

تأملات قرآنية

مصطلحات قرآنية

هل تعلم


علوم القرآن

أسباب النزول


التفسير والمفسرون


التفسير

مفهوم التفسير

التفسير الموضوعي

التأويل


مناهج التفسير

منهج تفسير القرآن بالقرآن

منهج التفسير الفقهي

منهج التفسير الأثري أو الروائي

منهج التفسير الإجتهادي

منهج التفسير الأدبي

منهج التفسير اللغوي

منهج التفسير العرفاني

منهج التفسير بالرأي

منهج التفسير العلمي

مواضيع عامة في المناهج


التفاسير وتراجم مفسريها

التفاسير

تراجم المفسرين


القراء والقراءات

القرآء

رأي المفسرين في القراءات

تحليل النص القرآني

أحكام التلاوة


تاريخ القرآن

جمع وتدوين القرآن

التحريف ونفيه عن القرآن

نزول القرآن

الناسخ والمنسوخ

المحكم والمتشابه

المكي والمدني

الأمثال في القرآن

فضائل السور

مواضيع عامة في علوم القرآن

فضائل اهل البيت القرآنية

الشفاء في القرآن

رسم وحركات القرآن

القسم في القرآن

اشباه ونظائر

آداب قراءة القرآن


الإعجاز القرآني

الوحي القرآني

الصرفة وموضوعاتها

الإعجاز الغيبي

الإعجاز العلمي والطبيعي

الإعجاز البلاغي والبياني

الإعجاز العددي

مواضيع إعجازية عامة


قصص قرآنية


قصص الأنبياء

قصة النبي ابراهيم وقومه

قصة النبي إدريس وقومه

قصة النبي اسماعيل

قصة النبي ذو الكفل

قصة النبي لوط وقومه

قصة النبي موسى وهارون وقومهم

قصة النبي داوود وقومه

قصة النبي زكريا وابنه يحيى

قصة النبي شعيب وقومه

قصة النبي سليمان وقومه

قصة النبي صالح وقومه

قصة النبي نوح وقومه

قصة النبي هود وقومه

قصة النبي إسحاق ويعقوب ويوسف

قصة النبي يونس وقومه

قصة النبي إلياس واليسع

قصة ذي القرنين وقصص أخرى

قصة نبي الله آدم

قصة نبي الله عيسى وقومه

قصة النبي أيوب وقومه

قصة النبي محمد صلى الله عليه وآله


سيرة النبي والائمة

سيرة الإمام المهدي ـ عليه السلام

سيرة الامام علي ـ عليه السلام

سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله

مواضيع عامة في سيرة النبي والأئمة


حضارات

مقالات عامة من التاريخ الإسلامي

العصر الجاهلي قبل الإسلام

اليهود

مواضيع عامة في القصص القرآنية


العقائد في القرآن


أصول

التوحيد

النبوة

العدل

الامامة

المعاد

سؤال وجواب

شبهات وردود

فرق واديان ومذاهب

الشفاعة والتوسل

مقالات عقائدية عامة

قضايا أخلاقية في القرآن الكريم

قضايا إجتماعية في القرآن الكريم

مقالات قرآنية


التفسير الجامع


حرف الألف

سورة آل عمران

سورة الأنعام

سورة الأعراف

سورة الأنفال

سورة إبراهيم

سورة الإسراء

سورة الأنبياء

سورة الأحزاب

سورة الأحقاف

سورة الإنسان

سورة الانفطار

سورة الإنشقاق

سورة الأعلى

سورة الإخلاص


حرف الباء

سورة البقرة

سورة البروج

سورة البلد

سورة البينة


حرف التاء

سورة التوبة

سورة التغابن

سورة التحريم

سورة التكوير

سورة التين

سورة التكاثر


حرف الجيم

سورة الجاثية

سورة الجمعة

سورة الجن


حرف الحاء

سورة الحجر

سورة الحج

سورة الحديد

سورة الحشر

سورة الحاقة

الحجرات


حرف الدال

سورة الدخان


حرف الذال

سورة الذاريات


حرف الراء

سورة الرعد

سورة الروم

سورة الرحمن


حرف الزاي

سورة الزمر

سورة الزخرف

سورة الزلزلة


حرف السين

سورة السجدة

سورة سبأ


حرف الشين

سورة الشعراء

سورة الشورى

سورة الشمس

سورة الشرح


حرف الصاد

سورة الصافات

سورة ص

سورة الصف


حرف الضاد

سورة الضحى


حرف الطاء

سورة طه

سورة الطور

سورة الطلاق

سورة الطارق


حرف العين

سورة العنكبوت

سورة عبس

سورة العلق

سورة العاديات

سورة العصر


حرف الغين

سورة غافر

سورة الغاشية


حرف الفاء

سورة الفاتحة

سورة الفرقان

سورة فاطر

سورة فصلت

سورة الفتح

سورة الفجر

سورة الفيل

سورة الفلق


حرف القاف

سورة القصص

سورة ق

سورة القمر

سورة القلم

سورة القيامة

سورة القدر

سورة القارعة

سورة قريش


حرف الكاف

سورة الكهف

سورة الكوثر

سورة الكافرون


حرف اللام

سورة لقمان

سورة الليل


حرف الميم

سورة المائدة

سورة مريم

سورة المؤمنين

سورة محمد

سورة المجادلة

سورة الممتحنة

سورة المنافقين

سورة المُلك

سورة المعارج

سورة المزمل

سورة المدثر

سورة المرسلات

سورة المطففين

سورة الماعون

سورة المسد


حرف النون

سورة النساء

سورة النحل

سورة النور

سورة النمل

سورة النجم

سورة نوح

سورة النبأ

سورة النازعات

سورة النصر

سورة الناس


حرف الهاء

سورة هود

سورة الهمزة


حرف الواو

سورة الواقعة


حرف الياء

سورة يونس

سورة يوسف

سورة يس


آيات الأحكام

العبادات

المعاملات
ابن تيميّة يسجّل عدد من الإشكالات على حديث الغدير
المؤلف:
السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ
المصدر:
معرفة الإمام
الجزء والصفحة:
ج9، ص131-161
2026-02-10
15
الأشكال الأوّل: أنّ أصل هذه النسبة كذب وافتراء، وأنّ إجماع العلماء على أنّ الآية نزلت في شأن عليّ بن أبي طالب كذب أكبر وافتراء أعظم، لأنّه لم يرو هذا الحديث أحد من العلماء الذين يفهمون ما ذا يقولون.
الجواب: إنّ نسبة الكذب إلى هذا الحديث كذب محض وافتراء، وقوله إنّ أحداً من العلماء الذين يفهمون ما يقولون لم يروه، كذب أكبر وافتراء أعظم.
هل أمثال أبي عُبيدة الهرويّ، والثعلبيّ، وأبي بكر النقّاش، وسفيان بن عُيينة، والقزويني، والقرطبيّ، والحاكم الحسكاني، والسَّمْهُودِيّ، وابن الصبّاغ المالكيّ، حتّى يصل النصاب إلى ثلاثين شخصاً من كبار العامّة وأعلامهم الذين نقلوا هذا الحديث في كتب التفسير والحديث والتأريخ التي ألّفوها، كانوا على درجة من الغباء بحيث لم يفهموا ما يقولون؟ وهل كان نقلهم هذا الحديث في كتبهم من باب نقل الهذيان والهذر؟! أو من باب نقل الروايات والقصص والأساطير؟! وعند ما يعترف ابن تيميّة نفسه بهؤلاء الأعلام أرباباً للعلم والحديث، فإنّ نسبة الجهل وعدم الفهم إليهم تعني نسبتهما إليه ذاته. وأنّه اعتراف بالحسد، والحقد، والبغض.
الإشكال الثاني: جاء في الأثر أنّ هذا الحديث لما شاع وانتشر في الآفاق، ركب الحَرْث بن النعمان ناقته، وجاء إلى الأبطح، وبينما كان رسول الله في الأبطح، نزل وجاء إليه وقال له ما قال. علما أنّ الأبطح كان في مكّة وليس في المدينة. وأنّ رسول الله لم يرجع إلى مكّة بعد واقعة الغدير التي كانت في اليوم الثامن عشر من شهر ذي الحجّة بإجماع الشيعة والسنّة، إلى أن وافاه الأجل بعد شهري محرّم وصفر.
الجواب: هذا المسكين كان جاهلًا أو متجاهلًا أنّ الأبطح ليس عَلماً لموضع خاصّ في مكّة، بل إنّ الأبطح والبطحاء اسم جنس لكلّ مكان واسع تجمّع فيه دقاق الحصى بواسطة السيل أو هبوب الرياح، وأرضه غير صالحة للزراعة لعدم وجود التراب فيها. ومثل هذه الأرض موجود في مكّة، والمدينة، والعراق، وفي كثير من النقاط الاخرى التي تنشر الرياح دقاق الرمل والحصى في أرضها، أو أنّ تلك الرمال تترسّب فيها بعد مَغاض الماء الذي استوعب الوادي كلّه، فتصبح أرضاً رمليّة على درجة عالية من الرخاوة.
قال في «تاج العروس»: والبَّطِح على وزن كَتِف رمل في بطحاء. وذكر الجوهريّ وغيره أنّ (البَطيحة، والبَطْحَاء، والأبْطَح) مسيل واسع فيه دقاق الحصى. ومن الأباطح أبطح مكّة الوارد في الحديث أنّ رسول الله صلّى بالأبطح. يعني أبطح مكّة، وهو مسيل واديها. وعن أبي حنيفة: الأبطح لا ينبت شيئاً، إنّما هو بطن المسيل. وعن النَّضْر: البطحاء بطن التلعة والوادي، وهو التراب السهل في بطونها ممّا قد جرّته السيول. ويقال: أتينا أبطح الوادي فنمنا عليه، أو أتينا بطحاء الوادي فنمنا عليها. أي: على ترابها وحصاها السهل الليّن.
إلى أن قال: وبطحاء مكّة وأبطحها معروفة لانبطاحها. وأرض منى من الأبطح. وقريش البطاح الذين ينزلون أباطح مكّة وبطحاءها. وقريش الظواهر الذين ينزلون ما حول مكّة.
وفي «تهذيب اللغة» عن ابن الأعرابي قريش البطاح هم الذين ينزلون الشِّعْب بين أخشبي مكّة. وقريش الظواهر الذين ينزلون خارج الشعب. وأكرمهما قريش البطاح. وأخشبا مكّة جبلاها أبو قبيس والذي يقابله.
وجاء في عبارة أرباب الأنساب: قريش الأباطح وقريش البطاح، صبابة قريش وصميمها الذين اختطّوا بطحاء مكّة ونزلوها. ويقابلهم قريش الظواهر الذين لم تسعهم الأباطح، فنزلوا في خارجها مضطرّين.[1]
وقال في «لسان العرب»: البطحاء مسيل فيه دُقاق الحصى. وقال ابن سيدة: بطحاء الوادي تراب ليّن ممّا جرّته السيول. والجمع: بطحاوات وبِطاح. ويقال: بِطَاح وبُطَّح، كما يقال: أعوام عُوَّم. فإنِ اتّسع وعَرُضَ فهو الأبطح، والجمع الأبَاطِح.
وفي حديث عمر: إنّه أوّلُ مَن بَطَّحَ المسجد. والمراد من الوادي المبارك وادي العقيق الذي نام فيه رسول الله.
وقال ابن شُمَيِّل: بطحاء الوادي وأبطحه حصاه السهل اللين في بطن المسيل.
وبعد أن نقل كثيراً ممّا نقلناه عن «تاج العروس»، قال: والبطيحة ما بين واسط. والبصرة، وهو ماء مستنقِع لا يرى طرفاه من سعته. وهو مَغيض ماء دجلة والفرات. وكذلك مغايض ما بين البصرة والأهواز. والطَّفّ ساحل البطيحة، وهي البطائح.[2]
وقال في «المصباح المنير»: والبطيحة والأبطح كلّ مكان مُتَّسِع، والأبطح بمكّة هو المحصّب.[3]
وقال في «صحاح اللغة»: بطحه، أي: ألقاه على وجهه فانبطح. والأبطح مسيل واسع فيه دقاق الرمل والحصى، وجمعه: أباطح وبِطاح.[4]
وقال في «النهاية»: وجاء في حديث عمر: إنّه أوّل من بطّح المسجد، إلى أن قال: وجاء في حديث الصداق: لو كنتم تعرفون مِن بطحان ما زدتم. وبطحان بفتح الباء اسم وادي المدينة. والبطحانيّون منسوبون إليه، وأكثرهم يضمّون الباء، ولعله الأصحّ.[5]
وقال في «أقرب الموارد»: بَطَّح المسجد: ألقي الحصى فيه ووثّره. وفي الحديث: فَأهَابَ بالنَّاسَ إلى بَطْحِهِ. أي: تسويته. وتَبَطَّحَ السَّيْلُ: اتّسع في البطحاء، وسال سيلًا عريضاً. والبطيحة مسيل واسع فيه دقاق الحصى. وجمعها بطائح. والبطيحة والبطائح أيضاً مغيض ماء دجلة والفرات، والبطحاء في معنى البطيحة، والجمع بِطاح وبطحاوات. والأبطح مثل البطيحة والبطحاء، وجمع أباطح.[6]
وقال في «معجم البلدان»: البطحاء في اللغة المسيل الواسع فيه دقاق الحصى. وجمعها: أباطح. إلى أن قال: قال أبو الحسن محمّد بن عليّ بن نصر الكاتب: سمعتُ عوّادة تغني في أبيات طريح بن إسماعيل الثقفي في الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وكان من أخواله: أي: أنتَ من البطحاء المعروفة والمشهورة! ولست من أهل الأرض المنخفضة والمناطق الاخرى فيخفى نَسَبُك، ويستتر جذرك وأصالتك.
قال بعض الحاضرين: ليس المراد بالبطاح في هذا البيت غير بطحاء مكّة، فما معنى هذا الجمع؟ فثار علويّ بطحاويّ كان حاضراً وقال: المراد من البطحاء الاخرى بطحاء المدينة، وهي أجلّ من بطحاء مكّة، وجدّي منها. وأنشد لها قائلًا: فقال بعض الحاضرين: فهذان بطحاوان، فما معنى الجمع؟!
قلنا: العرب تتوسّع في كلامها وشعرها فتجعل الاثنين جمعاً. وقد قال بعض الناس: إنّ أقلّ الجمع اثنان، لا ثلاث.
إلى أن قال: هذا كلّه تعسّف. وإذا صحّ بإجماع أهل اللغة أنّ البطحاء الأرض ذات الحصى. فكلّ قطعة من تلك الأرض بطحاء. وقد سمّيت قريش البطاح وقريش الظواهر في صدر الجاهليّة، ولم يكن بالمدينة منهم أحد.[7]
وقال في «مراصد الاطّلاع»: أصل البطحاء المسيل الواسع فيه دقاق الحصى. وقول عمر: ابْطَحُوا المسجد! وهو موضع بعينه قريب من ذي قَار. وبطحاء مكّة ممدود. وبطحاء ذي الحُلَيْفَة، وبطحاء ابنِ أزْهَر قريب من المدينة وفيه مسجد لرسول الله صلّى الله عليه وآله.
وبطحاء أيضاً مدينة بالمغرب قرب تلمسان، بينهما ثلاثة أيّام أو أربعة.[8] وقال في كتاب «البلدان»: من واسط إلى البصرة في البطائح، لانَّه تجتمع فيها عدّة مياه، ثمّ يصير من البطائح في دجلة في الأقسام التي لا ينبت فيها شيء، ثمّ يصير إلى البصرة، فيرسي في شطّ نهر ابن عمر.[9]
ومضافاً إلى إجماع أهل اللغة على أنّ الأبطح ليس عَلَمَاً خاصّاً لمكّة، بل هو اسم جنس، ويطلق أيضاً على أبطح المدينة وهو ذو الحُلَيْفَة، فإنّ شواهد كثيرة وردت في أشعار بلغاء العرب وفصحائهم، وكذلك في عبارات الأحاديث، وهي تدلّ على هذا المعنى. منها بيتان منسوبان إلى أمير المؤمنين عليه السلام يخاطب فيهما الوَليد بن المُغيرة: وقال المَيْبُدِيّ في شرح هذين البيتين: المراد من الأبْطَحين في كلام الإمام: أبطح مكَّة، وأبطح المَدِينَة.[10]
وروى البخاريّ، ومُسْلم عن عبد الله بن عمر أنّه قال: إنّ رَسُولَ اللهِ أنَاخَ بِالبَطْحَاء بِذي الحُلَيْفَةِ فَصَلَّى بِهَا.[11]
وجاء في حديث الغدير أيضاً عن طريق حُذَيفة بن اسَيد، وعامر بن ليلى أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله لما رجع من حجّة الوَدَاع ولم يحجّ غيرها من المدينة جاء وبلغ الجُحْفَة، ونهى في البطحاء أن تتقارب المنازل تحت تلك الأشجار، ثمّ خطب هناك.[12]
وقال السيّد الحميريّ في قصيدته العينيّة التي أنشدها في وصف كوثر أمير المؤمنين يوم القيامة: وقال ابن صيفي شهاب الدين الشاعر المعروف بحَيْص وبَيْص في مرثيّته التي أنشدها في أهل البيت عليهم السلام على لسانهم إذ يخاطبون أعداءَهم وقاتِلهم: ومعلوم أنّ سيّد الشهداء عليه السلام قد قتل في كربلاء. والمراد من الأبطح هنا أبطح العراق والأراضي الرمليّة الممتدّة من الكوفة إلى البصرة.
وإذا قال أحد: إنّ الحسين بن على بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب قتل بمكّة.
نجيب قائلين: هو لم يقتل في أبطح مكّة لأنّ أبطحها يقع في شرقها، ويقال له وادي المُحَصَّب، وهو قريب من مِنى. وإنّما قُتل الشخص المذكور مع جميع اسرته ومرافقيه في وادي فَخّ. قتلهم الهاديّ العبّاسيّ (حفيد المنصور الدوانيقيّ). فلهذا يقال له: شهيد فخّ.
ووادي فخّ التنعيم ومكّة، على فرسخ من شمال مكّة.
كما سمّي سيّد الشهداء الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب: شهيد الطَّفِّ.
ولو تغاضينا عن ذلك كلّه، فإنّ لفظ الأبطح لم يرد فيما ذكره الحَلَبيّ في سيرته، والشيخ محمّد صدر العالم في «معارج العلى»، وسبط بن الجوزيّ في تذكرته، بل قال هؤلاء: جاء سائل عند رسول الله في المسجد. والمراد من المسجد مسجد المدينة. ونصّ الحلبيّ على أنّه كان في المدينة. وعلى هذا إنَّ الإشْكَالَ يَرْتَفِعُ بِحَذَافيرِهِ.
الإشكال الثالث: أنّ سورة المعارج:{سَأَلَ سائِلٌ بعذاب واقع} من السور المكية. نزلت في مكّة قبل الهجرة باتّفاق أهل العلم. إذاً نزلت قبل واقعة غدير خمَّ بعشر سنين، أو أكثر. فكيف يمكن أن تكون قد نزلت بعد الواقعة؟!
الجواب من عدّة جهات: الاولى: لو كانت آيات هذه السورة كلها مكّيّة باتّفاق جميع العلماء، فينبغي أن نحمل الرواية على تكرار النزول، أو نقول: إنّ جبرائيل، أو الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله نفسه قد تلا ذلك مراراً بمناسبة الواقعة.
والآيات التي نزلت على النبيّ الأكرم مرّتين كثيرة. وقد تكرّر نزولها لسبب من الأسباب المهمّة كالتذكير والموعظة، والاهتمام بمفاد الآية وموقعها، أو أنّ الموقف تطلّب نزولها في حالتين.
واتّفق علماء الشيعة والسنّة تقريباً على أنّ سورة فَاتِحَة الكِتَاب قد نزلت مرّتَين، الاولى في مكّة عند ما فرضت الصلاة. والاخرى في المدينة حينما تحوّلت القبلة من بيت المقدس إلى البيت الحرام. ولذلك سمّيت: سورة المَثَاني.[13] مثلها في ذلك مثل البسملة:{بسم الله الرحمن الرحيم} الواردة في بداية كلّ سورة، وهي جزء من كلّ سورة بإجماع الامّة. وكذلك مثل آيات اخرى كبداية سورة الروم،[14] وآية الاستغفار: {ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ}.[15] والآية: {أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ}،[16] والآية: {أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ}،[17] وغيرها من الآيات التي نصّ علماء الخاصّة والعامّة في تفاسيرها على تكرّر نزولها، وخصّص السيوطيّ الباب الحادي عشر من «الإتقان» للآيات المتكرّرة.
الثانية: يرجع اتّفاق العلماء جميعهم إلى أنّه جاء في بعض الروايات عن ابن عبّاس، وعَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَير أنّ سورة المعارج المكّيّة. وهذه الروايات من خبر الواحد، والاتّفاق المستند إلى خبر الواحد في حكم اعتبار خبر الواحد. وهذه الرواية المنقولة عن الثعلبيّ، عن سُفيان بن عُيَيْنَة في شأن نزول الآية: سأل سائل، في واقعة الغدير، وغيرهما ممّا نقل عن غير الثعلبيّ، وسفيان، هي من أخبار الآحاد أيضاً، وحينئذٍ بأيّ مُرَجِّحٍ يمكن أن نقول: إنّ تلك الروايات مرجَّحه على هذه الروايات؟!
الثالثة: لو سلمنا أنّ سورة المعارج مكّيّة، فبأيّ دليل نعتبر آياتها الاولى مكّيّة؟! إذ ما أكثر الآيات التي نزلت في المدينة، وأمر رسول الله بوضعها في السور المكّيّة، وما أكثر الآيات التي نزلت في مكّة، ووضعوها في السور المدنيّة.
هذه كلها كانت بتعيين رسول الله، بل عيّن رسول الله مكان تلك الآيات أيضاً. مثلًا يكون بين الآية الفلانيّة والآية الفلانيّة الاخرى.
قال السيوطيّ في الفصل الأوّل من «الإتقان»: قال البيهقيّ في «دلائل النبوّة»: في بعض السور التي نزلت بمكّة آيات نزلت بالمدينة، فالحقت بها. وكذا قال ابن الحصّار: وكلّ نوع من المكّيّ والمدنيّ منه آيات مستثناة (نزلت في غير محلّ نزولها، أي: المكّيّة في المدينة، والمدنيّة في المكّة).
ثمّ قال: إلّا أنّ من الناس من اعتمد في الاستثناء على الاجتهاد دون النقل. وقال ابن حجر العَسْقلانيّ في «شرح صحيح البخاريّ»: قد اعتنى بعض أئمّة أهل العلم ببيان ما نزل من الآيات بالمدينة في السور المكّيّة. وأمّا عكس ذلك، وهو نزول شيء من سورةٍ بمكّة، تأخّر نزول تلك السورة إلى المدينة، فلم أره إلّا نادراً.
وقال السيوطيّ بعد هذا النقل: وها أنا أذكر ما وقفت على استثنائه من النوعين. أي: بيان الآيات المدنيّة في السور المكّيّة، والآيات المكّيّة في السور المدنيّة، مستوعباً ما رأيته من ذلك.[18]
فعلى هذا نقول: إذا كانت سورة المعارج المكّيّة، فإنّ آياتها الاولى مدنيّة.
وإذا قال أحد: إنّ القدر المتيقّن من أنّ السورة مكّيّة أو مدنيّة هو فيما إذا بدايتها مكّيّة أو مدنيّة. أو إنّ الآية المأخوذ منها اسم السورة مكّيّة أو مدنيّة.
والجواب هو أنّ هذا الترتيب الذي عليه القرآن فعلًا هو على أساس التوقيف، لا على أساس نزول الآيات. ولا يستبعد أن تكون هذه الآيات قد نزلت أخيراً، ثمّ الحقت بالآيات النازلة قبلها على أساس التوقيف، واخذ اسم السورة منها أيضاً، وإن كنّا نجهل المصلحة والحكمة من هذا التوقيف، كما نجهل أكثر موارد الترتيب في القرآن الكريم.
الإشكال الرابع: الآية الشريفة: {وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ} في سورة الأنفال. واتّفق المفسّرون على أنّها نزلت بعد معركة بدر، وقبل واقعة الغدير بسنين، وأجمع المفسّرون على أنّها نزلت قبل الهجرة بسبب كلام المشركين كأبي جهل وأمثاله مع النبيّ صلّى الله عليه وآله. وأراد الله منها أن يذكّر رسوله بكلامهم السابق. أي: اذكر كلامهم إذ قالوا: كَيْتَ وكَيْتَ كقوله تعالى: {وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ}،[19] وقوله تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ}.[20]
ويستفاد من هذا التذكير أنّ زمان كلام المشركين سبق نزول هذه الآية: وإِذْ قالُوا اللَّهُمَ.
الجواب: لقد ظنّ ابن تيميّة المسكين[21] أو تظنّن أنّ هذه الروايات تبيّن أنّ الحارِثَ بن النُّعْمَان أو جَابر بن النَّضْر بن الحارث قد دعا بهذا الدعاء وطلب نزول الحجر من السماء أو العذاب الأليم، فنزلت الآية: {وَ إِذْ قالُوا اللَّهُمَ} في ذلك اليوم. ونحن لا نجد هذا المطلب في أي رواية من هذه الروايات.
هَبْ أنّ هذه الآيات كانت قد نزلت بعد معركة بدر، وأنّها تتعلّق بالمشركين قبل الهجرة، فما هو الإشكال أن يكون هذا الرجل المنكر للولاية الذي جاء ذلك اليوم عند رسول الله قد صبها في قالب الدعاء، وهو نفسه أراد من الله عين تلك العبارات والآية النازلة؟
وهل كان الدعاء وفقاً للآية النازلة، أو وفقاً للدعاء الوارد في القرآن الكريم، ذو محظور طبيعيّ من حيث تكوينه وإمكان التنطّق به؟ وعلى هذا، فإنّ ذلك الرجل المنكر الولاية قد أظهر كفره بهذه الكلمات، كما أظهر المشركون في مكّة كلمات الإلحاد والكفر قبل الهجرة.
وبقطع النظر عن ذلك كلّه، فما هو الإشكال من أن تكون هذه الآية الموجودة في سورة الأنفال، النازلة في الأيّام الأخيرة من عمر النبيّ، قد وضعت عند تأليف القرآن في زمرة الآيات النازلة قبل ذلك بعدّة سنين، قبل سورة المائدة[22]. كما في آيات الربا،[23] والآية {وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ}.[24] وهي آخر الآيات التي نزلت على النبيّ، قد جعلت في سورة البقرة. وسورة البقرة نزلت في أوائل الهجرة، وبينها وبين الفترة الأخيرة من عمر النبيّ عدّة سنين.
ولو تغاضينا عن هذا أيضاً، فإنّ قوله: {وَ إِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ} الذي هو تذكير وحكاية لكلام المشركين قبل الهجرة، كلام بلا دليل، وبيان بلا حجّة، إن لم يقم الدليل والحجّة على خلافه. ذلك أنّ الشخص العارف باسلوب الكلام لا يرتاب أنّ هذا القول: {اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ.} ليس كلام مشرك وثني يهزأ بالله ويضحك على الحقّ. لانّه يقول: {اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ}، وهذا الكلام الذي ذكر فيه اسم الإشارة ثمّ أكّده بالضمير المنفصل، وبعد ذلك نطق بكلمة الحقّ محلّاة بالألف واللام، ثمّ جاء بضمير الخطاب (من عندك)، ليس كلام إنسان مشرك أبداً، بل هو كلام من أذعن بمقام الربوبيّة، بَيدَ أنّه توقّف وشكَّ في كلام من ذكر مطلباً، وقال: إنّه حقّ فحسب، ومنسوب إلى الله وكفى، ولم يستطع أن يتحمّله، وتبرّأ منه، ودعا على نفسه بالموت والثبور، وسئم من الحياة ويفرّ منها.
الإشكال الخامس: لما طلب كفّار قريش العذاب من الله من خلال ما جاء على لسانهم: {وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ}.
قال الله في الآية التي تلتها مباشرةً: {وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وأَنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}.[25]
ويتّفق الجميع على أنّ أهل مكّة لما طلبوا العذاب، لم ينزل عليهم، ولم تُمْطَر عليهم حجارة من السماء. ولو كانت من آية أو عذاب نازل في قضيّة الحرث بن النعمان الفهريّ، فإنّها كآية أصحاب الفيل إذ إنّ البواعث على نقلها كثيرة. فلما ذا لم تنقلها جميع كتب السير والتفسير والتأريخ، ولم تشتهر وتعرف كآية أصحاب الفيل؟
الجواب: حسناً؛ كان عليه أن يذكر الآية التي تليها أيضاً حتّى يستبين جوابه منها. والآية هي: {وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ ولكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ}.[26]
وتوضيح هذا المطلب هو أنّ ما قلناه لا يعنى أنّ الله يرفع العذاب عن أهل مكّة أو المدينة في كلّ حالة وكيفيّة، وفي كلّ الظروف، مع وجود النبيّ بين ظهرانيهم. وإنّما رفع العذاب العامّ عنهم عند ما كان رسول الله فيهم، ولم يخرج منهم بعد، أو لم يُخرجوه، وحينئذٍ فإنّ من بركات نفسه النفيسة وآثارها رفع العذاب، أو أنّ الله يرفع العذاب ببركة توجّه واستغفار ثلّة من المؤمنين الذين يعيشون بينهم.
ولكن عند ما أخرجوا النبيّ من مكّة، واستغرق ذلك عدد سنين، حتّى هاجر المؤمنون الباقون في مكّة إلى المدينة تدريجيّاً وخلت مكّة من المستغفرين، أذن الله لنبيّه بفتحها بالسيف. وما غزوات رسول الله وحروبه الدامية كلها إلّا عذاب ونقمه ونكبة وذلّة نزلت على المشركين.
بل هُدّدوا واوعدوا بصاعقة كصاعقة عاد وثمود عند تماديهم في جهالتهم وضلالتهم وإعراضهم عن آيات الله، وعدم إقرارهم برسول الله، وأنّ الصاعقة والريح الصرصر ستجعلانهم طعمة للحريق والهلاك كقوم عاد الذين كذّبوا نبيّهم هوداً، وقوم ثمود الذين كذّبوا نبيّهم صالحاً.
{فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ، إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ومِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ، فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أولَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ، فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وهُمْ لا يُنْصَرُونَ، وأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ، ونَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ}.[27]
نلاحظ في هذه الآيات أنّ الله قد أنذر أمّة خاتم النبيّين بالعذاب كما عذّب امم الأنبياء الماضين، بحيث إنّه يخرج نبيّه من امّ القُرَى، ويذر أهلها طعمة للصاعقة، أو تنتهشهم السيوف والأسنّة بعد هجرته هو وأصحابه إلى المدينة. إذَن، هذا الإعلام والإنذار، بنزول العذاب، سيشمل الجميع من منظار العذاب العامّ.
وأمّا من منظار العذاب الخاصّ كالعمي، والشلل، والرعشة، والوقوع طعمة للافتراس، والقتل صبراً،[28] وما شابهها، فهي من الموارد المذكورة عن رسول الله في التأريخ والسير.
عند ما أسر المسلمون المشركين في غزوة بدر،[29] فإنّهم أخذوا منهم فدية، ثمّ أطلقوهم إلّا ثلاثة منهم: النَّضْر بن الحارِث بن كَلْدَة، وعَقَبة بن أبي مُعيط، ومُطْعم بن عَدِيّ. وكان النضر بن الحارث هو الذي يقول: {إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ}، يقصد بذلك أحاديث القرآن التي كان يقرأها النبيّ عليهم.
وقال رسول الله: يا عَلِيّ! عَلَيّ بالنَّضْر. فأخذ أمير المؤمنين عليه السلام بشعره. فجاء به إلى النبيّ. وكان النَّضْر رجلًا جميلًا له شعر.
قال النَّضْر: يا محمّد! أسألك بالرحم بيني وبينك إلّا أجريتني كرجل من قريش! إن قتلتهم قتلتني، وإن فاديتهم فاديتني!
قال النبيّ صلّى الله عليه وآله: لَا رَحِمَ بَيْني وبَيْنَكَ! قَطَعَ اللهُ الرَّحِمَ بِالإسْلَامِ. قدّمه يا عليّ! فاضرب عنقه! فضرب عنقه.
ثمّ قال: يا عَلِيّ! عَلَيّ بِعَقبة! فأحضر. فقال: يا محمّد! ألَمْ تَقُلْ لا تُصْبَرُ قُرَيش؟ فقال النبيّ: وأنْتَ مِنْ قُرَيْشٍ؟ إنَّمَا أنْتَ عِلْجٌ مِنْ أهْلِ صَفُوريَّةُ واللهِ لأنْتَ في المِيلَادِ أكْبَرُ مِنْ أبيكَ الذي تَدَّعِي لَهُ!
قال عَقَبة: فَمَنْ لِلصَّبِيَّةِ؟!
قال رسول الله: النَّارُ.
ثمّ قال: حَنَّ قِدْحٌ لَيْسُ مِنْهَا.[30]
وكان القائل: {اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ}. هو النضر بن الحارث الذي قُتِلَ صَبْراً في معركة بدر وفقاً لدعائه.[31]
ونزلت سورة اللهب: {تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وتَبَ، وامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ}. في أبي لهب عمّ النبيّ وزوجته امّ جميل اخت أبي سُفيان صَخْر بن حَرْب اللذين لم يتركا نوعاً من أنواع الأذى إلّا فعلاه ضدّ النبيّ.[32]
قال طارق المُحاربيّ: بَيْنا أنا بسوق ذي المجاز، إذا أنا بشابّ يقول: قُولُوا: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ تُفْلِحُوا.
وإذا رجل خلفه يرميه قد أدمى ساقيه وعرقوبيه، ويقول: يا أيّها الناس! إنّه كذّاب فلا تصدّقوه!
قلتُ: من هذا الشابّ؟ فقالوا: هو محمّد يزعم أنّه نبيّ، وهذا عمّه أبو لهب يزعم أنّه كذّاب.[33]
وكانت بنتا النبيّ الأكرم زوجتين لابني أبي لَهَب: إحداهما رُقَيَّة وكانت زوجة عتبة بن أبي لَهَب، والاخرى: ام كُلْثُوم، وكانت زوجة عُتَيبَة أخيه. ولما نزلت الآية: {تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ}، قال أبو لهب وامّ جميل لابنيهما: فارقا ابنتي محمّد! ففارقاهما. فتزوّج عثمان بن عفّان رُقَيَّة بمكّة وهاجرت معه إلى أرض الحبشة، وولدت له هناك ابناً سمّاه: عبد الله، ولما بلغ هذا الغلام ستّ سنين، نَقَرَ عينَه ديكٌ، فتورّم وجهه، ومرض، ومات.
وكانت رُقَيَّة قد اصيبتَ بمرض الحصبة في غزوة بَدْر. ولم يشترك عثمان في الغزوة المذكورة بأمر رسول الله، وذلك من أجل تمريضها.
وتوفّيت يوم وقعة بدر، ودُفنت يوم جاء زيد بن حارثة بشيراً بما فتح الله عليهم ببدر.[34]
ولمّا كان عُتَيْبَةُ بن أبي لَهَب قد طلّق امَّ كُلْثُوم، ولم يدخل بها، فقد تزوّجها عثمان بعد وفاة رقيّة، وكان ذلك في السنة الثالثة من الهجرة.
وتوفّيت في السنة التاسعة من الهجرة، وصلّى عليها رسول الله، وغسّلتها أسماء بنت عُمَيْس، وصَفِيّة بنت عبد المُطَّلِب.[35]
ولما توفّيت امّ كلثوم، جلس رسول الله على قبرها، وعيناه تدمعان، فقال: هَلْ مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ؟ ولَا يَدْخُلِ القَبْرَ رَجُلٌ قَارَفَ أهْلَهُ. فَلَمْ يَدْخُلْ عُثْمَانُ.[36]
ويتّضح أنّ عثمان دخل بزوجته الاخرى في نفس الليلة التي توفّيت فيها امّ كلثوم بعد ما مرضت بسبب ضربه إيّاها كما ورد في الروايات، ولم يكترث بوفاة بنت النبيّ الكريم قطّ.
وقال ابن الأثير: أخرج البيهقيّ عن قَتادَة: إنّ عُتْبَة بن أبي لَهَب تسلّط على رسول الله، وآذاه وشقّ قميصه. فقال له رسول الله: أمَا إنِّي أسْألُ اللهَ أنْ يُسَلِّطَ عَلَيْهِ كَلْبَهُ.
فخرج عتبة في نفر من قريش إلى الشام، ونزلوا في مكان يقال له: الزَّرْقَاء ليلًا، فأطاف بهم الأسد، فعدا عليه الأسد من بين القوم، وأخذ برأسه فَضَغَمُه ضغمةً فذبحه.[37]
وأخرج البيهقيّ عن عروة، عن أبيه أنّ الأسد لما طاف بهم تلك الليلة انصرف عنهم فناموا. [و لما أحسّوا الخطر، قاموا] وجعلوا عتبة في وسطهم. فأقبل الأسد يتخطّاهم حتّى أخذ برأس عُتْبة، فَفَدَغَه (شدخه وكسره).[38]
وروى ابن عَبْد البِرّ أنَّ النَّبِيّ صلّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ كَانَ إذَا مَشَى يَتَكَفَّا وكَانَ الحَكَمُ بْنُ أبي العَاصِ يَحكيهِ، فَالْتَفَتَ النَّبِيّ صلّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ يَوْمَاً فَرَآهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ. فَقَالَ: فَكَذَلِكَ فَلْتَكُنْ. فَكَانَ الحَكَمُ مُخْتَلِجاً يَرْتَعِشُ مِنْ يَوْمَئذٍ.[39]
ونقل ابن الأثير أنّ النبيّ خاطب ربّه قائلًا: اللهُمَّ اشْدُدْ وَطْأتَكَ على مُضَرَ مِثْلَ سِني يُوسُفُ. فَجهدُوا حتّى أكَلُوا العِلْهِزَ.[40] (يخلطون الدم بأوبار الإبل ثمّ يشوونه بالنار ويأكلونه).
أجل، فإنّ الحالات التي نزل فيها العذاب على أثر دعاء النبيّ صلّى الله عليه وآله سواء كانت عامّة أم خاصّة، مذكورة في التواريخ والسِيَر. وعلى هذا فما هو المانع من نزول الحجر من السماء على رأس الحارِث الفَهريّ أو جابر بن النضر استجابة لدعائه، وهو الذي كان معانداً للإسلام، مستهيناً بالولاية، متجرّئاً على رسول الله، مؤاخذاً إيّاه مندّداً به؟ فلا ضير أن ينزل الحجر على رأسه ويهلكه في مكانه.
وأمّا ما قاله ابن تيميّة أنّه لو تحقّق ذلك، لعُرِفَ كقصّة أصحاب الفيل.
والجواب هو أنّ قياس هذه القصّة بقصّة أصحاب الفيل هو مَعَ الفارق، إذ إنّ هذه القضيّة حادثة فرديّة كانت أغراض المخالفين والمنافقين مؤثّرة في إسدال الستار عليها ما كان ذلك ميسوراً، كما في أصل قضيّة الغدير إذ أسدلوا الستار عليها، وأظهروها على شكل أمر عاديّ، أو أنّهم قطّعوا حديث الغدير، وبيّنوا كلّ قطعة منه في باب من الأبواب، لا يجتمع صدره وذيله في مكان واحد، أو أنّهم حاولوا أن يقلبوا معنى الولاية عن تلك الحقيقة الساطعة، أو ينكروا أصل القضيّة، ولم يقصّروا في ذلك، ما أمكنهم، ولكنّ الله مع ذلك أبقى تلك القضيّة وهّاجة حيّة، وأرغم الصديق والعدوّ على الاعتراف والانصياع أمام عظمة هذه القصّة.
وأمّا قصّة أصحاب الفيل التي هي في عداد معجزات وكرامات بيت الله وبيت النبوّة، وقد أذعنت بها قريش كلها، بل العرب جميعها، والامم الاخرى، وهي شاهد صادق، على أعلى المقدّسات، وهو بيت الله الحرام المنسوب إلى الذات الأحديّة، ذلك البيت الذي هو مطاف جميع الامم، ومقصد الحجّاج والمعتمرين والعاكفين، ذلك البيت الذي ينتظر منه الناس جميعهم بشتّى طبقاتهم الخيرات والبركات، فهي قصّة اخرى لا تماثل قضيّة الحارث الذي جاء إلى رسول الله وحده، وتحدّث معه، ومُني بالعقوبة.
قيل: كانت مواكب العزاء والمناحة تخرج يوم عاشوراء في النجف الأشرف أيّام آية الله الشيخ مرتضى الأنصاريّ أعلى الله تعالى مقامه الشريف، وتجوب أحياء المدينة وأزقّتها باستمرار، وكان الشيخ الأنصاريّ يسير إلى جانب المواكب المذكورة. فدنا منه أحد الأفنديّة الذي كان قائممقام النجف من قِبَلِ الحكومة العثمانيّة آنذاك، وسلّم على الشيخ وقال له: عندي سؤال، وهو: أنّه لا شكّ أنّ الإمام الحسين قد قتل مظلوماً، وقتله عمل قبيح ارتكبه يزيد بن معاوية. ولكن ما هو الداعي إلى تشكيل هذه المواكب وتجديد العزاء والمناحة وقراءة قصائد الرثاء والبكاء في كلّ سنة؟ وما هو الداعي إلى اللطم والضرب بالسلاسل؟!
قال الشيخ: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله أخذ بِيَدِ عليّ ورفعها بحضور عشرة آلاف من الحجّاج في غدير خمّ، حتّى رآه جميع الناس وقال: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعليّ مَوْلَاهُ. وأنكرتم ذلك وقلتم: قضيّة شخصيّة خاصّة جاءت على أثر النزاع مع زَيد بن حَارِثَة، أو في أعقاب شكوى بريدة. فأراد النبيّ أن يقول: من أحبّني، فليحبّ عليا! ومن كنتُ ابنَ عمّه، فعليّ ابنُ عمّه أيضاً! إنّنا نجدّد العزاء في كلّ عام، وتضع نساؤنا، وأطفالنا، ورجالنا، وصغارنا، وكبارنا الطين على رؤوسهم، وننطلق في الأسواق والأزقّة، ونبكي لتجديد ذكر الحسين وعظمته، كي لا يتسنى لكم أن تنكروا ذلك أيضاً، وتقولوا: كانت قضيّة الحسين شخصيّة. ولقد نهض الحسين ضدّ أمير المؤمنين يزيد من أجل الحكم، وقتل في هذا السبيل!
قيل: بُهت الأفَندي من بداهة الشيخ في جوابه، ولم يحر جواباً {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ}.[41]
أجل، إنّ ما ادّعاه ابن تيميّة من إهمال طبقات المصنّفين هذه القضيّة كذب محض آخر أيضاً.
ألم نقرأ في هذا البحث أسماء العلماء العظام وكتبهم المعتبرة الموثوقة، إذ نسبوا هذه الرواية بأسنادهم إلى الصحابي العظيم حُذَيْفَةَ بن اليمان، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة المعروف جلاله في العلم والتفسير والحديث، وثقته في الرواية عند أهل السنّة، ولا شكّ عندهم في ذلك؟
كان أحد الأصدقاء يقول: ذهبت ذات ليلة إلى حرم السيّدة زينب عليها السلام في مصر، ورأيت هناك ضجيجاً عجيباً، إذ كانت الليلة ليلة الجمعة، وتقاطر سُنَّة القاهرة من كلّ حدب وصوب لزيارة ابنة عليّ، وأقاموا مراسيم العزاء والبكاء والماتم إلى درجة أني اندهشتُ كثيراً، إذ كيف يرثي السنّة زينب عليها السلام وكيف يعظّمون حرمها، ويطوفون حول ضريحها، ويقبّلونه، ويمسحون عيونهم بالتراب الموجود داخل حلقات الضريح.
ومرّت ساعة، ثمّ ارتقى المنبر خطيب فصيح وبليغ جدّاً، وتحدّث عن الروايات الماثورة في أهل البيت مفصّلًا، ثمّ ختم حديثه بالدعاء، وكان الناس الحاضرون كلّهم يقولون: آمين. وكان من فقرات دعائه:
اللهُمَّ الْعَنِ الوَهَّابِيَّةَ. فقال الناس جميعهم: آمين.
وهذا دليل على أنّ كافّة طوائف العامّة وأهل السُّنَّة يخالفون الوهّابيّة، ويعتبرون رئيسَيْهَا: ابن تيميّة، ومحمّد بن عبد الوهّاب منحرفَينِ، فاسِدَي العقيدة، وقد ذكرنا ذلك سابقاً.
الإشكال السادس: أنّ الوارد في هذا الحديث هو أنّ قائل هذا الكلام قد امر بأركان الإسلام الخمسة. ولما كان قد أقرّ بها، فقد كان مسلماً، ونحن نعلم أنّ أحداً من المسلمين لم يصبه عذاب في زمن النبيّ صلّى الله عليه وآله.
الجواب: أنّ هذا الحديث كما أثبت إسلام الحارث، فكذلك أثبت كفره وارتداده وإعراضه. إذ شكّ في نبوّة رسول الله بعد سماعه حديث الغدير؛ وشملته تلك العقوبة في حال غيظه وعصبيّته من حكم الله في نصب أمير المؤمنين عليه السلام في مقام الولاية. وكانت العقوبة بناءً على طلبه أيضاً.
يضاف إلى ذلك، أنّنا نقرأ في كتب التأريخ والحديث بعض الموارد من هذا القبيل. منها أنّ في المسلمين من شملته العقوبة ومني بالبلاء نتيجة لكفر النعمة، والتجرّؤ على حرمة رسول الله، كالرجل الأعرابي الذي مرض، ودخل عليه النبيّ يعوده. ولما قال له: لَا بَأسَ طَهُورٌ.
قال الأعرابي: قُلْتَ: طَهُورٌ، كَلَّا! بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ[42] على شَيْخٍ كَبِيرٍ تُزِيرُهُ القُبُورُ!
فقال النبيّ: فَنَعَمْ إذاً! فَما أمْسَى مِنَ الغَدِ إلَّا مَيِّتَاً.[43]
الإشكال السابع: أنّ الحارث بن النعمان غير معروف في الصحابة. وإنّما اسمه من قبيل الأسماء التي ذكرها المشعوذون وأصحاب الأباطيل والترّهات. وقصّته من نوع أساطير وقصص عَنْتَرة ودَلْهَمة. وقد صُنّفت الكتب في بيان أسماء الصحابة الذين اثِرَ عنهم شيء في الحديث، حتّى لو كانت أحاديثهم ضعيفة. ومن هذه الكتب: كتاب «الاستيعاب» لابن عبد البرّ، وكتاب ابن مُندة، وأبي نُعَيم الإصفهاني، والحافظ أبي موسى، ونحو ذلك. ولم يذكر أحد من هؤلاء اسمه، ومن هنا يُفْهَم أنّه لم يرد له ذكر في الروايات.
ذلك أنّ هؤلاء الكبار من المصنّفين يذكرون ما روي عن أهل العلم، ولا يذكرون الأحاديث الخاصّة بتسطير الأساطير والخرافات، كما في «تَنَقُّلَات الأنْوَار» للبكريّ الكذّاب، وغيره.[44]
الجواب: من المستحسن أن نكتفي في جواب هذا الإشكال بما أورده شَيْخُ الإسلام إمَامُ الحُفَّاظِ أحمد بنُ عليّ بْن مُحَمَّد بْنِ مُحَمَّد بن عليّ الكناني العَسْقَلاني الشَّافعيّ المعروف بابن حَجَر المولود سنة 773 ه، والمتوفي سنة 852 ه في مقدّمة كتاب «الإصَابة في تَمْييزِ الصَّحَابَة».
كما أنّ العلّامة الأميني نقل كلام ابن حَجَر نفسه في جواب هذا الإشكال.[45]
إن معاجم الصحابة جميعها غير كافلة لاستيفاء أسمائهم، فكلّ مؤلّف من أربابها جمع ما وسعته حيطته وأحاط به اطّلاعه، ثمّ جاء المتأخّر عنه فاستدرك على من قبله، ومع ذلك لم يُذْكَر في هذه المعاجم عُشْرٌ من أعشار أسماء الصحابة، وهو غير قابل للذكر أيضاً.
ذلك أنّ الصحابيّ في اصطلاح العامّة، كما قال ابن حَجَر هو مَنْ لَقِيَ النَّبِيّ صلّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ مؤمناً به ومَاتَ على الإسلام،[46] وإن ارتدّ بين لقائه النبيّ وموته، كالأشعث بن قيس الذي ارتدّ بعد الإيمان، ثمّ عاد إلى الإسلام في خلافة أبي بكر.[47]
وعلى هذا، فإنّ الأشخاص الذين رأوا النبيّ وهم على الإيمان، وعاشوا بين الجبال والفلوات، أو سكنوا في المدن والقرى والقصبات كثيرون إلى درجة أنّهم لا يحصون، بل إنّ إحصاءهم وبيان أسمائهم جميعاً ممتنع. وأمّا ما ذكره ابن حَجَر العَسْقَلانيّ في كتاب «الإصابة» بعد الحمد والصلاة هو قوله: أمَّا بَعْدُ: فإنّ من أشرف العلوم الدينيّة علم الحديث النبويّ، ومن أجلّ معارفه تمييز أصحاب رسول الله ممّن خلف بعده.
وقد جمع في ذلك [الموضوع] جمع من الحفّاظ تصانيف بحسب ما وصل إليه اطّلاع كلّ منهم. فأوّل من عرفته صنّف في ذلك أبو عَبْدِ اللهِ البخاريّ. أفرد في ذلك تصنيفاً فنقل منه أبو القاسم البَغَويّ وغيره.
وجمع أسماء الصحابة مضمومةً إلى من بعدهم جماعة من طبقة مشايخه كخليفة بن خَياط، ومحمّد بن سعد. ومن قرنائه كيَعقوب بن سُفيان، وأبي بكر بن أبي خَيْثَمَة.
وصنّف في ذلك جمع بعدهم كأبي القاسم البَغَويّ، وأبي بكر بن أبي داوُد، وعَبْدَان. ومن قبلهم بقليل كمَطين. ثمّ كأبي علىّ بن السَّكَن، وأبي حَفْص بن شاهين، وأبي منْصُور الماوَرْدِيّ، وأبي حَاتَم بن حَبّان، وكالطبراني ضمن معجمه الكبير. ثمّ كأبي عَبْدِ الله بن مُنْدَة، وأبي نُعَيْم.ثمّ كَعُمَر بن عَبْدِ البِرّ، وسمّى كتابه: «الاستيعاب»، لظنّه أنّه استوعب ما في كتب من قبله.
ومع ذلك فقد فاته الكثير من أسماء الصحابة، فذيّل عليه أبو بكر ابن فَتْحون ذيلًا ذكر فيه أسماء فاتت ابن عبد البرّ. وذيّل عليه جماعة في تصانيف لطيفة. وذيّل أبو مُوسى المَدينيّ على ابن مندة ذيلًا كبيراً.
وفي أعصار هؤلاء المصنّفين خلائق يتعسّر حصرهم ممّن صنّف في ذلك أيضاً. إلى أن كان في أوائل القرن السابع فجمع عزّ الدين بن الأثير كتاباً حافلًا سمّاه: «اسد الغابة»، جمع فيه كثيراً من التصانيف المتقدّمة، إلّا أنّه تبع مَن قبله، فخلط من ليس صحأبيّاً بهم، وأغفل كثيراً من التنبيه على كثير من الأوهام الواقعة في كتبهم. ثمّ جرّد الأسماء التي في كتابه مع زيادات عليها الحافظ أبو عبد الله الذهبيّ وعلم لمن ذكر غلطاً، ولمن لا تصحّ صحبته. لكنّه لم يستوعب ذلك، ولا قَارَب.
وقد وقع لي بالتتبّع كثير من الأسماء التي ليست في كتاب الذهبيّ ولا أصله على الشروط التي ذكرها الذهبيّ، وابن الأثير في صحّة الصحبة.
لذلك، جمعت كتاباً كبيراً في ذلك ميّزت فيه الصحابة من غيرهم.و مع ذلك لم يحصل لنا منه الوقوف على العُشر من أسماء الصحابة بالنسبة إلى ما جاء عن أبي زرعَة الرازيّ، لأنّ أبا زرْعة قال: توفي رسول الله صلّى الله عليه وآله ومن رآه وسمع منه زيادة على مائة ألف إنسان من رجل وامرأة، كلّهم قد روى عنه سماعاً أو رؤيةً.[48]
قال ابن فتحون في ذيل «الاستيعاب»: أجاب أبو زرعة بهذا سؤال من سأله عن الرواة خاصّة، فكيف بغيرهم.
ومع هذا، فجميع من في «الاستيعاب»، باسم، أو كُنيه، أو بهما ثلاثة آلاف وخمسمائة. وذكر ابن فتحون أنّه استدرك على ابن عبد البرّ على شرطه قريباً ممّن ذكر، أي: ثلاثة آلاف وخمسمائة.
وأنا أقول: رأيتُ بخطّ الحافظ الذهبيّ من ظهر كتابه: «التجريد» قوله: لعلّ الجميع ثمانية آلاف إن لم يزيدوا ولم ينقصوا.
ثمّ رأيتُ بخطّه: أنّ جميع مَن في «اسد الغابة» سبعة آلاف وخمسمائة وأربعة وخمسون نفساً.
وممّا يؤيّد قول أبي زرْعة ما ثبت في الصحيحين عن كعب بن مالك في قصّة تبوك. والناس كثير لا يحصيهم ديوان.
وثبت عن الثوريّ فيما أخرجه الخطيب بسنده الصحيح إليه، قال: من قدّم عليّاً على عثمان، فقد أزرى على اثني عشر ألفاً، مات رسول الله صلّى الله عليه وآله وهو عنهم راضٍ. وقال النوويّ: وذلك بعد النبيّ باثني عشر عاماً، بعد أن مات في خلافة أبي بكر في الردّة والفتوح الكثير ممّن لم يضبط أسماءهم. ثمّ مات في خلافة عمر في الفتوح، وفي الطاعون العامّ، وطاعون عَمْواس[49] وغير ذلك من لا يحصى كثرة، وسبب خفاء أسمائهم أنّ أكثرهم حضروا حجّة الوداع. والله أعلم.[50]
وذكرنا في تضاعيف بحث الغدير أنّ الحضور في حجّة الوداع مع رسول الله كانوا مائة ألف أو يزيدون. وأنّ إحصاء أسماء هؤلاء الأشخاص متعذّر طبعاً وطبيعةً. فأين لهذه الكتب استيفاء ذلك العدد الجمّ؟ إذ إنّ أكثر العرب كانوا مبثوثين في البراري والفلوات، ولا يختلفون إلى الحواضر إلّا لغايات وقتيّة وأغراض خاصّة كانوا يزورون النبيّ خلالها، ولم ينقلوا عنه حديثاً غالباً.
وذكر المصنّفون أسماء الأشخاص الذين كانوا مشهورين ومعروفين، وكثر تداولهم في الرواية.
واستبان ممّا قلناه أنّ إشكال هذا الرجل الناقد واهٍ لا أساس له، وخارج عن ميزان الإنصاف، على أنّ من المحتمل أنّ عدم ذكره في عِداد الصحابة بسبب ردّته الأخيرة.
وفي «تفسير المنار» إذ جمع السيّد محمّد رشيد رضا مطالب الشيخ محمّد عَبْدُه، فإنّه في الوقت الذي يقرّ بحديث الغدير ويرويه، وإن اقتضى طريقة المخالفين في معنى الولاية، وامتنع عن بيان الحقّ، فهو أيضاً أخذ هذه الإشكالات عن ابن تيميّة في آية: سأل سائل، وتحدّث عنها.[51]
وأجابه استاذنا المعظّم العلّامة الطباطبائيّ رضوان الله عليه في «الميزان» جواباً وافياً إجمالًا.[52]
وكم يُسْتَقَبح حقّاً من شخص مثل الشيخ محمّد عبده الذي يدّعي الحرّيّة الفكريّة أن يكون أسيراً لتلك الآراء والأفكار التي يحملها العامّة، إذ أنِّى دار الحديث عن التشيّع والولاية، فإنّه يمرّ عليه بمكابرة تامّة، ولا يتنازل من أجل الحقّ، وخلاصة الكلام أنّه لا يستطيع أن يسحق ذاته، ويُسَلّم بعظمة الحقّ.
[1] «تاج العروس» للزبيديّ، ج 2، ص 124 و125.
[2] «لسان العرب» لابن منظور، ج 2، ص 412 إلى 414.
[3] «المصباح المنير»، لشهاب الدين الفيّوميّ، مادّة بَطَحَ.
[4] «صحاح اللغة»، لأبي الوفاء الهوريني، ج 1، ص 170.
[5] «النهاية في غريب الحديث والأثر»، ابن الأثير الجزريّ، ج 1، ص 134 و135.
[6] «أقرب الموارد في فُصْح العَرَبيّ والشَّوارد»، سعيد الخوريّ الشرتوني، ج 2، ص 47.
[7] «معجم البلدان» لياقوت الحَمَويّ، ج 2، ص 213 و214، طبعة سنة 1324 ه.
[8] «مراصد الاطّلاع» لابن عبد الحقّ البغداديّ، ج 1، ص 204.
[9] كتاب «البلدان» لليعقوبيّ، ص 84.
[10] «شرح ديوان المَيْبُديّ».
[11] «صحيح البخاريّ» ج 1، ص 181؛ و«صحيح مسلم» ج 1، ص 382.
[12] «سُنَن الترمذيّ» ج 2، ص 298، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الطُّفَيل، عن حُذَيفة أبي سريحة.
[13] «الإتقان» للسيوطيّ، ج 1، ص 44، الباب 11، أقدم طبعة في المطبعة الموسويّة بمصر، سنة 1278 ه. قال: ذَكَرَ قَوْمٌ مِنْهُ الفاتحة.
[14] «الإتقان» نقل عن ابن الحصار أنّ آخر سورة النحل، وأوّل سورة الروم قد تكرّر نزولهما.
[15] «الإتقان»، نقله عن الزركيش في «البرهان». وهي الآية 113، من السورة 9: التوبة.
[16] «الإتقان» نقله عن الزركيش في «البرهان». وهي الآية 114، من السورة 11: هود.
[17] الآية 36، من السورة 39: الزمر.
[18] «الإتقان» للسيوطيّ، ج 1، ص 17 و18، طبعة سنة 1278 ه.
[19] الآية 30، من السورة 2: البقرة.
[20] الآية 121، من السورة 3: آل عمران.
[21] قال ابن حجر في كتابه «الفتاوى الحديثة»، ص 86: ابن تيميّة عبد خذله الله وأضلّه وأعماه وأصمّه وأذلّه. وبذلك صرّح الأئمّة الذين بيّنوا فساد أحواله، وكذب أقواله.
و من أراد ذلك، فعليه مطالعة كلام الإمام المجتهد المتّفَق على إمامته وجلالته وبلوغه مرتبة الاجتهاد أبي الحسن السبكيّ، وولده التاج، والشيخ الإمام العزّ بن جماعة، وأهل عصرهم، وغيرهم من الشافعيّة، والمالكيّة، والحنفيّة، ولم يقصر اعتراضه على متأخّري الصوفيّة، بل اعترض على مثل عمر بن الخطّاب، وعليّ بن أبي طالب. والحاصل أن لا يقام لكلامه وزن بل يُرمى في كلّ وعرٍ وحزن. ويُعْتَقَد فيه أنّه مبتدع ضالّ مضلّ غال، عامله الله بعدله، وأجارنا من مثل طريقته وعقيدته وفعله.
[22] أي: أنّ سورة المائدة نزلت في آخر عمر النبيّ، وأنّ سورة الأنفال نزلت قبلها بعدّة سنين.
[23] الآيات 275 إلى 278: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ إلى قوله: وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}.
[24] الآية 281، من السورة 2: البقرة.
[25] الآية 33، من السورة 8: الأنفال.
[26] الآية 34، من السورة 8: الأنفال.
[27] الآيات 13 إلى 18، من السورة 41: فصّلت.
[28] قُتِلَ صَبراً: أي: حُبِسَ على القَتْلِ حتّى يُقْتَل.
[29] روى في «دلائل البيهقيّ» ج 2، ص 95 بسنده عن عبد الله بن مسعود: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله استقبل البيت فدعا على سبعة نفر من قريش فيهم أبو جَهل، واميّة بن خَلْف، وعُتْبة بن ربيعة، وشَيْبَة بن ربيعة، وعَقَبة بن أبي مَعَيط. قال عبد الله[ بن مسعود]: اقسم بالله لقد رأيتهم كلّهم صرعى على بدر، وقد غيرتهم الشمس وكان يوماً حاراً. وأخرج ابن كثير الدمشقيّ في «البداية والنهاية» ج 3، ص 105 عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس في شرح الآية: {إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} المستهزءون بالنبيّ هم الوليد بن المُغيرة، والأسود بن عبد يَغُوث الزهريّ، والأسود بن المطّلب أبو زمْعة، والحارث بن عَيْطل، والعاص بن وائل السهميّ. فأتى جبرائيل عند رسول الله فشكاهم إليه. فأراه الوليد، فأشار جبرائيل إلى انمله وقال: كفيته. ثمّ أراه الأسود بن المطّلب فأومأ إلى عنقه وقال: كفيته. ثمّ أراه الأسود بن عبد يغوث فأومأ إلى رأسه وقال: كفيته. ثمّ أراه الحارث بن عيطل فأومأ إلى بطنه وقال: كفيته. ومرّ به العاص بن وائل فأومأ إلى أخمصه وقال: كفيته. فأمّا الوليد فمرّ برجل من خزاعة وهو يريّش نبلًا له فأصاب انمله فقطعها. وأمّا الأسود بن عبد يغوث فخرج في رأسه قروح فمات منها. وأمّا الأسود بن المطّلب فعمي. وكان سبب ذلك أنّه نزل تحت شجرة السمرة فجعل يقول: يا بَني أ لا تدفعون عني قد قتلت؟! فجعلوا يقولون: ما نرى شيئاً. وجعل يقول: يا بَني أ لا تمنعون عني؟! قد هلكت. ها هو ذا الطعن بالشوك في عيني! فجعلوا يقولون: ما نرى شيئاً. فلم يزل كذلك حتّى عميت، عيناه. وأمّا الحارث بن عيطل فأخذه الماء الأصغر في بطنه حتّى خرج خرؤه من فيه فمات منها. وأمّا العاص بن وائل فبينما هو كذلك إذ دخل يوماً في رأسه شِبْرِقَة حتّى امتلات منها فمات منها. ورواه البيهقيّ بنحو من هذا السياق.
[30] 1 قال الميداني في «مجمع الأمثال» طبعة المكتبة المحمّديّة سنة 1376: من أمثال العرب: حَنَّ قِدْحٌ لَيْسَ مِنْهَا: القِدْح: أحد قِداح المَيْسر، وإذا كان أحد القداح من غير جوهر إخوته، ثمّ أجاله المفِيض، خرج له صوت يخالف أصواتها، فيعرف به أنّه ليس من جملة القِداح. يضرب للرجل يفتخر بقبيلة ليس هو منها، أو هو يتمدّح بما لا يوجد فيه.
[31] تفسير «مجمع البيان» ج 2، ص 538 و539، طبعة صيدا.
[32] السورة 111: اللهب.
[33] تفسير «مجمع البيان» ج 5، ص 559، طبعة صيدا.
[34] «الاستيعاب» ج 4، تلخيص ص 1839 إلى 1841، ترجمة رقيّة بنت رسول الله.
[35] «الاستيعاب» ج 4، ص 1952، ترجمة امّ كلثوم بنت رسول الله.
[36] «الاستيعاب» ج 4، ص 1841 و1842.
[37] «دلائل النبوّة» للبيهقيّ، ج 1، ص 96: الطبعة الاولى: فلما أنزل الله عزّ وجلّ:{تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ}. قال أبو لَهَب لابنَيْه: عُتَيْبَة وعُتْبَة، رأسي ورؤوسكما حرام إن لم تُطَلِّقا ابنتيّ محمّد! وسَألَ النَّبِيّ صلّى الله عليه وآله عُتْبَة طَلَاقُ رُقَيَّة وسألته رقيّة ذلك، وقالت له امُّ كلثوم: بنتُ حَرْبِ بن اميّة، وهي حمّالة الحطب: طلّقها يا بُني فإنَّها قَدْ صَبَتْ فَطَلَّقَها وطَلَّقَ عُتْيْبَةُ امَّ كُلْثُوم وجاءَ النَّبِيّ صلّى الله عليه وآله حين فارق امَّ كلثوم، فقال: كفرت بدينك وفارقت ابنتك لا تُحِبُّني ولا احِبّك، ثمّ تسلَّط على رسول الله فشقَّ قميصه فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: أما إني أسأل الله أن يسلّط عليه كلبه. فخرج نفر من قريش حتّى نزلوا في مكانٍ من الشام يقال له: الزرقاء ليلًا فأطاف بهم الأسد تلك الليلة فجعل عُتَبْة يقول: يا ويل امّي هو والله آكلي كما دعا محمّد علىَّ. قتلني ابن أبي كَبْشَة، وهو بمكّة وأنا بالشام. فَعَوَى عليه الأسدُ من بين القوم وأخذ برأسه فضغمة ضَغْمةً فذبحه. وذكر ابن الأثير ذلك في «النهاية» ج 3، ص 420 في مادّة فَدَغَ.
[38] 1 «دلائل النبوّة» للبيهقيّ، ج 2، ص 97.
[39] «الاستيعاب» ج 1، ص 395 و360. وعيّره عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت بذلك. وهجاه، وقال في عبد الرحمن بن الحكم:إن اللَّعينَ أبوك فَارْمِ عِظَامَهُ***إن تَرْمِ تَرْمِ مُخَلَّجاً مَجْنُونا يُمْسِي خَميصَ البَطْنِ مِن عَمل التُّقَى***وَ يَظَلُّ مِن عَمَلِ الخَبِيثِ بَطِينا
[40] «النهاية في غريب الحديث والأثر» ج 3، ص 293، مادّة علهز.
[41] الآية 258، من السورة 2: البقرة.
[42] أو تَثُور خ ل.
[43] «صحيح البخاريّ» ج 4، ص 202 الطبعة الأميريّة، بولاق، في كتاب المناقب؛ وفي «الأشعثيّات» ص 200، كتاب الجنائز، باب عيادة المرضى، روى الإمام الصادق عن آبائه واحداً بعد الآخر حتّى أمير المؤمنين عليه السلام. وأضاف العبارة الآتية في ختام حديثه: فمات ذلك الرجل، ولم يُصَلّ رسول الله على جنازته.
[44] «منهاج السُّنَّة» لابن تيميّة ج 4، ص 9 إلى 14.
[45] «الغدير» ج 1، ص 264 إلى 266.
[46] «الإصابة» ج 1، ص 10.
[47] «الإصابة» ج 1، ص 12.
[48] سماعاً: أي: سمع النبيّ بلا واسطة. رؤية: رأى النبيّ لكنّه روي عنه الحديث بواسطة شخص آخر.
[49] عمواس كورة علی ستة أميال من الرملة علی طريق بيت المقدس منها كان ابتداء الطاعون في سنة 18 ه ثم فشا في أرض الشام، فمات فيه خلق كثير لا يحصی من الصحابة.
[50] «الإصابة» ج 1، ص 3 إلى 6.
[51] «تفسير المنار» ج 6، ص 464.
[52] «الميزان في تفسير القرآن» ج 6، ص 56 إلى 59.
الاكثر قراءة في سؤال وجواب
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)