الله، عند ما تتحقّق الولاية بين الله والعبد. وفهم الصحابة جميعهم هذا المعنى بلا استثناء، لأنّهم كانوا عرباً، ولهم علم بالمعنى الحقيقيّ للكلمة.
وفهم عمر، وأبو بكر هذا المعنى أيضاً، وعلى هذا الأساس سلّما على عليّ، وبايعاه، وهنّاه، ولكنّهما صدفا وعدلا عن الالتزام بهذا المعنى عمليّاً فيما بعد، وسلبا الإمامة الإلهيّة من أهل البيت وعليّ بن أبي طالب بمختلف الدسائس، واستأثرا بها لأنفسهما، فأصبحا غاصبين لهذا المقام.
يقول الشيعة: لقد خان الشيخان، وأخرجا الخلافة والإمامة من أهل بيت رسول الله على علمٍ منهما، وحينئذٍ كيف يمكن أن نستدلّ بفهمهما؟ وهل هذا الاستدلال إلّا المصادرة بالمطلوب؟ ولا أحد من أهل السنّة والعامّة يستطيع أن يتّخذ من فهم هذين الشخصين دليلًا، وذلك بسبب عملهما، إذ كان تجاوزاً وتعدّياً بكلّ صراحة.
وكشف الغزّالى في كتاب «سرّ العالمين» عن هذه الحقيقة، وقال بصراحة، استجاب عمر لحديث الولاية: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ. وقال مسلماً وراضياً بإمامة وولاية أمير المؤمنين عليه السلام: بَخٍّ بَخٍّ لَكَ يَا أبَا الحَسَنِ! لَقَدْ أصْبَحْتَ مَوْلَايَ ومَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ. فَهذا تسليم ورضى وتحكيم [بإمارة عليّ]، ثمّ بعد هذا غلب الهوى لحبّ الرئاسة، وحمل عمود الخلافة، وعقود البنود، وخفقان الهوى في قعقعة الرايات، واشتباك ازدحام الخيول، وفتح الأمصار سقاهم كأس الهوى فعادوا إلى الخلاف الأوّل فنبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمناً قليلًا فبئس ما يشترون.
وقال رسول الله قبل وفاته: إيتوني بدواة وبياض لأزيل عنكم إشكال الأمر، وأذكر لكم من المستحقّ لها بعدي.
قال عمر: دعوا الرجل فإنّه ليهجر! وقيل: يهذو لغلبة الوجع عليه![21] إن الشيعة قد حلّلوا ودرسوا أعمال الصحابة عملًا عملًا، ولا يقلّدون تقليداً أعمى فينظرون إليهم بمنظار العدالة والتقوى بوصفهم يحملون علامة السلف الصالح، وعنوان الصحابي، بل يمحّصون ويجرحون ويعدّلون من خلال مجاهر قويّة فيرفضون كلّ صحابي لا يوافق قوله عمله، كما ينبذون كلّ صحابي لا يعمل وفقاً للقرآن والسنّة النبويّة، وينظرون إلى كافّة الكتب، التي ألّفها العامّة في فضائل ومناقب الشيخين ومن دار في فلكهم وعمل لهم، نظرة شكّ وتردّد وإبهام، ولا يقرّون بها، ولا يمكنهم أن يقرّوا بها، إذ كيف يمكن أن يطمئنّوا إلى منقبة من مناقبهم، والتأريخ مشحون بالروايات الموضوعة في مناقب الشيخين ومعاوية وعثمان وأمثالهم. ولمّا كان كتّاب الصحاح والمسانيد وسائر الكتب من وُعَّاظ السلاطين، وقد أعدّوها كما يشتهي السلاطين، وتمليه مذاهبهم وعقائدهم، فهي ساقطة من درجة الاعتبار. وعند ما نذكر الروايات من كتب العامّة في فضائل أهل البيت ومثالب أعدائهم، فليس ذلك لأجل الحجّيّة، بل لأجل فنّ الجدال وإدانة الخصم وإفحامه بالمسلمات الثابتة التي يعترف بها. وحاصل القول: أنّ مدرسة التشيّع هي مدرسة الحقّ ودراسة الحقائق، وضرب الأباطيل والموهومات عرض الجدار.
ومن المناسب أن نذكر هنا قصّة تشيّع ذلك الفقيه السني الذي كان من «المستنصريّة على يد العالم الجليل والفقيه النبيل السيّد ابن طاووس رحمة الله عليه، لتستبين كيفيّة دخول الشيعة ومدرستهم في النقاش، ويُعْلَمَ أنّ العالمَ السني كلّه لا بدّ أن يعترف بالحقّ، ويعرض عن اتّباع الحكّام الغاصبين، ويستنير بمدرسة أهل البيت، إذ مَا وَرَاءَ عبَّادَان قَريَةٌ.[22]
يقول السيّد عليّ بن طاووس في الفصل الثامن والتسعين من كتاب «كشف المَحَجَّةِ لِثَمَرَةِ المُهْجَةِ»:
واعلم يا ولدي! أنِّي كنتُ في حضرة مولانا الكاظم والجواد عليهما السلام، فحضر فقيه من «المستنصريّة كان يتردّد عَلَيّ قبل ذلك اليوم. فلمّا رأيت وقت حضوره أنّه يحتمل معارضته له في مذهبه، قلت له: يا فلان! ما تقول لو أنّ فرساً لك ضاعت منك، وتوصّلت في ردّها إليك، أو فرساً لي ضاعت مني وتوصّلت في ردّها إليك، أما كان ذلك حسناً أو واجباً؟! فقال: بلى! فقلتُ له: قد ضاع الهدى إمّا مني وإمّا منك! والمصلحة أن ننصف من أنفسنا، وننظر ممّن ضاع الهدى فنردّه عليه! فقال: نعم.
فقلتُ له: لا أحتجّ بما ينقله أصحابي من الشيعة لأنّهم متّهمون عندك، ولا تحتجّ بما ينقله أصحابك [من العامّة] لأنّهم متّهمون عندي أو على عقيدتي، ولكن نحتجّ بالقرآن، أو بالمجمع عليه من أصحابي وأصحابك، أو بما رواه أصحابي لك وبما رواه أصحابك لي! فقال: هذا إنصاف!
فقلتُ له: ما تقول فيما رواه البخاريّ ومسلم في صحيحيهما؟! فقال: حقٌ بغير شكّ!
فقلتُ: فهل تعرف أنّ مسلما روى في صحيحه عن زيد بن أرقم أنّه قال ما معناه: إنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله خطبنا في خمّ، فقال صلّى الله عليه وآله: إنِّي بَشَرٌ يُوشَكُ أنْ ادْعَى فَاجِيبَ وإنِّي مُخْلِفٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وعِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، اذَكِّرُكُمُ اللهَ في أهْلِ بَيْتِي أُذَكرُكُمُ اللهَ في أهْلِ بَيْتِي! فقال: هذا صحيح!
فقلتُ له: وتعرف أنّ مسلما روى في صحيحه في مسند عائشة أنّها روت عن الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه لمّا نزلت الآية: {إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}.[23] جمع عليّاً وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام قال: هؤلاء أهل بيتي. فقال: نعم! هذا صحيح.
فقلت له: تعرف أنّ البخاريّ ومسلماً رويا في صحيحهما أنّ الأنصار اجتمعت في سقيفة بني ساعدة ليبايعوا سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، وأنّهم ما نفذوا إلى أبي بكر ولا عمر ولا إلى أحد من المهاجرين، حتّى جاء أبو بكر وعمر وأبو عبيدة لما بلغهم في اجتماعهم، فقال لهم أبو بكر: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين يعني عمر وأبا عبيدة! فقال عمر: ما أتقدّم عليك! فبايعه عمر وبايعه من بايعه من الأنصار، وأنّ عليّاً عليه السلام وبني هاشم امتنعوا من المبايعة ستّة أشهر.
وأنّ البخاريّ ومسلما قالا فيما جمعه الحميديّ من صحيحهما: وكان لعليّ عليه السلام وجه بين الناس في حياة فاطمة عليها السلام فلمّا ماتت فاطمة عليها السلام بعد ستّة أشهر من وفاة النبيّ صلّى الله عليه وآله انصرفت وجوه الناس عن عليّ عليه السلام. فلما رأى عليّ عليه السلام انصراف وجوه الناس عنه، خرج إلى مصالحة أبي بكر.
فقال هذا صحيح. فقلت له: ما تقول في بيعة تخلّف عنها أهل بيت رسول الله صلّى الله عليه وآله؟ الذين قال عنهم: «إنّهم الخلف من بعده وكتاب الله جلّ جلاله» وقال صلّى الله عليه وآله فيهم: «اذكّركم الله في أهل بيتي». وقال عنهم: «إنّهم الذين نزلت فيهم آية التطهير»، وإنّهم ما تأخّروا مدّة يسيرة حتّى يقال: إنّهم تأخّروا لبعض الاشتغال، وإنّما كان التأخّر للطعن في خلافة أبي بكر بغير إشكال في مدّة ستّة أشهر. ولو كان الإنسان تأخّر عن غضب، يُرَدُّ غضبه؛ أو عن شبهة، زالت شبهته بدون هذه المدّة.
وأنّه ما صالح أبا بكر على مقتضى حديث البخاريّ ومسلم إلّا لمّا ماتت فاطمة عليها السلام، ورأى انصراف وجوه الناس عنه، خرج عند ذلك إلى المصالحة.
وهذه الصورة حال تدلّ على أنّه ما بايع مختاراً.
وأنّ البخاريّ ومسلما رويا في هذا الحديث أنّه ما بايع أحد من بني هاشم حتّى بايع عليّ عليه السلام. فقال: ما اقدم على الطعن في شيءٍ قد عمله السلف والصحابة!
فقلتُ له: فهذا القرآن يشهد بأنّهم عملوا في حياة النبيّ صلّى الله عليه وآله وهو يُرجى ويُخاف، والوحي ينزل عليه بأسرارهم في حال الخوف وفي حال الأمن وحال الصحّة والإيثار عليه ما لا يقدروا أن يجحدوا الطعن عليهم به. وإذا جاز منهم مخالفته في حياته وهو يُرجى ويُخاف، فقد صاروا أقرب إلى مخالفته بعد وفاته وقد انقطع الرجاء والخوف منه وزال الوحي عنه.
فقال: في أي موضعٍ من القرآن؟ فقلتُ: قال الله جلّ جلاله في مخالفتهم في الخوف: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ}.[24]
روى أصحاب التواريخ أنّه لم يبق مع النبيّ إلّا ثمانية أنفس: عليّ عليه السلام، والعبّاس، والفضل بن العبّاس، وربيعة وأبو سفيان ابنا الحارث بن عبد المطّلب، واسامة بن زيد، وعبيدة بن امّ أيْمَن، ورُوِى: أيْمَن بن امّ أيمن. وقال الله في مخالفتهم له في الأمن: {وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ ومِنَ التِّجارَةِ واللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}.[25]
ذكر جماعة من المؤرّخين أنّ النبيّ كان يخطب يوم الجمعة، فبلغهم أنّ جمالًا جاءت لبعض الصحابة مزيَّنة، فسارعوا إلى مشاهدتها وتركوه قائماً، وما كان عند الجمال شيء يرجون الانتفاع به. فما ظنّك بهم إذا حصلت خلافة يرجون نفعها ورئاستها؟! وقال الله تعالى في سوء صحبتهم مع النبيّ: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ واسْتَغْفِرْ لَهُمْ وشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}.[26]
ولو كانوا معذورين في سوء صحبتهم، ما قال الله: «فاعف عنهم واستغفر لهم!» وقد عرفت في صحيحي مسلم والبخاريّ معارضتهم للنبيّ في غنيمة هوازن لمّا أعطى المؤلّفة قلوبهم[27] أكثر منهم.
ومعارضتهم له لمّا عفي عن أهل مكّة.
ومعارضتهم له قائلين: لما ذا تريد تغيير الكعبة؟ فلهذا ترك النبيّ تغيير الكعبة وإعادتها إلى ما كانت في زمن إبراهيم عليه السلام خوفاً من معارضتهم له.
وعارضوا النبيّ لما خطب في تنزيه صَفْوان بن المعَطِّل لمّا قذف عائشة، وأنّه ما قدر أن يتمّ الخطبة.
قلتُ: أتعرف هذا جميعه في صحيحي مسلم والبخاريّ؟! فقال: هذا صحيح!
فقلتُ: وقال الله في إيثارهم عليه القليل من الدنيا: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً}.[28] وقد عرفت أنّهم امتنعوا من مناجاته ومحادثته لأجل التصدّق برغيف وما دونه. حتّى تصدّق عليّ بن أبي طالب عليه السلام بعشرة دراهم عن عشر دفعات ناجاه فيها، ثمّ نسخت الآية بعد أن صارت عاراً عليهم وفضيحة إلى يوم القيامة بقوله: {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ}.[29] أي: هل خفتم من الفقر فلم تتصدّقوا قبل مناجاة النبيّ؟! والآن لم تتصدّقوا، وعفى الله عنكم، فأقيموا الصلاة... فإذا حضرت يوم القيامة بين يدي الله جلّ جلاله، وبين يدي رسوله صلّى الله عليه وآله، وقالا لك: كيف جاز لك أن تقلّد قوماً في عملهم وفعلهم وقد عرفت منهم مثل هذه الامور الهائلة؟ فأيّ عذر وأي حجّة تبقى لك عند الله، وعند رسوله في تقليدهم؟! فبهت فقيه «المستنصريّة وحار حيرة عظيمة.
فقلتُ له: أما تعرف في صحيحي البخاريّ ومسلم في مسند جابر بن سمرة وغيره أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله قال في عدّة أحاديث: لا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ عَزيزاً وَلَّاهُمُ هُمُ اثْنَا عَشَرَ خَليفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ. وفي بعض أحاديثه صلّى الله عليه وآله من الصحيحين: لَا يَزَالُ أمْرُ النَّاسِ مَاضِياً مَا وَلَّاهُمُ اثْنَا عَشَرَ خَليفةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ. وأمثال هذه الألفاظ كلها تضمّن هذا العدد الاثني عشر.
فهل تعرف في الإسلام فرقة تعتقد هذا العدد غير الإماميّة الاثني عشريّة؟! فإن كانت هذه الأحاديث صحيحة كما شرطت على نفسك في تصحيح ما نقله البخاريّ ومسلم، فهذه مصحّحة لعقيدة الإماميّة وشاهدة بصدق ما رواه سلفهم! وإن كانت كذباً، فلأيّ حال رويتموها في صحاحكم؟!
فقال: ما أصنع بما رواه البخاريّ ومسلم من تزكية أبي بكر، وعمر، وعثمان، وتزكية من تابعهم؟! فقلت له: أنت تعرف أنّني شرطت عليك أن لا تحتجّ عَلَيّ بما ينفرد به أصحابك! وأنت أعرف أنّ الإنسان، ولو كان من أعظم أهل العدالة وشهد لنفسه بدرهم وما دونه، ما قبلت شهادته؛ ولو شهد في الحال على أعظم أهل العدالة بمهما شهد من الامور ممّا يقبل فيه شهادة أمثاله، قبلت شهادته؟! والبخاريّ، ومسلم يعتقدان إمامة هؤلاء القوم، فشهادتهم لهم شهادة بعقيدة نفوسهم، ونصرة لرئاستهم ومنزلتهم.
فقال فقيه المستنصريّة: والله ما بيني وبين الحقّ عداوة، ما هذا إلّا واضح لا شبهة فيه، وأنا أتوب إلى الله تعالى بما كنتُ عليه من الاعتقاد.
فلما فرغ من شروط التوبة، وإذا رجل من ورائي قد أكبّ على يديّ يقبّلها ويبكي.
فقلتُ: من أنت؟! فقال: ما عليك من اسمي؟! فاجتهدت به حتّى قلت: فأنت الآن صديق! أو صاحب حقّ! فكيف يحسن لي أن لا أعرف صديقي وصاحب حقّ عَلَيّ لُاكافيه! فامتنع من تعريف اسمه.
فسألت الفقيه الذي من المستنصريّة: من هو هذا الرجل؟! فقال: هذا فلان بن فلان من فقهاء النظاميّة سهوت عن اسمه الآن.[30]
وقال المرحوم السيّد ابن طاووس رضوان الله عليه في «الإقبال» حول عيد الغدير: فَصْلٌ فيما نذكره من فضل الله جلّ جلاله بعيد الغدير على سائر الأعياد وما فيه من المنّة على العباد.
اعلم أنّ كلّ عيد جديد أطلق الله جلّ جلاله فيه شيئاً من الجود والإحسان إلى عبده السعيد، فإنّما يكون إطلاقه جلّ جلاله لذلك الإحسان لمن ظفر بمعرفة الله جلّ جلاله ومعرفة رسوله صلّى الله عليه وآله وإمام الزمان، وكان صحيح الإيمان، فإنّ النقل عن صاحب الشريعة النبويّة ورد متظاهراً أنّه مَنْ مَاتَ ولَمْ يَعْرِفْ إمام زَمَانِهِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً.
وهذا عيد يوم الغدير الثامن عشر من ذي الحجّة، فيه كشف الله ورسوله عن واضح المحجّة، ونصّ بها على من اختاره للإمامة والحجّة.
واعلم أنّ منّة الله وإحسانه بكشفه، والمحنة بلطفه تكاد أن تزيد على الامتحان بصاحب النبوّة العظيم الشأن.
لأنّ الرسول المبعوث صلوات الله وسلامه عليه بعث في أوّل أمره بمكّة إلى قوم يعبدون أحجاراً وأخشاباً لا تدفع، ولا تنفع، ولا تسمع خطاباً، ولا تردّ جواباً. قد شهدت عقول أهل الوجود بجهل من اتّخذها آلهة من دون الله المعبود.
هذا من جهة، ومن جهة اخرى لم يكن بين أهل مكّة وبين رسول الله صلّى الله عليه وآله عداوة قبل رسالته، ولا بينهم وبينه قتل، ولآدم قد سفكه، تمنع طبعاً وعقلًا من قبول نبوّته.
وأمّا مَوْلَانَا أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عليه أفضل السلام الذي نصّ الله جلّ جلاله عليه على لسان رسوله في يوم الغدير، فإنّ أهل الإسلام كانوا قد اتّسعت عليهم شبهات العقول والأحلام وتأويل ما يقدرون فيه على التأويل.
وكان أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عليه السلام قد عادى كثيراً من الناس في الله جلّ جلاله، وفي طاعة الرسول الجليل، فسفك دماء عظيمة من أسلافهم وعظمائهم، وأمثالهم. وسار مع رسول الله صلّى الله عليه وآله سيرة واحدة في معاداة من عاده من أوّل أمره إلى آخره من غير مراعاة لحفظ قلوب من كان عاداه من رجالهم. وظهرت له من الكرامات والعنايات ما اقتضت حسد أهل المقامات، فحصل لإمامته من المعاداة والحسد له على الحياة، ونفور الطباع أنّه ما سار إلّا سيرة رسول الله من غير وهن ولا مداهنة على ما كان عند بعثة النبيّ عليه أفضل الصلوات، فبلغ الأمر إلى ما قدّمناه قبل هذا الفصل من العداوات. ثمّ قال: فَصْلٌ ولقد حكى أبو هلال العسكريّ في كتاب «الأوائل» وهو من المخالفين المعاندين كلاماً جليلًا في سبب عداوة الناس لمولانا عليّ بن أبي طالب عليه السلام.
[1] الآية 10، من السورة 48: الفتح.
[2] الآية 7، من السورة 39: الزمر.
[3] «الغدير» ج 1، ص 270 إلى 272.
[4] «الغدير» 272: 1 إلى 283.
[5] «فرائد السمطين» ج 1، الباب 12، ص 77.
[6] «مناقب الخوارزميّ» ص 94، الطبعة الحديثة.
[7] «مسند أحمد بن حنبل» ج 4، ص 281.
[8] قال الخطيب في «تاريخ بغداد» بعد ذكر هذا الحديث الذي ورد فيه ثواب صيام ستّين شهراً لمن صام في يوم عيد الغدير: اشتهر هذا الحديث من رواية حبشون، وقيل: إنّه تفرّد به. وقد تابعه عليه أحمد بن عبد الله بن النيّريّ. وقال الخطيب بعد نقل هذا الحديث الذي ذكره في ترجمة حَبْشون في باب الحاء: حبشون ثقة صدوق. وكان ساكناً في باب البصرة من بغداد وقال أيضاً: أنبأنا الأزهريّ أنّ علىّ بن عمر الحافظ قال له: حَبشُون بن موسى بن أيّوب، صدوق. وروى ابن كثير الدمشقيّ هذا الحديث عن حَبْشون في «البداية والنِّهاية» ج 5، ص 214 وقال: ورواه حبشون، وأحمد بن عبد الله بن أحمد النيّريّ، وهما صدوقان عن علىّ بن سعيد الرملي، عن ضمرة.
[9] «تاريخ بغداد»، ج 8، ص 290. وكانت وفاة الخطيب البغداديّ في سنة 463 ه.
[10] «تاريخ دمشق» ج 2، ص 47، الحديث رقم 546.
[11] «تاريخ دمشق» ج 2، ص 48، الحديث رقم 547.
[12] «تاريخ دمشق» ج 2، ص 76، الحديث رقم 576.
[13] «تاريخ دمشق» ج 2، ص 77، الحديث رقم 577.
[14] الآية 11، من السورة 47: محمّد.
[15] «تاريخ دمشق» ج 2، ص 87، الحديث رقم 588.
[16] «شواهد التنزيل» ج 1، ص 156، الحديث رقم 210.
[17] «شواهد التنزيل» ج 1، ص 158، الحديث رقم 213.
[18] «تفسير الفخر الرازيّ» ج 3، ص 636، طبعة دار الطباعة العامرة، في هامش «تفسير أبي السعود».
[19] «المِلَل والنِّحَل» المطبوع في حاشية «الفِصَل» ص 220 و221. الجزء الأوّل.
[20] «الصواعق المحرقة» ص 26.
[21] «سرّ العالمين» ص 21، طبعة النجف، مطبعة النعمان، سنة 1385. وقد أثبتنا في ج 8، من كتابنا هذا «معرفة الإمام» الدرس 118 إلى 120 في ص 248 و249 أنّ الكتاب المذكور للغزالى. وعلى هذا لا يُلْتَفَت إلى تشكيك العالم المحترم السيّد جعفر مرتضى العاملي في نسبة هذا الكتاب إلى الغزّالى في مجلّة «تراثنا»، العدد 2، السنة الاولى، خريف 1406 ه، ص 97 و98 لأنّ عدم اجتماع الغزّالى والمعرّيّ في الحياة دليل على تصرّف في هذا الخصوص لا في أصل الكتاب وجميع أبوابه. ولعلّ أبا حامد كتب في النسخة: ابن حامد سهواً، والكتب التي ذكرها، نسبهما الغزّالى إليه في ذلك الكتاب، بينما هي ليست له. وما لم يثبت انتساب هذه الكتب نفسها بما تحويه من مطالب وموضوعات إلى مصنّف آخر، فليس لنا أن لا نعتبرها للغزّالى، إذ من الممكن أن تكون من الكتب التي صنّفها، وفقدت بعد وفاته، وكم لها من نظير.
[22] مثل مشهور عند العرب. كناية عن فصل الخطاب هنا، ولا مفرّ من ذلك.
[23] الآية 33، من السورة 33: الأحزاب.
[24] الآية 25، من السورة 9: التوبة.
[25] الآية 11، من السورة 62: الجمعة.
[26] الآية 159، من السورة 3: آل عمران.
[27] المؤلّفة قلوبهم جماعة من الكفّار شرّع لهم القرآن الكريم حصّة من الزكاة لكي يكفّوا عن الحرب ومعارضة المسلمين أو من أجل تاليف قلوبهم وتليينها لقبول الإسلام، فيسلموا في آخر المطاف.
[28] الآية 12، من السورة 58: المجادلة.
[29] الآية 13، من السورة 58: المجادلة.
[30] «كشف المحجّة»، الفصل 98، ص 107 إلى 115، الطبعة الحجريّة.
الاكثر قراءة في مقالات قرآنية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)