موقف النبي "ص" من يهود فدك ومصيرها
المؤلف:
هاشم معروف الحسني
المصدر:
سيرة المصطفى "ص"
الجزء والصفحة:
ص548-554
2025-11-30
59
لقد جاء في كتب السيرة والتاريخ انه لما تغلب المسلمون على يهود خيبر واستولوا على أموالهم ، وتم الاتفاق بينهم وبين النبي ( ص ) على أن تبقى الأرض في أيديهم يعملون فيها بنصف الناتج والنصف الثاني للمسلمين ، استولى الخوف على أهل فدك وظنوا ان النبي سيغزوهم وأيقنوا ان لا طاقة لهم بمقابلته ، فأرسلوا إليه قبل ان يتجه نحوهم انهم على استعداد لأن يسلموه الأرض وما يملكونه على أن يحقن دماءهم ، وعرضوا عليه ان يعملوا في الأرض بنصف الناتج ويلتزموا بما يفرضه عليهم كما اتفق مع يهود خيبر فوافق على ذلك وصالحهم على نصف ناتج الأرض ، فكانت خيبر ملكا للمسلمين لأنه استولى عليها بالحرب ، وفدك للنبي ، وقد وهبها النبي لفاطمة الزهراء ( ع ) في حياته ، فكان يدفع لفاطمة من غلتها ما يكفيها والباقي يصرفه في شؤون المسلمين كما أجمعت على ذلك المصادر الشيعية وبعض المصادر السنية ، فقد جاء في الدر المنثور للسيوطي عن البزاز وأبي يعلى وابن حاتم وابن مردويه عن سعيد الخدري أنه قال لما نزلت الآية وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ دعا رسول اللّه فاطمة وأعطاها فدكا كما روى ذلك جماعة عن ابن عباس[1].
وجاء في شرح النهج عن أبي سعيد الخدري أنه ( ص ) وهبها لفاطمة ، ولما انتهت الخلافة لأبي بكر كان أول ما قام به ان انتزعها من يدها بحجة ان النبي على حد زعمه قال : نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة واصر على انتزاعها من يدها بالرغم من أنها طالبت بها وأقامت البينة على ملكيتها لها .
وفي بعض الروايات انها لما أفحمتهم بحجتها كتب لها كتابا فيها ودفعه إليها ، ولكن عمر بن الخطاب أبى عليه ذلك وانتزع الكتاب منها في حديث طويل لا يعنينا منه أكثر من هذه الإشارة العابرة وظلت في يد الخلفاء كمورد من موارد الدولة حتى انتهى الحكم لمعاوية فقسمها ثلاثا بين مروان بن الحكم وعمرو بن عثمان ويزيد بن معاوية ، وانتهت كلها لمروان أيام خلافته فوهبها لولده عبد العزيز ، وعبد العزيز وهبها لولده عمر بن عبد العزيز ، ولما انتهت الخلافة إليه كانت أول ظلامة ردها على العلويين وسلمها للإمام علي بن الحسين ( ع ) فكان يوزع ناتجها على ذرية فاطمة ، وبعد وفاة عمر بن عبد العزيز انتزعها من العلويين يزيد بن عبد الملك وبقيت بيد خلفائهم إلى أن جاءت الدولة العباسية فردها أبو العباس السفاح أحد حكامهم على العلويين ، وانتزعها المنصور بعد ثورة عبد اللّه بن الحسن ، ثم ردها عليهم المهدي العباسي ، وانتزعها منهم موسى بن المهدي العباسي ، وبقيت في أيدي العباسيين إلى عهد المأمون فسلمها للفاطميين ، وبقيت في أيديهم إلى أن جاء المتوكل وكان شديد الكراهية لعلي ونبيه ، فانتزعها منهم إلى كثير من المرويات حولها .
ومما يؤكد ان فدكا كانت لفاطمة هبة لها من أبيها ما جاء في كتاب علي ( ع ) لعثمان بن حنيف الأنصاري فقد قال فيه : بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء فشحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس قوم آخرين ونعم الحكم اللّه[2].
ولما اطمأن رسول اللّه على مصير الاسلام من اليهود وتضعضع مركزهم في بلاد العرب وأراد الرجوع إلى المدينة جاءته زينب بنت الحارث زوجة سلام بن مشكم بشاة مطبوخة كانت قد وضعت فيها السم وأكثرت منه في ذراعها بعد ان بلغها انه يحب من الشاة لحم الذراع ، فلما وضعتها بين يديه جلس هو وأصحابه ليأكلوا فتناول منها الذراع ووضع قطعة منه في فمه فلاكها ولم يستسغها فلفظها وهو يقول : ان هذا العظم ليخبرني بأنه مسموم ، وكان بشر بن البراء قد تناول قطعة وازدردها ثم توقف هو وأصحابه عن الأكل ودعا بزينب وسألها عن السم فاعترفت وقالت لقد بلغت من قومي ما بلغت ، فصنعت لكم هذه الشاة وقلت في نفسي ان كان ملكا أكون قد أدركت ثأري منه وإن كان نبيا كما يدعي فسيخبره اللّه بذلك ، ومات بشر بن البراء من ساعته .
واختلف الرواة بشأن زينب بعد هذه الحادثة فقيل إن النبي قبل عذرها وعفا عنها لأنها صنعت ذلك بدافع الثأر لأبيها وزوجها وقيل إنه امر بقتلها في بشر بن البراء الذي قتله السم ، وهو الأرجح ولا يمكن ان يقبل لها النبي عذرا في إقدامها على هذه الجريمة .
ويدعي المؤرخون ان آثار السم بقيت في جسم النبي ( ص ) وتغلبت عليه في مرضه الأخير وبتأثيرها كانت وفاته كما يزعمون .
وتجهز رسول اللّه بعد ذلك للعودة إلى المدينة عن طريق وادي القرى ، فاستعد يهودها لقتال المسلمين فعبأ رسول اللّه أصحابه كما جاء في رواية الواقدي ودفع لواءه لسعد بن عبادة ، ثم دعاهم إلى الاسلام ، وقال لهم ان أسلمتم تحرزون أموالكم ودماءكم ولكنهم رفضوا الاسلام واصروا على المقاومة ، فبرز منهم رجل وطلب القتال ، فخرج إليه الزبير وقتله ، ثم برز رجل آخر من ابطالهم ، فبرز إليه علي بن أبي طالب ( ع ) واحتدمت المعركة بين الطرفين حتى قتل منهم أحد عشر رجلا ، وكان كلما قتل علي منهم رجلا دعاهم إلى الاسلام وهم يرفضون ، واستمر القتال بينهم وبين المسلمين إلى اليوم الثاني فلما ارتفعت الشمس استسلموا فاستولى المسلمون على أموالهم وأمتعتهم وترك النبي لهم الأرض والنخيل على أن يستعملوها بنصف ناتجها كما صنع مع أهل خيبر .
اما يهود تيماء فقد عرض عليهم النبي ان يدخلوا في الاسلام أو يدفعوا الجزية فقبلوا بالجزية والتزموا بدفعها ولم يقع بينهم وبين المسلمين قتال ، وانتهى بذلك كل ما كان لهم من سلطان في شبه الجزيرة ، وأصبح المسلمون بمأمن من ناحية الشمال إلى حدود الشام ، كما أصبحوا بمأمن من ناحية الجنوب بعد صلح الحديبية .
وجاء في كتب الحديث والسيرة ان أحد المسلمين ممن اشتركوا في غزوة خيبر ويدعى الحجاج بن ملاط السلمي كانت له ديون في مكة على جماعة من أهلها ، وخاف ان يمتنعوا عن وفائها فجاء إلى رسول اللّه بعد سقوط خيبر وفدك في أيدي المسلمين وقال له يا رسول اللّه ان لي عند صاحبتي أم شيبة بنت أبي طلحة وغيرها أموالا ولا أستطيع تحصيلها الا ان أقول ما ليس بواقع ، فقال له النبي ( ص ) قل ما تشاء يا حجاج .
فخرج الحجاج مسرعا حتى انتهى إلى مكة ، قال فوجدت بثنية البيضاء رجالا من قريش خرجوا يتطلعون إلى اخبار معركة النبي مع اليهود ونتائجها وكان يهمهم ان يهزم النبي في تلك الغزوة كما ذكرنا فلما رأوني اسرعوا إلي ولم يكونوا قد علموا بإسلامي ، وقالوا لقد بلغنا ان القاطع سار بمن معه إلى خيبر فأخبرنا بما عندك ، فقلت لهم ان عندي من الخبر ما يسركم فالتفوا حول ناقتي ، فقلت لهم لقد هزم اللّه محمدا وأصحابه هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط ، لقد قتل أصحاب محمد ووقع هو أسيرا بيد اليهود واتفقوا على أن يرسلوه إليكم لتقتلوه بما أصاب من رجالكم ، فاستبشروا وصاحوا بمكة من جميع الجوانب يبشرون أهلها بذلك ويقولون إن محمدا وقع أسيرا في يد اليهود وسيقدمون به عليكم ليقتل بين أظهركم .
ثم قال لهم الحجاج أعينوني على جمع أموالي من غرمائي لأني أريد ان ارجع فورا إلى خيبر لأشتري مما غنمه اليهود من محمد قبل ان يسبقني التجار إلى ذلك ، فأسرعوا في جمع الديون التي كانت لي بكاملها ، وجئت صاحبتي فأخذت منها ما كان لي عندها من المال ، وقلت لها اني راجع مسرعا لعلي أصيب مما غنمه اليهود من محمد قبل ان يسبقني إليه التجار وانتشر الخبر بين احياء مكة وبيوتها بأسرع ما يكون واخذ كل واحد يبشر الآخر وعلت الهتافات والزغاريد وشهدت مكة في تلك الساعات من الفرح والبهجة ما لم تشهده في تاريخها الطويل ، ولكن هذه الشائعة كانت صدمة على الهاشميين كادت تزهق لها نفوسهم .
ولما سمع العباس بن عبد المطلب جاءني مسرعا ووقف إلى جانبي وانا في خيمة من خيام التجار ، فقال لي يا حجاج : ما هذا الذي جئت به فقلت له : هل عندك حفظ لما أضعه عندك ، قال نعم : فقلت له تأخر حتى ألقاك على خلاء فإني مشغول بجمع مالي ، فانصرف عني حتى إذا انتهيت من جمع كل شيء كان لي بمكة وعزمت على الخروج منها خلوت به ، وقلت له احفظ علي حديثي يا أبا الفضل ثلاثا فاني اخشى الطلب ، وبعد ذلك قل ما تشاء فقال افعل ذلك فقلت له : واللّه لقد تركت ابن أخيك عروسا على ابنة ملكهم صفية بنت حيي بن اخطب ، ولقد افتتح خيبر وفدك واستولى على أموالهم وأصبحت له ولأصحابه فقال ما تقول يا حجاج فقلت واللّه ان الأمر كذلك فاكتم علي ثلاثا ، واني قد أسلمت وجئتهم بهذا الخبر لآخذ أموالي خوفا من أن أغلب عليها ، وانصرفت عنه فلما كان اليوم الثالث لبس العباس حلة له وتخلق واخذ عصاه ، ثم خرج واتى الكعبة فطاف بها ، فلما رأوه قالوا يا أبا الفضل هذا واللّه التجلد لحر المصيبة قال كلا والذي حلفتم به لقد افتتح خيبرا واحرز أموالهم وأصبح عروسا على ابنة ملكهم وأصبحت خيبر له ولأصحابه ، فقالوا : من جاءك بهذا الخبر ؟ قال الذي جاءكم بما جاءكم به ولقد دخل عليكم واخذ ماله ليلحق برسول اللّه وأصحابه ، فقالوا لقد أفلت عدو اللّه ، اما واللّه لو علمنا بذلك لكان لنا وله شأن ، وما لبثوا حتى جاءتهم الأخبار بانتصار الرسول واستيلائه على خيبر وفدك وغيرها ورجوعه إلى المدينة بمن معه من أصحابه فاتحين فرحين بنصر اللّه .
وكان رجوعه خلال النصف الثاني من صفر ، فأقام بالمدينة شهري ربيع وجماديين ورجب وشعبان ورمضان وشوال من السنة السابعة ، وخلال المدة التي أقامها في المدينة إلى أن جاء الموعد الذي تواعد فيه مع قريش على الرجوع إلى مكة لأداء مناسك الحج ، خلال تلك الأشهر انصرف إلى تنظيم أمور المسلمين وتبليغ الأحكام حسبما كانت تنزل عليه بين الحين والآخر ، وكان مع ذلك يبعث السرايا السرية تلو الأخرى يتعقبون عبدة الأصنام من الأعراب عندما يبلغه انهم يفكرون في الاعتداء على المسلمين ، أو سلب شيء من أموالهم ، وتمكن المسلمون من أولئك الأجلاف الغلاظ قبيلة اثر قبيلة بعد ان تبدد شملهم في غزوة الأحزاب ، وبعد موادعة قريش في الحديبية والقضاء على آخر معقل من معاقل اليهود في خيبر وفدك وتيماء وغيرها .
ويدعي المؤلفون في السيرة انه ارسل أبا بكر في سرية إلى بني فزارة وعمر بن الخطاب إلى مكان يدعى تربة ، فرجعا ولم يكن بينهم قتال .
وبعث عبد اللّه بن رواحة إلى بشير بن رزام اليهودي ، فقال له لقد أرسلنا رسول اللّه إليك ليستعملك على خيبر ، ولم يزالوا به حتى ركب معهم في ثلاثين رجلا ، وفي الطريق ندم بشير بن رزام على سفره ، وحاول ان يغتال عبد اللّه بن رواحة ، فانتبه له عبد اللّه ، ثم قتله ، وقتل كل رجل من المسلمين رديفه من اليهود ، وكانوا ثلاثين رجلا ولم يفلت منهم سوى رجل واحد ، كما جاء في رواية ابن كثير في تاريخه .
وبعث بشير بن سعد في سرية تتألف من ثلاثين رجلا إلى بني مرة فتغلب عليهم بنو مرة وقتلوهم وسلم بشير بن سعد فكر راجعا إلى النبي فأرسل إليهم رسول اللّه غالب بن سعد ومعه أكثر من مائة رجل من المسلمين فغنموا من أموالهم وكروا راجعين إلى المدينة ، وظلت سراياه تنطلق من المدينة لي خارجها كلما بلغه عن قبيلة تفكر في الغزو أو تنوي الغدر .
ومع أنه كان في عمل دائم لم يكن ليشغله شيء عن التفكير في نشر الدعوة خارج الجزيرة لا سيما وان اخصامها في شبه الجزيرة قد أصبحوا ما بين مهادن وخائف ، فالأعراب قد يئسوا من التغلب عليه بعد القضاء على آخر معقل من معاقل اليهود ، وقريش قد التزمت من جانبها بالهدنة إلى سنتين أو أكثر ، حسب اختلاف الروايات في امرها .
[1] انظر فضائل الخمسة من الصحاح الستة ص 136 من الجزء الثالث .
[2] انظر شرح النهج ج 4 ص 37 وما بعدها .
الاكثر قراءة في حاله بعد الهجرة
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة