بعد زوال الدولة السامانية عن مسرح الأحداث في أواخر القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، حلَّ الغزنويون محلهم وكان السلاجقة خلال ذلك قد أنشأوا قوة عسكرية نظامية يُخشى بأسها ويُرهب جانبها. ويبدو أن إسرائيل الابن الأكبر لسلجوق، قد تبوأ مركز الزعامة حيث نجد له ذكراً بوصفه حليف علي تكين الأمير الخارج عن طاعة القراخانيين والمعارض للسلطان محمود الغزنوي، وكان يطمع بالانفراد بحكم بلاد ما وراء النهر، فاستولى على بخاری متحدياً بذلك سلطة الزعيم الغزنوي وقدرخان ،يوسف زعيم القراخانيين وملك المشرق(1)، ما دفع الأول إلى القيام بحملة عسكرية ضد بلاد ما وراء النهر لخلعه فعبر نهر جيحون مبرراً حملته بأن سكان بخارى ومدن ما وراء النهر استنجدوا به ليخلصهم من ظلم علي تكين، كما أن هذا رفض السماح لرسله بالمرور عبر أراضيه في طريقهم إلى ملوك تركستان الشرقية(2). كانت نتيجة الحملة أن هرب علي تكين من دون أن يصطدم بالقوات الغزنوية، أما إسرائيل فقد دخل الصحراء مع أتباعه للاحتماء من جيش السلطان محمود الغزنوي (3) أدرك السلطان محمود الغزنوي بعد هذه الحملة للسلاجقة من قوة وبأس، كما شعر بمدى الخطر الذي يُمكن أن يُشكّلوه على دولته واحتمال الاستيلاء على بعض الولايات إذا ما سار إلى الهند؛ فقرّر القضاء عليهم، وشجعه قدرخان القراخاني على ذلك. وعقد العاهلان اجتماعاً خارج سمرقند (4) في عام (415 هـ / 1024م) لتحديد أسس التفاهم بينهما وتعيين مناطق الحدود بين الدولتين الغزنوية والقراخانية، واتفقا بنتيجة المباحثات على:
- توحيد قواتهما وجهودهما لانتزاع بلاد ما وراء النهر من علي تكين، وإعطائها إلى يغان تكين الابن الثاني لقدرخان.
- التقارب الأسري بالزواج، فيتزوج يغان تكين كريمة محمود، زينب، ويُزوّج قدرخان كريمته لمحمد الابن الثاني لمحمود (5).
ويبدو أن موضوع السلاجقة جاء عرضاً خلال مباحثاتهما، حيث شكا قدرخان من ازدیاد قوتهم وكثرة جنودهم واستيلائهم على المراعي الموجودة في نور بخارى والصغد وسمرقند، وطلب من محمود العمل على القضاء عليهم قبل نهوضه لغزو الهند، والواقع أن محموداً لم يكن بحاجة إلى من يحثه على تحجيم قوة السلاجقة المتعاظمة؛ لأنه كان قد وجه اهتمامه إليهم منذ بداية تواجدهم في المنطقة.
وهكذا، فإن ظهور السلاجقة كقوة جديدة على المسرح السياسي أصبح يُحسب حسابها في تقدير الموقف الذي سيسود هذه المنطقة من جراء التوسع السلجوقي، وأخذ الغزنويون يتوجسون خيفة من ذلك، لذا قرر السلطان محمود استعمال الحيلة للقبض على إسرائيل وتشتيت أتباعه فأرسل إليه يدعوه للقائه بالقرب من شاطىء نهر جيحون لعقد اتفاق صداقة وتعاون بينهما (6).
خُدع السلاجقة بهذه الحيلة، وصدَّقوا بما جاء في رسالة السلطان محمود ووثقوا بها اعتماداً منهم على الوفاء بين المسلمين (7)، فهرع إسرائيل مع بعض خواصه وأعيان قومه مع عشرة آلاف، فارس، فلما علم السلطان محمود بمقدمهم، خشي العاقبة، فأرسل إلى إسرائيل يطلب منه القدوم من دون قوته العسكرية؛ لأن هدفه أن ينعم برؤيته ويستظهر به.
امتثل إسرائيل لطلب السلطان وسار إليه مع بعض خواصه وأعيان قومه مصطحباً ابنه قتلمُش في جماعة من خيرة فرسان السلاجقة يُقدَّرون بثلاثمائة فارس، فاستقبلهم السلطان محمود وبالغ في إكرام إسرائيل، فأجلسه على طرف سريره، وأراد الوقوف على القوة الفعلية للسلاجقة ليحدد خطوته التالية، فعرض عليه عقد ميثاق تحالف وتعاون للقضاء على كل ثائر على الدولة الغزنوية في خراسان، والاشتراك معه غزوته لبلاد الهند حباً بالجهاد (8). رحب إسرائيل بهذه الفكرة وأجابه: الن يكون منا تقصير في خدمتكم (9) وهو يجهل ما يُدبَّر له ولقومه وتظاهر السلطان محمود بالمحبة وهو يُضمر الخديعة والشر، ثم استدرجه ليعلم منه مقدار ما يستطيع أن من الجيوش، فأخبره، وهو غافل عن أمره بأنه يمكنه أن يُجند نحو مائتي ألف فارس ما هال السلطان محمود فازدادت مخاوفه من كثرة عدد جنوده (10).
وأقام السلطان محمود الولائم لأعضاء الوفد مدة ثلاثة أيام حتى أسرفوا في الشراب واستغرقوا في نوم عميق عندئذ قيَّدهم بالحديد وحملهم إلى السجون. أما إسرائيل فقد سُجن في قلعة كالنجر في بلاد الهند حيث بقي سبع سنوات رهينة تكفل للسلطان محمود إخلاد السلاجقة إلى الهدوء والسكينة ونكب ببعض أتباعه وهجر بعضهم الآخر إلى خراسان حيث وضع الخراج عليهم (11).
كان لتلك الحادثة أثرها المؤلم في نفوذ السلاجقة الذين صمموا على الثأر لزعيمهم إسرائيل بالانتقام من الغزنويين كما ازدادوا حذراً وحيطة. خلف ميكائيل بن سلجوق أخاه إسرائيل في زعامة السلاجقة، وأدرك بثاقب بصره أن قوة السلاجقة أضعف من قوة الغزنويين بعدما تفرقوا، وأن الصواب هو مهادنتهم، لذلك آثر التريث وأخذ يجمع شتات، قومه وأرسل إلى السلطان محمود يلتمس منه الإذن بعبور نهر جيحون إلى نسا (12)، وباورد (13) في خراسان؛ لأن مقامهم
ضاق بهم، وأن مراعيهم أضحت لا تفي بحاجة مواشيهم (14).
علم أرسلان الجاذب، حاكم طوس، بالتماس السلاجقة، فكان له رأي آخر، فنصح السلطان محمود برفض التماسهم؛ لأنهم سوف يُشكلون خطراً على الدولة الغزنوية بسبب كثرة فرسانهم ووفرة أعدادهم، وأشار عليه بأن يقطع إبهام كل رجل ليأمن شرهم، أو أن يُغرقهم جميعاً في نهر جيحون، فهال السلطان هذا العقاب، فتجاهل نصيحة حاكم طوس ظناً منه أن السلاجقة قد ضعفوا بعد الأحداث الأخيرة بدليل:
- أنهم يفتقرون إلى قيادة قوية تُؤمن استمرار مسيرتهم بعد أسر زعيمهم إسرائيل.
- أنهم لم يثوروا احتجاجاً لما حل بقادتهم.
- أنهم توقفوا عن مضايقة الدولة الغزنوية.
ونتيجة لهذا الظن ردَّ على الحاكم قائلاً: إني لا أهتم بأمرهم، ولا خشية لي من أمثالهم، ثم سمح لهم فعبروا النهر واستقروا في إقليم خراسان بين نسا وباورد، وكان ذلك في عام (418هـ / 1027م) (15).
والواقع أن السلاجقة منذ دخولهم في الإسلام كانوا يحاولون، تحت ضغط الأحداث السياسية والأوضاع الاقتصادية، أن يجدوا لهم مخرجاً وأرضاً يهاجروا إليها، وقد حققوا هدفهم بعبور النهر إلى خراسان. والحقيقة أن السلطان محمود أخطأ حين وافق على السماح لجموع السلاجقة بعبور النهر إلى خراسان وقد ندم فيما بعد على ذلك (16)؛ لأن هذا العبور يسر لهم حرية الحركة والانتشار في مرج دندانقان (17)، وكان بداية لمرحلة جديدة في حياتهم أتاحت لهم تأسيس دولة ومضايقة الدولة الغزنوية.
لم يكد السلاجقة يستقرون في المناطق الجديدة حتى راحوا ينمون قدراتهم العسكرية، ويتحينون الفرص للانقضاض على أراضي الدولة الغزنوية، ويبدو أنهم تخلوا عن حياة الهدوء والاستقرار، وعادوا إلى طبيعتهم البدوية، فقاموا بأعمال الشغب ومضايقة الناس والإغارة على المدن والقرى المجاورة، ما دفع سكانها إلى الطلب من السلطان محمود العمل على ابعادهم من جوارهم.
استجاب السلطان محمود لنداء الاستغاثة، فخرج من غزنة في عام (419هـ/ 1028م) على رأس جيش كبير قاصداً طوس عن طريق بست، الواقعة بين غزنة وهراة وسجستان واجتمع بحاكم المدينة الذي شرح له حقيقة الموقف، فأمره السلطان بأن يخرج على رأس الجيش ويجلي السلاجقة عن المنطقة، ثم لحق به.
والتقى الجيشان الغزنوي والسلجوقي في رباط فراوة (18)، ودارت بينهما رحى معركة طاحنة انتصر فيها الجيش الغزنوي، وقتل من السلاجقة أعداد كبيرة من بينهم أربعة آلاف فارس وفرَّ من نجا إلى بلخان (19)، ودهستان (20).
توفي السلطان محمود الغزنوي في عام (421 هـ / 1030م)، وكان ميكائيل قد توفي قبله في السنة نفسها وكان له ثلاثة أولاد هم بيغو وجفري بك داوود وطغرلبك محمد فخلفه الأخير الذي أعاد توحيد العشائر السلجوقية الضاربة في إقليم ما وراء النهر وتدعيم قوتها وساعده أخوه جفري في تلك المهمة (21).
كان طغرلبك وجفري بك فارسين ،مقدامين نشآ تنشئة عسكرية حتى لنراهما يشتبكان في حروب متلاحقة مع أقوى الأمراء في آسيا الوسطى، أمثال أيلك خان في بخارى، وبغراخان في كاشغر وتمتعا بنفوذ كبير داخل العشائر السلجوقية، وبدا من أمرهما ما يُنبيء بأنهما سوف يبلغان بالسلاجقة ذروة القوة، ووضعا نصب أعينهما هدفاً هو إقامة دولة للسلاجقة، فمضيا متحدين في العمل على تنفيذه، وراحا يتحينان الفرص للانقضاض على الدولة الغزنوية في منطقة خراسان، وإقليم ما وراء النهر، وصرفا حياتهما الأولى في الهرب من وجه خصومهما اتقاء لعداوتهم، ولما آنسا من نفسيهما القوة ارتدا إلى مواجهة هؤلاء الأعداء(22).
........................................................
1- الراوندي: ص 148. ابن الأثير: جـ 8 ص 7.
2- ابن الأثير: جـ 8 ص 7.
3- المصدر نفسه.
4- يذكر البيهقي أن اللقاء بين العاهلين تم على باب سمرقند ص79. الراوندي: ص 147، 148.
5- البيهقي: المصدر نفسه: ص211.
6- الراوندي: ص 147، 148.
7- المصدر نفسه: ص 148.
8- الراوندي: ص 148، 149؛ اليزدي محمد بن محمد بن عبد الله بن النظام الحسيني: العراضة في الحكاية السلجوقية ص 22.
9- الراوندي: ص 149.
10- المصدر نفسه.
11- ابن الأثير: جـ 8 ص 7.
12- نسا مدينة بخراسان بينها وبين سرخس، يومان وبينها وبين مرو خمسة أيام الحموي: ص282.
13- باورد هي أبيورد بلد بخراسان بين سرخس ونساء المصدر نفسه: ج1 ص333.
14- الراوندي: ص 153.
15- المصدر نفسه: ص 154 المستوفي القزويني: ص 435
16- الحسيني: ص3.
17- دندانقان بلدة بين سرخس ومرو. الحموي: جـ 4 ص 477.
18- رباط فراوة: بليدة من أعمال نساء بينها وبين دهستان وخوارزم الحموي: جـ4 ص 245.
19- بلخان: مدينة خلف باورد المصدر نفسه: جـ 1 ص 479.
20- دهستان: بلد مشهور في طرف مازندران قرب خوارزم وجرجان، بناها عبد بن طاهر في خلافة المهدي المصدر نفسه: جـ 2 ص 492. انظر: الكرديزي، أبو سعيد عبد الحي بن الضحاك بن محمود زين الأخبار ص70، 71.
21- طغرلبك وجفري لفظان تركيان الأول مصغر دوغراول أي القصاب، وهو مشتق من فعل دو غرامق أي أن يذبح أما الثاني فمعناه اللامع أو المتألق وهو من مصدر جقمق أي أن يلمع انظر: الحسيني ص4.
22- فامبري: ص 129