قصور بني ذي النون
وتذكرت بما وصفه من مجلس الناصر ما حكاه غير واحد عن القصر العظيم الذي شاده ملك طليطلة المأمون ابن ذي النون بها (1) ، وذلك أنه أتقنه إلى الغاية، وأنفق عله أموالا طائلة، وصنع في وسطه بحيرة، وصنع في وسط البحيرة قبة من زجاج ملون منقوش بالذهب، وجلب الماء على رأس القبة بتدبير أحكمه المهندسون، فكان الماء ينزل من أعلى القبة على جوانبها محيطا بها ويتصل بعضه ببعض، فكانت قبة الزجاج في غلالة مما سكب (2) خلف الزجاج لا يفتر من الجري، والمأمون قاعد فيها لا يمسه من الماء شيء ولا يصله، وتوقد في الشموع فيرى لذلك منظر بديع عجيب، وبينما هو فيها مع جواريه (3) ذات ليلة إذ سمع منشدا ينشد:
أتبني بناء الخالدين، وإنما ... بقاؤك (4) فيها لو علمت قليل
لقد كان في ظل الأراك كفاية ... لمن كل يوم يقتضيه رحيل
(528)
فنغص عليه حاله، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، أظن أن الأجل قد قرب (5) ، فلم يلبث بعدها غير شهر وتوفي، ولم يجلس في تلك القبة بعدها، وذلك سنة 467، تجاوز الله تعالى عنه، هكذا حكاه بعض مؤرخي المغرب.
وقد ذكر في غير هذا الموضع من هذا الكتاب حكاية هذه القبة بلفظ ابن بدرون (6) شارح العبدونية فليراجع.
وتذكرت هنا قول أبي محمد المصري (7) في صفة قصر طليطلة:
قصر يقصر عن مداه الفرقد ... عذبت مصادره وطاب المورد
نشر الصباح عليه ثوب مكارم ... فعليه ألوية السعادة تعقد
وكأنما المأمون في أرجائه ... بدر تمام قابلته أسعد
وكأنما الأقداح في راحاته ... بد جماد ذاب فيه العسجد وله في صفة البركة والقبة عليها:
شمسية الأنساب بدرية ... يحار في تشبيهها الخاطر
كأنما المأمون بدر الدجى ... وهي عليه الفلك الدائر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الذخيرة 4: 102 وما بعدها.
(2) ق ط ج: من ماء سكب.
(3) ق: وجواريه.
(4) ك: مقامك.
(5) ق: أظن الأجل قرب.
(6) ق: ابن زيدون - وهو خطأ - .
(7) الذخيرة 4: 109.