القصد من كلمة المولى الواردة في حديث الغدير: ذكر العلّامة الأمينيّ سبعة وعشرين معنى لكلمة المَوْلَى، وهي على النحو التالي:
1- الرَّبّ. 2- العَمّ. 3- ابْنُ العَمّ. 4- الابْن. 5- ابْنُ الاخْت. 6- المُعْتِق. 7- المُعْتَق. 8- العَبْد. 9- المَالِك.[1]- التَّابِع. 11- المُنْعَمُ عَلَيْهِ. 12- الشَّريك. 13- الحَلِيف. 14- الصَاحِب. 15- الجَار. 16- النَّزيل. 17- الصِهْر. 18- القَريب. 19- المُنْعِمْ. 20- العَقِيد. 21- الوَلِيّ. 22- الأولَى بِالشَّيء. 23- السيِّد غَيْرُ المَالِك وغَيْرُ المُعْتِق. 24- المُحِبّ. 25- النَّاصِر. 26- المُتَّصَرِّف في الأمْرِ 27- المُتَوَلِّي فِي الأمْرِ.
وتحدّث بعد ذلك عن ضرورة الأخذ ببعض هذه المعاني في حديث الولاية وفيما يلي ملخّص لما ذكره.
«فالمعنى الأوّل وهو الربّ، لا يمكن أن يكون هو المراد من المولى في حديث رسول الله، لأنه يلزم من إرادته الكفر. وأمّا المعنى الثاني والثالث إلى الثالث عشر، فلا يمكن الأخذ بها أيضاً لأنه يلزم من إرادتها الكذب. ذلك أنه لا يصحّ أن نقول: كلّ من كان رسول الله عمّه، أو معتقه مثلًا، أو مالكه، أو شريكه، أو حليفه، أو عقيده، فعليّ بن أبي طالب عمّه، أو معتقه، أو مالكه، أو شريكه، أو حليفه أيضاً. وأمّا المعنى الرابع عشر إلى الثامن عشر، أي: الصاحب، والجار، والنزيل، والصهر، والقريب، فلا يمكن أن تكون هي المقصودة من الحديث، لأنه يلزم من إرادتها سخافة هذه الخطبة الهامّة وتفاهتها.
فلا معنى لأمر رسول الله بالتوقّف، ورجوع المتقدّم، وبقاء المتأخّر في مكانه، في ذلك الحشد الرهيب، في أثناء المسير، ورمضاء الهجير. وإبقاء الجميع في محلّ ليس بمنزل فيه على أساس الوحي الإلهيّ المشفوع بما يشبه التهديد، والناس قد أنهكهم وعثاء السفر، وحرّ الهجير، وحراجة الموقف، حتّى أنّ أحدهم ليضع نصف ردائه تحت قدمه، والنصف الآخر على رأسه لجلوسه على الأرض لاستماع الخطبة، لئلّا يرهقه حرّ الأرض والسماء. فيرقي رسول الله المنبر المصنوع من أحداج الإبل ليقول: إنّ نفسه نعيت إليه، وهو مهتمّ بتبليغ أمر يخاف فوات وقته بانتهاء أيّامه، وإنّ له الأهمّيّة الكبرى في الدين والدنيا، فيخبرهم بامور ليس فيها أيّ فائدة، ولا حاجة إلى إعلانها على الملأ بتلك الحالة المذكورة، فيقول: من كنت مصطحباً أو جاراً له، أو نزيلا عنده، أو مصاهراً له، أو قريباً منه، فعليّ بن أبي طالب كذلك.
ونحن لا نحتمل هذا في أحد من أهل العقول الضعيفة، فضلًا عن العقل الأوّل والإنسان الكامل: نبيّ الرحمة، وخطيب البلاغة، وعلى هذا، من الإفك الشائن أن نعز وإلى النبيّ إرادة شيء منها.
وعلى تقدير إرادة شيء منها، فأيّ فضيلة فيها لأمير المؤمنين عليه السلام حتّى يهنّأ بها في ذلك الجمع الغفير، ويقال له: بخّ بخّ لك، ويُفضِّلها سعد بن أبي وقّاص في حديثه على حمر النعم لو كانت له، أو تكون أحبّ إليه من الدنيا وما فيها وإن عمَّر فيها مثل عمر نوح؟!
وأمّا المُنْعِمْ والعقيد. فلا يمكن أن يكونا هما المرادين من المَوْلَى في الحديث. لأنه لا ملازمة في أن يكون كلّ من أنعم عليه رسول الله، يكون عليّ بن أبي طالب منعماً عليه أيضاً. ولا ملازمة في أن يكون كلّ من حالفه رسول الله، يكون عليّ عليه السلام حليفاً له أيضاً، إلّا أن نقول: إنّ المراد هو كلّ من كان رسول الله منعماً عليه بالدين، والهدى، والتهذيب، والإرشاد، والعزّة في الدنيا، والنجاة في الآخرة، فعليّ عليه السلام منعم عليه بذلك، لأنه القائم مقامه، وحافظ شرعه، ومبلّغ دينه، والصادع عنه؛ فلهذا أنّ الله أكمل به الدين، وأتمّ النعمة. فهو حينئذٍ لا يبارح معنى الإمامة والولاية الذي نحن في صدد إثباته ولاينفكّ عنه ويساوقه بهذه الأسباب، لأنه من معاني الأولويّة التي هي بمعنى الرئاسة وصاحب الاختيار.
ونقول في العقيد: إنّ المراد من العقد، العهود التي كانت تبرم بين رسول الله، وبين بعض القبائل من أجل إقرار السلم والصلح، أو من أجل نصرته. وأمير المؤمنين عليه السلام في هذه العهود بمنزلة رسول الله، يقوم بها لتنظيم السلطة الإسلاميّة، والحكومة الإلهيّة، والقضاء على الفوضي. وحينئذٍ لا منافاة بينها وبين الولاية بمعنى الإمامة والرئاسة الإلهيّة العامّة، والقصد متحقّق على أيّ حال.
وأمّا المُحِبّ والنَّاصِر على أيّ تقدير كان، فلا يمكن أن يكونا هما المقصودين من الحديث الشريف، لأنه إذا كان القصد من قوله: مَنْ كُنْتُ مُحِبَّهُ أوْ نَاصِرَهُ فَعَلِيّ نَاصِرُهُ أوْ مُحِبُّهُ، الإخبار بوجوب حبّ المؤمنين عليّ بن أبي طالب ونصرهم إيّاه، أو إنشاء لهذا المعنى، فيكون معناه: من كنت محبّه، وناصره؛ فعليّ محبّه وناصره؛ أو أنّ على عليّ أن يكون محبّه وناصره. فلا ضرورة حينئذٍ أن يكون الإخبار بمحبّة عليّ ونصره أو إنشاء وجوبهما في ذلك الحشد من الناس، وإبلاغهم بذلك، بل كان من الضروريّ أن يخبر رسول الله أمير المؤمنين عليه السلام نفسه بذلك، أو ينشئ وجوبه.
إلّا أن يكون المراد من الخطبة واستماع الناس جلب عواطف الملأ وتشديد حبّهم لعليّ عليه السلام إذا علموا أنّ أمير المؤمنين في درجة النبيّ الأكرم محبّهم وناصرهم. لذلك وجب عليهم أن يتّبعوه، ولا يخالفوا له أمراً ولا يردّوا له قولًا.
ولمّا صدّر رسول الله صلّى الله عليه وآله كلامه بقوله: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ، نعلم أنه على هذا التقدير لا يريد من المحبّة أو النصرة إلّا ما هو على الحدّ الذي هو فيه بالنسبة إلى أفراد المؤمنين. فلهذا تكون لعليّ عليه السلام هذه المحبّة والنصرة للناس.
وحينئذٍ فإنّ هذا النوع من المحبّة والنصرة ستكون كمحبّة رسول الله ونصرته تخصّه بما أنه زعيم الدين والدنيا، ومالك الأمر، وحافظ كيانهم. وهذا هو معنى الأولويّة بهم من أنفسهم. فإنّه لو لم يفعل بهم ذلك، لأجفلتهم الذئاب العادية، وانتاشتهم الوحوش الكاسرة، وستمتدّ أيدي العناد من كلّ حدب وصوب، فمن غارات تشنّ، وأموال تباح، ونفوس تُزهق، وحُرمات الله تُهتك. فينتقض الغرض من بثّ الدعوة وبَسْط نظام الدين. ومن الطبيعيّ أنّ من كان في المحبّة والنصرة على هذا الحدّ، فهو خليفة الله في أرضه، وخليفة رسوله. وهذا هو معنى الولاية الإلهيّة الكبرى.
وإذا كان المراد من الحديث الإخبار بوجوب محبّة ونصرة عليّ بن أبي طالب على جماعة المؤمنين أو إنشاء لهذا المعنى، فيكون المعنى: من كنت محبّه وناصره، فهو محبّ عليّ بن أبي طالب وناصره؛ أو أنّ عليه أن يكون محبّاً وناصراً لعليّ. وحينئذٍ لم يكن هذا المعنى جديداً فيحتاج إلى خطبة، وجمع للناس بالنحو المارّ ذكره، ذلك أننا نعلم أنه لمّا كان أمير المؤمنين أحد المؤمنين، فالناس يحبّونه أو عليهم أن يحبّوه وفقاً للآيات القرآنيّة الكريمة.
يضاف إلى ذلك، لو كان المراد من الحديث الإنشاء أو الإخبار عن محبّة المسلمين أو نصرتهم أمير المؤمنين عليه السلام فينبغي أن يقول: مَنْ كَانَ مَوْلَايَ فَهُوَ مَولَى عَلِيّ. أي: من كان محبّي أو ناصريّ، فهو محبّ على وناصره. بينما نجد أنّ معنى المولى هو المحبّ والناصر، لا المحبوب والمنصور. ولذلك لا يمكن حمل الحديث على هذا المعنى. ولعلّ سبط بن الجوزيّ نظر إلى هذا المعنى، وقال في تذكرته، ص 19: لم يجز حمل لفظ المَوْلَى في هذا الحديث على الناصر.
على أنّ وجوب المحبّة والنُّصرة غير مختصّ بأمير المؤمنين، وإنّما هو شرع سواء، بين المسلمين أجمع أن يحبّوا كافّة المؤمنين وينصروهم. فما وجه تخصيصه بأمير المؤمنين عليه السلام؟ وإن اريد محبّة أو نصرة مخصوصة له تربو على درجة الرعيّة، كوجوب المتابعة، وامتثال الأوامر، والتسليم له، فهو معنى الحُجِّيَّة والإمامة، لا سيّما بعد مقارنتها بما هو مثلها في النبيّ الأكرم بقوله: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ. والتفكيك بينهما في سياق واحد إبطال للكلام.
[1] قال في التعليقة: في «صحيح البخاريّ» ج 7 ص 57[المَوْلَي بمعني] المَلِيك؛ و قال القَسْطَلانيّ في «شرح الصحيح» ج 7، ص 77؛ المَوْلَي: المَلِيك، لأنّه يلي امور الناس. و شرحه كذلك أبو محمّد العَينيّ في «عُمْدة القاري»، و هو شرح آخر لصحيح البخاريّ؛ و كذا قال لفظيّاً العَدويّ الحمزاويّ في كتاب «النُّور السَّاري».