يُعرف التعصب بأنه شعور الفرد بأنه على حق وبأن الآخرين على باطل، ويؤدي لنشوب خلافات ومواقف وممارسات عدوانية تجاه الآخرين كاحتقارهم وعدم احترام حقوقهم والاعتراف بها، ومن الصفات التي يمتاز بها الشخص المتعصب هي حبه للتسلط وفرض رأيه، ولجوؤه للعنف لتحقيق غاياته، وعدم تقبله للغة الحوار، وعدم موضوعيته في تناول القضايا، وغروره، وتختلف أشكال التعصب؛ فمنه التعصب الديني، والسياسي، والاجتماعي، والعرقي، والقبلي، وسنتعرف في هذا المقال عن أسباب التعصب وأعراضه وعلاجه.
أن تكون ذا عصبية عمياء لعقيدتك أو لمذهبك أو لفكرتك أو لرأيك، أو لقومك وطائفتك؛ بحيث لا تقبل أيَّ حوار مع مَن يخالفُك في الأصول أو الفروع، وأن تغلقَ الأبواب والنوافذ في وجهِ كلِّ من يقترب منك إلا أن تُحاورهم بالسيف .يعيش المرء ضمن مجتمعات تحتوي على أطياف مختلفة من الناس، ويختلف هؤلاء في ثقافاتهم، ودياناتهم، ومعتقداتهم، وطريقة تفكيرهم، ونظرتهم الخاصة للأشياء، وهذا ينعكس بشكل مباشر على آرائهم التي يُبدُونَ بها تجاه مختلف الأمور، ومن الطبيعي أن يوجد الاختلاف في الرأي أو وجهة النظر من شخص إلى آخر، بحسب ما يراه الإنسان مناسبًا ومتوافقًا مع بيئته ونظام حياته، وتوجهاته الخاصة، ولا يمكن لمجتمع ما أن يكون أحادي وجهة النظر، ففي اختلاف الرأي فائدة عظيمة تتمثل في وجود العديد من الحلول الممكنة لذات المشكلة، لكن بعض الأشخاص في المجتمع يتصفون بالتزمُّت، والتشدد، وعدم قبول رأي غيرهم، ويكونون متعصبين لرأيهم.
هناك أسباب متعددة للتعصب، وقد تناولت الدراسات والكتابات العلمية في علم النفس والاجتماع أسباب ظاهرة التعصب، وإذ بها مجموعة من الأسباب المتداخلة والمتشابكة، فلا يتم تناول هذه الظاهرة من جانب واحد، ولذلك فيجب أن تكون النظرة شمولية متكاملة، ومن أهم هذه الأسباب:
1- تضخم الذات: كما قال فرعون: "ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد"، وهذه الذات المتضخمة قد تكون ذات الشخص أو ذات الجماعة أو ذات الدولة، بمعنى أنها الذات التي يرجع إليها الشخص وينتمي.
2- الشعور بالنقص الذاتي: كذلك الشعور بالنقص أو الدونية عادة ما يجعل الشخص يتعصب لأي شيء قد يجد فيه ما يكمل نقصه، كالجاهل الذي يتعصب لشيخ ما مثلاً.
3- الجهل ونقص المعرفة: فالجهل بالآخر وعدم توسيع المدارك بمعرفته والاطلاع على ما يؤمن به، يدعوه إلى التعصب ضده ورفضه وحسبنا أن نقول: إن الهجوم على الإسلام اليوم ومحاربته من كثير من الشعوب الغربية هو بسبب الجهل بمبادئه وعدم معرفته على الحقيقة هذا مع التشويه وإلقاء الشبهات المتعمد وغير المتعمد من وسائل الإعلام وغيرها.
4- تقديس البشر والغلو فيهم: كما قال تعالى: "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله" وهذا التقديس والغلو يصل إلى حد إضفاء صفة العصمة والقداسة مما يؤدي إلى التعصب لهذا الشيخ أو لهذه الجماعة.
5- الانغلاق وضيق الأفق: نجد كثيراً من الطوائف والجماعات منغلقة على ذاتها لا تسمع إلا لنفسها وتمنع أتباعها من الاستماع لغيرها وكثير من الأفكار المتطرفة والمتعصبة تنشأ في الأوكار السرية وسراديب الظلام في أجواء مغلقة تعلِّم الإرهاب ورفض الآخر والعنف الموجه وتكفير المخالف .
- التنشئة الاجتماعية: فالنشأة في أسرة تميز ضد اللون أو الجنس، أو القبيلة والجماعة، أو الفكر، وتغذي روح التعصب والتطرف ضد الآخر؛ تنتج أناساً متعصبين ومتحجرين ومتطرفين، والأسرة نواة المجتمع، وتأثير تنشئتها لابد وأن يظهر فيه، وقد يغلب فيكون التعصب هو الصبغة العامة له.
7- الفهم الخاطئ للنصوص الدينية: لا شك أن الانحراف في فهم الدين؛ من أسباب التعصب الرئيسية، فالتعصب الصليبي ضد المسلمين كان ناتجاً من فهم خاطئ لمبادئ الدين النصراني، والتعصب المذهبي الذي أدّى إلى رفض الإسلام كان ناتجاً من فهم خاطئ منهم لكهانهم.
8- ضياع الهدف أو القضية التي يعيش لها المرء: مما يجعله يتعصب لأي شيء قد يبدو بظاهره هدف/قضية يمكن أن يتمسك بها.
9- غياب أخلاقيات التعامل مع المخالف: ومن ذلك فنيات إدارة الحوار وتقبل الآخر، وكذلك غياب قيم مثل: العدل والإنصاف؛ والتجرد والتعايش معه رغم الاختلاف؛ والثناء عليه بما أصاب، والدفاع عنه إذا ظُلم وتطاول عليه الآخرون بغير حق، وغيرها من الأخلاقيات التي سنذكرها في البعد الشرعي.
10- تلبية المصالح الشخصية من مال أو جاه أو غيره: وذلك من خلال الاستفادة ممن نتعصب له، فنُسِّوق له وندافع عنه، سواء أكان شخصا أم حزبا أو دولة، وذلك للحصول على المصالح الشخصية.
11- سيادة مبدأ القوة والتعامل العنيف بين الطوائف والجماعات المختلفة: قد يولد نوعاً من التعصب.
12- غياب العدل والمساواة في بعض المجتمعات: ينتج عنه التعصب والميل للعدوان للحصول على الحقوق.
13- غياب القدوات والمثل العليا الوسطية.
14- عدم قيام المؤسسات التربوية (الأسرة، المدرسة، المسجد) بدورها في تنمية مفاهيم تقبل الأخر.
كيف يمكن معالجة التعصب ؟ معرفة أساليب التنشئة المبكرة، هل كان التعصب بسبب التعدد العشوائي أم التفكك الأسري؟ وهي الجذور النفسية لنشوء التعصّب. تجريم استخدام المقدسات الدينية لغير أهدافها لخدمة أجندة حزبية أو أفكار مشددة. تطوير الخطابات التي تدعو إلى الانفتاح على الآخر وتقبل الرأي بصدر رحب، وبالتأكيد لا يعني ذلك الانسياق لرأيه؛ بل يعني احترامه. تطوير الخطابات أيضًا التي تدعو إلى أنه ليس هنالك من حق مطلق،







د.أمل الأسدي
منذ 6 ايام
منارة موقدة العراقية : نارٌ للحجيج والإنذار
تأثير الخلل في الحاضنة على سوء تلقي الدين
الحكمة في العناية الإلهية بتغليب العدل في آخر هذه الحياة
EN