بَابُ : فَعَلَ، يَفْعَلُ، مِنْ حروفِ الحَلْقِ
اعلَمْ أَنَّ يَفْعَلُ إِذَا قلت فيهِنَّ: فَعَلَ يَفْعَلُ، مفتوح العين، وذلك كانت الهمزة أو الهاء العين أو الغين أو الحاء أو الخاء لاماً، أو عيناً نحو: قرأ، يَقْرَأُ، وَوَجَبَهُ (1) يجبهُ ، وقَلَعَ يَقْلَعُ ، وذَبَحَ يَذْبَحُ، ونَسَخَ يَنْسَخُ. وهذا ما كانت فيه لامات (2) . وأما ما كانت فيه عيناتٌ فَهُوَ كقولك: سَأَلَ، يَسْأَلُ، وذَهَب يَذْهَبُ، وَبَعَثَ يَبْعَثُ، ونَحَلَ يَنْحَلُ، ونَحَرَ يَنْحَرُ، وَمَغَثَ (3) يَمْغَتُ، وذَخَرَ يَذْخَرُ (4) ، وقَدْ جاؤ وا بأشياءَ منه على الأصل قالوا : بَرَأَ يَبْرُؤُ، كما قالوا : قَتَلَ يَقْتُلُ، وهَنَا يَهنِيءُ، كَضَرَبَ يَضْرِبُ، وهو في الهمز أَقل وكذلك في(5)، في (6) الهاءِ لأنها مستقلة في الحلق، وكلما سفل الحرف كان الفتح له الزم، والفتحُ مِنَ الألفِ والألفُ أَقربُ إلى حروفِ الحَلق من أُختيها، وقالوا : نَزَعَ يَنزِعُ وَرَجَعَ يَرْجِعُ ، ونَضَحَ يَنْضِحُ، ونَطَحَ يَنْطَحٍ، وَرَشَحَ يَرْشِحُ وجنح يجنح، والأصل في العين أقل لأنها أقرب إلى الهمزة مِنَ الحاءِ وقالوا : صَلَحَ يَصْلُحُ، وَفَرَغَ يَفْرُغُ، وصَبَغَ يَصْبُعُ، وَمَضَغَ يَمْضُعُ، ونَفَخَ يَنْفُخُ، وطَبخَ يَطْبُخُ، ومَرخَ (7) يَمْرُخُ ، والخَاءُ والغين الأصل فيهما أحسنُ ، لأنهما أَشدُّ ارتفاعاً إلى الفم، ومما جاء على الأصل من هذه الحروف فيه عينات قولُهم : زَارَ يَزيرُ ، ونام (8) يَنْتِمُ ونَعَرَ(9) يَنْعِرُ، وَرَعَدَتْ (10) تَرْعُدُ، وقَعَدَ يَقْعُدُ، وشحج (11) يَشْحِجُ ، ونَحتَ يَنْحِتُ (12)، وشَحَبَ يَشْحُبُ، ونغرت (13) القدرُ تَنْفِرُ، ولَغَبَ (14) يَلْغُبُ ، وشَعَرَ يَشْعُرُ، وَمَخَضَ يَمْخُضُ، ونَخَلَ يَنْخُلُ، ونَخَرَ يَنْخُرُ، وهَذا الضربُ إذا كانت فيه الزوائد لم يفتح البتة، كان حرفُ الحَلقِ لاماً أو عيناً، لأن الكسر لَهُ لازم، ولَيسَ هُوَ مثلُ «فَعَلَ» الذي يجيءُ مضارعهُ على «يَفْعِلُ» وَيَفْعُلُ، وذلك مثل: استبراً يستبرى، وانتزع يَنتَزِعُ ، وكذلكَ : فَعَلَ يَفْعُلُ، لا يغيرُ لأَنَّهُ لازمٌ لَهُ الضَمُّ، وذلك قولهم : صَبُحَ يَصْبُحُ ، وقَبُحَ يَقْبُحُ ، وضَحُمَ يَضْحُمُ، وَمَلُو يَمْلُو، وقمو (15) يَقْمُو، وضَعُفَ يَضْعُفُ، وقالوا : رَعَفَ يَرْعُفُ، وَسَعُلَ يَسْعُلُ، فضموا ما جاءَ منه على فَعَلَ فهم في «فَعلَ أَجدرُ، وَكَانَ حَقٌّ سَعُلَ» ورعُف أن يجيء على مثال ما جاءت عليه الأدواء .فإن كانت هذه الحروفُ فاءاتٍ نحو: أمر، وأكل، وأَفلَ يَأْخُلُ، لم تفتح العين لسكون حَرفِ الحلق، وقالوا : أَبي يَأْبَى شبهوهُ بَيَقْرَأُ وفِيهِ وجه آخر، أن يكون مثل: حَسِبَ يَحْسِبُ، فُتِحَا كما كُسِرا، وقالوا: جَبَى يَجْبَى، وقَلَى يَقلَى جَبَى جَمَعَ (16) الماء في الحوض) وحكى سيبويه : عَضَضْتَ تَعَضُّ (17). وقال أبو العباس : عَضَضْتَ غير معروف، وما كانت لامه ياء أو واواً، فحكمه في هذا الباب حكم غير المعتل، نحو: شَأى(18) يَشْأَى، وَسَعَى يَسْعَى وَمَحَا يَمْحَى، وصَفَى يَصْفَى، ونَحَا يَنْحَى، وقد قَالُوا: يَنْحُو، ويَصْفُو ويزهوهم الآل(19) ، ويَنْجُو، ويرغو، وأما ما كانت لامه من حروفِ الحَلق وعينه معتلة فلا تفتح لأنها تكون ساكنة، نحو: بَاعَ يَبيعُ، وتاة يتيه ، وجَاءَ يَجِيءُ ، وكذلك المضاعفُ نحو: دَع يَدُعُ، وشَحْ يَشُحُ وزعم يونس : أنهم يقولون : كَعْ يَكَعُ (20). قال سيبويه : يَكعُ أَجودُ (21)، وهو كما قال . واعلم أن هذه الحروف الستة إذا كُن عيناتٍ في «فَعِلَ» ففيه أربع لغات (22) : فعل، وفعل، وفعل، وفعل، اسماً كان أو صفة، نحو: رحم وبعل، والاسمُ رَجُلٌ لَعِبٌ (23) وضَحِكَ، وما أشبه ذلك في جميع حروف الحلق، وفي «فَعيل) لُغتانِ: فَعِيل، وفِعِيل، وتكسر الفاء في هذا الباب في لغة تميم نحو: سعيد، ورغيف وبخيل، وبيس، وأَما أَهل الحجاز فيجرون جميع هذا على القياس، فإن كانتِ العينُ مضمومةٌ لم تضم : لها ما قبلها نحو: رَؤُوفٍ ورؤوفٌ لا يضمُ . قَالَ(24): وسمعتُ مِنْ بعض العرب مَنْ يقولُ: بِيْسَ ولا يُحقق الهمزة ويدعُ الحرف على الأصل (25). وأما الذين قالوا : مِغِيرَةً، وَمِعين (26) ، فَلَيسَ عَلَى هَذا، ولكنهم أتبعوا الكسرة الكسرة، كما قالوا مِنتِنٌ، وَأَنْبُوك، وأُجُوكَ أَرادَ : أَنبِئُكَ، وَأَجِينكَ) (27) ، وقالوا : في حرفٍ شَادٌ : إحِبَّ يحِبُّ، شبهوه «بمنين» فجاؤ وا به على «فَعَلَ» كما قالوا: ينبى لِما جَاءَ شاذاً عن بابه خولف به (28)، وقالوا : ليس، ولم يقولوا: لاس، ولا يجوز في «أَجِيتُكَ» ما جازَ فِي يَحِبُّ لأَنَّ يَحِبُّ غُيرت أصلها، وكان حقها ، يُحِبُّ، فلما غيرت استحسنوا التغيير هنا والاتباع، عن وأجيتُك على حقها، فلا يجوز أن يتبعَ الهمزة الجيم، لأن الجيم في الأصل ساكنة أيضاً.
____________
(1) وجبه: قال في القاموس المحيط وجبه كمنعه ضرب جبهته ورده.
(2) أي: حروف الحلق، وهي: الهمزة والهاء والحاء والعين والخاء والغين والقاف والكاف والشين والجيم والضاد.
(3) مغث : مغث الدواء مرثه .
(4) في الكتاب 2/252 وإنما فتحوا هذه الحروف لأنها سفلت في الحلق، فكرهوا أن يتناولوا حركة ما قبلها بحركة ما ارتفع من الحروف فجعلوا حركتها من الحرف الذي في حيزها وهو الألف وإنما الحركات من الألف والياء والواو.
(5) لأن الهمز أقصى الحروف وأشدها سفولا، أنظر الكتاب 2/405والمقتضب1/192
(6) زيادة من «ب» .
(7) مرخ: يقال مرخ جسده بالدهن دهنه .
(8) نام : أن وصاح .
(9) نعر: صاح وصوت بخيشومه .
(10) أي : السماء .
(11) شحج : الغراب أو البغل : صوت أو غلظ صوته .
(12) مثل ضرب يضرب .
(13) نفرت القدر غلت
(14) لغب لغبا القوم، حدثتهم حديثاً كاذباً، واللغب: الغلام الفاسد.
(15) قموء: قماءة، وقماءة : ذل وصغر.
(16) زيادة من «ب».
(17) أنظر الكتاب 2/254
(18) شأى يشؤو شأوا القوم : سبقهم .
(19) يزهوهم الآل: أي يرفعهم.
(20) أنظر الكتاب 255/2 .
(21) أنظر الكتاب 2/255
(22) أنظر الكتاب 2/255.
(23)رجل لعب ساقط من «ب».
(24) أي سيبويه وانظر: الكتاب 2/255
(25) أنظر الكتاب 2/255
(26) في الأصل مغير».
(27) أنبئك وأجيئك ساقط في «ب».
(28) انظر: الكتاب 2/256