يكاد يُجمع المؤرخون المسلمون على أن أصل الأتراك يعود إلى يافث بن نوح(1)، ويبدو أنهم أعطوا الأتراك نسباً يتفق مع فكرتهم الإسلامية في تقسيم الشعوب، والحقيقة أن هذا التوجه التفسيري لأصل الأتراك بعيد عن تاريخ الإسلام والعرب وهو مستقى من العهد القديم تلقَّفه بعض اليهود وأدخلوه في الكتب التاريخية، مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه ،وغيرهما، لكن مما لا شك فيه بأن الأتراك نشأوا كأي أمة بدوية لهم ميزتهم الطبيعية والقومية التي اشتهروا بها في موطنهم الأصلي في آسيا الوسطى، وشغلوا المنطقة الواقعة بين التبت والصين في الشرق، وجاوروا الجنس الآسيوي القديم السيبري في الشمال والشعوب الأغورية في الغرب، ويحد بلادهم جبال الهملايا من الجنوب، وهضبة البامير من الجنوب الغربي، وجبال ألتاي وبابلونوي وستانوفوي من الغرب وجبال كنجان وكوكونور من الشرق، ويبدو من خلال ذلك أن موطنهم يشمل المناطق الواقعة بين نهري جيحون وسيحون أو الإقليم المسمى في المصطلح الإسلامي باسم بلاد ما وراء النهر(2).
ولم تكن هذه المنطقة، وفقاً لمفهوم الجغرافيين المسلمين تدخل ضمن تركستان؛ لأن هذا الاسم كان يُقصد به بلاد الترك بعامة أي الأصقاع الممتدة بين دار الإسلام وامبراطورية الصين والتي كان يقطنها الأتراك والمغول الرحل (3).
انتشرت الديانة الشامانية (4) بين الأتراك كما عرفوا البوذية (5)، والزرادشتية (6)، والنصرانية النسطورية (7)، ونلمس في عقائدهم آثاراً طوطمية (8)، والغالب عليهم الزندقة على مذهب ماني (9). اتصف العنصر التركي بصفات البدو متأثراً بالبيئة التي عاش فيها، مثل الشجاعة والغلظة والشراسة والذود عن الأسرة والمجاهدة للخصم والحماية للرهط والعشيرة والغيرة والصبر على الشدائد وغيرها من الصفات البدوية.
..............................................
(1) الطبري، محمد بن جرير تاريخ الرسل والملوك 1/206؛ المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين: أخبار الزمان ومن أباده الحدثان ص75؛ ابن خلدون عبد الرحمن بن محمد العبر وديوان المبتدأ والخبر ... المعروف بتاريخ ابن خلدون جـ 2 ص 67.
(2) ما وراء النهر: أطلق المسلمون على المنطقة المتحضرة الواقعة بين نهري جيحون، وسيحون ما وراء النهر، ويقصدون بالنهر نهر جيحون الحد الفاصل بين الأقوام الناطقة بالفارسية والتركية إيران وطوران، فما كان في شرقيه يُقال له بلاد الهياطلة، وما كان في غربه فهو خراسان وولاية خوارزم وهي ليست من خراسان إنما هي إقليم آخر وأشهر مدن ما وراء النهر: بخاري، سمرقند، کش، بیکند، الصغانيان فرغانة الصغد، الشاش، أشروسنة، خجندة وغيرها.
= انظر: الحموي شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت معجم البلدان جـه ص 45 - 47 .
(3) بارتولد ف. ف تركستان من الفتح العربي إلى الغزو المغولي ص 145. يشير كثير من المؤرخين القدماء والمحدثين إلى الأصل المشترك للأتراك والمغول، وهناك عدد من العرقية من جهة اللغة بخاصة تبين أن الأتراك أنسباء قريبون من المغول. انظر: الجويني، عطا ملك: تاريخ جهان كشاي جـ 1 ص 14. ابن الأثير أبو الحسن علي: الكامل في التاريخ ج 10 ص 335. بارتولد ف. ف تاريخ الترك في آسيا الوسطى (114، 170، 171). فامبري، أرمينيوس: تاریخ بخاری ص 161.
(4) الديانة الشامانية قائمة على الوثنية وترتكز على عبادة عوامل الطبيعية على عادة المجتمعات البدوية، ويسجد الشامانيون للشمس عند طلوعها؛ والشامان كاهن ومنجم وطبيب وساحر.
(5) البوذية نسبة إلى بوذا (564 - 483 ق. م) وضع بوذا الذي ولد في النيبال، فلسفة أخلاقية أراد من خلالها صقل النفس وغرس اليقين والقناعة في الفكر وتنقية البدن بالزهد ومقاومة الأهواء، ولم يقل إنه وضع ديناً، لكن ما حصل بعد وفاته أن نسج أتباعه حوله هالة من القدسية وأقاموا له المعابد.
(6) الزرادشتية: نسبة إلى زرادشت مؤسس ديانة في بلاد فارس في القرن السادس قبل الميلاد وتسمى بالمجوسية. يعتقد الزرادشتيون بوجود إلهين إله الخير والنور ويسمونه اهورامزدا، وإله الشر والظلمة ويدعونه، آهرمان وهما في صراع دائم، ومن أجل ذلك أطلقت على الزرادشتية اسم الثنوية، ودخلت النار عاملاً رئيساً في عبادة الزرادشتيين، وبيوت النار عندهم مراكز العبادة يؤمنون بالله وبنبوة زرادشت وكتابهم هو الزندافستا كما يؤمنون بالآخرة ونهاية العالم، ويعتقدون بأن الإنسان مخير، ولهم وجود في إيران والهند.
(7) النصرانية النسطورية: نسبة إلى أحد الآباء اللاهوتيين ويُدعى نسطوريوس، تولى بطريركية القسطنطينية (428 – 431 م). ويعتقد النساطرة أن للمسيح طبيعتين متميزتين، اللاهوتية والناسوتية، وللأخيرة إرادة وفعل يختلف عن الطبيعة الأولى، وأن اتحاد اللاهوت بالناسوت كاتحاد الماء يُلقى بالزيت فكل منهما باق بحسبه.
(8) تسمى الأتراك بأسماء حيوانات مثل أرسلان ويعني. أسد. والطوطم كائن كانت تحترمه بعض القبائل الموغلة في البدائية، ويعتقد أفرادها بوجود صلة نسب بينه وبينهم، وقد يكون الطوطم حيواناً أو نباتاً.
(9) المانوية نسبة إلى ماني ولد في عام 216م، وظهر في، فارس، ادعى النبوة وقال بأن المسيح بشر به يقول ماني بالنور والبراءة من الظلمة ومبدأ العالم كونان منفصلان هما النور.
= والظلمة. فرض ماني على أتباعه العُشر في الأموال والصلوات الأربع في اليوم والليلة، والدعاء إلى الحق وترك الكذب والسرقة والقتل والزنا والبخل والسحر، والغالب على تعاليمه الاشتراكية.