مثل عراقي شائع، يقال لمن لا يتقن عمله او فشل فيه فيلقي بفشله على غيره.
يخادع نفسه قبل غيره بأنّه لا ذنب له في فشله !!
الكثير من الشباب - عافاهم الله - في هذا البلد، ينقمون على الشيعة ويذمّونهم، بسبب الطبقة السياسية الحاكمة.
فبسبب فسادهم وحبهم للدنيا - كحبهم لإمهاتهم (١) - قد تكونت لديهم صورة ذهنية وحكموا بها كقانون او كقاعدة صحيحة لا خطأ فيها، مقدمتها أنّ الشيعي اذا حكم فنتيجتها فساد البلاد والعباد !!
والادهى من ذلك، أنّ رجل الدين هو أصل الفساد وخراب الدين والدنيا !!
عزيزي المعترض، تعال لنفكر بهدوء و رويّة، هل كل شيعي وصل للسلطة يعني أنّه بالضرورة فاسد وسارق للمال العام ؟!
فهل منطقياً التعميم على الكل بسبب نتيجة الجزء ؟!
أذكر لك نموذجين في التأريخ من تسلم زمام السلطة من الشيعة وكيف تصرفوا :
قديماً، علي بن يقطين وهو أحد أصحاب الامام الكاظم (عليه السلام) واترك الكلام للشيخ باقر شريف القرشي لتقرأ ما سطره يراعه عنه وما قاله له الامام (سلام الله عليه) :
{ الوظيفة من قبل الجائر :
ذكرنا في البحوث السابقة حكم الإسلام في حرمة التعاون مع حكومات الظلم وأنه لا يسمح بأي حال من الأحوال للتعاون معهم
ولكن الشريعة الإسلامية استثنت من ذلك ما إذا قام الموظف بالإحسان إلى الناس فقد دلت الأخبار الواردة من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) على الجواز بل على الحث والندب فهذا علي بن يقطين قد طلب من الإمام موسى بن جعفر أن يسمح له بالاستقالة من حكومة هارون فنهاه الإمام عن ذلك وقال له《لا تفعل فإنّ لنا بك أنساً، ولإخوانك بك عزاً، وعسى الله أن يجبر بك كسيراً، ويكسر بك نائرة المخالفين عن أوليائه، يا علي كفارة أعمالكم الاحسان إلى إخوانكم أضمن لي واحدة أضمن لك ثلاثة: إضمن لي أن لا تلقى أحداً من أوليائنا إلا قضيت حاجته وأكرمته وأضمن لك أن لا يظلك سقف سجن أبداً، ولا ينالك حد السيف أبداً ولا يدخل الفقر إلى بيتك أبداً يا علي من سر مؤمنا فبالله بدأ وبالنبي ثنى وبنا ثلث》(٢)
ودل الحديث على جواز الولاية من قبل الجائر ولكنها مشروطة بإسداء المعروف على المؤمنين ودفع الغائلة عنهم ولما قدم الإمام موسى (عليه السلام) إلى العراق زاره علي بن يقطين فطلب منه الإذن بأن يقدم الاستقالة من منصبه إلى هارون فنهاه الإمام وقال له:《يا علي إن لله تعالى أولياء مع أولياء الظلمة ليدفع بهم عن أوليائه وأنت منهم يا علي》(٣) } (٤)
وأما من التاريخ القريب فإنّ أكثر النماذج اشراقاً هو الشيخ احمد القمي ( 1543م ـ 1657م ) والذي هاجر من قم المقدسة الى تايلند (٥) في سنة (1582م) واستوطن في بانكوك وهو رجل دين عادي في ظاهره لكنه كان مثالياً في أخلاقه وسلوكه وعلمه وخبرويته وقد غيّر وضع البلاد من خلال ذلك الى درجة أنّ الناس هناك يقدسونه ويعظمونه وقد توفي ودفن هنالك فبنوا على مرقده مسجداً ولا زال المسلمون بمختلف مذاهبهم بل والبوذيون ايضاً يزورون مرقده مع انه رجل دين شيعي وقد كتب على قبره أنّه إمامي اثنا عشري كما أنّ وزراء تايلند الى يومنا هذا عندما يتم تنصيبهم يقومون بزيارة مرقده مع أنهم بوذيون وليسوا مسلمين وأصبح ذلك طقساً وطنياً عندهم
لقد كان الشيخ احمد القمي مهاجراً عادياً لكنه تحول الى رمز وطني لخدماته الجليلة ومواقفه الرائعة بحيث اعطى صورة مشرقة عن دينه وايمانه واخلاقه وعلمه وعمله فاصبح قدوة للاخرين من شتى الملل والطوائف
ولقد كان الشيخ احمد بعد وصوله الى تايلند قد ابدى كفاءة ادارية عالية كما تمتع بعلاقات طيبة مع الاهالي حتى عُيّن رئيسا للجمارك فاحسن التصرف وقلل المكوس (الضرائب) على البضائع المستوردة وخفف عن الناس فاشتهر بكفاءته ونزاهته فعيّنه الملك بعد ذلك رئيساً للوزراء فأحسن وأفاد وأجاد وأبدع فاعترف الكل بشخصيته الرائعة
واللافت أنّ رجل دين شيعي هاجر من مدينة قم الى بلد غريب يتحول في فترة الى رئيس للوزراء في تايلند ذات الغالبية البوذية ثم يتحول الى رمز وطني للبلاد !!(٦)
فالحكم على كون هؤلاء الساسة الفاسدين شيعة، وأنهم هم من أتباع أهل البيت واعتبارهم اصحاب نهج اهل البيت (عليهم السلام) فهذا خطأ في المصداق، فليس كل من يدعي أنّه شيعي ويذكر اسم اهل البيت (عليهم السلام) فهو صادق وأنّه يحكم بنهجهم، فليست العلة في كونهم شيعة، وإنّما في تشيخص الشخص المناسب للسلطة والتحكم بمقدرات البلد ف《لا تأتمن الخائن وقد جربته》(٧)
فالسبب فينا نحن حينما ننتخب نفس الاشخاص ونعلم بأنّهم سرّاق وخونة ثم نلقي اللوم على الدين ورجاله وعلى شيعة اهل البيت (عليهم السلام) !!
يقول الامام علي (عليه السلام) في هذا الصدد في كتابه إلى مالك الأشتر النخعي (رضوان الله عليه) «فاصطف لولاية أعمالك أهل الورع والعلم والسياسة وتوخَ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الاسلام»(٨)
وقال في موضع آخر: «...فولّ من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولإمامك وأنقاهم جيباً(٩) وأفضلهم حلماً ممن يبطئ عن الغضب، ويستريح إلى العذر ويرأف بالضعفاء وينبو على الأقوياء(١٠) وممن لا يثيره العنف ولا يقعد به الضعف»(١١)
فهل الطبقة السياسة الموجودة حالياً فيهم من يمتلك واحدة من هذه الصفات ليكون شيعياً ؟!!
هل هؤلاء حكموا بقانون إسلامي، كالقضاء الاسلامي الذي لا يتصدى له إلا من كان فقيهاً ؟!(١٢)
ام هل عملوا بالقانون الاقتصادي الاسلامي ؟
أوَلم يقرأوا او يسمعوا قول رسول الله (صلى الله عليه واله):《لا يدخل الجنة مدمن خمر، .... ولا عشار(١٣)》(١٤)
أم هل عملوا على إباحة الارض للمواطنين واستثمارها وتعميرها كما أباح لهم بذلك الاسلام عملاً بقول المصطفى (صلى الله عليه وآله)《الارض لله ولمن عمرها》(١٥)؟!
طبعاً الجواب هو لا وألف لا.
إذن لماذا التركيز على نسبتهم للتشيع وهم أبعد ما يكونوا عن التشيع ؟! وعن الاسلام ؟!
ألا يكشف هذا عن سوء سريرة المعترض للمؤمنين الشيعة بسبب هؤلاء الشرذمة ؟!
وأختم كلامي بقوله جلّ وعلا { ولا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَليلاً وَمَنْ لَمْ يَحكُم بما أنزَلَ اللهُ فَأُولئكَ هُمُ الْكَافِرُون }
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) يقول امير المؤمنين (عليه السلام):《الناس أبناء الدنيا والولد مطبوع على حب أمه》[غرر الحكم ص٦٧]
(٢) بحار الأنوار ج٧٢ ص٣٧٩
(٣) رجال الكشي ج٢ ص٧٣١
(٤) النظام السياسي في الاسلام ص١١٦
(٥) وهي بلد اكثر نفوسها من البوذيين عدد سكانها حسب احصاء ما قبل 2004م يصل الى 65 مليون نسمة، منهم 10% مسلمين، والآن يزيد على 66 مليون نسمة (حسب ويكيبيديا) وكانت تايلند سابقاً تسمى سيام
(٦) مقتطف من دروس التفسير والتدبر لسماحة السيد مرتضى الشيرازي بعنوان ( أمواج المهاجرين ومسؤوليات المهاجر والحكومات الاسلامية والغربية )
(٧) الكافي ج٥ ص٢٩٨
(٨) بحار الانوار ج٧٤ ص٢٥٢
(٩) جيب القميص: طوقه، ويقال نقى الجيب أي طاهر الصدر والقلب والحلم: العقل
(١٠) ينبو: يشتد ويعلو عليهم ليكف أيديهم عن ظلم الضعفاء
(١١) نهج البلاغة ج٣ كتاب٥٣ ص٩١
(١٢) يقول السيد الخوئي: { بما أنّا نقطع بوجوبه الكفائي، لتوقف حفظ النظام المادي والمعنوي عليه، ولولاه لاختلّت نظم الاجتماع، لكثرة التنازع والترافع في الأموال وشبهها من الزواج والطلاق والمواريث ونحوها، والقدر المتيقن ممن ثبت له الوجوب المزبور هو المجتهد الجامع للشرائط فلا جرم يُقطع بكونه منصوباً من قبل الشارع المقدس، أما غيره فلا دليل عليه
و من ثم اعتبر الفقهاء الاجتهاد في القاضي المنصوب زائداً على بقية الشرائط } [التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الصوم ج٢ ص٨٦]
(١٣) آخذ العشر كضريبة
(١٤) الخصال ص٤٣٦
(١٥) الكافي ج٥ ص٢٧٩







د.أمل الأسدي
منذ 5 ايام
حينما تصبح النفايات مرآة لثقافة المجتمع وتمدنه
مذكرات مواطن !!
وخدشت الثقافة العراقية
EN