الحرف / الجملة/
لما كانت الفكرة هي وحدة التفكير فان الجملة هي وحدة التعبير، وهي في جميع اللغات الوحدة الطبيعية للفكرة، كما كان الكلام هو الوحدة الطبيعية للمقال الذي توصف به اللغة، وإذا كان الطريق الطبيعي للإدراك هو البدء بكل ذي معنى، فإننا يمكن الاعتماد على الجملة كوحدة طبيعية في اللغة لها معناها ومدلولها .
وكما إن لكل تركيب في اللغة نغمته الخاصة التي يختلف بها عن التراكيب الأخرى، فإننا إذا سألنا مثلاً متى نشأت اللغة؟ فإن نغمة تتصاعد في صوتنا مع كل مقطع ابتداء من أداة الاستفهام وحتى نهاية الجملة، ومن هنا يمكن استخدام الحرف الجمل السؤال، وجمل التعجب وجمل الإخبار والدعاء والتمني والأمر والتهديد والنداء وما إلى ذلك . الجمل المعبرة عن . حالات الإنسان الشعورية المختلفة .
فنحن ندرك الأشياء في وحدات كلية ذات معنى، ثم ندركها في، مرحلة متأخرة كأجزاء وتفاصيل لذا لا يمكن لنا أن نقرأ الجملة بطريقة طبيعية إلا حينما يكون معناها الكلي بارزاً في وعينا كقراء أو كمتكلمين، ومن هنا تأتي أهمية موسيقا الجملة اللفظية في فهم الكلام وإفهامه، والحاجة إلى صياغة مثل هذه الجمل بأسلوب سهل إذا ما أردنا تدريب الطفل على إلقاء جمل واضحة .
ويزدوج في تركيب الكلام التنغيم الذي يحدد طابع الجملة إن كانت نداء أو تعجباً أو استفهاماً ، وهو يترجم حال المتكلم من غضب أو دهشة أو رغبة، وهو المنحنى اللحني للجملة التي تقاس بتغير ارتفاع الصوت أو العقل، وليس من ناحية وجودها الطبيعي الذي وجدت فيه بالكل، وعندما عقلت عُقلت أجزاء ومفاصل لأن تلك ميزة العقل، وهي التقسيم والترتيب والتوزيع لإدراك كنه المؤسسات البشرية ومن بينها اللغة، وهكذا نختلف معه لأن الوجود الطبيعي سابق للوجود العقلي هذا . من ناحية، ومن ناحية ثانية فإن العقل يظل قاصراً مهما بلغ من القوة عن إدراك كنه كل ما هو طبيعي، وبجميع تفاصيله وجزئياته وعلاقاته .
وتتماشى الأسماء مع طبيعة الأشياء، وتدخل الكلمة «الإسم» كرمز كإشارة أو دليل أو بديل للشيء الذي تعبر عنه سواء أكان من المظاهر الطبيعية أو المشاعر الإنسانية، كما أن قدرة الإنسان على إدراك المؤتلف والمختلف أو المتشابه وغير المتشابه من القدرات الأساسية التي تظهر عنده في وقت مبكر من حياته الأولى، ولكن إلى وقت ليس بالبعيد لم يكن يدرك أن الطيور هي زواحف ريشية على سبيل المثال.
وحين يقع بصر الإنسان على الأشياء المحسوسة يخلط بينها أول الأمر، ثم يتمكن رويداً رويداً من إدراك المتشابه وغير المتشابه فيميز الأسود من الأبيض والصغير من الكبير، والباب النافذة وتصبح الصورة كتابة من حين تعتمد كلمة واحدة بعينها، وتحدد لفظاً ،بعينه، وهذه الكلمة «الصورة» هي التي كانت الخطوة الحقيقية باتجاه الكتابة السومرية القديمة والهيروغليفية المصرية .
ولازالت الكتابة الصينية تدل كل علامة كتابية فيها على كلمة بحالها، كما كان الشرق القديم يعرف ذلك في بداية الكتابة، ولكن رسوم الشرق القديم عبرت عن معانٍ أخرى ملموسة وواقعية هي الأفعال عندما صورت كلمة تحدّث بفم مفتوح وكلمة قطف بيد تمتد إلى الشجرة، وبكى بعين تدمع وهكذا .
وفيما يقوله محمد محمود رضوان في كتاب تعليم القراءة للمبتدئين ما يوضح ذلك فهو يرى أن الطفل يرى صورة الكلب أو القط . ويسمع لفظهما على لسان أهله فيتحدد في ذهنه مدلول الكلمتين ثم يرتبط الشكل باللفظ ، فإذا سمع بعد ذلك اللفظ لوحده ولم تكن صورته حاضرة، فهم المدلول واستحضر في مخيلته الصورة دون عناء، وهكذا يمكن القول أن الإنسان ينتقل بالتدريج من أشكال الأشياء إلى صور الكلمات فيستخدمها للتمييز بين الأشياء كلما دعت الحاجة لذلك .
وكما تختص الجملة بالتنغيم، تختص الكلمة بالنبر الذي هو بحكم التعريف ازدياد ووضوح جزء من أجزاء الكلمة في السمع عن بقية ما حوله هذا من أجزائها، ومرجع الوضوح إلى عنصرين : يرتبط أحدهما بظاهرة علو الصوت وانخفاضه، وهذه الظاهرة ترتبط بدورها بحركة الحجاب الحاجز الذي يضغط على الرئتين، ليفرّغ ما فيهما من هواء، تؤدي زيادة كميته إلى اتساع مدى ذبذبة الأوتار الصوتية .
وينقسم النبر من حيث القوة والضعف إلى قسمين :
1 ـ النبر الأولي ويكون في الكلمات والصيغ جميعاً لا تخلو واحدة
2 - النبر الثانوي : ويكون في الكلمة أو الصيغة الطويلة نسبياً، إذ يمكن لهذه الكلمة أن تبدو للوهلة الأولى كما لو كانت كلمتين عند سماعها بالأذن كما يقول الدكتور تمام حسان في كتابه «اللغة العربية معناها ومبناها» ويضرب على ذلك مثلا كلمة مستحيل التي هي بوزن كلمتين عربيتين، هما بعد ميل، ولكن اللغة العربية لا تعطي النبر معنى وظيفياً في الصيغة أو الكلمة، ولا أثر له في المعنى، ويمكن ضبطه بقاعدة لأنه محدد المكان في البلاد الأجنبية لأن الإماء كن من الأجنبيات، وان أراد كلمة الشرب رسم صورة الفم وفي داخله الماء .
وبالمحصلة لم تكن الطريق التي أوصلت السومريين إلى الكتابة
المقطعية طويلة ، إذ انتبهوا إلى وجود كلات أشاروا فيها إلى صورة تتألف من
مقطع صوتي واحد مثل كلمة «مو» التي تعني اسم أو كلمة «كا» التي تعني
«فم» أو كلمة «تي» التي تعني حياة .
وقد أدت تسجيلات الكلام ودراسة طيفه في العلوم اللسانية الحديثة
إلى التأكد من وجود مقاطع متتابعة في إخراج الكلام، وشاهد العلماء أثناء
تسجيل الذبذبات الصوتية لجملة ما أنها تسير في شكل خط متموج يتكون
من قمم ووديان ، وتلك القمم هي أعلى ما يصل إليه الصوت من الوضوح ،
وتحتل الصوائت في معظم الأحيان تلك القمم تاركة الوديان للصوامت ،
لذلك اعتمد علماء الأصوات على دراسة المقطع كوحدة صوتية أساسية في
تحليل السلسلة الكلامية .
ولما كان حرف المد لا ينطق به منفصلا، فقد قرن بالصوت المتحرك
قبله، وكان هذا هو السبب في ورود «لا» ضمن الأبجدية العربية كمقطع
المقصود به توضیح المد بالألف مقترناً بصوت متحرك قبله ، يتلاقى في
مع المقاطع الطبيعية الموجودة في كلامنا العربي مثل «آ» فهي علامة مقطعية
دالة على الفرح والاستحسان والبهجة والسرور والحبور وكذلك «أو» علامة
للتعجب والدهشة والاستغراب و«إي» التي اصطلح أن تكون بنقطة
واحدة تمييزاً لياء الإمالة عن اختها الياء المشبعة وهي علامة للجواب والموافقة
وهناك، «إي» علامة للحزن والامتعاض والتقزز وما إلى ذلك من المعاني
الأخرى المختلفة لمثل هذه المقاطع .
ويظل المقطع في تعريفه العام وحدة لغوية أصغر من الكملة، وأكبر
من الحرف، وهو الوحدة التي تعين الطفل في التعرف على الكلمة التي تتألف
من مقطع واحد أو من مقطعين، ويمكن لنا تدريبه على كلمات ذات معنى
من مقطعين بسيطين مكررين مثل بابا، ماما، نانا، دادا .
ويعرف بعض العلماء المقطع بأنه نبضة صدرية، أو وحدة منفردة
تحرك الرئتين، ولا تتضمن أكثر من قمة كلامية، أو نفخة من هواء الصدر،
ومن خلال هذا المنظور يمكن أن نفهم لماذا تبنى الأوزان الشعرية وإيقاعاتها
وتحلل في معظم الأحيان على أساس المقاطع الصوتية التي تأتي مباشرة بعد
الصوت اللغوي من حيث الأبعاد الزمنية في النطق، والمكانية في الكتابة .
كما يميز علماء الأصوات بين نوعين من المقاطع :
أ ـ المقطع المفتوح الذي ينتهي بصائت قصير أو طويل .
ب ـ المقطع المغلق الذي ينتهي بصامت.
ويفضل ابن رشد بين المقطع الممدود والمقطع المقصور كما يفرع ابن
سينا المقطع إلى ممدود ومقصور، فيتطابق تحديده مع ما تضبطه الأصوات
الحديثة من مقاطع قصيرة وأخرى طويلة.
بهذا الحرف كالراية والرب والرابية والرفش وغير ذلك من الكلمات المبدوءة
بحرف الراء، لما كان كل ذلك فإن أجدادنا القدماء استطاعوا بمهارتهم
اللغوية تحليل الكلمات إلى مقاطع، والمقاطع إلى حروف، وابتكروا الرموز
التي تمثلها، وخطوا بذلك أول السطور في فن القراءة والكتابة كما سنرى
لاحقاً في بحث حرف المبنى في الفصل الثاني من هذا القسم.