انطلاق الدعوة الإسلامية من الحجاز إلى خارجه
المؤلف:
هاشم معروف الحسني
المصدر:
سيرة المصطفى "ص"
الجزء والصفحة:
ص555-557
2025-11-30
50
لقد جاء في كتب السيرة انه بعد ان اطمأن الرسول على سير الدعوة في شبه الجزيرة اتجه إلى ما وراءها فأرسل رسله إلى هرقل ملك الروم وكسرى ملك فارس ، والمقوقس في مصر والنجاشي في الحبشة ، وإلى عامل كسرى في بلاد اليمن ، وكان هرقل وكسرى يوم ذاك على رأس دولتين من أقوى دول ذلك العصر ، فقد صنع خاتما نقش عليه محمد رسول اللّه وكتب إلى هرقل بعد التسمية من محمد عبد اللّه إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى ، اما بعد فاني أدعوك إلى دين الاسلام ، اسلم تسلم يؤتك اللّه اجرك مرتين ، فإن توليت ، فإنما عليك اثم الأريسيين[1].
يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وارسل الكتاب مع دحية بن خليفة الكلبي ، وكتب إلى كل رئيس وملك بنحو من ذلك ، ودفع كتاب كسرى إلى عبد اللّه بن حذافة السلمي ، وكتاب النجاشي إلى عمرو بن أميّة الضمري ، وكتاب المقوقس إلى حاطب بن أبي بلتعة ، وكتاب ملك عمان إلى عمرو بن العاص السهمي ، وكتاب سليط ملك اليمامة إلى سليط بن عمرو ، وهكذا فقد بعث إلى كل ملك أو رئيس دولة خارج الحجاز بكتاب مع رجل من المسلمين ، وانطلق الرسل بالكتب التي معهم إلى حيث وجههم في وقت واحد على قول بعض المؤرخين وفي أوقات مختلفة على قول آخر ، وكان رد هؤلاء الملوك والأمراء على رسل محمد وإجاباتهم على رسائله مختلفة ، وفي بعضها رقة ولين وفي بعضها الآخر قسوة وغلظة تبدو عليها الغطرسة والجبروت ، كما يبدو ذلك من موقف كسرى حينما وصله كتاب النبي حيث اخذه الغضب ، فمزق الكتاب وبعث إلى عامله على اليمن ان يغزو محمدا ويبعث إليه برأسه ، وكانت النتيجة ان بازان ارسل رسالة إلى النبي لم يذكر المؤرخون محتوياتها .
وخلال ذلك مات كسرى وانتقل ملكه إلى ولده شيرويه ، وعرف النبي بذلك ساعة موته ، فأخبر رسل بازان عامله على اليمن بموته ، ورغب إليهم ان يكونوا رسله إلى بازان يدعونه إلى الاسلام ، وكان الأمر كذلك ، فاستجاب له بازان وجماعة من الناس ودخلوا في الاسلام وكانوا قد عرفوا قبل ذلك بظهور الاسلام وانتصاراته المتتالية على عرب الجزيرة ، وقاسوا من الاستعمار الفارسي ضروبا من الاستغلال والامتهان ، ووجدوا في الدين الجديد منفذا لهم إلى التحرر ، فرحبوا بالدعوة وبقي بازان عاملا للنبي على اليمن كما تنص على ذلك بعض المرويات .
وكما يبدو من موقف الحارث الغساني حيث بعث إلى هرقل يستأذنه في أن يبعث جيشا لحرب النبي يتولى قيادته بنفسه ، ولكن هرقل لم يعبأ برسالة النبي واعتقد انها لا تشكل خطرا عليه ، فلم يوافق الحارث على رأيه وطلب منه ان يأتي إليه ليرافقه إلى زيارة بيت المقدس ، ولم يكن ليتصور ان تلك الدعوة من النبي سيقيض اللّه لها النجاح العاجل ، وان بلاد الشام وفلسطين وأكثر المناطق التي كانت تخضع لحكم الرومان ستكون بعد سنوات قليلات خاضعة لذلك الدين الذي يدعوه إليه اليوم .
وكان رد المقوقس في مصر يحمل طابعا آخر ، فقد أكرم الرسول وأحسن ضيافته وحمله رسالة إلى النبي تتضمن الاعتراف منه بظهور نبي في ذلك العصر ، ولكنه على حد زعمه انه سينطلق أول ما ينطلق من بلاد الشام لا من الحجاز ، وأرسل له مع الرسول بهدية جاريتين وبغلة بيضاء وحمارا ومقدارا من المال فقبل هديته شاكرا له صنيعه ، اما رد النجاشي فقد كان جميلا لأن مواقفه السابقة مع المسلمين الذين التجئوا إليه تشهد بحسن نيته ، فقد أكرمهم ووفر لهم جميع أسباب الراحة ، وزوج رملة بنت أبي سفيان من النبي بناء لطلبه ، ولما رجع المسلمون من الحبشة جهز لهم سفينتين مجهزتين بكل ما يحتاجون إليه ونقلهم بواسطتهما إلى سواحل الحجاز .
اما حكام اليمامة وعمان فلم يتنكروا لدعوة النبي ( ص ) وتركوا باب المفاوضة بينهم وبين النبي ( ص ) مفتوحا ، وأسلم من بين أولئك الأمراء المنذر بن ساور العبدي ودعا الناس إلى الاسلام وكتب للنبي بذلك فتركه النبي عاملا له على تلك المنطقة[2].
[1] اي انك مسؤول عن رعيتك فعليك اثمهم لصدك إياهم عن الدين .
[2] لقد اعتمدنا فيما كتبناه عن رسائل النبي ورسله إلى الملوك والامراء وأجوبتهم المختلفة عليها على ما كتبه الأستاذ هيكل حول هذا الموضوع .
الاكثر قراءة في قضايا عامة
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة