منهجُ سيرٍ للباري تعالى
اعلموا أيّها الإخوان السّالكون طريق النّجاة ، أنّ غرضي من وضع هذه الرّسالة ليس توبيخا لرجل معيّن أو رجلين ، أو تعرّضا بحال واحد بعينه أو اثنين من المتشبّهين بأرباب الكمال المتزيّين بزيّ أهل الوجد والحال ، المحاكين - مع تورّطهم في الشّهوات وقصور نظرهم كالنّسوان والصّبيان على اللّذّات - حكاية البالغين من الرّجال ، المتقلّدين - مع تحلّيهم بحيلة النّاعمات في الحجال - أقوال الأبطال .
بل غرضي التّنبيه والإعلام لمن له ذوق سليم وقلب صحيح على فساد الزّمان وانحراف أكثر النّاس عن جادّة السّلوك إلى طريق العلم والعرفان ، وفشوّ داء الضّلال والجهل والهذيان في أبناء الدّوران ؛ حيث انتشر غياهب ظلمات العمى والضّلالة في القلوب والأذهان إلى غاية يعدّون البطالة والتّعطّل في أمور الآخرة والدّين نهاية وجدان التّقرّب في السّلوك إلى ربّ العالمين ، ويحسبون دعابة الشّيطان وغلبة الوسواس واستيلاء الوهم بالأفكار الباطلة والخيالات الفاسدة النّاشئة من صرف الوقت فيما لا يعنى من باب إلهامات الحقّ وإشارات عالم الملكوت .
فذكرت جملة من مقامات السّالكين طريق الآخرة وصفاتهم وملكاتهم ، وجملة من أوصاف أضدادهم البطّالين الطّالبين للدّنيا ؛ ليكون المريد الصّادق على بصيرة في اتّباع من يسلك سبيل الحقّ وطريق الصّدق ، ويتميّز عنده العارف الكامل المكمّل عن الجاهل الضّالّ المضلّ ، وينفصل لديه الأعمى المنافق عن البصير المحدّق، والحبر الخبير عن العامي النّكير . لئلّا يضلّ في الطّريق ويؤدّي أمره إلى الخسران المبين بسبب اتّباع الشّياطين المفسدين وطاعة المضلّين المعطّلين، الّذين يجعلون الإنسان الّذي يتبعهم حينا من الأحيان بريئا من أشغال الدّنيا واكتساب المعيشة الّذي فيه نوع إعانة للخلائق وعريّا من فرائض الدّين وتحصيل العلم واليقين الّذي به يحصل الفوز بالدّرجات الأخروية والقرب عند الخالق.
وليكون فيما كرّرنا بيانه من مذمّة الجهل وحبّ الدّنيا ومحمدة المعرفة وطلب الآخرة حثّا للطّالبين ، وترغيبا للسّالكين في تحصيلهم واكتسابهم المعارف الإلهيّة والمعالم اليقينيّة المنوّرة لقلوبهم في استكشاف الحقّ واليقين ، ورفضهم واجتنابهم عن اللّذّات الدّنياويّة والشّهوات الجسمانيّة المكدّرة لنفوسهم المظلمة لقلوبهم المنزّلة لأرواحهم منزلة البهائم والحشرات المردية لها إلى أسفل السّافلين ومهوى المردة الشّياطين .
فمن تأمّل في فصول هذه الرّسالة تأمّلا شافيا ممعنا ، وتفكّر في مقاصده وأصوله تفكّرا كافيا مشبعا ، ينبعث لا محالة منه - إن كان ذا فطرة صافية صحيحة خالية عن أمراض الحسد والعناد، وقريحة ذكيّة مستقيمة خالصة عن أسقام الجهل والعصبيّة واللّداد - شوق قويّ إلى إمعان الفكر والنّظر في المعارف الحقّة والإلهيّات ، والمطالب العالية والمعاني الكشفيّة الرّبوبيّة ، الّتي بها يبلغ الإنسان من جهة تكميل القوّة العلميّة إلى مرتبة الملائكة المقرّبين وأهل الولايات والكرامات من أصحاب الدّين ، ويحدث له حرص شديد على تطهير القلب عن الدّنيا والميل إلى زهراتها ، وتغسيل الباطن عن درن الصّفات الذّميمة والملكات الرّذيلة ، الّتي بها يتيسّر له من جهة تكميل القوّة العمليّة النّجاة من منزل الشّياطين والخلاص عن درجة النّازلين في مهوى السّافلين ، فيطير نفسه المتقوّية بجناحي العلم والعمل إلى جوار ربّ العالمين .
أمّا طريق العلم ، فبيّنّا كيفيّة سلوكه مجموعة في كتابنا المسمّى ب « الحكمة المتعالية » الملقّب ب « الأسفار الأربعة » ومتفرّقة في مواضع من كتبنا ورسائلنا .
وأمّا طريق العمل ، فتفاصيل الأعمال مستنبطة من كتب اللّه وأحاديث نبيّه وأوليائه الطّاهرين ( سلام اللّه عليهم إلى يوم الدّين ) استنباطا بالأفكار العقليّة والأنظار العلميّة ؛ كما أنّ تفاصيل العلوم مستنبطة من الكتاب والحديث استنباطا بالأطوار السّرّيّة والأذواق التّألّهيّة الّتي هي فوق طور الفكر والنّظر بمقدّمات المجاهدة وأوضاع السّلوك لسبيل الرّياضة .
وإذا بلغ الكلام إلى هذا المقام ، فلنختم الرّسالة ببيان شروط الإرادة وفرائض المريد ومقدّمات سعيه واجتهاده.
اعلم أنّ من شاهد حقارة الدّنيا وفناءها وعلم عظم الآخرة وبقاءها - إمّا بحسب تقليد إيمانيّ أو بحسب عرفان قلبيّ برهانيّ - أصبح بالضّرورة مريدا لحرث الآخرة مشتاقا إليها سالكا سبيلها مستهينا بنعيم الدّنيا . فإنّ من كان معه خرزة فرأى جوهرة نفيسة ، لم يبق له رغبة في الخرزة وقويت رغبته وإرادته في بيعها بالجوهرة . فمن ليس مريدا حرث الآخرة طالبا للقاء اللّه ، فهو لعدم إيمانه باللّه واليوم الآخر إيمانا قلبيّا ، دون تحريك اللّسان بالكلمتين أو حديث القلب بهما . فإذن المانع من الوصول عدم السّلوك ، والمانع منه عدم الإرادة ، والمانع منها عدم الإيمان ، والسّبب لعدمه عدم قوّة التّفطّن بحقائق الأمور ؛ لاستيلاء الهوى والشّهوات وغلظة الحجب وتراكم الظّلمات ، وعدم الهداة المذكّرين لأحوال المبدأ والمعاد ، وفقد العلماء باللّه واليوم الآخر الهادين إلى طريق اليقين ، والمنبّهين على حقارة الدّنيا وانقراضها وعظم أمر الآخرة ودوامها .
فالنّاس ، حيث إنّهم غافلون ، قد انهمكوا في شهوتهم وغاصوا في رقدتهم ، وليس في علماء الدّين من ينبّههم. فإن طلب أحد طريقا إليهم ، وجدهم مائلين إلى الهوى عادلين عن نهج الآخرة ويوم الدّين . فصار ضعف الإرادة والجهل بالطّريق ونطق العلماء بالهوى أسبابا قاطعة لطريق اللّه عن السّالكين .
ومهما كان المطلوب محجوبا والدّليل مفقودا والهوى غالبا والطّالب غافلا ، امتنع الوصول وتعطّلت الطّرق . فإن تنبّه متنبّه من نفسه أو من غيره وانبعث له إرادة في حرث الآخرة وتجارتها ، فينبغي أن يعلم أنّ له شروطا لا بدّ من تعديلها في بداءة الإرادة ؛ وله معتصم لا بدّ من التّمسّك به؛ وله حصن لا بدّ من التحصّن به ليأمن من الأعداء القطّاع لطريقه؛ وله وظائف لا بدّ من ملازمتها في وقت سلوكه .
أمّا الشّروط ، فهو رفع الحجاب والسّدّ الّذي بينه وبين الحقّ . فإنّ حرمان الخلق عن الحقّ سببه تراكم الحجب ووقوع السّدّ على طريقهم . قال ( سبحانه ) : وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ.
والحجب أربعة : المال والجاه والتّقليد والمعصية.
فلا بدّ أن يرفع عن نفسه الأوّل بالتّفريق والإخراج عن ملكه ، إلّا قدر ضرورته، لئلّا يكون قلبه مشغولا ولو بدرهم ، لأنّه بقدره يحجبه عن الحقّ.
والثّاني بالبعد عن مواضع الجاه وبإيثار التّواضع والخمول والهرب من أسباب الذّكر والشّهرة .
والثّالث بأن يترك التّعصّب لمذهب دون مذهب ، ويطلب حقيقة الأمر في اعتقاداته الّتي تلقّفها تقليدا من المجاهدة لا من المجادلة .
والرّابع بالتّوبة والخروج من المظالم وتصميم العزم على عدم العود وتحقيق النّدم على ما مضى وردّ المظالم وإرضاء الخصوم . لأنّ ما لم يرفع حجب المعاصي بما ذكر ، فيستحيل أن يفتح للسّالك باب المكاشفة .
فإذا قدّم هذه الشّروط ، كان كمن تطهّر وتوضّأ للصّلاة الّتي هي معراج المؤمن ، فيحتاج إلى إمام يقتدي به وأستاد يتأسّى به ليهديه إلى سواء السّبيل .
وهذا هو المعتصم للمريد بعد تقديم الشّروط المذكورة ، فليتمسّك به تمسّك الأعمى على شطّ البحر بالقائد ، بحيث يفوّض إليه أمره بالكلّيّة ولا يخالفه في صدوره ووروده ؛ حتّى قيل : إنّ المريد بين يدي الشّيخ كالميّت بين يدي الغاسل ، يقلّبه من حال إلى حال كيف يشاء وهو لا يتكلّم معه ولا يردّ عليه ، وذلك لأنّ خطاء شيخه أكثر نفعا في حقّه من صواب نفسه .
فإذا وجد مثل هذا المعتصم ، فيجب عليه أن يعصمه بحصن حصين يدفع عنه قواطع الطّريق ؛ وهي أمور خمسة جمعها الشاعر في قوله :
صمت وجوع وسهر و عزلت وذكرى بدوام * نا تمامان جهان را بكند كار تمام
(مضمون البيت: الصمت والجوع والسهر والعزلة ودوام الذكر تجعل غير الكاملين كاملين)
أمّا الجوع ، فلتنفيض دم القلب وتبييضه ، وفي تبييضه تنويره ، ولإذابة شحم الفؤاد وفي ذوبانه رقّته الّتي هي مفتاح المكاشفة ، كما أنّ قسوته سبب الحجاب .
وأمّا السّهر ، ففيه جلاء القلب وصفاؤه وتنوّره منضافا إلى الصّفاء والنّور الحاصلين بالجوع ، حتّى يصير القلب كالكوكب الدّرّيّ والمرآة المجلوّة يلوح فيه حقائق الأمور .
والسّهر أيضا نتيجة الجوع ، فإنّه مع الشّبع غير مقدور ، والنّوم يقسّي القلب ويميته إلّا بقدر الضّرورة . وقيل في صفة الأبدال : إنّ أكلهم فاقة ، ونومهم غلبة ، وكلامهم ضرورة .
وأمّا الصّمت ، فلأنّ الكلام يشغل القلب ؛ وشره القلوب للكلام عظيم ، فيتروّح إليه . فالصّمت يلقح العقل ويجلب الورع ويعلّم التّقوى .
وأمّا العزلة والخلوة ، ففائدتهما دفع الشّواغل وضبط السّمع والبصر ، فإنّهما دهليزا القلب . فلا بدّ من سدّ الحواسّ إلّا عن قدر الضّرورة . وليس ذلك إلّا بالجلوس في مكان مظلم . فإن لم يكن مكان مظلم ، فيلفّ رأسه في الجيب أو يتدثّر بكساء أو إزار . ففي مثل هذه الحالة يسمع نداء الحقّ ويشاهد جلال الحضرة الرّبوبيّة . ألا ترى أنّ نداء رسول اللّه ( ص ) بلغه ، وهو على مثل هذه الصّفة ؟ فقيل له : يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ.
فهذه الأربعة جنّة المريد وحصن يدفع عنه القواطع والعوارض القاطعة لطريقه . فيشتغل بعد ذلك بسلوك الطّريق ويقع عليه اسم « السّالك » .
والسّلوك عبارة عن قطع العقبات بين العبد وبين اللّه . وليست هي إلّا صفات القلب الّتي عمدتها التعلّق بالدّنيا ، وهو رأس كلّ خطيئة . وبعض تلك العقبات أعظم من بعض ؛ والترتيب في قطعها الاشتغال بالأسهل فالأسهل .
وهذه الصّفات الذّميمة أسرار العلائق الّتي قطعها في أوّل الإرادة وآثارها الباقية . فلا بدّ أن يخلي الباطن عن آثارها كما أخلى الظّاهر عن أسبابها الظّاهرة .
وفيه يطول المجاهدة ويختلف ذلك باختلاف الأحوال .
وطريق المجاهدة في كلّ صفة غالبة ذميمة مضادّة الهوى ومخالفة الشّهوة بترجيح ما يقابلها ، ليضعف ولم يبق تعلّق القلب بها .
فإذا فعل المجاهدة ، شغله الشّيخ بذكر يلزم قلبه على الدّوام ؛ ويمنعه من تكثير الأوراد الظّاهرة ، بل يقتصر على الرّواتب والفرائض ؛ ويكون ورده وردا واحدا ، وهو لباب الأوراد وثمرتها ، أعني ملازمة القلب لذكر اللّه بعد الخلوّ من ذكر غيره ، حتى يكون في صورة العاشق المشتهر الّذي ليس له إلّا همّ واحد ، فيلتزم زاوية يتفرّد به ويأكل من القوت الحلال قدرا يسيرا .
وعند ذلك يلقّنه الشّيخ ذكرا من الأذكار الّذي يراه مناسبا له، حتّى يشتغل به لسانه وقلبه ولا يزال يواظب عليه ، حتّى يسقط حركة لسانه ويكون الكلمة كأنّها جارية على اللّسان من غير تحريك . ثمّ لا يزال يواظب ، حتّى يسقط الأثر عن اللّسان ويبقى صورة اللّفظ في القلب . ثمّ لا يزال كذلك ، حتّى ينمحي عن القلب حروف اللّفظ وصورته ويبقى معناه وحقيقته لازما للقلب حاضرا معه غالبا عليه .
ويعتريه عند ذلك خواطر ، يفتح عليه باب . وربّما يرد عليه من وساوس الشّيطان ما هو كفر أو بدعة . ومهما كان كارها له ومشمّرا لإماطته عن القلب ، لم يضرّه ذلك .
وهي منقسمة إلى ما يعلم قطعا أنّ اللّه ( تعالى ) منزّه عنه ، فلا يبالي به ويفزع إلى الذّكر ويستعيذ باللّه ليدفعه عنه ، كما في قوله: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ؛ وإلى ما يشكّ فيه ، فيعرضه وسائر ما يجده في قلبه من الأحوال ويستره عن غيره .
ثمّ إنّ شيخه ينظر في حاله ويتأمّل في ذكائه وكياسته . فإن وجده ذكيّا ، أمره بالتّفكّر ليتنبّه من نفسه على حقيقة الحقّ ويقذف في قلبه من النّور ما يكشف له ذلك ؛ وإن علم أنّ مثله لا يقوى عليه ، ردّه إلى الاعتقاد الصّحيح بما يحتمله قلبه من وعظ أو ذكر دليل قريب من فهمه .
ولا بدّ للشّيخ أن يتأنّق ويتلطّف . فإنّ هذه مهالك الطّريق ومواقع أخطارها .
وكم من مريد اشتغل بالرّياضة ، فغلب عليه خيال فاسد لم يقو على كشفه ، فانقطع عليه طريقه واشتغل بالبطالة وسلك طريق الإباحة . وذلك هو الهلاك العظيم .
والبلاهة المحضة أدنى إلى الخلاص من التّجرّد للفكر . فإنّ من اشتغل بالفكر ودفع الشّواغل والعلائق عن قلبه ، فقد ركب سفينة الخطر . فإن سلم ، كان من ملوك الدّين ؛ وإن أخطأ ، كان من الهالكين . ولذلك قال ( صلّى اللّه عليه وآله ): « عليكم بدين العجائز » .
ثمّ المريد المتجرّد للذّكر والفكر قد يقطعه قواطع كثيرة من العجب والرّياء والفرح ممّا ينكشف له من الأحوال وما يبدو من أوائل الكرامات . ومهما التفت إلى شيء من ذلك وشغل به نفسه ، كان ذلك فتورا في طريقه ووقوفا . بل ينبغي له أن يلازم حاله جملة عمره ملازمة العطشان الّذي لا يروّيه البحار ولو أفيضت له ، ويدوم عليه ورأس ماله الانقطاع عن الخلق والخلوة . فإذا داوم على ذلك وحصل قلبه مع اللّه ، انكشف له جلال الحضرة الرّبوبيّة وتجلّى له الحقّ وظهر له من لطائف رحمة اللّه ما لا يجوز أن يوصف ، بل لا يحيط الوصف به أصلا .
فهذا منهاج رياضة المريد وتربيته في التّدريج إلى لقاء اللّه ( تعالى )، لخّصناه من بعض كتب أهل العرفان.
المصدر: كسر أصنام الجاهلية، صدر الدين الشيرازي، ص217-228.
1
قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)