لا يوجد شخص لم ير سلسلة حديدية والتي تتكون من حلقات مترابطة حيث كل حلقة تربط الحلقة السابقة باللاحقة فتستخدم كثيراً في الآلات مثلاً المراجيح والبكرات المستعملة لرفع مواد البناء للطوابق العلوية وغيرها.
سؤال// ماذا يحدث لو فقدت إحدى هذه الحلقات ؟
بالتأكيد يعني انقطاع السلسلة، مثلاً لو انقطعت الحلقة السادسة فهذا يعني انقطاع الاتصال بين الحلقتين الخامسة والسابعة ولا بد من توفر حلقة سادسة ليتم الاتصال بين الحلقتين لترجع السلسلة كما كانت وإلا بقي الانقطاع أبد الدهر !!!
مؤكد إنك تسأل ما فائدة هذا الكلام وهو شيء بديهي لا يحتاج لإن يخبرنا به أحد لكوننا قد عايشنا هذه الحالات في حياتنا اليومية فحتى الطفل الصغير يعلم ذلك !!!
فأقول : ربما لا تكون هذه المقدمة بالفعل المقصود منها السلسلة الحقيقية فربما كان المقصود منها [ سلسلة مجازية ] كيف ؟!
لنضرب مثالاً : لو انقطعت فترة زمنية - ولو قليلة نسبياً - عن إمام زمان او حجة إلهية لساخت الارض بأهلها كما تعبر عنه الروايات الشريفة (١)
وهذه الاحاديث الشريفة لا تختص فقط بالامام المهدي (عجل الله فرجه) بل كل الائمة بل كل حجج الله من لدن آدم (عليه السلام) وإلى إمام زماننا الحجة بن الحسن (صلوات الله عليهم أجمعين).
ففي رواية عن مولى المتقين 《لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة. إما ظاهراً مشهوراً أو خائفاً مغموراً لئلا تبطل حجج الله وبيناته》(٢)
بل أكثر من ذلك ، حتى في كل زمن يحتاج الى الحجة كي يكون مقبولاً اجتماعياً لدى الناس من الناحية العمرية مثلاً كما الحال مع امامنا الباقر (عليه السلام) حيث كان عمره يقدر بحوالي (3 -- 5) سنوات في معركة الطف وكان بإمكان الامام السجاد (عليه السلام) بدون أن يكون هنالك سبب لمرض يمنعه من ان يجاهد بين يدي الامام سيد الشهداء (عليه السلام) ويستشهد دونه وتحفظ الامامة في الامام الباقر دون الامام السجاد؟!
ولكن نرى صريحاً قول الامام الحسين عليه السلام 《يا أم كلثوم خذيه -اي الامام السجاد- لئلا تبقى الأرض خالية من نسل آل محمد صلى الله عليه وآله》(٣)
كيف يعبر الامام سيد الشهداء (عليه السلام) بانقطاع نسل آل محمد مع أن الامام الباقر موجود ؟!
والجواب انه يرى ان السلسلة تنقطع بمقتل الامام السجاد وأن الامر لا يتم بالوجه الأتم والأكمل لو قتل الامام السجاد معه وكان الباقر هو من يتولى زمام الإمامة بعده مباشرة !!
وذلك لانه - اي الامام الباقر - غير مقبول اجتماعياً ليتقبله الناس إماماً بعكس الامام الجواد (عليه السلام) حيث كان الناس قد تربوا بمرور عدة أجيال بجهود الائمة (عليهم السلام) على تقبل الامام وهو صغير العمر!!
ولكن هذه التربية لم تكن قد حصلت في زمان الامام الباقر ليتقبله الناس، ولذلك كان الامام سيد الشهداء نافذ البصيرة وحكيماً في فعله وقوله
وفي هذا الصدد يذكر السيد الشهيد الصدر السبب ويوضحه بقوله :
{ إن المراد إبقاء الامام السجاد عليه السلام ليمارس الامامة بعد ابيه الحسين عليه السلام فإننا وان كنا نعلم انه لا فرق في اهل البيت عليهم السلام بين الصغير والكبير الا انه من الصعب تحمل الشيعة يومئذ وقبولهم بإمامة الباقر عليه السلام وهو ابن ثلاث سنوات تقريباً فلا بد من بقاء السجاد عليه السلام كشخص كبير يمكن الاعتراف به اجتماعياً }(٤)
فكما نرى سلسلة الحلقات تكون مستمرة ومتواصلة ولا يتوقف الامر فقط على المعصومين بل حتى على الفقهاء والعلماء العدول فهم أمناء الرسل على حلاله وحرامه على حد تعبير خاتم المرسلين (عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأتم التسليم)(٥)
فلا يخلو زمن من عالم يسير الله على يديه حوائج المؤمنين في مسائلهم الفقهية ورد الشبهات عنهم و...الخ
فلو انقطعت فترة زمنية قليلة من عالم واحد من الذين نذروا أنفسهم لخدمة الدين والمذهب ووفقوا ليكونوا المرجع الاعلى في زمانهم - كالشيخ المفيد والطوسي والانصاري وغيرهم - لانقطعت هذه السلسلة.
وقد حاول كثير من الاعداء والنواصب كسر هذه السلسلة وحل هذا الترابط منذ قديم الزمان والى الآن بمختلف الاشكال منها ما كان بالسلاح والعنف بالحديد والنار ومنها ما كان بالتشويش وبث الشبهات والاكاذيب والكلام الملفق عليهم ليبعدوا الناس عنهم وبالتالي عن دين الله ولكن بمن من الله بتوفيق منه وتمسكهم بدينهم ومعرفتهم بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم صبروا وتحملوا الأذى المادي والنفسي.
ومن باب المثال وفي زماننا الحديث أذكر مثالاً :
وهو ما حدث في زمن الطاغية صدام ، جلكم او لعله كلكم تعلمون أنه كان في العراق في عدة حوزات في غير النجف الأشرف منها حوزة سامراء التي أسسها السيد محمد حسن الشيرازي - المعروف بالمجدد الشيرازي الكبير وهو صاحب الفتوى في ثورة التنباك - ومنها حوزة الحلة ومنها الخالص ومنها بغداد بالإضافة الى كربلاء.
وقد تمكن الطاغية وأزلامه من تدميرها جميعاً عدا النجف الاشرف ولعله في كربلاء بقيت صورياً ولم تتعافى الى الآن بشكل عام علمياً
وقد أكد النظام على أزلامه بتدمير حوزة النجف بالذات كونها أكبر منبع علمي خصوصاً وأن فيها اكبر مرجعيتين المتمثلتين بالسيد محسن الحكيم وزعيم الحوزة السيد ابو القاسم الخوئي.
ومع ذلك فإن العلماء والأسر الدينية الذين كانوا فيها تحملوا المشقة والأذى منهم السيد الخوئي (قدس سره) الذي عانى منهم الضغوط ومحاولة اغتياله وإياذئه وقتل أولاده و...الخ
وأما أسرة آل الحكيم فحدث ولا حرج أكثر من 70 شخصاً قد اعتقلوا وعذبوا وقتلوا وتعرضوا لأشد انواع العذاب والتنكيل البدني والنفسي
ونراهم رغم ذلك لم يتنازلوا عن دينهم لدرجة على حسب ما يذكرها السيد رياض الحكيم في مذكراته عن والده المرجع الديني المعاصر السيد محمد سعيد الحكيم حيث ينقل من مواقفه في مذكراته أنه :
{ صلابته وجرأته : حيث برز ذلك خلال فترة الاعتقال الطويلة والظروف الصعبة والمتنوعة التي مرت بنا وبباقي المعتقلين فلم يكن يظهر عليه أي وهن في أحلك الظروف وأصعبها، مما جعله قدوة في الصبر والصمود لنا ولباقي المعتقلين والسجناء، حتى كانوا يتعجبون من صموده، حتى أن صدام كامل - صهر الطاغية ورئيس جهاز الأمن الخاص - الذي كان يشرف شخصياً على تعذيبه في معتقل الرضوانية على خلفية أحداث الانتفاضة الشعبية عام ۱۹۹۱م، قال له أثناء تعذيبه بالكيبلات و أسلاك الكهرباء كيف تتحمل أن تصبر وجسمك ضعيف؟! } (٦)
ويذكر أيضاً في موضع آخر : { ...... كان الحجة الشيخ هادي القرشي خائفاً على مصير الأسرة بسبب موقفها السلبي تجاه النظام، وكذلك كثرة العلماء وطلبة العلوم الدينية بينهم، فكان يحبذ أن نتخفى بالدراسة والتدريس، ولا نمارسها في الملأ العام، لكن السيد الوالد لم يوافقه على مقترحه، لأنه لا ينبغي إنهاء الطابع العلمي لمدينة النجف ..... } (٧)
والآن نعود للسؤال الاول ماذا لو أن هؤلاء العلماء من هذا الجيل انقطعوا عن التدريس وإنهاء الطابع العلمي لحوزة النجف ؟
ولو أنهم تركوا العلم أو أعطوا للنظام ما يريدون وقرروا أن يكونوا هم الحلقة المقطوعة من السلسلة التي لم تنقطع بمرور الزمن، فماذا سيحصل للدين والمذهب ؟؟!!
أظن أن الاجابة واضحة ومعلومة عندكم الآن ، وأظن أنكم قد تنبهتم ما فائدة مراجع الدين في زماننا والذين نسمع كثيراً من شباب هذا الزمن الذين يتطاولون عنهم بالسوء وشتمهم و....الخ
ومع ذلك نراهم شامخين لا تهزهم ريح !!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) الأصول الستة عشر ص١٦
(٢) نهج البلاغة ج٤ ص٣٧
(٣) بحار الانوار ج٤٥ ص٤٦
(٤) شذرات من فلسفة تأريخ الحسين ص١٢٨
(٥) بحار الانوار ج٧٢ ص٣٨٠
(٦) مذكرات في سجون الطاغية ص٢٩٦
(٧) المصدر السابق ص٢٢_٢٣







د.أمل الأسدي
منذ 5 ايام
في ذكرى سقوطه
المرجعية ردّت كل الشبهات ضد المرجعيات عبر التأريخ
هل كان الشيخ الوائلي يعلم؟!
EN