المرجع الالكتروني للمعلوماتية
المرجع الألكتروني للمعلوماتية

القرآن الكريم وعلومه
عدد المواضيع في هذا القسم 12137 موضوعاً
تأملات قرآنية
علوم القرآن
الإعجاز القرآني
قصص قرآنية
العقائد في القرآن
التفسير الجامع

Untitled Document
أبحث عن شيء أخر



تفسير الاية (101-105) من سورة النحل  
  
55   06:42 مساءً   التاريخ: 14 / 8 / 2020
المؤلف : المرجع الإلكتروني للمعلوماتية
الكتاب أو المصدر : تفاسير الشيعة
الجزء والصفحة : ......
القسم : القرآن الكريم وعلومه / التفسير الجامع / حرف النون / سورة النحل /


أقرأ أيضاً
التاريخ: 13 / 8 / 2020 64
التاريخ: 5 / 8 / 2020 86
التاريخ: 9 / 8 / 2020 114
التاريخ: 11 / 8 / 2020 53

 

قال تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (102) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [النحل: 101- 105]

تفسير مجمع البيان
- ذكر الطبرسي في تفسير هذه  الآيات (1) :

قال سبحانه مخبرا عن أحوال الكفار { وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ } معناه : وإذا نسخنا آية وآتيتنا مكانها آية أخرى إما نسخ الحكم والتلاوة وإما نسخ الحكم مع بقاء التلاوة { وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} معناه والله أعلم بمصالح ما ينزل فينزل كل وقت ما توجبه المصلحة وقد تختلف المصالح باختلاف الأوقات كما تختلف باختلاف الأجناس والصفات { قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ} أي: قال المشركون إنما أنت كاذب على الله قال ابن عباس كانوا يقولون يسخر محمد بأصحابه يأمرهم اليوم بأمر وغدا يأمرهم بأمر وإنه لكاذب يأتيهم بما يقول من عند نفسه { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} أي: لا يعلمون أنه من عند الله أو لا يعلمون جواز النسخ ولأي سبب ورد النسخ.

 { قل } يا محمد { نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ} أي: أنزل الناسخ جبرائيل (عليه السلام) { من ربك بالحق } أي: بالأمر الحق الصحيح الثابت { لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا} بما فيه من الحجج والآيات فيزدادوا تصديقا ويقينا ومعنى تثبيته استدعاؤه لهم بألطافه ومعونته إلى الثبات على الإيمان والطاعة { وهدى } أي: وهو هدى فيكون هدى خبر مبتدإ محذوف { وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} أي: بشارة لهم بالجنة والثواب { ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر } يقول سبحانه أنا نعلم أن الكفار يقولون إن القرآن ليس من عند الله وإنما يعلم النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) بشر قال ابن عباس قالت قريش إنما يعلمه بلعام وكان قينا بمكة روميا نصرانيا وقال الضحاك أراد به سلمان الفارسي ( ره ) قالوا إنه يتعلم القصص منه وقال مجاهد وقتادة أرادوا به عبدا لبني الحضرمي روميا يقال له يعيش أوعائش صاحب كتاب أسلم وحسن إسلامه وقال عبد الله بن مسلم كان غلامان في الجاهلية نصرانيان من أهل عين التمر اسم أحدهما يسار واسم الآخر خير كانا صيقلين يقرآن كتابا لهما بلسانهم وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) ربما مر بهما واستمع لقراءتهما فقالوا إنما يتعلم منهما.

 ثم ألزمهم الله تعالى الحجة وأكذبهم بأن قال { لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ} أي: لغة الذي يضيفون إليه التعليم ويميلون إليه القول أعجمية ولم يقل عجمي لأن العجمي هو المنسوب إلى العجم وإن كان فصيحا والأعجمي هو الذي لا يفصح وإن كان عربيا أ لا ترى أن سيبويه كان عجميا وإن كان لسانه لسان اللغة العربية وقيل يلحدون إليه يرمون إليه ويزعمون أنه يعلمك أي لسان هذا البشر الذي يزعمون أنه يعلمك أعجمي لا يفصح ولا يتكلم بالعربية فكيف يتعلم منه ما هو في أعلى طبقات البيان؟.

 { وهذا } القرآن { لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ } أي: ظاهر بين لا يشكك يعني إذا كانت العرب تعجز عن الإتيان بمثله وهو بلغتهم فكيف يأتي الأعجمي بمثله قال الزجاج وصفه بأنه عربي أي صاحبه يتكلم بالعربية ثم أتبع سبحانه هذه الآية بذكر الوعيد للكفار على ما قالوه فقال { إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} أي: بحجج الله التي أظهرها والمعجزات التي صدق بها قومك يا محمد { لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي لا يثبتهم الله على الإيمان أولا يهديهم إلى طريق الجنة بدلالة أنه إنما نفى هداية من لا يؤمن فالظاهر أنه أراد بذلك الهدى الذي يكون ثوابا على الإيمان لا الهداية التي في قوله { أما ثمود فهديناهم } ثم بين سبحانه أن هؤلاء هم المفترون فقال { إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} أي: إنما يخترع الكذب الذين لا يصدقون بدلائل الله تعالى دون من آمن بها لأن الإيمان يحجز عن الكذب { وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ} لا أنت يا محمد فحصر فيهم الكذب بمعنى أن الكذب لازم لهم وعادة من عاداتهم وهذا كما تقول كذبت وأنت كاذب فيكون قولك أنت كاذب زيادة في الوصف بالكذب.

 وفي الآية زجر عن الكذب حيث أخبر سبحانه أنه إنما يفتري الكذب من لا يؤمن وقد روي مرفوعا أنه قيل يا رسول الله مؤمن يزني قال قد يكون ذلك قيل يا رسول الله المؤمن يسرق قال قد يكون ذلك قيل يا رسول الله المؤمن يكذب قال لا ثم قرأ هذه الآية .

______________

1- تفسير مجمع البيان ،الطبرسي،ج6،ص199-201.

تفسير الكاشف
- ذكر محمد جواد مغنية في تفسير هذه  الآيات (1) :

{ وإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ واللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ } . ضمير قالوا يعود إلى المشركين الذين كذبوا محمدا ( صلى الله عليه واله وسلم ) ، وضمير أنت موجه منهم إليه . . ان اللَّه سبحانه خلق الخلق ، وهو العليم الحكيم بما يصلحهم ويفسدهم ، وقد تستدعي الحكمة والمصلحة ان يشرّع سبحانه لعباده حكما لأمد معين ، فيفعل ، حتى إذا انتهى الأمد ارتفع الحكم المحدود به ، وشرّع - جلت حكمته - حكما آخر مكانه على وفق المصلحة أيضا . . وهذا هو المراد من قوله : « وإذا بدلنا آية مكان آية » . وكان المشركون ، حين يرون هذا التبديل ، يقولون لمحمد ( صلى الله عليه واله وسلم ) : انك تفعل ذلك من تلقاء نفسك ، وتنسبه إلى اللَّه كذبا وافتراء ، واللَّه سبحانه يعلم بأنه هو الذي أنزل هذا التبديل على رسوله الصادق الأمين ، ويعلم انهم هم المفترون بقولهم للرسول الأعظم : « انما أنت مفتر » .

وأوضح تفسير قرأته لهذه الآية ما روي عن ابن عباس انه إذا نزلت آية في شدة ، ثم نزلت آية ألين منها قال كفار قريش : ان محمدا يسخر بأصحابه ، اليوم يأمر بأمر ، وغدا ينهى عنه ، وانه لا يقول هذه الأشياء الا من عند نفسه ، فأنزل اللَّه تعالى : وإذا بدلنا آية مكان آية الخ . وتكلمنا عن النسخ عند تفسير الآية 106 من سورة البقرة ج 1 ص 169 .

{ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وهُدىً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ } . روح القدس هو جبريل ، وسمي بذلك لأنه نزل بالقدس ، وهو القرآن من عند اللَّه على محمد ( صلى الله عليه واله وسلم ) .

ونظير هذه قوله تعالى في الآية 89 من هذه السورة : { ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدىً ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ } . وذكرت الآية هنا للرد على المشركين الذين نسبوا التبديل إلى النبي ، وذكرت هناك بمناسبة قوله تعالى ما معناه ان اللَّه يوم القيامة يبعث من كل أمة شهيدا ، ويبعث محمدا ليشهد على أمته انه قد بلغها القرآن الذي هو تبيان لكل شيء .

{ ولَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ } . اتهم المشركون محمدا ( صلى الله عليه واله وسلم ) بأنه تعلم القرآن من غيره ، ونسبه إلى اللَّه كذبا وافتراء . . وليس من شك ان هذا من حرب الدعايات الكاذبة يعلنها المفسدون في الأرض على مصلح يثور عليهم وعلى فسادهم وافسادهم . . وقد تطورت اليوم أساليب الدعايات ضد المخلصين والمصلحين ، وبلغت النهاية في الدقة والأحكام ، حتى انخدع بها كثير من الأبرياء الأصفياء .

{ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ } . هذا رد لقول المشركين عن محمد ( صلى الله عليه واله وسلم ) : « انما يعلمه بشر » ، ويظهر من هذا الرد انهم أضافوا التعليم إلى رجل معين ، وان هذا الرجل كان أعجميا يعجز عن الإفصاح بالكلام ، ولذا قال تعالى : ان القرآن ذوبيان وفصاحة فكيف يمكن أن يصدر عن أعجمي ؟ . . ان فاقد الشيء لا يعطيه .

ردد هذا الافتراء أعداء الإسلام في حياة محمد ( صلى الله عليه واله وسلم ) ، ورددوه من بعده أيضا ، وما زال كثير من المبشرين النصارى يجترون هذا الافتراء جاهلين أومتجاهلين بأن في القرآن علوما وفنونا وحكما لم يكن لها في ذاك العهد عين ولا أثر . . ولو افترض وجودها فلا يمكن أن يجمعها ويعلمها واحد ، ولو علمها لتجاوزت شهرته شهرة أرسطو الذي أسماه العرب بالمعلم الأول . . مع العلم بأنه ما ادعى أحد ان رجلا كان في عهد رسول اللَّه يجمع علوم القرآن .

{ إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ ولَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ } . المراد بآيات اللَّه الدلائل الناطقة بوجوده ، والمعجزات الشاهدة بنبوّة الأنبياء ، والأحكام المنزلة من اللَّه عليهم ، أما الهداية فالمراد بها هنا الثواب ، والمعنى ان اللَّه سبحانه لا يثيب ، بل يعاقب من يكفر بآياته بشتى أنواعها .الكاذب الكافر :

{ إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ } ولا بالبعث والحساب والجزاء كالمشركين الذين قالوا لمحمد ( صلى الله عليه واله وسلم ) ما قالوه { وأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ } . انهم يجرؤون على الكذب وعلى جميع المفاسد والآثام لأنهم لا يخشون عقابا على الكذب ، ولا يرجون ثوابا على الصدق .

وتسأل : ان قوله تعالى : « انما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون » يغني عن قوله :

« وأولئك هم الكاذبون » . فما هو القصد من هذا التكرار ؟ .

وأجاب المفسرون بأن القصد منه التنبيه إلى أن صفة الكذب فيهم ثابتة راسخة تماما كما تقول لمن عرف بالكذب : كذبت وأنت الكاذب أي ان دأبك وشأنك الكذب .

سؤال ثان : قال سبحانه : « إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ » . وهذا حصر للكذب بالكافرين مع أن كثيرا من الكافرين أصدق وأوثق في أحاديثهم من كثير من الذين يؤمنون باللَّه واليوم الآخر ؟ .

الجواب : ان المسلم الكاذب مؤمن باللَّه نظريا ، وكافر عمليا ، فهو بوصفه مؤمنا نظريا وفكريا يعامل في الدنيا معاملة المسلم ، وبوصفه كافرا في عمله وفعله يعامل في الآخرة معاملة الكافر لهذه الآية ، ولما روي عن النبي من أنه سئل :

هل يكذب المؤمن ؟ فقال : لا . ثم قرأ هذه الآية .

__________________

1- تفسير الكاشف،محمد جواد مغنية،ج4،ص552-555.

تفسير الميزان
- ذكر الطباطبائي في تفسير هذه الآيات (1) :

قوله تعالى:{ وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} إشارة إلى النسخ وحكمته، وجواب عما اتهموه (صلى الله عليه وآله وسلم) به من الافتراء على الله، والظاهر من سياق الآيات أن القائلين هم المشركون وإن كانت اليهود هم المتصلبين في نفي النسخ ومن المحتمل أن تكون الكلمة مما تلقفه المشركون من اليهود فكثيرا ما كانوا يراجعونهم في أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

وقوله:{ وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ} قال في المفردات:، الإبدال والتبديل والتبدل والاستبدال جعل شيء مكان آخر، وهو أعم من العوض فإن العوض هو أن يصير لك الثاني بإعطاء الأول، والتبديل قد يقال للتغيير مطلقا وإن لم يأت ببدله قال تعالى:{ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ } - إلى أن قال - وقال - تعالى:{فمن بدله بعد ما سمعه}{ وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ} و{بدلناهم بجنتيهم جنتين}{ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ } انتهى موضع الحاجة.

فالتبديل بمعنى التغيير يخالف التبديل بمعناه المعروف في أن مفعوله الأول هو المأخوذ والمطلوب بخلافه بالمعنى المعروف فمعنى قوله:{وإذا بدلنا آية} مكان آية معناه وضعنا الآية الثانية مكان الأولى بالتغيير فكانت الثانية المبدلة هي الباقية المطلوبة.

وقوله:{ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} كناية عن أن الحق لم يتعد مورده وأن الذين أنزله هو الحقيق بأن ينزل فإن الله أعلم به منهم، والجملة حالية.

وقوله:{ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ} القول للمشركين يخاطبون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويتهمونه بأنه يفتري على الله الكذب فإن تبديل قول مكان قول، والثبات على رأي ثم العدول عنه مما يتنزه عنه ساحة رب العزة.

وقد بالغوا في قولهم إذ لم يقولوا: افتريت في هذه التبديل والنسخ بل قالوا:{ إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ} فقصروه (صلى الله عليه وآله وسلم) في الافتراء، وأتوا بالجملة الاسمية وسموه مفتريا، وقد بنوا ذلك على أن ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من سنخ واحد وهو يسند الجميع إلى ربه ويقول: إنما أنا نذير فإذا كان مفتريا في واحد كان مفتريا في الجميع فليس إلا مفتريا.

وقوله:{ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} أي أكثر هؤلاء المشركين الذين يتهمونك بقولهم:{إنما أنت مفتر} لا يعلمون حقيقة هذا التبديل والحكمة المؤدية إليه على ما سينكشف في الجواب أن الأحكام الإلهية تابعة لمصالح العباد ومن المصالح ما يتغير بتغير الأوضاع والأحوال والأزمنة فمن الواجب أن يتغير الحكم بتغير مصلحته فينسخ الحكم الذي ارتفعت مصلحته الموجبة له بحكم آخر حدثت مصلحته.

فأكثر هؤلاء غافلون عن هذا الأمر وأما الأقل منهم فهم واقفون على حقيقة الأمر ولو إجمالا غير أنهم مستكبرون على الحق معاندون له وإنما يلقون القول إلقاء من غير رعاية جانب الحق.

قوله تعالى:{ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} قد تقدمت في أول السورة إشارة إلى معنى الروح، والقدس الطهارة والنزاهة والظاهر أن الإضافة للاختصاص أي روح طاهرة عن قذارات المادة نزيهة عن الخطإ والغلط والضلال، وهو المسمى في موضع آخر من كلامه تعالى بالروح الأمين، وفي موضع آخر بجبريل من الملائكة قال تعالى:{ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ}: الشعراء: 194، وقال:{ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ }،: البقرة: 97.

فقوله:{ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ } أمر بالجواب والأسبق إلى الذهن أن يكون الضمير راجعا إلى القرآن من جهة كونه ناسخا أي الآية الناسخة، ويمكن أن يكون راجعا إلى مطلق القرآن، وفي التعبير بالتنزيل دون الإنزال إشارة إلى التدريج.

وكان من طبع الكلام أن يقال: من ربي لكن عدل عنه إلى قوله:{من ربك} للدلالة على كمال العناية والرحمة في حقه (صلى الله عليه وآله وسلم) كأنه لا يرضى بانقطاع خطابه فيغتنم الفرصة لتكليمه أينما أمكن، وليدل على أن المراد بالقول المأمور به إخبارهم بذلك لا مجرد التلفظ بهذه الألفاظ فافهم.

وقوله:{ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا} التثبيت تحكيم الثبات وتأكيده بإلقاء الثبات بعد الثبات عليهم كأنهم بأصل إيمانهم بالله ورسوله واليوم الآخر ثبتوا على الحق وبتجدد الحكم حسب تجدد المصلحة يؤتون ثباتا على ثبات من غير أن يضعف ثباتهم الأول بالمضي على أعمال لا تطابق مصلحة الوقت فإن من الواضح أن من أمر بسلوك سبيل لمصلحة غاية فأخذ بسلوكه عن إيمان بالأمر الهادي فقطع قطعة منه على حسب ما يأمره به رعاية لمصلحة الغاية بسرعة أوبطء أوفي ليل أو نهار ثم تغير نحو المصلحة فلو لم يغير الأمر الهادي نحو السلوك واستمر على أمره السابق لضعف إيمان السالك وانسلب أركانه لكن لو أمر بنحو جديد من السلوك يوافق المصلحة ويضمن السعادة زاد إيمانه ثباتا على ثبات.

ففي تنزيل القرآن بالنسخ وتجديد الحكم حسب تجدد المصلحة تثبيت للذين آمنوا وإعطاء لهم ثباتا على ثبات.

وقوله:{ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} وهم الذين يسلمون الحكم لله من غير اعتراض فالآية الناسخة بالنسبة إليهم إراءة طريق وبشارة بالسعادة والجنة.

وتفريق الآثار بتخصيص التثبيت بالمؤمنين والهدى والبشرى بالمسلمين إنما هو لما بين الإيمان والإسلام من الفرق فالإيمان للقلب ونصيبه التثبت في العلم والإذعان والإسلام في ظاهر العمل ومرحلة الجوارح ونصيبها الاهتداء إلى واجب العمل، والبشرى بأن الغاية هي الجنة والسعادة.

وقد مر بعض الكلام في النسخ في تفسير قوله تعالى:{ مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا }: البقرة: 106 في الجزء الأول من الكتاب.

قوله تعالى:{ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} افتراء آخر منهم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو قولهم:{إنما يعلمه بشر} وهوكما يلوح إليه سياق اعتراضهم وما ورد في الجواب عنه أنه كان هناك رجل أعجمي غير فصيح في منطقه عنده شيء من معارف الأديان وأحاديث النبوة ربما لاقاه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فاتهموه بأنه يأخذ ما يدعيه وحيا منه والرجل هوالذي يعلمه وهوالذي حكاه الله تعالى من قولهم:{ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ } وفي القول إيجاز، وتقديره: إنما يعلمه بشر وينسب ما تعلمه منه إلى الله افتراء عليه، وهو ظاهر.

ومن المعلوم أن الجواب عنه بمجرد أن لسان الرجل أعجمي والقرآن عربي مبين لا يحسم مادة الشبهة من أصلها لجواز أن يلقي إليه المطالب بلسانه الأعجمي ثم يسبكها هو(صلى الله عليه وآله وسلم) ببلاغة منطقه في قالب العربية الفصيحة بل هذا هوالأسبق إلى الذهن من قولهم:{إنما يعلمه بشر} حيث عبروا عن ذلك بالتعليم دون التلقين والإملاء، والتعليم أقرب إلى المعاني منه إلى الألفاظ.

وبذلك يظهر أن قوله:{ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ - إلى قوله - مبين} ليس وحده جوابا عن شبهتهم بل ما يتلوه من الكلام إلى تمام آيتين من تمام الجواب.

وملخص الجواب مأخوذ من جميع الآيات الثلاث أن ما اتهمتموه به أن بشرا يعلمه ثم هوينسبه إلى الله افتراء إن أردتم أنه يعلمه القرآن بلفظه بالتلقين عليه وأن القرآن كلامه لا كلام الله فجوابه أن هذا الرجل لسانه أعجمي وهذا القرآن عربي مبين.

وإن أردتم أن الرجل يعلمه معاني القرآن - واللفظ لا محالة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) - وهوينسبه إلى الله افتراء عليه فالجواب عنه أن الذي يتضمنه القرآن معارف حقة لا يرتاب ذولب فيها وتضطر العقول إلى قبولها قد هدى الله النبي إليها فهومؤمن بآيات الله إذ لولم يكن مؤمنا لم يهده الله والله لا يهدي من لا يؤمن بآياته وإذ كان مؤمنا بآيات الله فهولا يفتري على الله الكذب فإنه لا يفتري عليه إلا من لا يؤمن بآياته، فليس هذا القرآن بمفترى، ولا مأخوذا من بشر ومنسوبا إلى الله سبحانه كذبا.

فقوله:{ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} جواب عن أول شقي الشبهة وهو أن يكون القرآن بلفظه مأخوذا من بشر على نحوالتلقين، والمعنى: أن لسان الرجل الذي يلحدون أي يميلون إليه وينوونه بقولهم:{ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ } أعجمي أي غير فصيح بين وهذا القرآن المتلو عليكم لسان عربي مبين وكيف يتصور صدور بيان عربي بليغ من رجل أعجمي اللسان.

وقوله:{ إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} إلى آخر الآيتين جواب عن ثاني شقي الشبهة وهو أن يتعلم منه المعاني ثم ينسبها إلى الله افتراء.

والمعنى: إن الذين لا يؤمنون بآيات الله ويكفرون بها لا يهديهم الله إليه وإلى معارفه الحقة الظاهرة ولهم عذاب أليم، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مؤمن بآيات الله لأنه مهدي بهداية الله، وإنما يفتري الكذب وينسبه إلى الله الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون المستمرون على الكذب، وأما مثل النبي المؤمن بآيات الله فإنه لا يفتري الكذب ولا يكذب فالآيتان كنايتان عن أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مهدي بهداية الله مؤمن بآياته ومثله لا يفتري ولا يكذب.

والمفسرون قطعوا الآيتين عن الآية الأولى وجعلوا الآية الأولى هي الجواب الكامل عن الشبهة وقد عرفت أنها لا تفي بتمام الجواب.

ثم حملوا قوله:{ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} على التحدي بإعجاز القرآن في بلاغته، وأنت تعلم أن لا خبر في لفظ الآية عن أن القرآن معجز في بلاغته ولا أثر عن التحدي، ونهاية ما فيه أنه عربي مبين لا وجه لأن يفصح عنه ويلفظه أعجمي.

ثم حملوا الآيتين التاليتين على تهديد أولئك الكفرة بآيات الله الرامين لرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالافتراء، ووعيدهم بالعذاب الأليم، وقلب الافتراء والكذب إليهم بأنهم أولى بالافتراء والكذب بما أنهم لا يؤمنون بآيات الله فإن الله لم يهدهم.

ثم تكلموا بالبناء عليه في مفردات الآيتين بما يزيد في الابتعاد عن حق المعنى.

وقد عرفت أن ذلك يؤدي إلى عدم كفاية الجواب في حسم الإشكال من أصله.

________________

1- تفسير الميزان ،الطباطبائي،ج12،ص282-286.

تفسير الامثل
- ذكر الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذه  الآيات (1) :

الإِفتراء!

تحدثت الآيات السابقة أُسلوب الإِستفادة من القرآن الكريم، وتتناول الآيات مورد البحث جوانب أُخرى من المسائل المرتبطة بالقرآن، وتبتدىء ببعض الشبهات التي كانت عالقة في أذهان المشركين حول الآيات القرآنية المباركة، فتقول: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} فهذا التغيير والتبديل يخضع لحكمة اللّه، فهو أعلم بما ينزل، وكيف ينزل، ولكن المشركين لجهلهم {قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}.

وحقيقة الأمر أنّ المشركين لم يتوصلوا بعد لإِدراك وظيفة القرآن وما يحمل من رسالة، ولم يدخل في تصوراتهم وأذهانهم أنّ القرآن في صدد بناء مجتمع إِنساني جديد يسوده التطور والتقدم والحرية والمعنوية العالية...نعم، فأكثرهم لا يعلمون.

فبديهي والحال هذه أنْ يطرأ على وصفة الدواء الإِلهي لنجاة هؤلاء المرضى التغيير والتبديل تدرجاً مع ما يعيشونه، فما يعطون اليوم يكمله الغد.. وهكذا حتى تتمّ الوصفة الشاملة.

فغفلة المشركين عن هذه الحقائق وابتعادهم عن ظروف نزول القرآن، دفعهم للإِعتقاد بأنّ أقوال النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) تحمل بين ثناياها التناقض أو الإِفتراء على اللّه عزَّوجلّ! وإِلاّ لعلموا أنّ النسخ في الأحكام جزء من أوامر وآيات القرآن المنظمة على شكل برنامج تربوي دقيق لا يمكن الوصول للهدف النهائي لنيل التكامل إِلاّ به.

فالنسخ في أحكام مجتمع يعيش حالة إِنتقالية بين مرحلتين يعتبر من الضروريات العملية والواقعية، فالتحول والإِنتقال بالناس من مرحلة إِلى أُخرى لا يتم دفعة واحدة، بل ينبغي أنّ يمر بمراحل إِنتقالية دقيقة.(2)

أيمكن معالجة مريض مزمن في يوم واحد؟

أو شفاء رجل مدمن على المخدرات لسنوات عديدة في يوم واحد؟ أوَ ليس التدرج في المعالجة من أسلم الأساليب؟

وبعد الإِجابة على هذه الأسئلة لا يبقى لنا إِلاّ أنْ نقول: ليس النسخ سوى برنامج مؤقت في مراحل إِنتقالية.

(لقد بحثنا موضوع النسخ في تفسير الآية (36) من سورة البقرة ـ فراجع).

وتستمر الآية التالية بنفس الموضوع، وللتأكيد عليه تأمر النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنْ: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ}.

«روح القدس» أو (الرّوح المقدسة) هو أمين الوحي الإِلهي «جبرائيل الأمين»، وبواسطته كانت الآيات القرآنية تتنزَّل بأمر اللّه تعالى على النّبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) سواء الناسخ منها أو المنسوخ.

فكل الآيات حق، وهدفها واحد يتركز في توجيه الإِنسان ضمن التربية الرّبانية له، وظروف وتركيبة الإِنسان استلزمت وجود الأحكام الناسخة والمنسوخة في العملية التربوية.

ولهذا، جاء في تكملة الآية المباركة: {لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}.

يقول صاحب تقسير الميزان: إِنّ تعريف الآثار بتخصيص التثبيت بالمؤمنين والهدى والبشرى للمسلمين إِنّما هو لما بين الإِيمان والإِسلام من الفرق، فالإِيمان للقلب ونصيبه التثبيت في العلم والإِذعان، والإِسلام في ظاهر العمل ومرحلة الجوارح ونصيبها الإِهتداء إِلى واجب العمل والبشرى بأنّ الغاية هي الجنّة والسعادة.

وعلى أيّةِ حال، فلأجل تقوية الروح الإِيمانية والسير في طريق الهدى والبشرى لابدّ من برامج قصيرة الأمد ومؤقتة، وبالتدريج يحل البرنامج النهائي الثابت محلها، وهو سبب وجود الناسخ والمنسوخ في الآيات الإِلهية.

وبعد أنْ فنّد القرآن شبهات المشركين يتطرق لذكر شبهة أُخرى، أو على الأصح لذكر إِفتراء آخر لمخالفي نبي الرحمة(صلى الله عليه وآله وسلم) فيقول: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ}.

إختلف المفسّرون في ذكر اسم الشخص الذي إدّعى المشركون أنّه كان يعلّم النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)...

فعن ابن عباس: أنّه رجل يدعى (بلعام) كان يصنع السيوف في مكّة: وهو من أصل رومي وكان نصرانياً.

واعتبره بعضهم: غلاماً رومياً لدى بني حضرم واسمه (يعيش) أو (عائش) وقد أسلم وأصبح من أصحاب النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم).

وقال آخرون: إنّ معلّمه غلامين نصرانيين أحدهما اسمه (يسار) والآخر (جبر) وكان لهما كتاب بلغتهما يقرءانه بين مدّة وأُخرى بصوت عال.

واحتمل بعضهم: أنّه (سلمان الفارسي)، في حين أن سلمان الفارسي التحق بالنّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة وأسلم على يديه هناك، وأنّ هذه التهم التي أطلقها المشركون كانت في مكّة، أضف إِلى ذلك كون القسم الأعظم من سورة النحل مكي وليس مدنياً.

وعلى أيّة حال، فالقرآن أجابهم بقوة وأبطل كل ما كانوا يفترون، بقوله: {لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ (3) إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ (4) وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ}.

فإِنْ كان مقصودهم في تهمتهم وافترائهم أنّ مُعَلِّمَ النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لألفاظ القرآن هو شخص أجنبي لا يفقه من العربية وبلاغتها شيئاً فهذا في منتهى السفة، إِذ كيف يمكن لفاقد ملكة البيان العربي أن يعلِّم هذه البلاغة والفصاحة التي عجز أمامها أصحاب اللغة أنفسهم، حتى أنّ القرآن تحداهم بإِتيان سورة من مثله فما استطاعوا، ناهيك عن عدد الآيات؟!

وإِنْ كانوا يقصدون أنّ المحتوى القرآني هو من معلّم أجنبي.. فردّ ذلك أهون من الأوّل وأيسر، إذ أن المحتوى القرآني قد صُبَّ في قالب كل عباراته وألفاظه من القوة بحيث خضع لبلاغته وإِعجازه جميع فطاحل فصحاء العرب، وهذا ما يرشدنا لكون الواضع يملك من القدرة على البيان ما تعلو وقدرة وملكة أيِّ إِنسان، وليس لذلك أهلا سوى اللّه عزَّوجلّ وسبحانه عمّا يشركون.

وبنظرة تأمّلية فاحصة نجد في محتوى القرآن أنّه يمتلك المنطق الفلسفي العميق في إِثبات عقائده، وكذا الحال بالنسبة لتعاليمه الأخلاقية في تربية روح الإِنسان وقوانينه الإِجتماعية المتكاملة، وأنّ كلّ ما في القرآن هو فرق طاقة المستوى الفكري البشري حقّاً.. ويبدو لنا أن مطلقي الإِفتراءات المذكورة هم أنفسهم لا يعتقدون بما يقولون، ولكنّها شيطنة ووسوسة يدخلونها في نفوس البسطاء من الناس ليس إِلاّ.

والحقيقة أنّ المشركين لم يجدوا من بينهم مَنْ ينسبون إِليه القرآن، ولهذا حاولوا اختلاق شخص مجهول لا يعرف الناس عنه شئياً ونسبوا إِليه القرآن، عسى بفعلهم هذا أن يتمكنوا من استغفال أكبر قدر ممكن من البسطاء.

أضف إِلى ذلك كله أن تاريخ حياة النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يسجل له اتصالات دائمة مع هذه النوعيات من البشر، وإِن كان (على سبيل الفرض) صاحب القرآن موجوداً ألا يستلزم ذلك اتصال النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) به وباستمرار؟ إِنّهم حاولوا التشبث لا أكثر، وكما قيل: (الغريق يتشبَّث بكل حشيش).

إِنّ نزول القرآن في البيئة الجاهلية وتفوقه الإِعجازي أمر واضح، ولم يتوقف تفوقه حتى في عصرنا الحاضر حيث التقدم الذي حصل في مختلف مجالات التمدّن الإِنساني، والتأليفات المتعمقة التي عكست مدى قوّة الفكر البشري المعاصر.

نعم، فمع كل ما وصلت إِليه البشرية من قوانين وأنظمة ما زال القرآن هو المتفوق وسيبقى.

وذكر سيد قطب في تفسيره: أنّ جمعاً من الماديين في روسيا عندما أرادوا الإِنتقاص من القرآن في مؤتمر المستشرقين المنعقد في سنة (1954 م) قالوا: إِنّ هذا الكتاب لا يمكن أنْ ينتج من ذهن إِنسان واحد «محمّد» بل يجب أنْ يكون حاصل سعي جمع كثير من الناس بما لا يصدق كونهم جميعاً من جزيرة العرب، وإِنّما يقطع باشتراك جمع منهم من خارج الجزيرة(5).

ولقد كانوا يبحثون ـ وفقاً لمنطقهم الإِلحادي ـ عن تفسير مادي لهذا الأمر من جهة، وما كانوا يعقلون أن القرآن نتاج إِشراقة عقلية لإِنسان يعيش في شبه الجزيرة العربية من جهة أُخرى، ممّا اضطرَّهم لأنْ يطرحوا تفسيراً مضحكاً وهو: إِشتراك جمع كثير من الناس ـ في تأليف القرآن ـ من داخل شبه الجزيرة العربية وخارجها!! على أنَّ التاريخ ينفي ما ذهبوا إِليه جملة وتفصيلا.

وعلى أيّة حال، فالآية المباركة دليل الإِعجاز القرآني من حيث اللفظ والمضمون، فحلاوة القرآن وبلاغته وجاذبيته والتناسق الخاص في ألفاظه وعباراته ما يفوق قدرة أيّ إِنسان. (قد كان لنا بحث مفصل في الإِعجاز القرآني تناولناه في تفسير الآية (23) من سورة البقرة ـ فراجع).

وبلهجة المهدد المتوعّد يبيّن القرآن الكريم أنّ حقيقة هذه الإِتهامات والإِنحرافات ناشئة من عدم انطباع الإِيمان في نفوس هؤلاء، فيقول: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.

لأنّهم غير لائقين للهداية ولا يناسبهم إِلاّ العذاب الإِلهي، لما باتوا عليه من التعصب والعناد والعداء للحق.

وفي آخر الآية يقول: إنّ الأشخاص الذين يتّهمون أولياء اللّه هم الكفار: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ}، فهم الكاذبون وليس أنت يا محّمد، لأنهم مع ما جاءهم من آيات بينات وأدلة قاطعة واضحة ولكنّهم يستمرون في إِطلاق الإِفتراءات والأكاذيب.

فأيّة أكاذيب أكبر من تلك التي تطلق على رجال الحق لتحول بينهم وبين المتعطشين للحقائق!

____________________

1- تفسير الامثل،ناصر مكارم السيرازي،ج7،ص172-177.

2- لقد بحثنا مسألة النسخ في ذيلالآية 26 من سورة البقرة.

3 ـ يلحدون: من الإِلحاد بمعنى الإِنحراف عن الحق إِلى الباطل، وقد يطلق على أيِّ انحراف، والمراد هنا: إِنّ الكاذبين يريدون نسبة القرآن إِلى إِنسان ويدعون بأنّه معلم النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)!

4 ـ الإِعجام و العجمة لغةً: بمعنى الإِبهام، ويطلق الأعجمي على الذي في بيانه لحن (نقص) سواء كان من العرب أو من غيرهم، وباعتبر أنّ العرب ما كانوا يفهمون لغة غيرهم فقد استعملوا اسم (العجم) على غير العرب.

5 ـ في ضلال القرآن، ج 5، ص 282.

 

 

 

 

 

 




وهو تفسير الآيات القرآنية على أساس الترتيب الزماني للآيات ، واعتبار الهجرة حدّاً زمنيّاً فاصلاً بين مرحلتين ، فكلُّ آيةٍ نزلت قبل الهجرة تُعتبر مكّيّة ، وكلّ آيةٍ نزلت بعد الهجرة فهي مدنيّة وإن كان مكان نزولها (مكّة) ، كالآيات التي نزلت على النبي حين كان في مكّة وقت الفتح ، فالمقياس هو الناحية الزمنيّة لا المكانيّة .

- المحكم هو الآيات التي معناها المقصود واضح لا يشتبه بالمعنى غير المقصود ، فيجب الايمان بمثل هذه الآيات والعمل بها.
- المتشابه هو الآيات التي لا تقصد ظواهرها ، ومعناها الحقيقي الذي يعبر عنه بـ«التأويل» لا يعلمه الا الله تعالى فيجب الايمان بمثل هذه الآيات ولكن لا يعمل بها.

النسخ في اللغة والقاموس هو بمعنى الإزالة والتغيير والتبديل والتحوير وابطال الشي‏ء ورفعه واقامة شي‏ء مقام شي‏ء، فيقال نسخت الشمس الظل : أي ازالته.
وتعريفه هو رفع حكم شرعي سابق بنص شرعي لا حق مع التراخي والزمان بينهما ، أي يكون بين الناسخ والمنسوخ زمن يكون المنسوخ ثابتا وملزما بحيث لو لم يكن النص الناسخ لاستمر العمل بالسابق وكان حكمه قائما .
وباختصار النسخ هو رفع الحكم الشرعي بخطاب قطعي للدلالة ومتأخر عنه أو هو بيان انتهاء امده والنسخ «جائز عقلا وواقع سمعا في شرائع ينسخ اللاحق منها السابق وفي شريعة واحدة» .



العتبة العسكرية المقدسة توزع 250 وجبة جديدة من السلات الغذائية للعوائل المتعففة من أهالي سامراء
تزامنا مع ذكرى الاعتداء الاثم لقبة الامامين العسكريين (عليهما السلام)...العتبة الكاظمية المقدسة تقيم...
الامين العام للعتبة العسكرية المقدسة يكرم احد خدام العتبة تثمينا لجهوده المباركة
الامانة العامة للعتبة العسكرية المقدسة تقيم مراسيم التشييع الرمزي لنعش الإمام زين العابدين (عليه السلام)