المرجع الالكتروني للمعلوماتية
المرجع الألكتروني للمعلوماتية

القرآن الكريم وعلومه
عدد المواضيع في هذا القسم 13791 موضوعاً
تأملات قرآنية
علوم القرآن
الإعجاز القرآني
قصص قرآنية
العقائد في القرآن
التفسير الجامع

Untitled Document
أبحث عن شيء أخر



تفسير الاية (1-30) من سورة الفجر  
  
7851   11:25 صباحاً   التاريخ: 9 / 2 / 2018
المؤلف : اعداد : المرجع الإلكتروني للمعلوماتية
الكتاب أو المصدر : تفاسير الشيعة
الجزء والصفحة : ......
القسم : القرآن الكريم وعلومه / التفسير الجامع / حرف الفاء / سورة الفجر /


أقرأ أيضاً
التاريخ: 9 / 2 / 2018 7852

قال تعالى : {وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (5) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14) فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ} [الفجر: 1 - 16].

 

تفسير مجمع البيان
- ذكر الطبرسي في تفسير هذه  الآيات (1) :

{والفجر} أقسم الله سبحانه بفجر النهار وهو انفجار الصبح كل يوم عن عكرمة والحسن والجبائي ورواه أبو صالح عن ابن عباس وقيل هو فجر ذي الحجة لأن الله تعالى قرن الأيام به فقال {وليال عشر} وهي عشر ذي الحجة عن مجاهد والضحاك وقيل فجر أول المحرم لأنه تتجدد عنده السنة عن قتادة وقيل يريد فجر يوم النحر لأنه يقع فيه القربان ويتصل بالليالي العشر عن أبي مسلم وقيل أراد بالفجر النهار كله عن ابن عباس وليال عشر يعني العشر من ذي الحجة عن ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد والضحاك والسدي وروي ذلك مرفوعا شرفها الله ليسارع الناس فيها إلى عمل الخير وقيل هي العشر الأواخر من شهر رمضان في رواية أخرى عن ابن عباس وقيل إنها عشر موسى للثلاثين ليلة التي أتمها الله بها.

 {والشفع والوتر} يعني الزوج والفرد من العدد كله عن الحسن قال أبو مسلم هو تذكير بالحساب لعظم ما فيه من النفع والنعم بما يضبط به من المقادير وقيل الشفع والوتر كل ما خلقه الله تعالى لأن جميع الأشياء إما زوج وإما فرد عن ابن زيد والجبائي وقيل الشفع الخلق لأنه قال وخلقناكم أزواجا والوتر الله تعالى عن عطية العوفي وأبي صالح وابن عباس ومجاهد وهي رواية أبي سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) وقيل الشفع والوتر الصلاة ومنه شفع ومنها وتر وهي رواية ابن حصين عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) وقيل الشفع يوم النحر والوتر يوم عرفة عن ابن عباس وعكرمة والضحاك وهي رواية جابر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) والوجه فيه أن يوم النحر يشفع بيوم نفر بعده وينفرد يوم عرفة بالموقف وقيل الشفع يوم التروية والوتر يوم عرفة وروي ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام) وقيل إن الشفع والوتر في قول الله عز وجل فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه فالشفع النفر الأول والوتر يوم النفر الأخير وهو الثالث وأما الليالي العشر فالثماني من ذي الحجة وعرفة والنحر عن ابن الزبير وقيل الوتر آدم شفع بزوجته عن ابن عباس وقيل الشفع الأيام والليالي والوتر اليوم الذي لا ليل بعده وهو يوم القيامة عن مقاتل بن حيان وقيل الشفع صفات المخلوقين وتضادها العز والذل والوجود والعدم والقدرة والعجز والعلم والجهل والحياة والموت والوتر صفة الله تعالى إذ هو الموجود لا يجوز عليه العدم والقادر لا يجوز عليه العجز والعالم لا يجوز عليه الجهل والحي لا يجوز عليه الموت وقيل الشفع علي وفاطمة (عليهما السلام) والوتر محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) وقيل الشفع الصفا والمروة والوتر البيت الحرام.

 {والليل إذا يسر} اختلفوا في المراد به على وجهين (أحدهما) أنه أراد جنس الليالي كما قال والليل إذ أدبر أقسم بالليل إذا يمضي بظلامه فيذهب حتى ينقضي بالضياء المبتدىء ففي سيره على المقادير المرتبة ومجيئه بالضياء عند تقضيه أدل دلالة على أن فاعله يختص بالعز والجلال ويتعالى عن الأشباه والأمثال وقيل إنه إنما أضاف السير إليه لأن الليل يسير بمسير الشمس في الفلك وانتقالها من أفق إلى أفق وقيل إذا يسري إذا جاء وأقبل إلينا ويريد كل ليلة عن قتادة والجبائي والوجه الآخر أن المراد به ليلة بعينها تمييزا لها من بين الليالي ثم قيل إنها ليلة المزدلفة لاختصاصها باجتماع الناس فيها بطاعة الله تعالى وفيها يسري الحاج من عرفة إلى المزدلفة ثم يصلي الغداة بها ويغدو منها إلى منى عن مجاهد وعكرمة والكلبي.

 {هل في ذلك قسم لذي حجر} أي هل فيما ذكر من الأقسام مقنع لذي عقل ولب يعقل القسم والمقسم به وهذا تأكيد وتعظيم لما وقع القسم به والمعنى أن من كان ذا لب علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيه عجائب ودلائل على توحيد الله توضح عن عجائب صنعه وبدائع حكمته ثم اعترض بين القسم وجوابه بقوله {أ لم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد} وهذا خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) وتنبيه للكفار على ما فعله سبحانه بالأمم السالفة لما كفرت بالله وبأنبيائه وكانت أطول أعمارا وأشد قوة وعاد قوم هود واختلفوا في إرم على أقوال:

 (أحدها) أنه اسم لقبيلة قال أبو عبيدة هما عادان فالأولى هي إرم وهي التي قال الله تعالى فيهم وأنه أهلك عادا الأولى وقيل هو جد عاد وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عن محمد بن إسحاق وقيل هو سام بن نوح نسب عاد إليه عن الكلبي وقيل إرم قبيلة من قوم عاد كان فيهم الملك وكانوا بمهرة وكان عاد أباهم عن مقاتل وقتادة (وثانيها) أن إرم اسم بلد ثم قيل هو دمشق عن ابن سعيد المقري وسعيد بن المسيب وعكرمة وقيل هو مدينة الإسكندرية عن محمد بن كعب القرظي وقيل هو مدينة بناها شداد بن عاد فلما أتمها وأراد أن يدخلها أهلكه الله بصيحة نزلت من السماء (وثالثها) أنه ليس بقبيلة ولا بلد بل هو لقب لعاد وكان عاد يعرف به عن الجبائي وروي عن الحسن أنه قرأ بعاد إرم على الإضافة وقيل هو اسم آخر لعاد وكان له اسمان ومن جعله بلدا فالتقدير في الآية بعاد صاحب إرم وقوله {ذات العماد} يعني أنهم كانوا أهل عمد سيارة في الربيع فإذا هاج النبت رجعوا إلى منازلهم عن ابن عباس في رواية عطاء والكلبي عن قتادة وقيل معناه ذات الطول والشدة عن ابن عباس ومجاهد من قول العرب رجل معمد للطويل ورجل طويل العماد أي القامة.

 ثم وصفهم سبحانه فقال {التي لم يخلق مثلها في البلاد} أي لم يخلق في البلاد مثل تلك القبيلة في الطول والقوة وعظم الأجسام وهم الذين قالوا من أشد منا قوة وروي أن الرجل منهم كان يأتي بالصخرة فيحملها على الحي فيهلكهم وقيل ذات العماد أي ذات الأبنية العظام المرتفعة عن الحسن وقال ابن زيد ذات العماد في أحكام البنيان التي لم يخلق مثلها أي مثل أبنيتها في البلاد .

[قصة إرم ذات العماد]

قال وهب بن منبه خرج عبد الله بن قلابة في طلب إبل له شردت فبينا هو في صحاري عدن إذ هو قد وقع في مدينة في تلك الفلوات عليها حصن وحول الحصن قصور كثيرة وأعلام طوال فلما دنا منها ظن أن فيها أحدا يسأله عن إبله فنزل عن دابته وعقلها وسل سيفه ودخل من باب الحصن فلما دخل الحصن فإذا هو ببابين عظيمين لم ير أعظم منهما والبابان مرصعان بالياقوت الأبيض والأحمر فلما رأى ذلك دهش ففتح أحد البابين فإذا هو بمدينة لم ير أحد مثلها وإذا هو قصور كل قصر فوقه غرف وفوق الغرف غرف مبنية بالذهب والفضة واللؤلؤ والياقوت ومصاريع تلك الغرف مثل مصراع المدينة يقابل بعضها بعضا مفروشة كلها باللآلىء وبنادق من مسك وزعفران.

 فلما رأى الرجل ما رأى ولم ير فيها أحدا هاله ذلك ثم نظر إلى الأزقة فإذا هو بشجر في كل زقاق منها قد أثمرت تلك الأشجار وتحت الأشجار أنهار مطردة يجري ماؤها من قنوات من فضة كل قناة أشد بياضا من الشمس فقال الرجل والذي بعث محمدا (صلى الله عليه وآله وسلّم) بالحق ما خلق الله مثل هذه في الدنيا وإن هذه هي الجنة التي وصفها الله تعالى في كتابه فحمل معه من لؤلؤها ومن بنادق المسك والزعفران ولم يستطع أن يقلع من زبرجدها ومن ياقوتها شيئا وخرج ورجع إلى اليمن فأظهر ما كان معه وعلم الناس أمره فلم يزل ينمو أمره حتى بلغ معاوية خبره فأرسل في طلبه حتى قدم عليه فقص عليه القصة فأرسل معاوية إلى كعب الأحبار فلما أتاه قال يا أبا إسحاق هل في الدنيا مدينة من ذهب وفضة قال نعم أخبرك بها وبمن بناها إنما بناها شداد بن عاد فأما المدينة فارم ذات العماد التي وصفها الله تعالى في كتابه وهي التي لم يخلق مثلها في البلاد قال معاوية فحدثني حديثها فقال إن عادا الأولى ليس بعاد قوم هود وإنما هود وقوم هود ولد ذلك وكاد عاد له ابنان شداد وشديد فهلك عاد فبقيا وملكا فقهرا البلاد وأخذاها عنوة ثم هلك شديد وبقي شداد فملك وحده ودانت له ملوك الأرض فدعته نفسه إلى بناء مثل الجنة عتوا على الله سبحانه فأمر بصنعة تلك المدينة إرم ذات العماد وأمر على صنعتها مائة قهرمان مع كل قهرمان ألف من الأعوان وكتب إلى كل ملك في الدنيا أن يجمع له ما في بلاده من الجواهر وكان هؤلاء القهارمة أقاموا في بنيانها مدة طويلة فلما فرغوا منها جعلوا عليها حصنا وحول الحصن ألف قصر ثم سار الملك إليها في جنده ووزرائه.

 فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عز وجل عليه وعلى من معه صيحة من السماء فأهلكتهم جميعا ولم يبق منهم أحدا وسيدخلها في زمانك رجل من المسلمين أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عنقه خال يخرج في طلب إبل له في تلك الصحاري والرجل عند معاوية فالتفت كعب إليه وقال هذا والله ذلك الرجل.

 ثم قال سبحانه {وثمود الذين جابوا الصخر بالواد} أي وكيف فعل بثمود الذين قطعوا الصخر ونقبوها بالوادي الذي كانوا ينزلونه يعني وادي القرى قال ابن عباس كانوا ينحتون الجبال فيجعلون منها بيوتا كما قال الله تعالى وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين {وفرعون} أي وكيف فعل فرعون الذي أرسل إليه موسى {ذي الأوتاد} أي ذي الجنود الذين كانوا يشيدون أمره عن ابن عباس وسماهم أوتادا لأنهم قواد عسكره الذين بهم قوام أمره وقيل كان يشد الرجل بأربعة أوتاد على الأرض إذا أراد تعذيبه ويتركه حتى يموت عن مجاهد وعن ابن مسعود قال وتد امرأته بأربعة أوتاد ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت وقد مر بيانه في سورة ص.

 {الذين طغوا في البلاد} يعني عادا وثمود وفرعون طغوا أي تجبروا في البلاد على أنبياء الله وعملوا فيها بمعصية الله {فأكثروا فيها} أي في الأرض أوفي البلاد {الفساد} أي القتل والمعصية عن الكلبي ثم بين سبحانه ما فعله بهم عاجلا بأن قال {فصب عليهم ربك سوط عذاب} أي فجعل سوطة الذي ضربهم به العذاب عن الزجاج وقيل معناه صب عليهم قسط عذاب كالعذاب بالسوط الذي يعرف أراد ما عذبوا به وقيل إن كل شيء عذب الله به فهو سوط فأجري على العذاب اسم السوط مجازا عن قتادة شبه سبحانه العذاب الذي أحله بهم وألقاه عليهم بانصباب السوط وتواتره على المضروب حتى يهلكه.

 {إن ربك لبالمرصاد} أي عليه طريق العباد فلا يفوته أحد عن الكلبي والحسن وعكرمة والمعنى أنه لا يفوته شيء من أعمالهم لأنه يسمع ويرى جميع أقوالهم وأفعالهم كما لا يفوت من هو بالمرصاد وروي عن علي (عليه السلام) أنه قال معناه إن ربك قادر على أن يجزي أهل المعاصي جزاءهم وعن الصادق (عليه السلام) أنه قال المرصاد قنطرة على الصراط لا يجوزها عبد بمظلمة عبد وقال عطاء يعني يجازي كل واحد وينتصف من الظالم للمظلوم وقيل لأعرابي أين ربك قال بالمرصاد وليس يريد به المكان فقد سئل علي (عليه السلام) أين كان ربنا قبل أن خلق السماوات والأرض فقال أين سؤال عن مكان وكان الله ولا مكان وروي عن ابن عباس في هذه الآية قال إن على جسر جهنم سبع محابس يسأل العبد عندها أولها عن شهادة أن لا إله إلا الله فإن جاء بها تامة جاز إلى الثاني فيسأل عن الصلاة فإن جاء بها تامة جاز إلى الثالث فيسأل عن الزكاة فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابع فيسأل عن الصوم فإن جاء بها تامة جاز إلى الخامس فيسأل عن الحج فإن جاء به تاما جاز إلى السادس فيسأل عن العمرة فإن جاء بها تامة جاز إلى السابع فيسأل عن المظالم فإن خرج منها وإلا يقال انظروا فإن كان له تطوع أكمل به أعماله فإذا فرغ انطلق به إلى الجنة.

 ثم قسم سبحانه أحوال البشر فقال {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه} أي اختبره وامتحنه بالنعمة {فأكرمه} بالمال {ونعمه} بما وسع عليه من أنواع الإفضال {فيقول ربي أكرمن} فيفرح بذلك ويسر ويقول ربي أعطاني هذا لكرامتي عنده ومنزلتي لديه أي يحسب أنه كريم على ربه حيث وسع الدنيا عليه {وأما إذا ما ابتلاه} بالفقر والفاقة {فقدر} أي فضيق وقتر {عليه رزقه} وجعله على قدر البلغة {فيقول ربي أهانن} أي فيظن أن ذلك هوان من الله ويقول ربي أذلني بالفقر ثم قال {كلا} أي ليس كما ظن فإني لا أغني المرء لكرامته علي ولا أفقره لمهانته عندي ولكني أوسع على من أشاء وأضيق على من أشاء بحسب ما توجبه الحكمة ويقتضيه الصلاح ابتلاء بالشكر والصبر وإنما الإكرام على الحقيقة يكون بالطاعة والإهانة تكون بالمعصية ثم بين سبحانه ما يستحق به الهوان فقال بل إنما أهنت من أهنت لأنهم عصوني .

ثم فصل العصيان فقال {بل لا تكرمون اليتيم} وهو الطفل الذي لا أب له أي لا تعطونهم مما أعطاكم الله حتى تغنوهم عن ذل السؤال وخص اليتيم لأنهم لا كافل لهم يقوم بأمرهم وقد قال (صلى الله عليه وآله وسلّم) ((أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة)) وأشار بالسبابة والوسطى قال مقاتل : كان قدامة بن مظعون في حجر أمية بن خلف يتيما وكان يدفعه عن حقه فعلى هذا فإنه يحتمل معنيين (أحدهما) إنكم لا تحسنون إليه (والآخر) إنكم لا تعطونه حقه من الميراث على ما جرت به عادة الكفار من حرمان اليتيم ما كان له من الميراث.

{ولا تحضون على طعام المسكين} أي ولا تحثون على إطعامه ولا تأمرون بالتصدق عليه ومن قرأ {لا تحاضون} أراد لا يحض بعضكم بعضا على ذلك والمعنى أن الإهانة ما فعلتموه من ترك إكرام اليتيم ومنع الصدقة من الفقير لا ما توهمتموه وقيل إن المراد إنما أعطيتكم المال لذلك فإذا لم تفعلوه فذلك يوجب إهانتكم {وتأكلون التراث} أي الميراث وقيل أموال اليتامى عن أبي مسلم قال ولم يرد الميراث الحلال لأنه لا يلام آكله عليه قال الحسن : يأكل نصيبه ونصيب اليتيم وذلك أنهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان ويأكلون أموالهم وقيل يأكلون الميراث فيما يشتهون ولا يتفكرون في إخراج ما أوجب الله عليهم من الحقوق فيه {أكلا لما} شديدا تلمون جميعه في الأكل وقيل هو أن يأكل نصيبه ونصيب غيره عن الحسن وقيل هو أن يأكل ما يجده ولا يفكر فيما يأكله من خبيث وطيب عن ابن زيد.

 {وتحبون المال حبا جما} أي كثيرا شديدا عن ابن عباس ومجاهد والمعنى تحبون جمع المال وتولعون به فلا تنفقونه في خير وقيل يحبون كثرة المال من فرط حرصهم فيجمعونه من غير وجهه ويصرفونه في غير وجهه ولا يتفكرون في العاقبة ثم قال سبحانه {كلا} أي لا ينبغي أن يكون الأمر هكذا وقال مقاتل : معناه لا يفعلون ما أمروا به في اليتيم والمسكين وقيل كلا زجر تقديره لا تفعلوا هكذا ثم خوفهم فقال {إذا دكت الأرض دكا دكا} أي كسر كل شيء على ظهرها من جبل أو بناء أو شجر حتى زلزلت فلم يبق عليها شيء يفعل ذلك مرة بعد مرة وقيل دكت الأرض أي مدت يوم القيامة مد الأديم عن ابن عباس وقيل دقت جبالها وإنشازها حتى استوت عن ابن قتيبة والمعنى استوت في انفراشها وذهب دورها وقصورها وسائر أبنيتها حتى تصير كالصحراء الملساء.

 {وجاء ربك} أي أمر ربك وقضاؤه ومحاسبته عن الحسن والجبائي وقيل جاء أمره الذي لا أمر معه بخلاف حال الدنيا عن أبي مسلم وقيل جاء جلائل آياته فجعل مجيئها مجيئه تفخيما لأمرها وقال بعض المحققين : المعنى وجاء ظهور ربك لضرورة المعرفة به لأن ظهور المعرفة بالشيء يقوم مقام ظهوره ورؤيته ولما صارت المعارف بالله في ذلك اليوم ضرورية صار ذلك كظهوره وتجليه للخلق فقيل جاء ربك أي زالت الشبهة وارتفع الشك كما يرتفع عند مجيء الشيء الذي كان يشك فيه جل وتقدس عن المجيء والذهاب لقيام البراهين القاهرة والدلائل الباهرة على أنه سبحانه ليس بجسم {والملك} أي وتجيء الملائكة {صفا صفا} يريد صفوف الملائكة وأهل كل سماء صف على حدة عن عطاء وقال الضحاك : أهل كل سماء إذا زلزلوا يوم القيامة كانوا صفا محيطين بالأرض وبمن فيها فيكون سبع صفوف فذلك قوله {صفا صفا} وقيل معناه مصطفين كصفوف الناس في الصلاة يأتي الصف الأول ثم الصف الثاني ثم الصف الثالث ثم على هذا الترتيب لأن ذلك أشبه بحال الاستواء من التشويش فالتعديل والتقويم أولى.

 {وجيء يومئذ بجهنم} أي وأحضرت في ذلك اليوم جهنم ليعاقب بها المستحقون لها ويرى أهل الموقف هولها وعظم منظرها وروي مرفوعا عن أبي سعيد الخدري قال لما نزلت هذه الآية تغير وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) وعرف في وجهه حتى اشتد على أصحابه ما رأوا من حاله وانطلق بعضهم إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقالوا يا علي لقد حدث أمر قد رأيناه في نبي الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) فجاء علي (عليه السلام) فاحتضنه من خلفه وقبل بين عاتقيه ثم قال يا نبي الله بأبي أنت وأمي ما الذي حدث اليوم قال جاء جبرائيل (عليه السلام) فأقرأني {وجيء يومئذ بجهنم} قال فقلت كيف يجاء بها قال يجيء بها سبعون ألف ملك يقودونها بسبعين ألف زمام فتشرد شردة لو تركت لأحرقت أهل الجمع ثم أتعرض لجهنم فتقول ما لي ولك يا محمد فقد حرم الله لحمك علي فلا يبقى أحد إلا قال نفسي نفسي وإن محمدا يقول رب أمتي أمتي.

 ثم قال سبحانه {يومئذ} يعني يوما يجاء بجهنم {يتذكر الإنسان} أي يتعظ ويتوب الكافر {وأنى له الذكرى} أي ومن أين له التوبة عن الزجاج وقيل معناه يتذكر الإنسان ما قصر وفرط إذ يعلم يقينا ما قد توعد به فكيف ينفعه التذكر أثبت له التذكر ثم نفاه بمعنى أنه لا ينتفع به فكأنه لم يكن وكان ينبغي له أن يتذكر في وقت ينفعه ذلك فيه ثم حكى سبحانه ما يقول الكافر والمفرط الجاني على نفسه ويتمناه بقوله {يقول يا ليتني قدمت لحياتي} أي يتمنى أن يكون قد كان عمل الطاعات والحسنات لحياته بعد موته أو عملها للحياة التي تدوم له بقوله {يا ليتني قدمت لحياتي} العمل الصالح لآخرتي التي لا موت فيها.

 ثم قال سبحانه {فيومئذ لا يعذب عذابه أحد} أي لا يعذب عذاب الله أحد من الخلق {ولا يوثق وثاقه أحد} أي وثاق الله أحد من الخلق فالمعنى لا يعذب أحد في الدنيا مثل عذاب الله الكافر يومئذ ولا يوثق أحد في الدنيا بمثل وثاق الله الكافر يومئذ وأما القراءة بفتح العين في يعذب ويوثق فقد وردت الرواية عن أبي قلابة قال أقرأني من أقرأه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد والمعنى لا يعذب أحد تعذيب هذا الكافر إن قلنا إنه كافر بعينه أو تعذيب هذا الصنف من الكفار وهم الذين ذكروا في قوله {لا تكرمون اليتيم} الآيات وهذا وإن أطلق فالأولى أن يكون المراد التقييد لأنا نعلم أن إبليس أشد عذابا ووثاقا منه وقيل معناه لا يؤاخذ بذنبه غيره والتقدير لا يعذب أحد بعذابه لأنه المستحق بعذابه ولا يؤاخذ الله أحدا بجرم غيره.

 {يا أيتها النفس المطمئنة} بالإيمان المؤمنة الموقنة المصدقة بالثواب والبعث والطمأنينة حقيقة الإيمان عن الحسن ومجاهد وقيل المطمئنة الآمنة بالبشارة بالجنة عند الموت ويوم البعث عن ابن زيد وقيل النفس المطمئنة التي يبيض وجهها ويعطى كتابها بيمينها فحينئذ تطمئن عن الكلبي وأبي روق {ارجعي إلى ربك} أي يقال لها عند الموت عن أبي صالح وقيل عند البعث عن عكرمة والضحاك ارجعي إلى ثواب ربك وما أعده لك من النعيم عن الحسن وقيل ارجعي إلى الموضع الذي يختص الله سبحانه بالأمر والنهي فيه دون خلقه وقيل إن المراد ارجعي إلى صاحبك وجسدك فيكون الخطاب للروح أن ترجع إلى الجسد عن ابن عباس {راضية} بثواب الله {مرضية} أعمالها التي عملتها وقيل راضية عن الله بما أعد الله لها مرضية رضي عنها ربها بما عملت من طاعته وقيل راضية بقضاء الله في الدنيا حتى رضي الله عنها ورضي بأفعالها واعتقادها {فادخلي في عبادي} أي في زمرة عبادي الصالحين المصطفين الذين رضيت عنهم وهذه نسبة تشريف وتعظيم {وادخلي جنتي} التي وعدتكم بها وأعددت نعيمكم فيها .

_________________
1- مجمع البيان ، الطبرسي ، ج10 ، ص347-355.

تفسير الكاشف
- ذكر محمد جواد مغنية في تفسير هذه  الآيات (1) :

{والْفَجْرِ ولَيالٍ عَشْرٍ والشَّفْعِ والْوَتْرِ واللَّيْلِ إِذا يَسْرِ} . المراد بالفجر كل فجر أخذا بظاهر اللفظ ، أما ليال عشر فلا ظهور لها في عشر معينة ، ولا قرينة تعينها ، ولا هي معهودة لنا ، ومن أجل هذا نسكت عما سكت اللَّه عنه ، أما القول بأنها أوائل ذي الحجة أو المحرم أو الأواخر من رمضان - فيحتاج إلى دليل . . وحاول الشيخ محمد عبده ان يعينها بالأوائل من كل شهر ، وأنفد وسعه ، ولكنه لم يأت بحجة مقنعة . . والغريب ان تلميذه المراغي قلَّده في كل ما قال ، ونقل عبارته - على طولها - دون أن يشير إلى مصدرها كما هي عادته . . وفي تفسير الشفع والوتر أقوال ، أقربها إلى ظاهر اللفظ انهما إشارة إلى الحساب وضبط المقادير ، وأقسم سبحانه بالحساب للتنبيه إلى فوائده . والمراد بسير الليل مضيه وذهابه ، وبهذا جمع سبحانه في قسمه بين اقبال النهار وإدبار الليل ، كما في الآية 33 من سورة المدثر : {واللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ والصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ} .

{هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ} . هذا الاستفهام لتقرير الواقع ، والمراد بالقسم هنا الحجة والدليل لأن فيه تأكيدا لثبوت الحق ، والحجر - بكسر الحاء وسكون الجيم - له معان منها ديار ثمود ، وحجر الكعبة : والمراد هنا العقل لأنه يحجر صاحبه ويمنعه عن كثير من التصرفات ، والمعنى ان في الأشياء التي أقسم بها سبحانه حجة كافية على وجود اللَّه وقدرته وحكمته لأن ما فيها من التدبير والحكمة يدل على ذلك بوضوح تماما كما يدل الزرع على وجود الزارع .

{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ} .

عاد قوم هود ، وارم اسم قبيلة عاد نسبة إلى أحد أجدادها المسمى بإرم . وقال الشيخ محمد عبده : المراد بالعماد هنا أعمدة خيامهم ، أو هو كناية عما كان لهم من القوة والمنعة . . والأقرب إلى الصواب ان المراد بالعماد هنا المباني والمصانع لأن نبيهم قال لهم مقرعا : {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} - 128 الشعراء . أجل ، نحن مع الشيخ محمد عبده في قوله : {روى المفسرون هنا حكايات في تصوير إرم ذات العماد ، كان يجب أن ينزه عنها كتاب اللَّه ، فإذا وقع إليك شيء من كتبهم ، فتخط ببصرك ما تجده في وصف إرم وإياك ان تنظر فيه} . وتقدم الكلام عن عاد ونبيهم هود في ج 3 ص 347 وج 4 ص 239 وج 5 ص 508 وغير ذلك .

{وثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ} . ثمود قوم صالح ، وجابوا الصخر إشارة إلى ما جاء في الآية 149 من سورة الشعراء : {وتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ} . وتقدم الكلام عن ثمود ونبيهم صالح في ج 3 ص 350 وج 4 ص 244 وج 5 ص 511 وج 6 ص 26 وغير ذلك {وفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتادِ} أي المباني العظيمة الثابتة كالأهرام {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ} . الذين وما بعده صفة لعاد وثمود وفرعون ، وخص سبحانه السوط لأنه يومئ إلى تكرار العذاب ، وقد أخذ سبحانه عادا بالريح ، وثمود بالصيحة ، وفرعون وقومه بالغرق {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ} . هذا جواب القسم في أول السورة ، وقيل الجواب محذوف والتقدير ليعذبن المجرمين ، والنتيجة واحد على التقديرين ، والمعنى واضح ، وهوانه تعالى يعلم مقاصد العباد وأفعالهم ، ويجازيهم بحسبها .

{فَأَمَّا الإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ} . الإنسان هنا اسم جنس ، وأكرمه ونعمه وسع عليه في الرزق ، وقدر عليه ضيق عليه ، والابتلاء الاختبار ، ومعنى اختباره سبحانه لعبده ان يوجد له سببا يظهره على حقيقته كالغنى والفقر ، فان شكر مع الغنى وصبر مع الفقر استحق الثواب ، وان كفر مع الفقر وطغى مع الغنى استحق العذاب ، وبكلام آخر ان الاختبار منه تعالى هوان يوجد المحك الذي يظهر أفعال الطيب والخبيث تمهيدا لجزاء من أحسن بالحسنى ، ومن أساء بما كسبت يداه مع قيام الحجة عليه بما ظهر من إساءته . . هذا شأن اللَّه مع عبده الإنسان ، أما شأن الإنسان الضال فهوان يقيس كرامته عند اللَّه بما يمن عليه من نعمه ، فان وسع الرزق عليه ظن انه أقرب المقربين إلى اللَّه ، وانه لا يسأله عن شيء ولا يعاقبه على شيء مهما قال وفعل ، وينطبق هذا تماما على عتاة المشركين ، فقد كانوا يستدلون على إكرام اللَّه لهم بكثرة الأموال ، وعلى إهانته تعالى للمؤمنين بالفقر والعوز . . وإذا ضيق تعالى على الضال في الرزق عسى أن يتوب ويرتدع ظن ان اللَّه قد أذله وأهانه ، وكفى بالعبد لؤما وتمردا على خالقه ان يظن به ظن السوء . وعن الإمام علي (عليه السلام) : إذا ضاق المسلم فلا يشكونّ من ربه ، وليشك إلى ربه الذي بيده مقاليد الأمور . وتقدم مثله في الآية 35 من سورة الأنبياء ج 5 ص 275 .

 {كَلَّا} . ليست الكرامة عند اللَّه بالمال ، بل بالتقوى ، ولا الإهانة بالفقر ، بل بسوء المقاصد والأعمال {بَلْ} أنتم أشر خلق اللَّه للأسباب التالية :

1 - {لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ} . لا تحسنون إلى المشردين الذين لا حامي لهم ولا كفيل من الدولة ولا من ذويهم ، ولا تهتمون بشأنهم ورعايتهم .

2 - {ولا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ} . لا يحث بعضكم بعضا على البذل والإنفاق من أجل البائسين وإصلاح شأنهم .

3 - {وتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا} . التراث هو المال الذي ينتقل من الميت إلى ورثته ، واللم الشديد ، وأكثر الثروات الموروثة فيها حق معلوم للسائل والمحروم ، ولكن الورثة يحرمون صاحب الحق من حقه .

4 - {وتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا} ميراثا كان أم غير ميراث ، حلالا كان أم حراما ، والجم معناه الكثير .

{كَلَّا} . لا ينبغي للإنسان أن يشح بالمال في سبيل الخير فإنه مسؤول عن ذلك {إِذا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا} . الدك الدق والضرب ، وتكرار كلمة الدك تشير إلى التتابع أي دكا بعد دك ، والمعنى تزول الجاذبية والتماسك بين أجزاء الأرض يوم القيامة ، ويدك بعضها بعضا ، ويتوالى الدك والضرب حتى ينهار كل ما على وجه الأرض من جبال وعمار . وتقدم مثله في الآية 14 من سورة الحاقة {وجاءَ رَبُّكَ والْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} . جاء ربك أي أمره وقضاؤه وهيبته وجلاله وحكمه وسلطانه ، وصفّا صفا أي صفوفا متعددة {وجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ} .

يكشف عنها يوم القيامة لكل ناظر ، وتصبح في عالم الشهادة بعد ان كانت في عالم الغيب .

{يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسانُ وأَنَّى لَهُ الذِّكْرى يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي} .

قال الناصحون والمنذرون للمجرم المتمرد : اعمل لحياتك في الدنيا والآخرة . فقال :

وأية آخرة ؟ . . انها وهم وخيال . . ولما جاء يوم الفصل ، ورأى مكانه في جهنم قال : هنا حياتي الباقية ومقري الدائم ، أما الحياة الدنيا فقد كانت ممرا ومجازا . .

يا ليتني أخذت من الفانية إلى الباقية . . نسي الآخرة وهو في الدنيا حيث تنفعه التوبة والذكرى ، وتذكر وهو في الآخرة . . وانّى له الذكرى ؟ {فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ ولا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ} . قرئ لا يعذب ولا يوثق بالبناء للفاعل ، وأيضا قرئ بالبناء لمفعول لم يسمّ فاعله ، والمعنى على القراءتين ان أسوأ عذاب من عذاب الدنيا هو عافية إذا قيس بأدنى عذاب من عذاب الآخرة .

{يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وادْخُلِي جَنَّتِي} . بعد ان ذكر سبحانه النفس الامارة التي لا تطمئن إلا لمصالحها وأهوائها - ذكر النفس المطمئنة ، وهي التي آمنت باللَّه وصغت إلى ذكره ، وعملت بأمره ونهيه ، وقد بيّن سبحانه أصحاب هذه النفس بقوله : {الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وحُسْنُ مَآبٍ} - 29 الرعد . ومعنى راضية مرضية انها تحمد أجرها ومقامها عند اللَّه لأن اللَّه حمد سعيها وأعمالها . وقال الشيخ محمد عبده في معنى الرجوع إليه تعالى والدخول في عباده : (الرجوع إلى اللَّه تمثيل للكرامة عنده وإلا فإن اللَّه معنا حيث كنا ، والدخول في عباده ان تكون منهم ، والعباد الذين يستحقون نسبة الاختصاص به هم العباد المتقون المكرمون ، والجنة معروفة) .

____________________
1- الكاشف ، محمد جواد مغنية ، ج7 ، ص560-564.

تفسير الميزان
- ذكر الطباطبائي في تفسير هذه الآيات (1) :

في السورة ذم التعلق بالدنيا المتعقب للطغيان والكفران وإيعاد أهله بأشد عذاب الله في الدنيا والآخرة فتبين أن الإنسان لقصور نظره وسوء فكره يرى أن ما آتاه الله من نعمه من كرامته على الله وأن ما يتلبس به من الفقر والعدم من هوانه فيطغى ويفسد في الأرض إذا وجد ويكفر إذا فقد وقد اشتبه عليه الأمر فما يصيبه من القدرة والثروة ومن الفقر وضيق المعاش امتحان وابتلاء إلهي ليظهر به ما ذا يقدم من دنياه لأخراه.

فليس الأمر على ما يتوهمه الإنسان ويقوله بل الأمر كما سيتذكره إذا وقع الحساب وحضر العذاب أن ما أصابه من فقر أو غنى أو قوة أو ضعف كان امتحانا إلهيا وكان يمكنه أن يقدم من يومه لغده فلم يفعل وآثر العقاب على الثواب فليس ينال الحياة السعيدة في الآخرة إلا النفس المطمئنة إلى ربها المسلمة لأمره التي لا تتزلزل بعواصف الابتلاءات ولا يطغيه الوجدان ولا يكفره الفقدان.

والسورة مكية بشهادة سياق آياتها.

قوله تعالى: {والفجر وليال عشر والشفع والوتر والليل إذا يسر هل في ذلك قسم لذي حجر} الفجر الصبح والشفع الزوج، قال الراغب: الشفع ضم الشيء إلى مثله ويقال للمشفوع شفع.

انتهى.

وسري الليل مضيه وإدباره، والحجر العقل فقوله: {والفجر} إقسام بالصبح وكذا الحال فيما عطف عليه من ليال والشفع والوتر والليل.

ولعل ظاهر قوله: {والفجر} أن المراد به مطلق الفجر ولا يبعد أيضا أن يراد به فجر يوم النحر وهو عاشر ذي الحجة.

وقيل: المراد فجر ذي الحجة، وقيل: فجر المحرم أول السنة وقيل: فجر يوم الجمعة، وقيل فجر ليلة جمع، وقيل: المراد به صلاة الفجر، وقيل: النهار كله وقيل: فجر العيون من الصخور وغيرها وهي وجوه ردية.

وقوله: {وليال عشر} لعل المراد بها الليالي العشر من أول ذي الحجة إلى عاشرها والتنكير للتفخيم.

وقيل: المراد بها الليالي العشر من آخر شهر رمضان، وقيل: الليالي العشر من أوله، وقيل الليالي العشر من أول المحرم، وقيل: المراد عبادة ليال عشر على تقدير أن يراد بالفجر صلاة الفجر.

وقوله {والشفع والوتر} يقبل الانطباق على يوم التروية ويوم عرفة وهو الأنسب على تقدير أن يراد بالفجر وليال عشر فجر ذي الحجة والعشر الأول من لياليها.

وقيل: المراد صلاتا الشفع والوتر في آخر الليل، وقيل: مطلق الصلاة فمنها شفع ومنها وتر، وقيل: الشفع يوم النحر والوتر يوم عرفة، وقيل: الشفع جميع الخلق لأنه قال: {وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا } [النبأ: 8] والوتر هو الله تعالى، وعلى هذه الأقوال روايات ستوافيك في البحث الروائي الآتي إن شاء الله.

وقيل: المراد الزوج والفرد من العدد، وفي الإقسام بهما تذكير بالعدد لما في ضبط المقادير به من عظيم النعمة من الله سبحانه، وقيل: الشفع والوتر جميع المخلوقات لأن الأشياء إما زوج وإما فرد، وقيل: الوتر آدم شفع بزوجته، وقيل: الشفع الأيام والليالي والوتر اليوم الذي لا ليل بعده وهو يوم القيامة، وقيل: الشفع الصفا والمروة والوتر البيت الحرام، وقيل: الشفع أيام عاد والوتر لياليها، وقيل: الشفع أبواب الجنة وهي ثمانية والوتر أبواب جهنم وهي سبعة إلى غير ذلك وهي كثيرة أنهاها بعضهم إلى ستة وثلاثين قولا ولا يخلو أكثرها من تحكم.

وقوله: {والليل إذا يسر} أي يمضي فهو كقوله: {وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ} [المدثر: 33] وظاهره أن اللام للجنس فالمراد به مطلق آخر الليل، وقيل: المراد به ليلة المزدلفة وهي ليلة النحر التي يسري فيها الحاج من عرفات إلى المزدلفة فيجتمع فيها على طاعة الله ثم يغدوا منها إلى منى وهوكما ترى وخاصة على القول بكون المراد بليال عشر هو الليالي العشر الأوائل منها.

وقوله: {هل في ذلك قسم لذي حجر} الإشارة بذلك إلى ما تقدم من القسم، والاستفهام للتقرير، والمعنى أن في ذلك الذي قدمناه قسما كافيا لمن له عقل يفقه به القول ويميز الحق من الباطل، وإذا أقسم الله سبحانه بأمر - ولا يقسم إلا بما له شرف ومنزلة - كان من القول الحق المؤكد الذي لا ريب في صدقه.

وجواب الأقسام المذكورة محذوف يدل عليه ما سيذكر من عذاب أهل الطغيان والكفران في الدنيا والآخرة وثواب النفوس المطمئنة، وأن إنعامه تعالى على من أنعم عليه وإمساكه عنه فيمن أمسك إنما هو ابتلاء وامتحان.

وحذف الجواب والإشارة إليه على طريق التكنية أوقع وآكد في باب الإنذار والتبشير.

قوله تعالى: {أ لم تر كيف فعل ربك بعاد} هم عاد الأولى قوم هود تكررت قصتهم في القرآن الكريم وأشير إلى أنهم كانوا بالأحقاف، وقد قدمنا ما يتحصل من قصصهم في القرآن الكريم في تفسير سورة هود.

قوله تعالى: {إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد} العماد وجمعه عمد ما يعتمد عليه الأبنية، وظاهر الآيتين أن إرم كانت مدينة لهم معمورة عديمة النظير ذات قصور عالية وعمد ممددة، وقد انقطعت أخبار القوم عهدهم وانمحت آثارهم، فلا سبيل إلى الحصول على تفصيل حالهم تطمئن إليها النفس إلا ما قصة القرآن الكريم من إجمال قصتهم أنهم كانوا بعد قوم نوح قاطنين بالأحقاف وكانوا ذوي بسطة في الخلق أولي قوة وبطش شديد، وكان لهم تقدم ورقي في المدنية والحضارة لهم بلاد عامرة وأراض خصبة ذات جنات ونخيل وزروع ومقام كريم وقد تقدمت القصة.

وقيل: المراد بإرم قوم عاد – وهو في الأصل اسم أبيهم سموا باسم أبيهم كما يقال: قريش ويراد به القرشيون ويطلق إسرائيل ويراد به بنو إسرائيل - والمراد بكونهم ذات عماد كونهم أولي قوة وسطوة.

والمعنى: أ لم تر كيف فعل ربك بقوم عاد الذين هم قوم إرم ذوو القوة والشدة الذين لم يخلق مثلهم في بسطة الجسم والقوة والبطش في البلاد أوفي أقطار الأرض ولا يخلو من بعد من ظاهر اللفظ.

وأبعد منه ما قيل: إن المراد بكونهم ذات العماد أنهم كانوا أهل عمد سيارة في الربيع فإذا هاج النبت رجعوا إلى منازلهم.

ومن الأساطير قصة جنة إرم المشهورة المروية عن وهب بن منبه وكعب الأحبار.

قوله تعالى: {وثمود الذين جابوا الصخر بالواد} الجوب القطع أي قطعوا صخر الجبال بنحتها بيوتا فهو في معنى قوله: {وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا} [الشعراء: 149].

قوله تعالى: {وفرعون ذي الأوتاد} هو فرعون موسى، وسمي ذا الأوتاد - على ما في بعض الروايات - لأنه كان إذا أراد أن يعذب رجلا بسطه على الأرض ووتد يديه ورجليه بأربعة أوتاد في الأرض وربما بسطه على خشب وفعل به ذلك، ويؤيده ما حكاه الله من قوله يهدد السحرة إذ آمنوا بموسى: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ } [طه: 71] فإنهم كانوا يوتدون يدي المصلوب ورجليه على خشبة الصليب.

قوله تعالى: {الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد} صفة للمذكورين من عاد وثمود وفرعون، والمعنى ظاهر.

قوله تعالى: {فصب عليهم ربك سوط عذاب} صب الماء معروف وصب سوط العذاب كناية عن التعذيب المتتابع المتواتر الشديد، وتنكير عذاب للتفخيم.

والمعنى فأنزل ربك على كل من هؤلاء الطاغين المكثرين للفساد إثر طغيانهم وإكثارهم الفساد عذابا شديدا متتابعا متواليا لا يوصف.

قوله تعالى: {إن ربك لبالمرصاد} المرصاد المكان الذي يرصد منه ويرقب وكونه تعالى على المرصاد استعارة تمثيلية شبه فيها حفظه تعالى لأعمال عباده بمن يقعد على المرصاد يرقب من يراد رقوبه فيأخذه حين يمر به وهولا يشعر فالله سبحانه رقيب يرقب أعمال عباده حتى إذا طغوا وأكثروا الفساد أخذهم بأشد العذاب.

وفي الآية تعليل ما تقدم من حديث تعذيب الطغاة المكثرين للفساد من الماضين وفي قوله: {ربك} بإضافة الرب إلى ضمير الخطاب تلويح إلى أن سنة العذاب جارية في أمته (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما جرت عليه في الأمم الماضين.

قوله تعالى: {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن} متفرع على ما قبله، فيه تفصيل حال الإنسان إذا أوتي من نعم الدنيا أو حرم كأنه قيل: إن الإنسان تحت رقوب إلهي يرصده ربه هل يصلح أو يفسد؟ ويبتليه ويمتحنه فيما آتاه من نعمة أو حرمة هذا هو الأمر في نفسه وأما الإنسان فإنه إذا أنعم الله عليه بنعمة حسب أن ذلك إكرام إلهي له أن يفعل بها ما يشاء فيطغى ويكثر الفساد، وإذا أمسك وقدر عليه رزقه حسب أنه إهانة إلهية فيكفر ويجزع.

فقوله: {فأما الإنسان} المراد به النوع بحسب الطبع الأولي فاللام للجنس دون الاستغراق.

وقوله: {إذا ما ابتلاه ربه} أي امتحنه واختبره، والعامل في الظرف محذوف تقديره كائنا إذا {إلخ} وقيل: العامل فيه {فيقول}.

وقوله: {فأكرمه ونعمه} تفسير للابتلاء، والمراد بالإكرام والتنعيم الصوريان وإن شئت فقل: الإكرام والتنعيم حدوثا لا بقاء أي أنه تعالى أكرمه وآتاه النعمة ليشكره ويعبده لكنه جعلها نقمة على نفسه تستتبع العذاب.

وقوله: {فيقول ربي أكرمن} أي جعلني على كرامة منه بالنعم التي آتانيها وإن شئت فقل: القدرة والجدة الموهوبتان إكرام وتنعيم حدوثا وبقاء فلي أن أفعل ما أشاء.

والجملة أعني قوله: {فيقول ربي أكرمن} حكاية ما يراه الإنسان بحسب الطبع، وقول الإنسان: {ربي أكرمن} الظاهر في نسبة التدبير إلى الله سبحانه - ولا يقول به الوثنية والمنكرون للصانع - مبني على اعترافه بحسب الفطرة به تعالى وإن استنكف عنه لسانا، وأيضا لرعاية المقابلة مع قوله: {إذا ما ابتلاه ربه}.

قوله تعالى: {وأما إذا ما ابتلاه ربه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن} أي وأما إذا ما امتحنه واختبره فضيق عليه رزقه فيقول ربي أذلني واستخف بي.

ويظهر من مجموع الآيتين أولا حيث كرر الابتلاء وأثبته في صورتي التنعيم والإمساك عنه أن إيتاء النعم والإمساك عنه جميعا من الابتلاء والامتحان الإلهي كما قال: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً } [الأنبياء: 35] لا كما يراه الإنسان.

وثانيا أن إيتاء النعم بما أنه فضل ورحمة إكرام إن لم يبدلها الإنسان نقما على نفسه.

وثالثا أن الآيتين معا تفيدان أن الإنسان يرى سعادته في الحياة هي التنعم في الدنيا بنعم الله تعالى وهو الكرامة عنده والحرمان منه شقاء عنده والحال أن الكرامة هي في التقرب إليه تعالى بالإيمان والعمل الصالح سواء في ذلك الغنى والفقر وأي وجدان وفقدان فإنما ذلك بلاء وامتحان.

ولهم في معنى الآيتين وجوه أخر تركنا التعرض لها لقلة الجدوى.

قوله تعالى: {كلا بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين} ردع لقولهم: إن الكرامة هي في الغنى والتنعم، وفي الفقر والفقدان هوان ومذلة، والمعنى ليس كما تقولون وإنما إيتاؤه تعالى النعمة وإمساكه عنه كل ذلك ابتلاء وامتحان يختبر به حال الإنسان من حيث عبوديته.

وفي قوله: {بل لا تكرمون اليتيم} إلخ إضراب يؤكد الردع بذكر بعض التنعم الذي لا يجامع الكرامة البتة كعدم إكرامهم اليتيم بأكل تراثه ومنعه منه وعدم التحريض على إطعام المسكين حبا للمال فالفطرة الإنسانية لا يرتاب في أن لا كرامة في غنى هذا شأنه.

وفي الإضراب مضافا إلى أصل الردع تقريع ولتشديد هذا التقريع وقع الالتفات من الغيبة إلى الخطاب.

فقوله: {بل لا تكرمون اليتيم} عدم إكرامه حرمانه من تراث أبيه - كما كانوا يحرمون صغار الأولاد من الإرث - وتركه صفر الكف بلغ به الجهد ما بلغ كما تؤيده الآية التالية {وتأكلون التراث} إلخ.

وقوله: {ولا تحاضون على طعام المسكين} أصله ولا تتحاضون، وهو تحريض بعضهم بعضا على التصدق على المساكين المعدمين، ومنشؤه حب المال كما في الآية الآتية {وتحبون المال} إلخ.

قوله تعالى: {وتأكلون التراث أكلا لما} اللم أكل الإنسان نصيب نفسه وغيره وأكله ما يجده من دون أن يميز الطيب من الخبيث، والآية تفسير لعدم إكرامهم اليتيم كما تقدم.

قوله تعالى: {وتحبون المال حبا جما} الجم الكثير العظيم، والآية تفسر عدم تحاضهم على طعام المسكين كما تقدم.

قوله تعالى: {كلا إذا دكت الأرض دكا دكا} الدك هو الدق الشديد، والمراد بالظرف حضور يوم القيامة.

ردع ثان عما يقوله الإنسان في حالي الغنى والفقر، وقوله: {إذا دكت الأرض} إلخ في مقام التعليل للردع، ومحصل المعنى ليس كما يقوله الإنسان فإنه سيتذكر إذا قامت القيامة إن الحياة الدنيا وما فيها من الغنى والفقر وأضرابهما لم تكن مقصودة بالذات بل كانت ابتلاء وامتحانا من الله تعالى يميز به السعيد من الشقي ويهيىء الإنسان فيها ما يعيش به في الآخرة وقد التبس عليه الأمر فحسبها كرامة مقصودة بالذات فاشتغل بها ولم يقدم لحياته الآخرة شيئا فيتمنى عند ذلك ويقول: يا ليتني قدمت لحياتي ولن يصرف التمني عنه شيئا من العذاب.

قوله تعالى: {وجاء ربك والملك صفا صفا} نسبة المجيء إليه تعالى من المتشابه الذي يحكمه قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } [الشورى: 11] وما ورد في آيات القيامة من خواص اليوم كتقطع الأسباب وارتفاع الحجب عنهم وظهور أن الله هو الحق المبين.

وإلى ذلك يرجع ما ورد في الروايات أن المراد بمجيئه تعالى مجيء أمره قال تعالى: {وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانفطار: 19] ، ويؤيد هذا الوجه بعض التأييد قوله تعالى {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ} [البقرة: 210] إذا انضم إلى قوله: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ} [النحل: 33] وعليه فهناك مضاف محذوف والتقدير جاء أمر ربك أو نسبة المجيء إليه تعالى من المجاز العقلي.

والكلام في نسبة المجيء إلى الملائكة وكونهم صفا صفا كما مر.

قوله تعالى: {وجيء يومئذ بجهنم} إلى آخر الآية لا يبعد أن يكون المراد بالمجيء بجهنم إبرازها لهم كما في قوله تعالى: {وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى} [النازعات: 36] وقوله: {وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ} [الشعراء: 91] ، وقوله {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق: 22].

وقوله: {يومئذ يتذكر الإنسان} أي يتذكر أجلى التذكر أن ما كان يؤتاه في الحياة الدنيا من خير أوشر كان من ابتلاء الله وامتحانه وأنه قصر في أمره، هذا ما يفيده السياق.

وقوله: {وأنى له الذكرى} أي ومن أين له الذكرى كناية عن عدم انتفاعه بها فإن الذكرى إنما تنفع فيما أمكنه أن يتدارك ما فرط فيه بتوبة وعمل صالح واليوم يوم الجزاء لا يوم الرجوع والعمل.

قوله تعالى: {يقول يا ليتني قدمت لحياتي} أي لحياتي هذه وهي الحياة الآخرة أو المراد الحياة الحقيقية وهي الحياة الآخرة على ما نبه تعالى عليه بقوله: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 64].

والمراد بالتقديم للحياة تقديم العمل الصالح للحياة الآخرة وما في الآية تمن يتمناه الإنسان عند ما يتذكر يوم القيامة ويشاهد أنه لا ينفعه.

قوله تعالى: {فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد} ضميرا عذابه ووثاقه لله تعالى والمعنى فيومئذ لا يعذب عذاب الله أحد من الخلق ولا يوثق وثاق الله أحد من الخلق أي إن عذابه ووثاقه تعالى يومئذ فوق عذاب الخلق ووثاقهم، تشديد في الوعيد.

وقرىء {لا يعذب} بفتح الذال و{ولا يوثق} بفتح الثاء بالبناء للمفعول وضميرا عذابه ووثاقه على هذا للإنسان والمعنى لا يعذب أحد يومئذ مثل عذاب الإنسان ولا يوثق أحد يومئذ مثل وثاقه.

قوله تعالى: {يا أيتها النفس المطمئنة} الذي يعطيه سياق المقابلة بين هذه النفس بما ذكر لها من الأوصاف وعين لها من حسن المنقلب وبين الإنسان المذكور قبل بما ذكر له من وصف التعلق بالدنيا والطغيان والفساد والكفران، وما أوعد من سوء المصير هو أن النفس المطمئنة هي التي تسكن إلى ربها وترضى بما رضي به فترى نفسها عبدا لا يملك لنفسه شيئا من خير أوشر أو نفع أوضر ويرى الدنيا دار مجاز وما يستقبله فيها من غنى أو فقر أو أي نفع وضر ابتلاء وامتحانا إلهيا فلا يدعوه تواتر النعم عليه إلى الطغيان وإكثار الفساد والعلو والاستكبار، ولا يوقعه الفقر والفقدان في الكفر وترك الشكر بل هو في مستقر من العبودية لا ينحرف عن مستقيم صراطه بإفراط أو تفريط.

قوله تعالى: {ارجعي إلى ربك راضية مرضية} خطاب ظرفه جميع يوم القيامة من لدن إحيائها إلى استقرارها في الجنة بل من حين نزول الموت إلى دخول جنة الخلد وليس خطابا واقعا بعد الحساب كما ذكره بعضهم.

وتوصيفها بالراضية لأن اطمئنانها إلى ربها يستلزم رضاها بما قدر وقضى تكوينا أوحكم به تشريعا فلا تسخطها سانحة ولا تزيغها معصية، وإذا رضي العبد من ربه رضي الرب منه إذ لا يسخطه تعالى إلا خروج العبد من زي العبودية فإذا لزم طريق العبودية استوجب ذلك رضى ربه ولذا عقب قوله {راضية} بقوله {مرضية}.

قوله تعالى: {فادخلي في عبادي وادخلي جنتي} تفريع على قوله {ارجعي إلى ربك} وفيه دلالة على أن صاحب النفس المطمئنة في زمرة عباد الله حائز مقام العبودية.

وذلك أنه لما اطمأن إلى ربه انقطع عن دعوى الاستقلال ورضي بما هو الحق من ربه فرأى ذاته وصفاته وأفعاله ملكا طلقا لربه فلم يرد فيما قدر وقضى ولا فيما أمر ونهي إلا ما أراده ربه، وهذا ظهور العبودية التامة في العبد ففي قوله: {فادخلي في عبادي} تقرير لمقام عبوديتها.

وفي قوله: {وادخلي جنتي} تعيين لمستقرها، وفي إضافة الجنة إلى ضمير التكلم تشريف خاص، ولا يوجد في كلامه تعالى إضافة الجنة إلى نفسه تعالى وتقدس إلا في هذه الآية.

________________

1- الميزان ، الطباطبائي ، ج20 ، ص251-258.

تفسير الامثل
- ذكر الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذه  الآيات (1) :

والفجر..!

بدأت السّورة بخمسة أقسام:

الأوّل: {والفجر}.. والثّاني: {وليال عشر}.

«الفجر»: في الأصل، بمعنى الشقّ الواسع، وقيل للصبح «الفجر» لأنّ نوره يشقّ ظلمة الليل.

وكما هو معلوم فالفجر فجران، كاذب وصادق.

الفجر الكاذب: هو الخيط الأبيض الطويل الذي يظهر في السماء، ويشبّه بذنب الثعلب، تكون نقطة نهايته في الاُفق، وقسمه العريض في وسط السماء.

الفجر الصادق: هو النور الذي يبدأ من الاُفق فينتشر، وله نورانية وشفافية خاصة، كنهر من الماء الزلال يغطي اُفق الشرق ثمّ ينتشر في السماء.

ويعلن الفجر الصادق عن انتهاء الليل وابتداء النهار، وعنده يمسك الصائمون، وتصلى فريضة الصبح.

وفُسّر «الفجر» في الآية بمعناه المطلق، أي: بياض الصبح.

ولا شك فهو من آيات عظمة اللّه سبحانه وتعالى، ويمثل انعطافاً في حركة حياة الموجودات الموجودة على سطح الأرض، ومنها الإنسان، ويمثل كذلك حاكمية النور على الظلام، وعند مجيئه تشرع الكائنات الحية بالحركة والعمل، ويعلن انتهاء فترة النوم والسكون.

وقد أقسم اللّه تعالى ببداية حياة اليوم الجديد.

وفسّره بعض، بفجر أوّل يوم من محرم وبداية السنة الجديدة.

وفَسّره آخرون، بفجر يوم عيد الأضحى، لما فيه من مراسم الحج المهمّة ولإتصاله بالليالي العشرة الاُولى من ذي الحجّة.

وقيل أيضاً: إنّه فجر أوّل شهر رمضان المبارك، أو فجر يوم الجمعة.

ولكنّ مفهوم الآية أوسع من أن تحدد بمصداق من مصاديقها، فهي تضم كلّ ما ذكر.

وذهب البعض إلى أوسع ممّا ذكر حينما قالوا: هو كلّ نور يشع وسط ظلام.. وعليه، فبزوغ نور الإسلام ونور المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم) في ظلام عصر الجاهلية هومن مصاديق الفجر، وكذا بزوغ نور قيام المهدي (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) في وسط ظلام العالم (كما جاء في بعض الرّوايات)(2).

ومن مصاديقه أيضاً، ثورة الحسين(عليه السلام) في كربلاء الدامية، لشقها ظلمة ظلام بني اُميّة، وتعرية نظامهم الحاكم بوجهه الحقيقي أمام النّاس.

ويكون من مصاديقه، كلّ ثورة قامت أو تقوم على الكفر والجهل والظلم على مرّ التاريخ.

وحتى انقداح أوّل شرارة يقظة في قلوب المذنبين المظلمة تدعوهم إلى التوبة، فهو «فجر».

وممّا لا شك فيه أنّ المعاني هي توسعة لمفهوم الآية، أمّا ظاهرها فيدل على «الفجر» المعهود.

والمشهور عن «ليال عشر»: إنّهن ليالي أوّل ذي الحجّة، التي تشهد أكبر اجتماع عبادي سياسي لمسلمي العالم من كافة أقطار الأرض، (وورد هذا المعنى فيما رواه جابر بن عبد اللّه الأنصاري عن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم))(3).

وقيل: ليالي أوّل شهر محرم الحرام.

وقيل أيضاً: ليالي آخر شهر رمضان، لوجود ليلة القدر فيها.

والجمع بين كلّ ما ذُكر ممكن جدّاً.

وذكر في بعض الرّوايات التي تفسّر باطن القرآن: إنّ «الفجر» هو «المهدي» المنتظر» «عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف».. و«ليال عشر» هم الأئمّة العشر قبله(عليهم السلام).. و«الشفع» ـ في الآية ـ هما عليّ وفاطمة(عليهما السلام).

وعلى أيّة حال، فالقسم بهذه الليالي يدّل على أهميتها الإستثنائية نسبة لبقية الليالي، وهذا هو شأن القسم(4)، ولا مانع من الجمع بين كلّ ما ذكر من معان.

ويأتي القسم الثّالث والقسم الرّابع: (والشفع والوتر).

للمفسّرين آراء كثيرة فيما أُريد بـ «الشفع والوتر» حتى ذكر بعضهم عشرين قولاً(5)، فيما ذهب آخرون لذكر (36) قولاً في ذلك(6).

وأهم تلك الأقوال، ما يلي:

1 ـ مراد الآية العددان الزوجي والفردي، فيكون القسم بجميع الأعداد، تلك الأعداد التي تدور عليها وبها كلّ المحاسبات والأنظمة والمغطية لجميع عالم الوجود، وكأنّه سبحانه وتعالى يقول: قسماً بالنظم والحساب.

وحقيقة الحساب والنظم في عالم الوجود، تمثل الاُسس الواقعية التي تقوم عليها الحياة الإنسانية.

2 - المراد بـ «الشفع» المخلوقات، لوجود قرين لكلّ منها، والمراد بـ «الوتر» الباري جلّ شأنه، لعدم وجود شبيه له ولا نظير.

إضافة إلى أنّ الممكنات تتركب من (ماهية) و(وجود)، وهو ما يعبّر عنه بالفلسفة بـ (الزوج التركيبي)، أمّا الوجود المطلق الخالي من الماهية فهو «اللّه» حده، (وأشارت بعض الرّوايات المنقولة عن المعصومين(عليهم السلام) إلى ذلك)(7).

3 ـ المراد بـ «الشفع والوتر» جميع المخلوقات، لأنّها من جهة بعضها زوج والبعض الآخر فرد.

4 ـ المراد بـ «الشفع والوتر» الصلاة، لأنّ بعضها زوجي والبعض الآخر فردي، (وورد هذا المعنى في بعض روايات أهل البيت(عليهم السلام) أيضاً)(8).. أو هما ركعتي الشفع وركعة الوتر في آخر صلاة الليل.

5 ـ المراد بـ «الشفع» يوم التروية (الثامن من شهر ذي الحجة، حيث يستعد الحجاج للوقوف على جبل عرفات)، و«الوتر» يوم عرفة (حيث يكون حجاج بيت للّه الحرام في عرفات.. أو «الشفع» هو يوم عيد الأضحى (العاشر من ذي الحجّة، و«الوتر» هو يوم عرفة.

ووردت الإشارة إلى هذا المعنى في روايات أهل البيت(عليهم السلام) أيضاً(9)

والمهم ..إنّ الألف واللام في «الشفع والوتر» إن كانا للتعميم، فكلّ المعاني تجتمع فيهما، وكلّ معنى سيكون مصداق من مصاديق «الشفع» و«الوتر»، ولا داعي والحال هذه إلى حصر التّفسير بإحدى المعاني المذكورة، بل كلّ منها تطبيق على مصداق بارز.

أمّا إذا كانا للتعريف، فستكون إشارتهما إلى زوج وفرد خاصين، وفي هذه الحال سيكون تفسيران من التّفاسير المذكورة أكثر من غيرهما مناسبة وقرباً مع مراد الآية، وهما:

الأوّل: المراد بهما يومي العيد وعرفة، وهذا ما يناسب ذكر الليالي العشر الاُولى من شهر ذي الحجّة، وفيهما تؤدى أهم فقرات مناسك الحج.

الثّاني: أنّهما يشيران إلى «الصلاة»، بقرينة ذكر «الفجر»، وهو وقت السحر ووقت الدعاء والتضرع إلى اللّه عزّوجلّ.

وقد ورد هذان التّفسيران في روايات عن أئمّة أهل البيت المعصومين(عليهم السلام).

ونصل هنا، إلى القسم الخامس: {والليل إذا يسر}(10).

فما أدّق هذا التعبير وأجمله؟! فقد نسب السير إلى الليل، وذلك لأنّ «يسر» من (سرى) وهو السير ليلاً على قول الراغب في مفرداته.

وكأنّ الوصف يقول: بأنّ الليل موجود حسي، له حس وحركة، وهو يخطو في ظلمته وصولاً لنور النهار.

نعم، قسماً بالظلام السائر نحو النور، قسماً بالظلام المتحرك، لا الثابت الذي يثير الخوف والرعب في الانسان، والليل يكون ذا قيمة فيما لو كان سائراً نحو النور.

وقيل: هو ظلمة الليل التي تتحرك على سطح الكرة الأرضية، والليل نافع بحركته وتناوبه مع النهار على سطح الأرض، لينعم نصفها بالسبات والنوم، وينعم النصف الآخر بالحركة والعمل تحت نور الشمس الرائع.

اختلف المفسّرون في مراد الآية من «الليل»، هل هو مطلق الليل أم ليلة مخصوصة، فإن كانت الألف واللام للتعميم فجميع الليالي، كآية من آيات اللّه ومظهر من مظاهر الحياة المهمّة.

وإن كانت الألف واللام للتعريف، فليلة عيد الأضحى، بلحاظ الآيات السابقة، حيث يتجه حجاج بيت اللّه الحرام من (عرفات) إلى (المزدلفة) ـ المشعر الحرام ـ ويقضون ليلهم في ذلك الوادي المقدس، وعند الصبح يتجهون نحو (منى).

(وقد ورد في هذا روايات عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام))(11).

والذين حضروا مثل تلك الليلة في عرفات ومشعر، قد رأوا كيف يتحرك أكثر من مليون مسلم وهم متجهون من عرفات إلى المشعر وكأن الليل بكلّه يتحرك وتشاطره في ذلك الأرض وكذا الزمان.

وهناك يتلمس الإنسان معنى {والليل إذا يسر} بكلّ دقائقه.

وعلى أيّة حال، فالليل سواء كان بمعناه المطلق أم المحدد فهو من آيات عظمة الخالق سبحانه وتعالى، وهو من الضرورات الحياتية في عالم الوجود.

فالليل يكيّف حرارة الجو، ويعم على جميع الكائنات الإستقرار والسكون بعد جهد الحركة والتنقل، وفوق هذا وذاك ففيه أفضل أوقات الدعاء والمناجات مع اللّه جّل وعلا.

وأمّا ليلة عيد الأضحى (ليلة الجمع) فهي من أعجب الليالي في ذلك الوادي المقدس (المشعر الحرام).

وتتجسد تلك العلاقة الموجودة بين الأشياء الخمس التي أقسم بها (الفجر، ليال عشر، الشفع، الوتر، الليل إذا يسر) إذا ما اعتبرناها ضمن أيّام ذي الحجّة ومراسم الحج العظيمة.

وفي غير هذا فسيكون إشارة إلى مجموعة من حوادث عالم التكوين والتشريع المهمّة، والتي تبيّن جلال وعظمة الخالق سبحانه وتعالى.

ثمّ تأتي الآية التالية لتقول: (هل في ذلك قسم لذي حجر). «الحجر» هنا بمعنى: العقل، وفي الأصل بمعنى (المنع)، كأن يقال: حجر القاضي فلاناً، أو كأن يطلق على الغرفة (حجرة) لأنّها محل محفوظ ويمنع دخوله من قبل الآخرين، وكذلك يقال للحضن (حجر) ـ على وزن فكر ـ لحفظه وإحاطته، واُطلق على العقل (حجر) لمنعه الإنسان عن الأعمال السيئة، كما أنّ مصطلح (العقل) هو بمعنى (المنع) أيضاً، ومنه (العقال) الذي به تربط أرجل البعير ليمنعه من الحركة.

ولكن ... أين جواب القسم؟

ثمّة احتمالان، هما:

الأوّل: قوله تعالى:{إنّ ربّك لبالمرصاد}.

الثّاني: جواب القسم محذوف وتدلّ عليه الآيات التالية، التي تتحدث عن عقاب الطغاة، والتقدير: {قسماً بكلّ ما قلناه لنعذبنّ الكافرين والطغاة}.

وقوله تعالى : {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَاد(6) إِرَمِ ذَاتِ الْعمَادِ(7) الَّتِى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى الْبِلَدِ(8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ بِالْوَادِ(9) وَفرِعَوْنَ ذِى الأَوْتَادِ(10) الَّذِينَ طَغَوْا فِى الْبِلَدِ(11)فَأَكْثَرُواْ فِيهَا الْفَسَادَ(12) فَصَبَّ عَلَيهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَاب(13)إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}.

إمهال الظالمين.. والإنتقام!

بعد أن تضمّنت الآيات الاُولى خمسة أقسام حول معاقبة الطغاة، تأتي هذه الآيات لتعرض لنا نماذج من طواغيت الأرض من الذين توفرت لهم بعض سبل القوّة والقدرة، فأهوتهم أهوائهم في قاع الغرور والكفر والطغيان، وتبيّن لنا الآيات المباركة ما حلّ بهم من عاقبة أليمة، محذرة المشركين في كلّ عصر ومصر على أن يرعووا ويعودوا إلى رشدهم بعد أن يعيدوا حسابهم ويستيقظوا من غفلتهم، لأنّهم مهما تمتعوا بقوّة وقدرة فلن يصلوا لما وصل إليه الأقوام السالفة، وينبغي الإتعاظ بعاقبتهم، وإلاّ فالهلاك والعذاب الأبدي ولا غير سواه.

وتبتدأ الآيات بـ : {ألم تر كيف فعل ربّك بعاد}.

المراد «بالرؤية» هنا، العلم والمعرفة لما وصلت إليه تلك الأقوام من الشهرة بحال بحيث أصبح من جاء بعدهم يعرف عنهم الشيء الكثير وكأنّه يراهم باُمّ عينيه ولذا جاء في الآية: (ألم تر).

ومع أنّ المخاطب في الآية هو النّبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، إلاّ أنّ الخطاب موجّه إلى الجميع.

«عاد»: هم قوم نبي اللّه هود(عليه السلام)، ويذكر المؤرخون أنّ اسم «عاد» يطلق على قبيلتين.. قبيلة كانت في الزمن الغابر البعيد، ويسميها القرآن الكريم بـ «عاد الاُولى»، كما في الآية (50) من سورة النجم، (ويحتمل أنّها كانت قبل التاريخ).

ويحددون تاريخ القبيلة الثّانية بحدود (700) سنة قبل الميلاد، وكانت تعيش في أرض الأحقاف أو اليمن.

وكان أهل عاد أقوياء البنية، طوال القامة، لذا كانوا يعتبرون من المقاتلين الأشداد، هذا بالإضافة إلى ما كانوا يتمتعون به من تقدّم مدني، وكانت مدنهم عامرة وقصورهم عالية وأراضيهم يعمها الخضار.

وقيل: إنّ «عاد» هو اسم جدّ تلك القبيلة، وكانت تسمى القبيلة بـ (عادة).

ويضيف القرآن قائلاً: (ارم ذات العماد).

اختلف المفسّرون في علام يطلق اسم «إرم». هل هو شخص أم قبيلة أم مدينة؟

ينقل الزمخشري في الكشاف عن بعضهم، قوله: إنّ عاد هو ابن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وسمّيت القبيلة باسم الجدّ وهو (إرم).

ويعتقد آخرون: إنّ (إرم) هم «عاد الاُولى»، و«عاد» هي القبيلة الثّانية، يقال أيضاً: إنّ «إرم» هو اسم مدينتهم.(12)

وما يناسب الآية التالية، أن يكون (إرم) هو اسم مدينتهم.

«عماد»: بمعنى العمود وجمعه «عُمُد» وهي على ضوء التّفسير الأوّل، تشير إلى ضخامة أجسادمهم كأعمدة البناء، وعلى ضوء التّفسير الثّاني تشير إلى عظمة أبنيتهم وعلو قصورهم وما فيها من أعمدة كبيرة.

وعلى القولين فهي: إشارة إلى قدرة وقوّة قوم عاد.(13)

ولكنّ التّفسير الثّاني (أعمدة قصورهم العظيمة) أنسب.

ولذا تقول الآية التالية:{التي لم يخلق مثلها في البلاد}.

والآية تبيّن أنّ المراد بـ «إرم» المدينة وليس شخص أو قبيلة، ولعل هذه الآية هي التي دعت بعض كبار المفسّرين من اختيار هذا التّفسير، ونراه كذلك راجحاً(14).

وقد ذكر بعض المفسّرين قصّة اكتشاف مدينة «إرم» العظيمة في صحاري شبه الجزيرة العربية وصحاري عدن، وتحدثوا بتفصيل عن رونقها وبنائها العجيب، ولكنّ القصّة أقرب للخيال منها للواقع.

وعلى أيّة حال، فقوم «عاد» كانوا من أقوى القبائل في حينها، ومدنهم من أرقى المدن من الناحية المدنية، وكما أشار إليها القرآن الكريم: {التي لم يخلق مثلها في البلاد}.

وثمّة قصص كثيرة عن «جنّة شداد بن عاد» في كتب التاريخ، حتى أنّها أصبحت مضرباً للأمثال لما شاع عنها بين النّاس وعلى مرّ العصور، إلاّ أنّ ما ورد بين متون كتب التاريخ لا يخرج عن إطار الأساطير التي لا واقع لها.

وتذكر الآية التالية جمع آخر من الطغاة السابقين: {وثمود الذين جابوا الصخر بالواد}، وصنعوا منها البيوت والقصور.

«ثمود»: من أقدم الأقوام، ونبيّهم صالح(عليه السلام)، وكانوا يعيشون في (وادي القرى) بين المدينة والشام، وكانوا يعيشون حياة مرفهة، ومدنهم عامرة.

و قيل: «ثمود» اسم جدّ القبيلة، وقد سميت به(15).

«جابوا»: من (الجوبة) ـ على زنة توبة ـ وهي الأرض المقطوعة، ثمّ استعملت في قطع كلّ أرض، وجواب كلام، هو ما يقطع الهواء فيصل من فم القائل إلى سمع المستمع، (أو لأنّه يقطع السؤال وينهيه).

وعلى أيّة حال، فمراد الآية: قطع أجزاء الجبال وبناء البيوت القوية، كما أشارت إلى ذلك الآية (82) من سورة الحجر ـ حول ثمود أنفسهم ـ : { وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ} [الحجر: 82] ، والآية (149) من سورة الشعراء، والتي جاء فيها: {..بيوتاً فارهين}.

وقيل: قوم ثمود أوّل من قطع الأحجار من الجبال، وصنع البيوت المحكمة في قلبها.

«واد»: في الأصل (وادي)، وهو الموضع الذي يجري فيه النهر، ومنه سمي المفرج بين الجبلين وادياً، لأنّ الماء يسيل فيه.

والمعنى الثّاني أكثر مناسبة بقرينة ما ورد في القرآن من آيات تتحدث عن هؤلاء القوم، وما ذكرناه آنفاً يظهر بأنّهم كانوا ينحتون بيوتهم في سفوح الجبال(16).

وروي: إنّ النّبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) عندما وصل إلى وادي ثمود ـ شمال الجزيرة العربية ـ في طريقه إلى تبوك، قال وهو راكب على فرسه: «أسرعوا، فهي أرض ملعونة»(17).

ممّا لا شكّ فيه أنّ ثمود قوم قد وصلوا إلى أعلى درجات التمدن في زمانهم، ولكنّ ما يذكر عنهم في بعض كتب التّفسير، يبدو وكأنّه مبالغ فيه أو اسطورة، كأن يقولوا: إنّهم بنوا ألفاً وسبعمائة مدينة من الحجر!

وتتعرض الآية التالية لقوم ثالث: {وفرعون ذي الأوتاد}.

أي: ألم تر ما فعل ربّك بفرعون الظالم المقتدر؟!

«أوتاد» :جمع (وتد)، وهو ما يثبّت به.

ولِمَ وصف فرعون بذي الأوتاد؟

وثمّة تفاسير مختلفة:

الأوّل: لأنّه كان يملك جنوداً وكتائباً كثيرة، وكانوا يعيشون في الخيم المثبتة بالأوتاد.

الثّاني: لما كان يستعمل من أساليب تعذيب من يغضب عليهم، حيث غالباً ما كان يدق على أيديهم وأرجلهم بأوتاد ليثبتها على الأرض، أو يضعهم على خشبة ويثبتهم بالأوتاد، أو يدخل الأوتاد في أيديهم وأرجلهم ويتركهم هكذا حتى يموتوا.

وورد هذا الكلام في رواية نقلت عن الإمام الصادق(عليه السلام)(18).

وتنقل كتب التاريخ إنّه قد عذّب زوجته «آسية» بتلك الطريقة البشعة حتى الموت، لأنّها آمنت بما جاء به موسى(عليه السلام) وصدّقت به.

الثّالث: «ذي الأوتاد»: كناية عن قدرة واستقرار الحكم.

ولا تنافي فيما بين التفاسير الثلاثة، ويمكن إدخالها جميعها في معنى الآية.

وينتقل القرآن العرض ما كانوا يقومون به من أعمال: {الذين طغوا في البلاد}.. {فأكثروا فيها الفساد}

الفساد الذي يشمل كلّ أنواع الظلم والإعتداء والإنحراف، والذي هو نتيجة طبيعية من نتائج طغيانهم، فكلّ مَن يطغى سيؤول أمره إلى الفساد لا محال.

ويذكر عقابهم الأليم وبعبارة موجزة:{فصبّ عليهم ربّك سوط عذاب}

«السوط»: هو الجلد المضفور الذي يُضرب به، وأصل السوط: خلط الشيء بعضه ببعض، وهو هنا كناية عن العذاب، العذاب الذي يخلط لحم الإنسان بدمه فيؤذيه أشدّ الإيذاء.

وجاء في كلام أمير المؤمنين(عليه السلام) عن الإمتحان : «والذي بعثه بالحقّ للتبلبلن بلبلة ولتغربلن غربلة ولتساطن سوط القدر».(19)

«صبّ عليهم»: تستعمل في الأصل لانسكاب الماء، وهنا إشارة إلى شدّة واستمرار نزول العذاب، ويمكن أن يكون إشارة لتطهير الأرض من هؤلاء الطغاة

أمّا أنسب معاني «السوط» فهو المعروف بين النّاس به.

فعلى إيجاز الآية، لكنّها تشير إلى أنواع العذاب الذي أصابهم، فعاد اُصيبوا بريح باردة، كما تقول الآية (6) من سورة الحاقة: {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ } [الحاقة: 6] ، وأُهلك قوم ثمود بصيحة سماوية عظيمة، كما جاء في الآية (5) من سورة الحاقة أيضاً: {فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ } [الحاقة: 5] ، والآية (55) من سورة الزخرف تنقل صورة هلاك قوم فرعون: {فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} [الزخرف: 55].

وتحذر الآية التالية كلّ مَن سار على خطو اُولئك الطواغيت: {إنّ ربّك لبالمرصاد}.

«المرصاد»: من (الرصد)، وهو الإستعداد للترقب، وهو في الآية يشير إلى عدم وجود أيّ ملجأ أو مهرب من رقابة اللّه وقبضته، فمتى شاء سبحانه أخذ المذنبين بالعقاب والعذاب.

وبديهي، أنّ التعبير لا يعني أنّ اللّه تعالى له مكان وكمين يرصد فيه الطواغيت، بل كناية عن إحاطة القدرة الإلهية بكلّ الجبارين والطغاة والمجرمين، وسبحانه وتعالى عن التجسيم وما شابه.

وقد ورد في معنى الآية عن الإمام علي(عليه السلام) قوله: «إنّ ربك قادر على أن يجزي أهل المعاصي جزاءهم»(20).

وعن الإمام الصادق(عليه السلام)، أنّه قال: «المرصاد قنطرة على الصراط، لا يجوزها عبد بمظلمة عبد»(21).

وهذا مصداق جلّي للآية، حيث أنّ المرصاد الإلهي لا ينحصر بيوم القيامة والصراط، بل هو تعالى بالمرصاد لكلّ ظالم حتى في هذه الدنيا، وما عذاب تلك الأقوام الآنفة الذكر إلاّ دليل واضح على هذا.

«ربّك»: إشارة إلى أنّ هذه السنّة الإلهية لم تقف عند حدّ الذين خلوا من الأقوام السالفة، بل هي سارية حتى على الظالمين من اُمّتك يا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم).. وفي ذلك تسلية لقلب النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وتطميناً لقلوب المؤمنين، فالوعد الإلهي قد أكّد على عدم انفلات الأعداء المعاندين من قبضة القدرة الإلهية أبداً أبداً، وفيه تحذير أيضاً لاُولئك الذين يؤذون النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ويظلمون المؤمنين، تحذير بالكف عن ممارساتهم تلك وإلاّ سيصيبهم ما أصاب الأكثر منهم قدرة وقوّة، وعندها فسوف لن تقوم لهم قائمة إذا ما أتتهم ريح عاصفة أو صيحة مرعبة أو سيل جارف يقطع دابرهم.

روي عن النّبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، أنّه قال: «أخبرني الروح الأمين أنّ اللّه لا إله غيره إذا وقف الخلائق وجميع الأولين والآخرين، أتى بجهنّم ثمّ يوضع عليها صراط أدق من الشعر وأحدُّ من السيف، عليه ثلاث قناطر... الاُولى: الأمانة والرحم، والثّانية: عليها الصلاة، والثّالثة: عليها عدل ربّ العالمين لا إله غيره، فيكلّفون الممر عليها، فتحبسهم الرحم والأمانة، فإن نجوا منها حبستهم الصلاة، فإن نجوا منها كان المنتهى إلى ربّ العالمين جلّ ذكره، وهو قول اللّه تبارك وتعالى:{إنّ ربّك لبالمرصاد}(22).

وعن الإمام علي(عليه السلام): «ولئن أمهل اللّه الظالم فلن يفوت أخذه، وهو له بالمرصاد، على مجاز طريقه، وبموضع الشجى من مساغ ريقه».(23)

وقوله تعالى : {فَأَمَّا الإِنسَنُ إِذَا مَا ابْتَلَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّى أَكْرَمَنِ(15) وَأَمَّآ إِذَا مَآ ابْتَلَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبَّى أَهَنَنِ(16) كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ(17) وَلاّ تَحَضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينَ(18) وَتَأكُلُونَ الْتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمَّا(19) وَتُحِبُّونَ الٌمَالَ حُبَّاً جَمَّاً}.

موقف الإنسان من تحصيل النعمة وسلبها!

بعد أن تحدثت الآيات السابقة عن عقاب الطغاة، وتحذيرهم وإنذارهم، تأتي هذه الآيات لتبيّن مسألة الإبتلاء والتمحيص وأثرها على الثواب والعقاب الإلهي، وتعتبر مسألة الآبتلاء من المسائل المهمّة في حياة الإنسان.

وتشرع الآيات بـ : {فأمّا الإنسان إذا ما ابتلاه ربّه فأكرمه ونعّمه فيقول ربّي أكرمن}.

وكأنّه لا يدري بأنّ الابتلاء سنّة ربّانية تارة يأتي بصورة اليسر والرخاء واُخرى بالعسر والضراء.

فلا ينبغي للإنسان أن يغتر عند الرخاء، ولا أن ييأس عندما تصيبه عسرة الضراء، ولا ينبغي له أن ينسى هدف وجوده في الحالتين، وعليه أن لا يتصور بأن الدنيا إذا ما أرخت نعمها عليه فهو قد أصبح مقرّباً من اللّه، بل لابدّ أن يفهمها جيدّاً ويؤدّي حقوقها، وإلاّ فسيفشل في الإمتحان.

ومن الجدير بالملاحظة، أنّ الآية ابتدأت بالحديث عن إكرام اللّه تعالى للإنسان «فأكرمه ونعمه»، في حين تلومه على اعتقاده بهذا الإكرام في آخرها: {فيقول ربّي أكرمن}، وذلك.. لأنّ الإكرام الأوّل هو الإكرام الطبيعي، والإكرام الثّاني بمعنى القرب عند اللّه تعالى.

{وأمّا إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربّي أهانن}.

فيأخذه اليأس، ويظن إنّ اللّه قد ابتعد عنه، غافلاً عن سنّة الإبتلاء في عملية التربية الربّانية لبني آدم، والتي تعتبر رمزاً للتكامل الإنساني، فمن خلال نظرة ومعايشة الإنسان للإبتلاء يرسم بيده لوحة عاقبته، فأمّا النعيم الدائم، وأمّا العقاب الخالد.

وتوضح الآيتان بأنّ حالة اليسر في الدنيا ليست دليل قرب اللّه من ذلك الإنسان، وكذا الحال بالنسبة لحالة العسر فلا تعني بُعد اللّه عن عبده، وكلّ ما في الأمر أنّ الحالتين صورتان مختلفتان للإمتحان الذي قررته الحكمة الإلهية، ليس إلاّ.

وتأتي الآية (51) من سورة فصّلت في سياق الآيتين: { وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ} [فصلت: 51].

وكذا الآية (9) من سورة هود: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ} [هود: 9].

وتنبهنا الآيتان أيضاً، بأن لا نقع في خطأ التشخيص، فنحكم على فلان بأن اللّه راضي عنه لأنّه يفعم بالنعم الإلهية، وأن فلان قد سخط عليه اللّه لأنّه محروم من نعم كثيرة، ولابدّ لنا من الرجوع إلى المعايير الثابتة عند القيام بعملية التشخيص والتقييم، فالعلم والإيمان والتقوى هي اُسس التقييم، وليس ظاهر التمتع بحالة السراء..

فما أكثر الأنبياء الذين تناوشتهم أنياب البلايا والمصائب، وما أكثر الكافرين والطغاة الذين تنعموا بمختلف ملاذ الدنيا، إنّها من سنن طبيعة الحياة الدنيا، ولكن.. أين الأنبياء من الكافرين و.. عقبى الدار؟!

فالآية إذن، تشير إلى فلسفة البلاء، وما يصيب الإنسان من محن وإحن في دنياه.

وتوجه الآيتان التاليتان نظر إلى الإنسان والأعمال التي تؤدّي بحقّ للبعد عن اللّه، وتوجب عقابه: (كلاّ) فليس الأمر كما تظنون من أنّ أموالكم دليل على قربكم من اللّه، لأنّ أعمالكم تشهد ببعدكم عنه، {بل لا تكرمون اليتيم}..{ولا تحاضون على طعام المسكين}.

والملاحظ أنّ الآية لم تخص اليتيم بالإطعام بل بالإكرام، لأنّ الوضع النفسي والعاطفي لليتيم أهم بكثير من مسألة جوعه.

فلا ينبغي لليتيم أن يعيش حالة الإنكسار والذلة بفقدان أبيه، وينبغي الإعتناء به وإكرامه لسدّ الثغرة التي تسببت برحيل أبيه، وقد أولت الأحاديث الشريفة والرّوايات هذا الجانب أهمية خاصّة، وأكّدت على ضرورة رعاية وإكرام اليتيم.

فعن الإمام الصادق(عليه السلام)، إنّه قال: «ما من عبد يمسح يده على رأس يتيم رحمة له إلاّ أعطاه اللّه بكلّ شعرة نوراً يوم القيامة»(24).

وتقول الآية (9) من سورة الضحى: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ } [الضحى: 9].

وهذه الدعوة الربّانية تقابل ما كان سائداً في عصور الجاهلية، كيف وكانوا يتعاملون مع اليتامى، ولا تنفصل جاهلية اليوم عن تلك الجاهلية، فنرى مَن لم يدخل الإيمان قلبه، كيف يتوسل بمختلف الحيل والألاعيب لسرقة أموال اليتامى، والأشد من هذا فإنّهم يتركون اليتامى جانباً بلا اهتمام ولا رعاية ليعيشوا غمّ فقدان الآباء وبأشدّ صورة!

فإكرام اليتيم لا ينحصر بحفظ أموالهم ـ كما يقول البعض ـ بل يشمل حفظ الأموال وغيرها.

«تحاضون»: من (الحض)، وهو الترغيب، فلا يكفي إطعام المسكين بل يجب على النّاس أن يتواصوا ويحث بعضهم البعض الآخر على ذلك لتعم هذه السنّة التربوية كلّ المجتمع(25).

وقد قرنت الآية (34) من سورة الحاقة عدم الإكرام بعدم الإيمان باللّه عزّوجلّ: {إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [الحاقة: 33، 34] (26).

وتعرض الآية التالية ثالث أعمالهم القبيحة: {وتأكلون التراث أكلاً لمَاً}(27).

ممّا لا شكّ فيه أنّ الاستفادة من الميراث المشروع عمل غير مذموم، ولذا فيمكن أن يكون المذموم في الآية أحد الاُمور التالية:

الأوّل: الجمع بين حقّ الإنسان وحقّ الآخرين في الميراث، لأنّ كلمة «لمّ» بمعنى الجمع، وفسّرها الزمخشري في الكشّاف بمعنى الجمع بين الحلال والحرام.

وكانت عادة العرب في الجاهلية أن يحرموا النساء والأطفال من الإرث لاعتقادهم بأنّه نصيب المقاتلين (لأنّ أكثر أموالهم تأتيهم عن طريق السلب والإغارة).

الثّاني: عدم الإنفاق من الإرث على المحرومين والفقراء من الأقرباء وغيرهم، فإن كنتم تبخلون بهذه الأموال التي وصلت إليكم بلا عناء، فأنتم أبخل فيما تكدّون في تحصيله، وهذا عيب كبير فيكم.

الثّالث: هو أكل إرث اليتامى والتجاوز على حقوق الصغار، وذلك من أقبح الذنوب، لأنّ فيه استغلال فاحش لحقّ مَن لا يستطيع الدفاع عن نفسه.

والجمع بين هذه التّفاسير الثلاث ممكن(28).

ثمّ يأتي الذّم الرّابع: {وتحبّون المال حبّاً جمّاً}(29).

فأنتم.. عبدة دنيا، طالبي ثروة، عشاق مال ومتاع.. ومَن يكون بهذه الحال فمن الطبيعي أن لا يعتني في جمعه للمال، أكان من حلال أم من حرام، ومن الطبيعي أيضاً أن يتجاوز على الحقوق الشرعية المترتبة عليه، بأن لا ينفقها أو ينقص منها.. ومن الطبيعي كذلك إنّ القلب الذي امتلأ بحبّ المال والدنيا سوف لا يبقى فيه محل لذكر اللّه عزّوجلّ.

ولذا نجد القرآن الكريم بعد ذكره لمسألة امتحان الإنسان، يتعرض لأربعة اختبارات يفشل فيها المجرمين.

إكرام اليتيم.

إطعام المسكين.

أسهم الإرث.

وجمعه من طريق مشروع وغير مشروع.

وجمع المال بدون قيد أو شرط.

والملاحظ أنّ الاختبارات المذكورة إنّما تدور حول محور الأموال، للإشارة ما للمال من مطبات مهلكة، ولو تجاوزها الإنسان لسهلت عليه بقية العقبات في طريقه نحو التكامل والرقي والسمو.

وثمّة مَن يكون متذبذباً في الأمانة (بين أن يؤدي أو يخون)، وهكذا إنسان غالباً ما تصرعه وساوس الشيطان وترميه في جانب الخيانة.. أمّا اُولئك الصادقون في إيمانهم فهم الاُمناء حقّاً في الرعاية والإهتمام لأداء الحقوق الواجبة والمستحبة للآخرين، ولا تراهم يتهاونون بأدنى درجات التهاون، ومثلهم هو الذي يتمكن من صعود سُلم الرفعة والسمو على طريق الإيمان والتقوى.

والخلاصة: من تجاوز اختبار المال بنجاح، فهو أهلٌ للإعتماد، ومن أهل التقوى والورع، وهو خير أخ وصديق، وغالباً ما تراه صالحاً في كافة مجالات حياته والمجتمع.

ولذلك، نرى الاختبارات هنا دارت حول محور المال.

وقوله تعالى : {كَلاّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكَّاً دَكَّاً(21) وَجَآءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفَّاً صَفَّاً(22) وَجِاْىء يَومَئِذ بِجَهَنَّمَ يَومَئِذ يَتَذَكَّرُ الإِنَسنُ وَأَنَّى لَهُ الْذِّكْرَى(23) يَقُولُ يَلَيْتَنِى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى(24) فَيَوْمَئِذ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ(25) وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ}:

يوم لا تنفع الذكرى!

بعد أن ذمت الآيات السابقة الطغاة وعبدة الدنيا والغاصبين لحقوق الآخرين، تأتي هذه الآيات لتحذرهم وتهددهم بوجود القيامة والحساب والجزاء.

فتقول أوّلاً: «كلا» (فليس الأمر كما تعتقدون بأن لا حساب ولا جزاء، وأنّ اللّه قد أعطاكم المال تكريماً وليس امتحاناً).. {إذا دكّت الأرض دكّاً دكّاً}.

«الدك»: الأرض اللينة السهلة، ثمّ استعملت في تسوية الأرض من الإرتفاعات والتعرجات، و(الدكان): المحل السوي الخالي من الارتفاعات و(الدكة): المكان السوي المهيء للجلوس.

وجاء تكرار «دكّاً» في الآية للتأكيد.

وعموماً، فالآية تشير إلى الزلازل والحوادث المرعبة التي تعلن عن نهاية الدنيا وبداية يوم القيامة، حيث تتلاشى الجبال وتستوي الأرض، كما أشارت لذلك الآيات (106 ـ 108) من سورة طه: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا} [طه: 105 - 107].

وبعد أن ينتهي مرحلة القيامة الاُولى (مرحلة الدمار)، تأتي المرحلة الثّانية، حيث يعود النّاس ثانية للحياة ليحضروا في ساحة العدل الالهي: {وجاء ربّك والملك صفاً صفاً}.

نعم، فسيقف الجميع في ذلك المحشر لإجراء الأمر الالهي وتحقيق العدالة الربّانية، وقد بيّنت لنا الآيات ما لعظمة ذلك اليوم، وكيف أنّ الإنسان لا سبيل له حينها إلاّ الرضوخ التام بين قبضة العدل الالهي.

{وجاء ربُّك}: كناية عن حضور الأمر الالهي لمحاسبة الخلائق، أو أنّ المراد: ظهور آيات عظمة اللّه سبحانه وتعالى، أو ظهور معرفة اللّه عزّوجلّ في ذلك اليوم، بشكل بحيث لا يمكن لأيّ كان إنكاره، وكأنّ الجميع ينظرون إليه باُم أعينهم.

وبلا شك، إنّ حضور اللّه بمعناه الحقيقي المستلزم للتجسيم والتحديد بالمكان، هذا المعنى ليس هو المراد، لأنّ سبحانه وتعالى مبرّأ من الجسمية وخواص الجسمية(30).

وقد ورد هذا المعنى في كلام للإمام علي بن موسى الرضا(عليهما السلام)(31).

كما وتؤيد الآية (33) من سورة النحل هذا التّفسير بقولها: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ} [النحل: 33] .

{صفّاً صفّاً}: إشارة إلى ورود الملائكة عرصة يوم القيامة على هيئة صفوف، ويحتمل تعلق الصفوف بكلّ السماوات.

وتقول الآية التالية: {وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنّى له الذكرى}.

وما نستنبطه من الآية، إنّ جهنم قابلة للحركة، فتقرب للمجرمين، كما هو حال حركة الجنّة للمتقين: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الشعراء: 90].

وثمّة مَن يعطي للآية معنىً مجازياً، ويعتبرها كناية عن ظهور الجنّة والنّار أمام أعين المحسنين والمسيئين.

ولكن، لا دليل على الأخذ بخلاف الظاهر، ومن الأفضل التعامل مع ظاهر الآية، لأنّ حقائق عالم القيامة لا يمكن فهمها وتصورها بشكل دقيق لمحدودية عالمنا أمام ذلك العالم من جهة؟ ولاختلاف القوانين والسنن التي تحكم ذلك العالم من جهة اُخرى.. ثمّ، ما المانع في تحرك كلّ من الجنّة والنّار في ذلك اليوم؟

وروي: لمّا نزلت هذه الآية، تغيّر وجه رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، وعُرِفَ في وجهه حتى اشتدّ على أصحابه ما رأوا من حاله، وانطلق بعضهم إلى علي بن أبي طالب(عليه السلام) فقالوا: يا علي لقد حدث أمر قد رأيناه في نبيّ اللّه، فجاء علي(عليه السلام)فاحتضنه ثمّ قال: «يا نبيّ اللّه بأبي أنت واُمي، ما الذي حدث اليوم؟».

قال: «جاء جبرائيل(عليه السلام) فأقرأني {وجيء يومئذ بجهنّم}.

قال: فقلت: كيف يجاء بهم؟

قال: يجيء بها سبعون ألف ملك يقودونها بسبعين ألف زمام، فتشرد شردة لو تركت لأحرقت أهل الجمع، ثمّ أتعرض لجهنم، فتقول: ما لي ولك يا محمّد، فقد حرّم اللّه لحمك عليَّ، فلا يبقى أحد إلاّ قال: نفسي نفسي، وإنّ محمّداً يقول: ربِّ أُمّتي أُمّتي».(32)

نعم، فحينما يرى المذنب كلّ تلك الحوادث تهتز فرائصه ويتزلزل رعباً، فيستيقظ من غفلته ويعيش حالة الهمّ والغمّ، ويتحسر على كلّ لحظة مرّت من حياته بعدما يرى ما قدّمت يداه، ولكن. هل للحسرة حينها من فائدة؟!

وكم سيتمنى المذنب لو تسنح له الفرصة ثانية للرجوع إلى الدنيا وإصلاح ما أفسد، ولكنّه سيرى أبواب العودة مغلقة، ولا من مخرج !...

ويودّ التوبة.. وهل للتوبة من معنى بعد غلق أبوابها؟!

ويريد أن يعمل صالحاً.. ولكن أين؟ فقد طويت صحائف الأعمال، ويومها يوم حساب بلا عمل!...

وعندها.. بملأ يصرخ كيانه: {يقول يا ليتني قدّمت لحياتي}.

وفي قولته نكتة لطيفة، فهو لا يقول قدّمت لآخرتي بل «لحياتي»، وكأنّ المعنى الحقيقي للحياة لا يتجسد إلاّ في الآخرة.

كما أشارت لهذه الآية (64) من سورة العنكبوت: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 64].

نعم، ففي دنياهم: يسرقون أموال اليتامى، لم يطعموا المساكين، يأخذون من الإرث أكثر ممّا يستحقون ويحبّون المال حبّاً جمّاً.

وفي اُخراهم، يقول كلّ منهم: يا ليتني قدّمت لحياتي الحقيقية الباقية.. ولكنّ التمني ليس أكثر من رأس مال المفلسين.

وتشير الآية التالية إلى شدّة العذاب الإلهي: {فيومئذ لا يعذّب عذابه أحد}.

نعم، فمن استخدم في دنياه كلّ قدرته في ارتكاب أسوء الجرائم والذنوب، فلا يجني في آخرته إلاّ أشد العذاب...

فيما سينعم المحسنون والصالحون في أحسن الثواب، ويخلدون بحال ما لا عين رأت ولا اُذن سمعت، فاللّه «أرحم الراحمين» لمن أخلص النيّة وعمل، و «أشدّ المعاقبين» لمن تجاوز حدود هدف خلقه.

وتكمل الآية التالية تصوير شدّة العذاب: (ولا يوثق وثاقه أحد).

فوثاقه ليس كوثاق الآخرين، وعذابه كذلك، كلّ ذلك بما كسبت يداه حينما أوثق المظلومين في الدنيا بأشدّ الوثاق، ومارس معهم التعذيب بكلّ وحشية، متجرد عن كلّ ما وهبه اللّه من إنسانية.

وقوله تعالى : {يَأيَّتُهَا الْنَّفْسُ الْمُطْمَئِنَةُ(27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَْةً مرَّضِيَّةً(28) فادْخُلِي فِى عِبَدِى(29) وَادْخُلِي جَنَّتِي}.

الشّرف العظيم:

وتنتقل السّورة في آخر مطافها إلى تلك النفوس المطمئنة ثقة باللّه وبهدف الخلق، بالرغم من معايشتها في خضم صخب الحياة الدنيا، فتخاطبهم بكلّ لطف ولين ومحبّة، حيث تقول: {يا أيّتها النفس المطمئنة}..{ارجعي إلى ربّك راضية مرضيّة}.. {فادخلي في عبادي}.. {وادخلي جنّتي}.

فهل ثمّة أجمل وألطف من هذا التعبير!...

تعبير يحكي دعوة اللّه سبحانه وتعالى لتلك النفوس المؤمنة، المخلصة، المحبّة والواثقة بوعده جلّ شأنه.. دعوتها لتعود إلى ربّها ومالكها ومصلحها الحقيقي ... .

دعوة مفعمة برضا الطرفين، رضا العاشق على معشوقه، ورضا المعشوق على عاشقه... .

وتتوج تلك النفوس الطاهرة بتاج العبودية، لتدخل في صف المقرّبين عند اللّه، ولتحصل على إذن دخول جنان الخلد، وما قوله تعالى: «جنتي» إلاّ للإشارة إلى أنّ المضيف هو اللّه جلّ جلاله... فما أروعها من دعوة! وما أعظمه وأكرمه من داع! وما أسعده من مدعو!

ويراد بالنفس هنا: الروح الإنسانية.

«المطمئنة»: إشارة إلى الإطمئنان الحاصل من الإيمان، بدلالة الآية (28) من سورة الرعد: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28].

ويعود اطمئنان النفس، لإطمئنانها بالوعود الإلهية من جهة، ولإطمئنانها لما اختارت من طريق..

وهي مطمئنة في الدنيا سواء أقبلت عليها أم أدبرت، ومطمئنة عند أهوال حوادث يوم القيامة الرهيبة أيضاً.

أّمّا (الرجوع إلى اللّه)، فهو ـ على قول جمع من المفسّرين ـ رجوع إلى ثوابه ورحمته..

ولكنّ الأنسب أن يقال: إنّه رجوع إليه جلّ وعلا، رجوع إلى جواره وقربه بمعناها الروحي المعنوي، وليست بمعناها المكاني والجسماني.

وثمّة سؤال يرد إلى الذهن.. متى ستكون دعوته المباركة، هل ستكون بعد مفارقة الروح البدن، أم في يوم القيامة؟؟

لو أخذنا بظاهر الآيات المباركة، فسياقها يرتبط بالقيامة، وإن كان تعبير الآية ذو شمولية.

«راضية»: لما ترى من تحقق الوعود الإلهية بالثواب والنعيم بأكثر ممّا كانت تتصور، وشمول العبد برحمة وفضل اللّه سيدخل في قلبه الرضا بكّل ما يحمل الرضا من معان وأكثر.

«مرضيّة»: لرضا اللّه تبارك وتعالى عنها.

فعبدٌ بما ذُكِرَ من أوصاف، بلا شكّ مكانه الجنّة، وذلك لأنّه عمل بكلّ ما يملك في سبيل رضوان معبوده الأحد الصمد، ووصل في عمله لمقام الرضا التام والتسليم الكامل لخالقه تبارك وتعالى، حتى نال وسام حقيقة العبودية، ودخل طائعاً وواثقاً في صف عباد اللّه الصالحين..

وقد خصّ بعض المفسّرين سبب نزول هذه الآيات في (حمزة سيد الشهداء)، ولكن بلحاظ كون السّورة مكّية، فيمكن اعتبار ذلك أحد تطبيقات (مصاديق) الآيات وليس شأناً للنزول، كما هو الحال في ما ذكرنا في أوّل السّورة بشأن الإمام الحسين(عليه السلام).

روي أنّ أحد أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام) قد سأله قائلاً: جعلت فداك يا ابن رسول اللّه، هل يكره المؤمن على قبض روحه؟

قال: «لا واللّه، إنّه إذا أتاه مَلَك الموت لقبض روحه جزع عند ذلك، فيقول له ملك الموت: يا وليّ اللّه، لا تجزع، فو الذي بعث محمّداً لأنا أبرّ بك وأشفق عليك من والد رحيم لو حضرك، افتح عينيك فانظر، قال: ويمثل له رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة من ذريتهم(عليهم السلام)، فيقال له: هذا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة(عليهم السلام) رفقاؤك، قال: فيفتح عينيه فينظر، فينادي روحه مناد من قبل ربّ العِزّة فيقول: «يا أيّتها النفس المطمئنة (إلى محمّد وأهل بيته) ارجعي إلى ربّك راضية (بالولاية) مرضيّة (بالثواب) فادخلي في عبادي (يعني محمّداً وأهل بيته) وادخلي جنّتي»، فما شيء أحبّ إليه من استلال روحه واللحوق بالمنادي»(33).

__________________

1- الامثل ، ناصر مكارم الشيرازي ، ج15 ، ص293-316.

2 ـ راجع تفسير البرهان، ج4، ص457، الحديث 1.

3 ـ تفسير أبي الفتوح الرازي، ج12، ص74.

4 ـ جاءت «ليال عشر» بصيغة النكرة للدلالة على عظمتها وأهميتها، وإلاّ فهي تنطبق على كلّ ما ذكر أعلاه.

5 ـ تفسير الفخر الرازي، ج31، ص164.

6 ـ نقل ذلك كلّ من: العلاّمة الطباطبائي في الميزان عن بعض المفسّرين في الجزء 20، ص406.. وفي كتاب روح المعاني عن كتاب التحرير والتحيير، ج30، ص120.

7 ـ روي ذلك أبو سعيد الخدري عن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) راجع مجمع البيان، ج10، ص485.

8 ـ المصدر السابق.

9 ـ المصدر السابق.

10 ـ «يسر»: في الأصل (يسري) من (السري)، وحذفت الياء للتخفيف، ولمناسبة الآيات السابقة.

11 ـ راجع تفسير نور الثقلين، ج5، ص571.

12 ـ تفسير الكشّاف، ج4، ص747، وذكر ذلك أيضاً القرطبي في تفسيره، وغيره.

13 ـ وعلى ضوء التّفسير الأوّل يكون التعبير بـ «ذات» لأنّ الطائفة والقبيلة مؤنث لفظي.

14 ـ «إرم» ممنوع من الصرف، لذا فقد نصب في حالة الجر.

15 ـ «ثمود»: من (الثمد)، وهو الماء القليل الذي لا مادة له، والمثمود: إذا كثر عليه السؤال حتى فقد مادة ما له، ويقال أنّها كلمة أعجمية (مفردات الراغب).

16 ـ الباء في «الواد»: تعطي معنى الظرفية.

17 ـ روح البيان، ج10، ص425 (ما مضمونه).

18 ـ تفسير نور الثقلين، ج5، ص571، الحديث (6)، كما نقله عن علل الشرائع.

19 ـ نهج البلاغة، الخطبة 16.

20 ـ مجمع البيان، ج10، ص487.

21 ـ المصدر السابق.

22 ـ نور الثقلين، ج5، ص573، عن روضة الكافي الحديث 486، إقتباس.

23 ـ نهج البلاغة، الخطبة 97.

24 ـ بحار الانوار، ج15، ص120 (الطبعة القديمة).

25 ـ «تخاضون»: في الأصل (تتحاضون)، وحذفت إحدى التائين للتخفيف.

26 ـ «طعام»: هو في الآية ذو معنى مصدري أي: (إطعام).

27 ـ «لمَّ»: بمعنى الجمع، وتأتي بمعنى الجمع مع الإصلاح أيضاً.

28 ـ «تراث»: في الأصل (وراث)، ثمّ اُبدلت الواو تاءً.

29 ـ «الجم»: بمعنى الكثير، كما جاء في (مصباح اللغة)، و(المقاييس)، و(الجمّة) الشعر المتجمع في مقدمة الرأس.

30 ـ يقول الفخر الرازي في تفسيره: إنّ في الآية محذوف، تقديره (أمر) أو (قهر) أو (جلائل آيات) أو (ظهور ومعرفة).. وظهرت هذه التقديرات في كتب غيره من المفسّرين أيضاً، وخصوصاً التقدير الأوّل.

31 ـ راجع تفسير الميزان، ج20، ص416.

32 ـ مجمع البيان، ج10، ص483; وعنه الميزان، ج20، ص415، ومثله في تفسير الدّر المنثور.

33 ـ الكافي، ج3، ص127، باب إنّ المؤمن لا يكره على قبض روحه، الحديث 2.




وهو تفسير الآيات القرآنية على أساس الترتيب الزماني للآيات ، واعتبار الهجرة حدّاً زمنيّاً فاصلاً بين مرحلتين ، فكلُّ آيةٍ نزلت قبل الهجرة تُعتبر مكّيّة ، وكلّ آيةٍ نزلت بعد الهجرة فهي مدنيّة وإن كان مكان نزولها (مكّة) ، كالآيات التي نزلت على النبي حين كان في مكّة وقت الفتح ، فالمقياس هو الناحية الزمنيّة لا المكانيّة .

- المحكم هو الآيات التي معناها المقصود واضح لا يشتبه بالمعنى غير المقصود ، فيجب الايمان بمثل هذه الآيات والعمل بها.
- المتشابه هو الآيات التي لا تقصد ظواهرها ، ومعناها الحقيقي الذي يعبر عنه بـ«التأويل» لا يعلمه الا الله تعالى فيجب الايمان بمثل هذه الآيات ولكن لا يعمل بها.

النسخ في اللغة والقاموس هو بمعنى الإزالة والتغيير والتبديل والتحوير وابطال الشي‏ء ورفعه واقامة شي‏ء مقام شي‏ء، فيقال نسخت الشمس الظل : أي ازالته.
وتعريفه هو رفع حكم شرعي سابق بنص شرعي لا حق مع التراخي والزمان بينهما ، أي يكون بين الناسخ والمنسوخ زمن يكون المنسوخ ثابتا وملزما بحيث لو لم يكن النص الناسخ لاستمر العمل بالسابق وكان حكمه قائما .
وباختصار النسخ هو رفع الحكم الشرعي بخطاب قطعي للدلالة ومتأخر عنه أو هو بيان انتهاء امده والنسخ «جائز عقلا وواقع سمعا في شرائع ينسخ اللاحق منها السابق وفي شريعة واحدة» .



الأوّل من نوعه في العراق.. العتبة العبّاسية تستعدّ لإقامة مؤتمرٍ حول التنمية المستدامة
قسم المعارف يزورُ حفيدَ الشيخ الفقيه عبد الكريم الجزائري
في بابل.. الشؤون الفكرية ينظّم ندوةً حول بناء الذات من المنظور القرآني
مركز الكفيل للإعلان: نتّجه نحو العمل في مجال تصميم العلامات التجارية الخاصّة