المرجع الالكتروني للمعلوماتية
المرجع الألكتروني للمعلوماتية

القرآن الكريم وعلومه
عدد المواضيع في هذا القسم 12141 موضوعاً
تأملات قرآنية
علوم القرآن
الإعجاز القرآني
قصص قرآنية
العقائد في القرآن
التفسير الجامع

Untitled Document
أبحث عن شيء أخر



تفسير الاية (75-77) من سورة النحل  
  
68   05:38 مساءً   التاريخ: 13 / 8 / 2020
المؤلف : المرجع الإلكتروني للمعلوماتية
الكتاب أو المصدر : تفاسير الشيعة
الجزء والصفحة : ......
القسم : القرآن الكريم وعلومه / التفسير الجامع / حرف النون / سورة النحل /

 

قال تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُو يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (75) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُو كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُو وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُو عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (76) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَو هُو أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  } [النحل: 75 - 77]

تفسير مجمع البيان
- ذكر الطبرسي في تفسير هذه  الآيات (1) :

بين سبحانه للمشركين أمر ضلالتهم فقال: { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ} أي: بين الله مثلا فيه بيان المقصود تقريبا للخطاب إلى أفهامهم ثم ذكر ذلك المثل فقال { عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ} من أمره على شيء { وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا } يريد وحرا رزقناه وملكناه مالا ونعمة { فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا} لا يخاف من أحد { هَلْ يَسْتَوُونَ} ولم يقل يستويان لأنه أراد بقوله { وَمَنْ رَزَقْنَاهُ } وقوله { عبدا مملوكا } الشيوع في الجنس لا التخصيص يريد أن الاثنين المتساويين في الخلق إذا كان أحدهما مالكا قادرا على الإنفاق والآخر عاجزا عن الإنفاق لا يستويان فكيف يستوي بين الحجارة التي لا تعقل ولا تتحرك وبين الله عز اسمه القادر على كل شيء الخالق الرازق لجميع خلقه وهذا معنى قول المجاهد والحسن وقيل: إن هذا المثل للكافر والمؤمن فإن الكافر لا خير عنده والمؤمن يكسب الخير عن ابن عباس وقتادة نبه الله سبحانه بذلك على اختلاف حاليهما ودعا إلى حال المؤمن وصرف عن حال الكافر.

 { الحمد لله } أي: الشكر لله على نعمه وفيه إشارة إلى أن النعم كلها منه وقيل معناه قولوا الحمد لله الذي دلنا على توحيده ومعرفته وهدانا إلى شكر نعمته وأوضح لنا السبيل إلى جنته { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} يعني أن أكثر الناس وهم المشركون لا يعلمون أن الحمد لي وأن جميع النعمة مني ثم ضرب سبحانه مثلا آخر فقال { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ } من الكلام لأنه لا يفهم ولا يفهم عنه وقيل معناه لا يقدر أن يدبر أمر نفسه { وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ} أي ثقل ووبال على وليه الذي يتولى أمره { أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ} معناه أنه لا منفعة لمولاه فيه أينما يرسله في حاجة لا يرجع بخير ولا يهتدي إلى منفعة { هل يستوي هو} أي: هذا الأبكم الموصوف بهذه الصفة { وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} أي: ومن هو فصيح يأمر بالعدل والحق ويدعو إلى الثواب والبر { وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} أي: على دين قويم وطريق واضح فيما يأتي به ويذر والمراد أنهما لا يستويان قط لأنه لا جواب لهذا الكلام إلا النفي وهذا كما قال: { أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا }. وقيل: في معنى هذا المثل أيضا قولان ( أحدهما ) أنه مثل ضربه الله تعالى فيمن يؤمل الخير من جهته ومن لا يؤمل منه وأصل الخير كله من الله تعالى فكيف يستوي بينه وبين شيء سواه في العبادة ( والآخر ) أنه مثل للكافر والمؤمن فالأبكم الكافر والذي يأمر بالعدل المؤمن عن ابن عباس وقيل: إن الأبكم أبي بن خلف ومن يأمر بالعدل حمزة وعثمان بن مظعون عن عطاء وقيل: إن الأبكم هاشم بن عمر بن الحارث القرشي وكان قليل الخير يعادي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) عن مقاتل ثم وصف سبحانه نفسه مؤكدا لما قدم ذكره من أوصاف الكمال فقال { وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } ومعناه أنه المختص بعلم الغيب وهو ما غاب عن جميع الخلائق مما يصح أن يكون معلوما قال الجبائي ويمكن أن يكون المعنى ولله ما غاب عنكم مما في السماوات والأرض ثم قال { وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ } في قدرته { إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ} أي: كطرف العين وقيل كرد البصر قال الزجاج وما أمر إقامة الساعة في قدرته إلا كلمح البصر أي لا يتعذر عليه شيء { أو هو أقرب } من ذلك وهومبالغة في ضرب المثل به في السرعة ودخول أوهنا لأحد أمرين إما للإبانة على أنه على إحدى هاتين المنزلتين وإما لشك المخاطب وقيل معناه بل هو أقرب { إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فهو قادر على إقامة الساعة وعلى كل شيء يريده لأن القدير مبالغة في صفة القادر .

______________

1- تفسير مجمع البيان ،الطبرسي،ج6،ص181-182.

تفسير الكاشف
- ذكر محمد جواد مغنية في تفسير هذه  الآيات (1) :

{ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُويُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ } . بعد أن ذكر سبحانه في الآية السابقة ان المشركين جعلوا للَّه أشباها وأندادا - ذكر هنا مثالين يقرب بهما إلى افهام المشركين ان اللَّه لا ند له ولا ضد ، وخلاصة المثال الأول الذي تضمنته هذه الآية ان مثلكم في مساواة هذه الأصنام مع اللَّه أيها المشركون تماما مثل من سوّى بين عبد لا يملك شيئا ، ويعجز عن كل شيء ، وبين حر غني كريم ينفق سرا وعلانية ولا يخشى أحدا على الإطلاق . . وإذا رفض العقل والفطرة هذه المساواة بين هذا الحر القادر وبين ذاك العبد العاجز فكيف صح في افهامكم ان تساووا بين اللَّه القادر على كل شيء ، وبين الأصنام التي ما هي بشيء ؟ . { الْحَمْدُ لِلَّهِ } جملة معترضة

القصد منها انه لا أحد يستحق الحمد والشكر والعبودية الا اللَّه وحده { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ } ان الحمد للَّه لا لسواه .

{ وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وهُو كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُو ومَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وهُو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ } هذا هو المثل الثاني ، وخلاصته ان الأخرس العاجز الكل لا يكون مساويا للناطق القادر - إذن - فكيف ساويتم أيها المشركون في العبادة بين اللَّه الجامع لجميع صفات الجلال والكمال وبين الأحجار التي ليست بشيء ؟ .

{ ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأَرْضِ } . كل سر عنده تعالى علانية ، وكل غيب عنده شهادة ، ونحوه قوله تعالى في الآية المتقدمة 74 { إِنَّ اللَّهً يَعْلَمُ وأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } . .

{ وما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوهُو أَقْرَبُ } . هذا تعبير ثان عن قوله :

انما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون . . وفيه تهديد لمن خالف وعاند { إِنَّ اللَّهً عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } . ولا أحد يملك معه شيئا ان أراد أن يهلك المشركين والخلق أجمعين .

_____________

1- التفسير الكاشف، محمد جواد مغنية،ج4، صفحه 533-534.

تفسير الميزان
- ذكر الطباطبائي في تفسير هذه الآيات (1) :

قوله تعالى:{ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ} إلى آخر الآية، ما في الآية من المثل المضروب يفرض عبدا مملوكا لا يقدر على شيء، وآخر رزق من الله رزقا حسنا ينفق منه سرا وجهرا ثم يسأل هل يستويان واعتبار التقابل بين المفروضين يعطي أن كلا من الطرفين مقيد بخلاف ما في الآخر من الوصف مع تبيين الأوصاف بعضها لبعض.

فالعبد المفروض مملوك غير مالك لا لنفسه ولا لشيء من متاع الحياة وهو غير قادر على التصرف في شيء من المال، والذي فرض قباله حر يملك نفسه وقد رزقه الله رزقا حسنا وهو ينفق منه سرا وجهرا على قدرة منه على التصرف بجميع أقسامه.

وقوله:{هل يستوون} سؤال عن تساويهما، ومن البديهي أن الجواب هو نفي التساوي ويثبت به أن الله سبحانه وهو المالك لكل شيء المنعم بجميع النعم لا يساوي شيئا من خلقه وهم لا يملكون لا أنفسهم ولا غيرهم ولا يقدرون على شيء من التصرف فمن الباطل قولهم: إن مع الله آلهة غيره وهم من خلقه.

والتعبير بقوله:{يستوون} دون أن يقال: يستويان للدلالة على أن المراد من ذلك الجنس من غير أن يختص بمولى وعبد معينين كما قيل.

وقوله:{الحمد لله} أي له عز اسمه جنس الحمد وحقيقته وهو الثناء على الجميل الاختياري لأن جميل النعمة من عنده ولا يحمد إلا الجميل فله تعالى كل الحمد كما أن له جنسه فافهم ذلك.

والجملة من تمام الحجة ومحصلها أنه لا يستوي المملوك الذي لا يقدر أن يتصرف في شيء وينعم بشيء، والمالك الذي يملك الرزق ويقدر على التصرف فيه فيتصرف وينعم كيف شاء، والله سبحانه هو المحمود بكل حمد إذ ما من نعمة إلا وهي من خلقه فله كل صفة يحمد عليها كالخلق والرزق والرحمة والمغفرة والإحسان والإنعام وغيرها، فله كل ثناء جميل، وما يعبدون من دونه مملوك لا يقدر على شيء فهو سبحانه الرب وحده دون غيره.

وقد قيل: إن الحمد في الآية شكر على نعمه تعالى، وقيل: حمد على تمام الحجة وقوتها، وقيل: تلقين للعباد ومعناه قالوا: الحمد لله الذي دلنا على توحيده وهدانا إلى شكر نعمه، وهي وجوه لا يعبأ بها.

وقوله:{ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} أي أكثر المشركين لا يعلمون أن النعمة كلها لله لا يملك غيره شيئا ولا يقدر على شيء بل يثبتون لأوليائهم شيئا من الملك والقدرة على سبيل التفويض فيعبدونهم طمعا وخوفا، هذا حال أكثرهم وأما أقلهم من الخواص فإنهم على علم من الحق لكنهم يحيدون عنه بغيا وعنادا.

وقد تبين مما تقدم أن الآية مثل مضروب في الله سبحانه وفيمن يزعمونه شريكا له في الربوبية، وقيل: إنها مثل تمثل به حال الكافر المخذول والمؤمن الموفق فإن الكافر لإحباط عمله وعدم الاعتداد بأعماله كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء فلا يعد له إحسان وإن أنفق وبالغ بخلاف المؤمن الذي يوفقه الله لمرضاته ويشكر مساعيه فهوينفق مما عنده من الخير سرا وجهرا.

وفيه أنه لا يلائم سياق الاحتجاج الذي للآيات، وقد تقدم أن الآية إحدى الآيات الثلاث المتوالية التي تتعرض لغرض تعداد النعم الإلهية، وهي تذكر بالتوحيد بمثل يقيس حال من ينعم بجميع النعم من حال من لا يملك شيئا ولا يقدر على شيء فيستنتج أن الرب هو المنعم لا غير.

قوله تعالى:{ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ} إلى آخر الآية. قال في المجمع:، الأبكم الذي يولد أخرس لا يفهم ولا يفهم، وقيل: الأبكم الذي لا يقدر أن يتكلم والكل الثقل يقال: كل عن الأمر يكل كلا إذا ثقل عليه فلم ينبعث فيه.

وكلت السكين كلولا إذا غلظت شفرتها، وكل لسانه إذا لم ينبعث في القول لغلظه وذهاب حده فالأصل فيه الغلظ المانع من النفوذ، والتوجيه: الإرسال في وجه من الطريق، يقال: وجهته إلى موضع كذا فتوجه إليه. انتهى.

فقوله:{ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ} مقايسة أخرى بين رجلين مفروضين متقابلين في أوصافهما المذكورة.

وقوله:{ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ } أي محروم من أن يفهم الكلام ويفهم غيره بالكلام لكونه أبكم لا يسمع ولا ينطق فهو فاقد لجميع الفعليات والمزايا التي يكتسبها الإنسان من طريق السمع الذي هو أوسع الحواس نطاقا، به يتمكن الإنسان من العلم بأخبار من مضى وما غاب عن البصر من الحوادث وما في ضمائر الناس ويعلم العلوم والصناعات، وبه يتمكن من إلقاء ما يدركه من المعاني الجليلة والدقيقة إلى غيره، ولا يقوى الأبكم على درك شيء منها إلا النزر اليسير مما يساعد عليه البصر بإعانة من الإشارة.

فقوله:{لا يقدر على شيء} مخصص عمومه بالأبكم أي لا يقدر على شيء مما يقدر عليه غير الأبكم وهو جملة ما يحرمه الأبكم من تلقي المعلومات وإلقائها.

وقوله:{ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ} أي ثقل وعيال على من يلي ويدبر أمره فهو لا يستطيع أن يدبر أمر نفسه، وقوله:{ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ} أي إلى أي جهة أرسله مولاه لحاجة من حوائج نفسه أوحوائج مولاه لم يقدر على رفعها فهولا يستطيع أن ينفع غيره كما لا ينفع نفسه، فهذا أعني قوله:{ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ } إلخ، مثل أحد الرجلين، ولم يذكر سبحانه مثل الآخر لحصول العلم به من قوله:{ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ } إلخ، وفيه إيجاز لطيف.

وقوله:{ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} فيه إشارة إلى وصف الرجل المفروض وسؤال عن استوائهما إذا قويس بينهما وعدمه.

أما الوصف فقد ذكر له منه آخر ما يمكن أن يتلبس به غير الأبكم من الخير والكمال الذي يحلي نفسه ويعدو إلى غيره وهو العدل الذي هو التزام الحد الوسط في الأعمال واجتناب الإفراط والتفريط فإن الأمر بالعدل إذا جرى على حقيقته كان لازمه أن يتمكن الصلاح من نفس الإنسان ثم ينبسط على أعماله فيلتزم الاعتدال في الأمور ثم يحب انبساطه على أعمال غيره من الناس فيأمرهم بالعدل وهو- كما عرفت - مطلق التجنب عن الإفراط والتفريط أي العمل الصالح أعم من العدل في الرعية.

ثم وصفه بقوله:{ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } وهو السبيل الواضح الذي يهدي سالكيه إلى غايتهم من غير عوج، والإنسان الذي هو في مسير حياته على صراط مستقيم يجري في أعماله على الفطرة الإنسانية من غير أن يناقض بعض أعماله بعضا أويتخلف عن شيء مما يراه حقا وبالجملة لا تخلف ولا اختلاف في أعماله.

وتوصيف هذا الرجل المفروض الذي يأمر بالعدل بكونه على صراط مستقيم يفيد أولا أن أمره بالعدل ليس من أمر الناس بالبر ونسيان نفسه بل هو مستقيم في أحواله وأعماله يأتي بالعدل كما يأمر به.

وثانيا: أن أمره بالعدل ليس ببدع منه من غير أصل فيه يبتني عليه بل هو في نفسه على مستقيم الصراط ولازمه أن يحب لغيره ذلك فيأمرهم أن يلتزموا وسط الطريق ويجتنبوا حاشيتي الإفراط والتفريط.

وأما السؤال أعني ما في قوله:{ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ } إلخ، فهوسؤال لا جواب له إلا النفي لا شك فيه وبه يثبت أن ما يعبدونه من دون الله من الأصنام والأوثان وهو مسلوب القدرة لا يستطيع أن يهتدي من نفسه ولا أن يهدي غيره لا يساوي الله تعالى وهو على صراط مستقيم في نفسه هاد لغيره بإرسال الرسل وتشريع الشرائع.

ومنه يظهر أن هذا المثل المضروب في الآية في معنى قوله تعالى:{ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ }: يونس: 35 فالله سبحانه على صراط مستقيم في صفاته وأفعاله، ومن استقامة صراطه أن يجعل لما خلقه من الأشياء غايات تتوجه إليها فلا يكون الخلق باطلا، كما قال:{وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما باطلا} وأن يهدي كلا إلى غايته التي تخصه كما خلقها وجعل لها غاية كما قال:{ الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}: طه: 50 فيهدي الإنسان إلى سبيل قاصد كما قال:{ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ}: النحل: 9، وقال{ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ }: الدهر: 3.

وهذا أصل الحجة على النبوة والتشريع، وقد مر تمامه في أبحاث النبوة في الجزء الثاني وفي قصص نوح في الجزء العاشر من الكتاب.

فقد تحصل أن الغرض من المثل المضروب في الآية إقامة حجة على التوحيد مع إشارة إلى النبوة والتشريع.

وقيل: إنه مثل مضروب فيمن يؤمل منه الخير ومن لا يؤمل منه، وأصل الخير كله من الله تعالى فكيف يستوي بينه وبين شيء سواه في العبادة؟.

وفيه أن المورد أخص من ذلك فهو مثل مضروب فيمن هو على خير في نفسه وهو يأمر بالعدل وهو شأنه تعالى دون غيره على أنهم لا يساوون بينه وبين غيره في العبادة بل يتركونه ويعبدون غيره.

وقيل: إنه مثل مضروب في المؤمن والكافر فالأبكم هو الكافر، والذي يأمر بالعدل هو المؤمن، وفيه أن صحة انطباق الآية على المؤمن والكافر بل على كل من يأمر بالعدل ومن يسكت عنه وجريها فيهما أمر، ومدلولها من جهة وقوعها في سياق تعداد النعم والاحتجاج على التوحيد وما يلحق به من الأصول أمر آخر، والذي تفيده بالنظر إلى هذه الجهة أن مورد المثل هو الله سبحانه وما يعبدون من دونه لا غير.

قوله تعالى:{ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } الغيب يقابل الشهادة في إطلاقات القرآن الكريم وقد تكرر فيه:{عالم الغيب والشهادة} وقد تقدم مرارا أنهما أمران إضافيان فالأمر الواحد غيب وغائب بالنسبة إلى شيء وشهادة ومشهود بالنسبة إلى آخر.

وإذ كان من الأشياء ما هو ذو وجوه يظهر ببعض منها لغيره ويخفى ببعض أعني أنه متضمن غيبا وشهادة كانت إضافة الغيب والشهادة إلى الشيء تارة بمعنى اللام فيكون مثلا غيب السماوات والأرض ما هو غائب عنهما خارج من حدودهما، ويلحق بهذا الباب الإضافة لنوع من الاختصاص، كما في قوله:{ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا }: الجن: 26.

وتارة بمعنى{من} أوما يقرب منه فيكون المراد بغيب السماوات والأرض الغيب الذي يشتملان عليه نوعا من الاشتمال قبال ما يشتملان عليه من الشهادة وبعبارة أخرى ما يغيب عن الأفهام من أمرهما قبال ما يظهر منهما.

والساعة هي من غيب السماوات والأرض بهذا المعنى الثاني: أما أولا: فلأنه سبحانه يعدها في كلامه من الغيب، وليست بخارج من أمر السماوات والأرض فهو من الغيب بهذا المعنى.

وأما ثانيا: فلأن ما يصفها به من الأوصاف إنما يلائم هذا المعنى الثاني ككونها يوما ينبئهم الله بما كانوا فيه يختلفون ويوم تبلى السرائر ويوما يخاطب فيه الإنسان بمثل قوله:{ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ }، ويوما يخاطبون ربهم بقولهم:{ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا} وبالجملة هي يوم يظهر فيه ما استتر من الحقائق في هذه النشأة ظهور عيان، ومن المعلوم أن هذه الحقائق غير خارجة من السماوات والأرض بل هي معهما ثابتة.

كيف؟ وهو تعالى يقول:{ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} فيثبته ملكا لنفسه وليس ملكه من الملك الاعتباري يتعلق بكل أمر موهوم أو جزافي بل ملك حقيقي يتعلق بأمر ثابت فلها نوع من الثبوت وإن فرض جهلنا بحقيقة ثبوتها.

والشواهد القرآنية على هذا الذي ذكرناه كثيرة.

وقد عد سبحانه حياة هذه النشأة متاع الغرور ولعبا ولهوا، وكرر أن أكثر الناس لا يعلمون ما هو يوم القيامة، وذكر أن الدار الآخرة هي الحيوان، وأنهم سيعلمون أن الله هو الحق المبين وسيبدولهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون، إلى غير ذلك مما يشتمل عليه الآيات على اختلاف ألسنتها.

وبالجملة الساعة من غيب السماوات والأرض، والآية أعني قوله:{ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } تقرر ملكه تعالى لنفس هذا الغيب لا لعلمه فلم يقل: ولله علم غيب السماوات والأرض، وسياق الآية يعطي أن الجملة أعني قوله:{ولله غيب} إلخ، توطئة وتمهيد لقوله:{ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ} إلخ، فالجملة مسوقة للاحتجاج.

وعلى هذا يعود معنى الآية إلى أن الله سبحانه يملك غيب السماوات والأرض ملكا له أن يتصرف فيه كيف يشاء كما يملك شهادتهما وكيف لا؟ وغيب الشيء لا يفارق شهادته وهو موجود ثابت معه وله الخلق والأمر، والساعة الموعودة ليست بأمر محال حتى لا يتعلق بها قدرة بل هي من غيب السماوات والأرض وحقيقتها المستورة عن الأفهام اليوم فهي مما استقر عليه ملكه تعالى، وله أن يتصرف فيه بالإخفاء يوما وبالإظهار آخر.

وليست بصعبة عليه تعالى فإنما أمرها كلمح البصر أو أقرب من ذلك لأن الله على كل شيء قدير.

ومن هنا يظهر أن قوله:{ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} مسوق لا لإثبات أصل الساعة أوإمكانها بل لنفي صعوبتها والمشقة في إقامتها وهوان أمرها عنده سبحانه.

فقوله:{ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} أي بالنسبة إليه وإلا فقد استعظم سبحانه أمرها بما يهون عنده كل أمر خطير ووصفها بأوصاف لا يعادلها فيها غيرها، قال تعالى:{ثقلت في السماوات والأرض}: الأعراف: 187.

وتشبيه أمرها بلمح البصر إنما هو من جهة أن اللمحة وهي مد البصر وإرساله للرؤية أخف الأعمال عند الإنسان وأقصرها زمانا فهو تشبيه بحسب فهم السامع ولذلك عقبه بقوله:{أوهو أقرب} فإن مثل هذا السياق يفهم منه الإضراب فكأنه تعالى يقول:{إن أمرها في خفة المؤنة والهوان والسهولة بالنسبة إلينا يشبه لمح أحدكم ببصره، وإنما أشبهه به رعاية لحالكم وتقريبا إلى فهمكم وإلا فالأمر أقرب من ذلك، كما قال فيها:{ويقول كن فيكون}: الأنعام: 73، فأمر الساعة بالنسبة إلى قدرته ومشيته تعالى كأمر أيسر الخلق وأهونه.

وعلل تعالى ذلك بقوله:{ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فقدرته على كل شيء توجب أن تكون الأشياء بالنسبة إليه سواء.

وإياك أن تتوهم أن عموم القدرة لا يستوجب ارتفاع الاختلاف من بين الأشياء من حيث النسبة، فقلة الأسباب المتوسطة بين الفاعل وفعله والشرائط والموانع وكثرتها لهما تأثير في ذلك لا محالة، فالإنسان مثلا قادر على التنفس وحمل ما يطيقه من الأثقال وليسا سواء بالنسبة إليه وعلى هذا القياس.

فإن في ذلك غفلة عن معنى عموم القدرة، وتوضيحه أن القدرة التي فينا قدرة مقيدة، فإن قدرة الإنسان مثلا على أكل الغذاء وهي أن له نسبة الفاعلية إليه وهي في تأثيرها مشروطة بتحقق غذاء في الخارج وكونه بين يديه وممكن التناول وعدم ما يمنع من ذلك من إنسان أوغيره، وكون أدوات الفعل كاليد والفم وغيرهما غير مصابة بآفة إلى غير ذلك، والذي يملكه الإنسان هو الإرادة والزائد على ذلك وسائط وشرائط وموانع خارجة عن قدرته بالحقيقة وقيد يقيدها، وإذا أراد الإنسان أن يعمل قدرته فيأكل كان عليه أن يهيىء تلك الأمور التي تتقيد بها قدرته في التأثير كتحصيل الغذاء ووضعه قريبا منه ورفع الموانع وإعمال الأدوات البدنية مثلا.

ومن المعلوم أن قلة هذه الأمور وكثرتها وقربها وبعدها وما أشبه ذلك من صفاتها توجب اختلاف الفعل في السهولة وعدمها وضعف القدرة وقوتها فتقيد القدرة هو الموجب للاختلاف.

وأما قدرته تعالى فإنها عين ذاته التي يجب وجودها ويمتنع عدمها، وإذا كان كذلك فلو تقيدت بقيد من وجود سبب أوشرط أوعدم مانع لانعدمت بانعدام قيدها وهو محال فقدرته تعالى مطلقة غير محدودة بحد ولا مقيدة بقيد، عامة تتعلق بكل شيء على حد سواء من غير أن يكون شيء بالنسبة إليه أصعب من شيء أوأسهل، وأقرب إليه من شيء أو أبعد، وإنما الاختلاف بين الأشياء أنفسها بقياس بعضها إلى بعض.

وبتقريب آخر ما من شيء إلا وهو يفتقر إليه سبحانه في وجوده، فإذا فرضنا كل أمر موجود بحيث لا يشذ عنها شاذ في جانب ونسبناها إليه تعالى كان الجميع متعلقا لقدرته، وليس هناك أمر ثالث يكون قيدا لقدرته من سبب أوشرط أوعدم مانع وإلا لكان شريكا في التأثير تعالى عن ذلك.

وأما الذي بين الأشياء أنفسها من الأسباب المتوسطة والشرائط والموانع فإنها توجب تقيد بعضها ببعض لا تقيد القدرة العامة الإلهية التي تتعلق بها ثم تتعلق القدرة بالمقيد منها دون المطلق بمعنى أن متعلق القدرة هو زيد الذي أبوه فلان وأمه فلانة وهو في زمان كذا ومكان كذا وهكذا فوجود زيد بجميع روابطه وجود جميع العالم والقدرة المتعلقة به متعلقة بالجميع بعينه، وليست هناك إلا قدرة واحدة متعلقة بالجميع يوجد بها كل شيء في موطنه الخاص به، وهي مطلقة غير مقيدة لا اختلاف للأشياء بالنسبة إليها وإنما الاختلاف بينها أنفسها.

فقد تبين مما تقدم أن عموم القدرة يوجب ارتفاع الاختلاف من بين الأشياء بالنسبة إليها بالسهولة والصعوبة وغير ذلك والآية الكريمة من غرر الآيات القرآنية يتبين بها: أولا: أن حقيقة المعاد ظهور حقيقة الأشياء بعد خفائها.

وثانيا: أن القدرة الإلهية تتعلق بجميع الأشياء على نعت سواء من غير اختلاف بالسهولة والصعوبة والقرب والبعد وغير ذلك.

وثالثا: أن الأشياء بحسب الحقيقة مرتبطة وجودا بحيث إن إيجاد الواحد منها إيجاد الجميع والجميع متعلق قدرة واحدة لا مؤثر فيها غيرها.

نعم هناك نظر آخر أبسط من ذلك وهو النظر فيها من جهة نظام الأسباب والمسببات، وقد صدقه الله في كلامه كما تقدم بيانه في البحث عن الإعجاز في الجزء الأول من الكتاب، وبهذه النظرة ينفصل الأشياء بعضها عن بعض ويتوقف وجود بعضها على وجود بعض أوعدمه فتتقدم وتتأخر وتسهل وتصعب، وتكون الأسباب وسائط بينها وبينه تعالى ويكون تعالى فاعلا بوساطة الأسباب، وهو نظر بسيط.

وقد ذكر كثير من المفسرين في قوله:{ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } أنه بحذف مضاف والتقدير ولله علم غيب إلخ، وفيه أنه يستلزم ارتفاع الاتصال بين هذه الجملة وبين ما يليها إذ لا رابطة بين علم الغيب وبين هو ان أمر الساعة، فتعود الجملة مستدركة مستغنى عنها في الكلام.

وقول بعضهم في رفع الاستدراك إن صدر الآية وذيلها يثبتان العلم والقدرة وبهما معا يتم خلق الساعة غير مفيد فإنهم إنما استشكلوا في الساعة من جهة القدرة لعدهم إياها ممتنعة فلا حاجة إلى التشبث لإثباتها بمسألة العلم، ويشهد لذلك ما في سائر الآيات المثبتة لإمكان المعاد بعموم القدرة.

وذكر بعضهم: أن المراد به علم غيبهما لا بتقدير العلم في الكلام حتى يقال: إن الأصل عدمه بل لأن إضافة الغيب وهو ما يغيب عن الحس والعقل إلى السماوات والأرض تفيد أن المراد الأمور المجهولة التي فيهما مما يقع فيهما حالا أوبعد حين وملكه تعالى له ملكه للعلم به.

وفيه أن المقدمة الأخيرة ممنوعة وقد تقدم بيانه على أن إشكال ارتفاع الاتصال بين الجملتين في محله بعد.

وأيضا ذكر بعضهم في توجيه التعليل المستفاد من قوله:{ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } أن من جملة الأشياء إقامة الساعة في أسرع ما يكون فهو قادر على ذلك.

وفيه أنه لا يفي بتعليل ما يستفاد من الحصر بالنفي والإثبات وإنما يفي بتعليل ما لوقيل: إن الله سيجعل أمر الساعة كلمح البصر مع إمكان كونه لا كذلك فافهم ذلك.

______________

1- تفسير الميزان ،الطباطبائي،ج12،ص245-252.

تفسير الامثل
- ذكر الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذه  الآيات (1) :

مثلان للمؤمن والكافر!

ضمن التعقيب على الآيات السابقة التي تحدثت عن: الإِيمان، الفكر، المؤمنين، الكافرين والمشركين، تشخص الآيات مورد البحث حال المجموعتين (المؤمنين والكافرين) بضرب مثلين حيين وواضحين .

يشبه المثال الأوّل المشركين بعبد مملوك لا يستطيع القيام بأية خدمة لمولاه، ويشبه المؤمنين بإِنسان غني، يستفيد الجميع من إِمكانياته.. { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ}.

والعبد ليس له قدرة تكوينية لأنّه أسير بين قبضة مولاه ومحدود الحال في كل شيء، وليس له قدرة تشريعية أيضاً لأنّ حق التصرف بأمواله (إِنْ كان له مال) وكل ما يتعلق به هو بيد مولاه، وبعبارة أُخرى إنّه: عبد للمخلوق،ولا يعني ذلك إِلاّ الأسر والمحدودية في كل شيء.

أمّا ما يقابل ذلك فالانسان المؤمن الذي يتمتع بانواع المواهب والرزق الحسن: { وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا} والإِنسان الحر مع ما له من إِمكانيات واسعة { فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا } فاحكموا: {هل يستوون}.

قطعاً، لا .. فإِذِنْ: (الحمد لله).

اللّه الذي يكون عبده حُرّ وقادر ومنفق، وليس الاصنام التي عبادها أسرى وعديمو القدرة ومحددون { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ }(2).

ثمّ يضرب مثلا آخر لعبدة الأصنام والمؤمنين والصادقين، فيشبه الأوّل بالعبد الأبكم الذي لا يقدر على شيء، ويشبه الآخر بإِنسان حر يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم: { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ }(3) ولهذا.. { أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ}.

وعلى هذا فيكون له أربع صفات سلبية:

أبكم {لا ينطق ولا يسمع ولا يبصر منذ الولادة}.

وعاجز لا يقدر على شيء.

وكَلٌّ على مولاه.

وأينما يوجهه لا يأتِ بخير.

مع أنّ الصفات المذكورة علة ومعلول لبعضها الآخر ولكنّها ترسم صورة إِنسان سلبي مائة في المائة حيث أن وجوده لا ينم عن أي خير أو بركة إِضافة لكونه «كلُّ» على أهله ومجتمعه.

فـ { هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ }؟!

وأمّا الرجل الآخر في مثل الآية فهو صاحب دعوة مستمرّة إِلى العدل وسائر على الصراط المستقيم، وما هاتان الصفتان إِلاّ مفتاح لصفات أُخرى متضمنة لها، فصاحب هاتين الصفتين: لسانه ناطق، منطقه محكم، إِرادته قوية، شجاع وشهم، لأنّه لا يمكن أن يتصور لداعية العدل أن يكون: أبكم، جباناً وضعيفاً! ولا يمكن أن يكون من هو على صراط مستقيم إِنساناً عاجزاً أبله وضعيف العقل، بل ينبغي أن يكون ذكياً، نبيهاً، حكيماً وثابتاً.

وتظهر المقايسة بين هذين الرجلين ذلك البون الشاسع بين الإِتجاهين الفكريين المختلفين لعبدة الأصنام من جهة، وعباد اللّه عزَّ وجلّ من جهة أُخرى، وما بينهم من تفاوت تربوي وعقائدي.

كما رأينا من ربط القرآن في بحوثه المتعلقة بالتوحيد ومحاربة الشرك مع بحث المعاد ومحكمة القيامة الكبرى، نراه هنا يتناول الإِجابة على إِشكالات المشركين فيما يخص المعاد، فيقول لهم: { وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}.

وكأن الآية جواب على الإِشكال العالق في أذهان وألسنة منكري المعاد الجسماني بقولهم: إِنّنا إِذا متنا وتبعثرت ذرات أجسامنا بين التراب، فمن يقدر على جمعها؟! وإِذا ما افترضنا أنّ هذه الذرات قد جمعت وعدنا إِلى الحياة، فَمَنْ سيعلم بأعمالنا التي طوتها يد النسيان فنحاسب عليها؟!
وبعبارة مختصرة تجيب الآية على كل أبعاد السؤال، فالله عزَّوجلّ «يعلم غيب السماوات والأرض» فهو حاضر في كل زمان ومكان، وعليه فلا يخفى عليه شيء أبداً، ولا مفهوم لقولهم إِطلاقاً، وكل شيء يعلمه تعالى شهوداً، وأمّا تلك العبارات والأحوال فإِنّما تناسب وجودنا الناقص لا غير.

ثمّ يضيف قائلا: {وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ}(4).

وهذا المقطع القرآني يشير إِلى رد إِشكال آخر كان يطرحه منكرو المعاد بقولهم: مَنْ له القدرة على المعاد ومن يتمكن من انجاز هذا الأمر العسير؟!

فيجيبهم القرآن، بأن هذا الأمر يبدو لكم صعباً لأنّكم ضعفاء، أمّا لصاحب القدرة المطلقة فهو من السهولة والسرعة بحيث يكون أسرع ممّا تتصورون، وإِنْ هو (إِلاّ كلمح البصر) منكم.

وبعد أن شبّه قيام الساعة بلمح البصر، قال: {أو هو أقرب}، أيْ: إِنّ التشبيه بلمح البصر جاء لضيق العبارة واللغة، وإِنّما هو من السرعة بما لا يلحظ فيه الزمان أساساً، وما ذلك الوصف إِلاّ لتقريبه لأذهانكم من حيث أنّ لمح البصر هو أقصر زمان في منطقكم.

وعلى أيّة حال، فالعبارتان إِشارة حيّة لقدرة اللّه عزَّوجلّ المطلقة، وبخصوص مسألتي المعاد والقيامة، ولهذا يقول الباري في ذيل الآية: { إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

________________

1- تفسير الامثل ،مكارم الشيرازي،ج7،ص120-123.

2 ـ المثال المذكور عبارة عن تشبيه للمؤمن والكافر (على ضوء تفسيرنا)، إِلاّ أنّ جمعاً من المفسّرين ذهب إِلى أنّ العبد المملوك يرمز إِلى الأصنام، وأنّ المؤمن الحر المنفق إِشارة إِلى اللّه سبحانه وتعالى (ويبدو لنا أنّ هذا التشبيه بعيد).

3 ـ يقول الراغب في مفرداته: الأبكم هو الذي يولد أخرس، فكل أبكم أخرس وليس كل أخرس أبكم، ويقال: بكم عن الكلام، إِذا أضعف عنه لضعف عقله فصار كالأبكم.

4 ـ لمح: (على وزن مسح) بمعنى ظهور البرق، ثمّ جاءت بمعنى النظر السريع، وينبغي الإِنتباه إِلى أنّ «أو» هنا بمعنى (بل).




وهو تفسير الآيات القرآنية على أساس الترتيب الزماني للآيات ، واعتبار الهجرة حدّاً زمنيّاً فاصلاً بين مرحلتين ، فكلُّ آيةٍ نزلت قبل الهجرة تُعتبر مكّيّة ، وكلّ آيةٍ نزلت بعد الهجرة فهي مدنيّة وإن كان مكان نزولها (مكّة) ، كالآيات التي نزلت على النبي حين كان في مكّة وقت الفتح ، فالمقياس هو الناحية الزمنيّة لا المكانيّة .

- المحكم هو الآيات التي معناها المقصود واضح لا يشتبه بالمعنى غير المقصود ، فيجب الايمان بمثل هذه الآيات والعمل بها.
- المتشابه هو الآيات التي لا تقصد ظواهرها ، ومعناها الحقيقي الذي يعبر عنه بـ«التأويل» لا يعلمه الا الله تعالى فيجب الايمان بمثل هذه الآيات ولكن لا يعمل بها.

النسخ في اللغة والقاموس هو بمعنى الإزالة والتغيير والتبديل والتحوير وابطال الشي‏ء ورفعه واقامة شي‏ء مقام شي‏ء، فيقال نسخت الشمس الظل : أي ازالته.
وتعريفه هو رفع حكم شرعي سابق بنص شرعي لا حق مع التراخي والزمان بينهما ، أي يكون بين الناسخ والمنسوخ زمن يكون المنسوخ ثابتا وملزما بحيث لو لم يكن النص الناسخ لاستمر العمل بالسابق وكان حكمه قائما .
وباختصار النسخ هو رفع الحكم الشرعي بخطاب قطعي للدلالة ومتأخر عنه أو هو بيان انتهاء امده والنسخ «جائز عقلا وواقع سمعا في شرائع ينسخ اللاحق منها السابق وفي شريعة واحدة» .



الانتهاء من المرحلة الثالثة لتأهيل وتطوير أجزاء من مفاصل مستشفى كربلاء للأطفال
قسمُ الشؤون الدينيّة يختتمُ برنامجَه العزائيّ لشهر محرّم في سنجار ويستعدّ لشهر صفر الخير
دعوة للمشاركة في حضور ومتابعة المؤتمر العلميّ الدوليّ حول القرآن الكريم في الدراسات الاستشراقيّة المعاصرة
محطّاتٌ عاشورائيّة: في الأوّل من صفر دخولُ موكب الرؤوس والسبايا الى دمشق