قبساتٌ من سيرةِ زعيمِ الحَوزةِ العلميةِ السيّدُ أبو القاسمِ الخُوئي (قُدِّسَ سِرُّهُ)

سلطانُ الفُقهاء

قبساتٌ من سيرةِ زعيمِ الحَوزةِ العلميةِ السيّدُ أبو القاسمِ الخُوئي (قُدِّسَ سِرُّهُ)

آذربيجان.. أرضُ الجمالِ والإبداعِ  ، أخرَجتْ لنا قِدّاحاً فاحَ في أرجاءِ الأرضِ ، من سُلالةِ أميرِ المحبينَ وسيِّدِ الموحدينَ(عليهِ السلامُ) ،  سلطانُ الفُقهاءِ وزعيمُ كُرسيِّ التدريسِ لأكثرَ من نصفِ قرنٍ من الزمانِ ، مُلهمُ الأعلامِ ومُثبّتُ الإيمانِ، فقيهُ المكانِ والزمانِ آيةُ اللهِ العظمى السيّدُ أبو القاسمِ الموسويُّ الخُوئي(قُدِّسَ سِرُّهُ).

إنْ كانَ التبريزيُّ -الشاعرُ الصوفيُّ- قدْ ألهمَ مدينةَ (خُوي) فاعتزّتْ بهِ ، فإنَّ سيدَنا الخُوئي قد رَفعَ اسمها في كلِ مكانٍ ، فعادَتْ  تُذكرُ كلَ صباحٍ عشراتُ المراتِ في النجفِ وكربلاءَ وحتى مشهدَ وقُم ، وسائرَ الأمصارِ والبقاعِ الإسلاميةِ، فإنْ كانتْ قد أنجبتهُ للحياةِ فإنّهُ قد دوَّنها في سجلِ الخلودِ ما دامتْ الحياةُ باقيةً ، فوُلِدتْ بولادتهِ سنةَ (ألفٍ وثمانمئةٍ وتسعةٍ وتسعين) 1899للميلاد.

في عامِ (ألفٍ وثلاثمئةٍ وثلاثين) 1330 للهجرةِ ،  عندما بلغَ سنَّ الثالثةِ عشرَ -حيثُ ربيعُ العمرِ وحلاوةُ الصِبا- إنتقلَ الى مدينةِ النجفِ الأشرفِ كهفِ المعرفةِ وملاذِ العلماءِ ، لينهلَ من أشهرِ أساتذتِها وكِبارها ، أمثالُ الميرزا  النائيني والسيدُ مُحسن الحكيم وآغا ضياءِ الدين العراقي ، وبعدَ سنواتٍ من السعيِّ والطلبِ ، صارَ سيدُنا الخُوئي مُعلِّماً مُلهَماً ، قد حازَ على ثقةِ العلماءِ والفضلاءِ ، فأخذَ يزحفُ إليهِ طلابُ العلمِ والمعرفةِ من كلِّ حَدبٍ وصَوبٍ ، وتزعّمَ كرسيَّ التدريسِ والمرجعيةِ حتى وفاتهِ ، وقَلَبَ النجفَ في أحلكِ الظروفِ إلى حاضرةٍ علميةٍ معرفيةٍ شكّلت خطراً رهيباً على أعتى نظامٍ دكتاتوريٍّ عرفهُ العراقُ ... فسرعان ما بدأ النظامُ يشنُ هجماتهُ التعسفيةَ وملاحقاتَهُ المشؤومةَ وتجسساتَهُ الخبيثةَ ، فدفعتْ الحوزةُ العلميةُ ضريبةً نفيسةً جداً ، إذْ أعطتْ الكثيرَ من العلماءِ والفضلاءِ في مضمارِ الجهادِ والإصرارِ على المبدأِ ، وقد دفعَ سيدُنا الخُوئي فَلْذاتَ أكبادهِ في روضةِ  الاستشهادِ ، إضافةً لتعرُّضهِ للاعتقالِ والمُساءلةِ من قِبلِ الطاغيةِ المقبورِ.

إنَّ ما يثيرُ الدهشةَ حقاً إنَّكَ لا تجدُ اليومَ عمامةً إلا ونهلتْ من مَعينهِ وتَربّتْ على يديهِ أو أيدي تلامذتهِ ، فقد درّسَ الآلافَ من الرجالِ ، وخرّجتْ مدرستهُ الفقهيةُ والأصوليةُ كِبارَ علماءِ اليومِ ، وأشهرَ حَمَلَةِ علومِ أهلِ البيتِ (عليهم السلامُ) حيثُ توزَّعوا في أرجاءِ المعمورةِ فصارَ اسمُهُ في كلِّ مكانٍ مع المساجدِ والمكتباتِ حيثُما وُجِدتْ.

لم يكتفِ السيدُ الخُوئي بالدرسِ والتدريسِ وتعليمِ وتربيةِ أجيالِ طلبةِ العلمِ ، بل راحَ يسعى لبناءِ المؤسساتِ ودورِ العلمِ والمعرفةِ ، إضافةً لرعايةِ الناسِ في ظروفِ الحصارِ المقيتِ الذي مرَّ بهِ العراقُ.

لقد كانتْ أياماً عصيبةً للغايةِ ، إلا أنَّهُ استطاعَ أنْ يُشيّدَ مدرسةً علميةً فكريةً ويُربِّي المئاتَ من العلماءِ ليحفَظوا مسيرةَ الدينِ ، هذا مع انشغالِهِ بالمرجعيةِ ومقتضياتِها ولوازِمها. ومَن يكونُ بهذا الانشغالِ  كيفَ لهُ أنْ يكتبَ ويصنِّفَ ويؤسِّسَ ويرعى ويهتمَ ! إلا أنَّ التوفيقَ الإلهيَّ لا يعرِفُ الحدودَ والأقدارَ البشريةَ.

لقد كانَ أمةً كاملةً منصهرةً في شخصيةِ رجلٍ تراهُ الناسُ فرداً واحداً ، إلا أنَّهُ كانَ كياناً إمامياً خالصاً قد عَبرَ بالحوزةِ العلميةِ الى عُمقِ البحثِ وأصالةِ المعرفةِ.

ولمِا كانَ لكلِّ إنسانٍ قِسطاً من العُمرِ مُقدَّراً ومُبرماً لهُ فقد رحلَ عنّا زعيمُ الحوزةِ العلميةِ حينما بلغَ الرابعةَ والتسعين من عمرهِ  في الثامنِ من صفر سنةَ (ألفٍ وأربعمئة وثلاثةَ عشر) 1413للهجرةِ ، ودُفنَ في  مسجدِ الخضراءِ عند جدِّهِ (عليهِ السلامُ) في ظروفٍ صعبةٍ للغايةِ بعدَ أنْ صلّى عليهِ تلميذُه البارُّ المرجعُ الدينيُّ الأعلى السيدُ عليٌّ الحُسينيُّ السيستاني ، تاركاً خلفَهُ الملايينَ مِنَ الذينَ يدعُونَ له بُكرةً وعَشِيّا.

 

 

 

المزيد

ENGLISH

بحث في العناوين     بحث في المحتوى     بحث في اسماء الكتب     بحث في اسماء المؤلفين

القرأن الكريم وعلومه
العقائد الأسلامية
الفقه الأسلامي
علم الرجال
السيرة النبوية
الاخلاق والادعية
اللغة العربية وعلومها
الأدب العربي
الأسرة والمجتمع
التاريخ
الأدارة والاقتصاد
علم الفيزياء
علم الكيمياء
علم الأحياء
الرياضيات
الزراعة
الجغرافية
القانون
الإعلام

رمز الامان : 1257