المرجع الالكتروني للمعلوماتية
المرجع الألكتروني للمعلوماتية

القرآن الكريم وعلومه
عدد المواضيع في هذا القسم 12145 موضوعاً
تأملات قرآنية
علوم القرآن
الإعجاز القرآني
قصص قرآنية
العقائد في القرآن
التفسير الجامع

Untitled Document
أبحث عن شيء أخر



تفسير الاية (51-55) من سورة النحل  
  
105   08:59 مساءً   التاريخ: 9 / 8 / 2020
المؤلف : المرجع الإلكتروني للمعلوماتية
الكتاب أو المصدر : تفاسير الشيعة
الجزء والصفحة : ......
القسم : القرآن الكريم وعلومه / التفسير الجامع / حرف النون / سورة النحل /

 

قال تعالى: {وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُو إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (51) وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (52) وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (54) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } [النحل: 51 - 55]

تفسير مجمع البيان
- ذكر الطبرسي في تفسير هذه  الآيات (1) :

لما بين سبحانه دلائل قدرته وإلهيته عقبه بالتنبيه على وحدانيته فقال: { وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ} أي: لا تعبدوا مع الله إلها آخر فتشركوا بينهما في العبادة لأنه لا يستحق العبادة سواه وذكر اثنين كما يقال فعلت ذلك لأمرين اثنين وقيل: إن تقديره لا تتخذوا اثنين إلهين يريد به نفسه وغيره { إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ} وإنما لإثبات المذكور ونفي ما عداه فكأنه قال هو إله واحد لا إله غيره { فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} أي: ارهبوا أعقابي وسطواتي ولا تخشوا غيري وورد عن بعض الحكماء أنه قال نهاك ربك أن تتخذ إلهين فاتخذت آلهة عبدت نفسك وهواك ودنياك وطبعك ومرادك وعبدت الخلق فإني تكون موحدا.

 { وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} مُلكاً وملكاً وخلقاً { وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا } أي: وله الطاعة دائمة واجبة على الدوام عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة ومعناه: أنه سبحانه الذي يعبد دائما وغيره إنما يعبد في وقت دون وقت وقيل: معناه وله الدين خالصا عن الفراء أي: يجب على العبد أن يطيعه مخلصا وقيل: معناه وله الملك دائما لا يزول { أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ} أي: أ فغير الله تخشون وهو استفهام فيه معنى التوبيخ أي: فكيف تعبدون غيره ولا تتقونه { وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} معناه: أن جميع ما بكم وما لكم من النعم مثل الصحة في الجسم والسعة في الرزق ونحوهما فكل ذلك من عند الله ومن جهته { ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ} مثل المرض والشدة والبلاء وسوء الحال { فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} أي: فإليه تتضرعون في كشفه وإليه ترفعون أصواتكم بالدعاء والاستغاثة لصرفه .

{ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ} معناه: ثم إذا دفع ما حل بكم من الضر ودفع ما مسكم من المرض والفقر { إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} أي: دعا طائفة منكم إلى الشرك بربهم في العبادة جهلا منهم بربهم ومقابلة لنعمه بالكفران والعصيان وهذا عجب من فعل العاقل المميز لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ } معنى اللام هاهنا هو البيان عن العلة التي لأجلها وقع الفعل والمعنى أنهم بمنزلة من أشرك في عبادة ربه ليكفر بما آتاه من النعمة كأنه كان لا غرض له في شركه إلا هذا والمعنى لأن يكفروا بإنعامنا عليهم ورزقنا إياهم وقيل إن اللام للأمر على وجه التحديد أي ليفعلوا ما شاءوا فإنه ينزل الله بهم عاقبة كفرهم.

 ويوافق هذا القول ما رواه مكحول عن أبي رافع قال: حفظت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) فيمتعوا فسوف يعلمون بالياء فيهما فإن يمتعوا يكون معطوفا مجزوما ويجوز أيضا أن يكون معطوفا منصوبا والمعنى لأن يكفروا فيمتعوا فقوله { فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} يكون ابتداء خطاب لهم على التهديد والوعيد يقول فتمتعوا أيها الكفار في الدنيا قليلا فسوف تعلمون ما يحل بكم في العاقبة من العقاب وأليم العذاب وحذف لدلالة الكلام عليه .

_________

1- تفسير مجمع البيبان ،الطبرسي،ج6،ص165-166.

تفسير الكاشف
- ذكر محمد جواد مغنية في تفسير هذه  الآيات (1) :

{ وقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوإِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ } . من القواعد المعروفة عند الفقهاء : ان الضرورة تقدّر بقدرها ، وان ما زاد عن الحاجة والضرورة فهولغو. . وهذه القاعدة يمكن تطبيقها على شريك الباري ، وذلك بأن فرض وجود مدبر حكيم أمر محتوم لا مفر منه في نظر العقل ، حيث لا يمكن تفسير الكون ، وتعليل ما فيه من نظام وانسجام إلا بوجود مدبر حكيم ، ومع هذا الفرض لا يبقى أي داع لفرض إله آخر في نظر العقل ، بل العقل يرفضه ويأباه . انظر دليل التوحيد والأقانيم الثلاثة في ج 2 ص 344 . . ثم إن لوحدانية اللَّه آثارا ولوازم أشار سبحانه إلى بعضها بقوله :

1 – { ولَهُ ما فِي السَّماواتِ والأَرْضِ } دون معارض ومنازع لأنه هوخالق السماوات والأرض وما فيهما .

2 – { ولَهُ الدِّينُ واصِباً } . المراد بالدين هنا الانقياد والطاعة ، ومعنى

الواصب الدائم ، وإذا كان اللَّه خالق كل شيء ومالك كل شيء وجب الثبوت والاستمرار في طاعته دون سواه .

3 – { وما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ } لأنه خالق كل شيء مباشرة وبكلمة كن ، أو بالواسطة .

{ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ } . المؤمن الحق يثق باللَّه ويعتمد عليه في جميع الأحوال : أما التاجر فيلجأ إليه ساعة العسرة ، ويتجاهله عند الميسرة ، ومر نظير هذه الآية مع التفسير في سورة يونس الآية 12 .

{ لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ } . المراد بالكفر هنا كفران النعم ، ومنها كشف الضر ، واللام في ليكفروا للعاقبة مثل لدوا للموت وابنوا للخراب ، والمعنى ان اللَّه أنعم عليهم ، فكانت نتيجة انعامه وتفضله كفرانهم بأنعمه { فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } عاقبتكم الوخيمة ، وتندمون حيث لا ينفع الندم .

__________

1- التفسير الكاشف، محمد جواد مغنية،ج4، صفحه 520-521.

تفسير الميزان
- ذكر الطباطبائي في تفسير هذه الآيات (1) :

قوله تعالى:{ وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} الرهبة الخوف وتقابل الرغبة كما أن الخوف يقابل به الرجاء.

والكلام معطوف على قوله:{ولله يسجد} وقيل: معطوف على قوله:{وأنزلنا إليك الذكر} وقيل: على قوله:{ما خلق الله} على طريقة قوله: علفتها تبنا وماء باردا أي وسقيتها ماء باردا، والتقدير في الآية أ ولم يروا إلى ما خلق الله من شيء وأ لم يسمعوا إلى ما قال الله{لا تتخذوا} إلخ؟ والأول هو الوجه.

وقوله:{لا تتخذوا إلهين اثنين} أريد به - والله أعلم - النهي عن التعدي عن الإله الواحد باتخاذ غيره معه فيشمل الاثنين وما فوقه من العدد ويؤيده تأكيده بقوله:{إنما هو إله واحد} و{اثنين} صفة{إلهين} كما أن{واحد} صفة{إله} جيء بهما للإيضاح والتبيين.

وبعبارة أخرى العناية متعلقة بالنهي عن اتخاذ غيره معه سواء كان واحدا أوأكثر من واحد لكن لما كان كل عدد اختاروه في الإله فوق الاثنين يجب أن يسلكوا إليه من الاثنين إذ لا يتحقق عدد هو فوق الاثنين إلا بعد تحقق الاثنين نهى عن اتخاذ الاثنين واكتفى به عن النهي عن كل عدد فوق الواحد.

ويمكن أن يكون اعتبار الاثنين نظرا إلى ما عليه دأبهم وسنتهم فإنهم يعتقدون من الإله بإله الصنع والإيجاد وهو الذي له الخلق فحسب وهو إله الآلهة وموجد الكل، وبإله العبادة وهو الذي له الربوبية والتدبير، وهذا المعنى أنسب بما يتلوه من الجمل.

وعلى هذا فالمعنى لا تتخذوا إلهين اثنين: إله الخلق وإله التدبير الذي له العبادة إنما هو أي الإله إله واحد له الخلق والتدبير جميعا لأن كل تدبير ينتهي إلى الإيجاد، وإذ كنت أنا الخالق الموجد فأنا المدبر الذي تجب عبادته فإياي فارهبون وإياي فاعبدون.

ومن هنا يظهر وجه تفرع قوله:{فإياي فارهبون} على ما تقدمه وأنه من لطيف الاستدلال، والجملة تفيد الحصر بتقديم المفعول على سبيل الاشتغال، والقصر قصر قلب لا قصر إفراد كما يفيده كلامهم فإن الوثنيين لا يعبدون الله وآلهتهم غير الله، وإنما يعبدون آلهتهم فحسب معتذرين بأن الله سبحانه لا يحيط به علم ولا يناله فهم فلا يمكن التوجه إليه بالعبادة فمن الواجب أن يعبد الكرام أوالأقوياء من خلقه كالملائكة والكاملين من البشر والجن فهم المدبرون لأمر العالم ينال بالعبادة خيرهم ويتقى بها شرهم وهذا معنى التقرب إلى الله بشفاعتهم.

والظاهر أن الأمر بالرهبة كناية عن الأمر بالعبادة وإنما اختصت الرهبة بالذكر ليوافق ما تقدم في حديث سجدة الكل التي هي الأصل في تشريع العبادة من خوف الملائكة، وعلى هذا فالظاهر أن المراد بالرهبة ما هي رهبة إجلال ومهابة لا ما هي رهبة مؤاخذة وعذاب، فافهم ذلك.

قوله تعالى:{ وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ} قال في المفردات: الوصب السقم اللازم وقد وصب فلان فهو وصب وأوصبه كذا فهو يتوصب نحو يتوجع، قال تعالى:{ولهم عذاب واصب}{وله الدين واصبا} فتوعد لمن اتخذ إلهين وتنبيه أن جزاء من فعل ذلك عذاب لازم شديد.

ويكون الدين هاهنا الطاعة، ومعنى الواصب الدائم أي حق الإنسان أن يطيعه دائما في جميع أحواله كما وصف به الملائكة حيث قال:{ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } ويقال: وصب وصوبا دام، ووصب الدين وجب، ومفازة واصبة بعيدة لا غاية لها. انتهى.

والآية وما بعدها تحتج على وحدانيته تعالى في الألوهية بمعنى المعبودية بالحق وأن الدين له وحده ليس لأحد أن يشرع من ذلك شيئا ولا أن يطاع فيما شرع فالآية وما بعدها في مقام التعليل لقوله:{ وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ } إلى آخر الآية، واحتجاج على مضمونها وعود بعد عود إلى ما تقدم بيانه من التوحيد والنبوة اللذين ينكرهما المشركون.

فقوله:{ وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} احتجاج على توحده تعالى في الربوبية فإن ما في السماوات والأرض من شيء فهو مملوك له بحقيقة معنى الملك إذ ما في العالم المشهود من شيء فهو بما له من الصفات والأفعال، قائم به تعالى موجود بإيجاده وظاهر بإظهاره لا يسعه أن ينقطع منه ولا لحظة فالأشياء قائمة به قيام الملك بمالكه مملوكة له ملكا حقيقيا لا يقبل تغييرا ولا انتقالا كما هو خاصة الملك الحقيقي كملك الإنسان لسمعه وبصره مثلا.

وإذا كان كذلك كان هو تعالى المدبر لأمر العالم إذ لا معنى لكون العالم مملوكا له بهذا الملك ثم يستقل غيره بتدبير أمره والتصرف فيه وينعزل هو تعالى عما خلقه وملكه، وإذا كان هو المدبر لأمره كان هو الرب له إذ الرب هو المالك المدبر، وإذا كان هو الرب كان هو الذي يجب أن يتقى ويخضع له بالعبادة.

وقوله:{ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا } أي دائما لازما، وذلك أنه لما كان تعالى هو الرب الذي يملك الأشياء ويدبر أمرها ومن واجب التدبير أن يستن العالم الإنساني بسنة يبلغ به الجري عليها غايته ويهديه إلى سعادته - وهذه السنة والطريقة هي التي يسميها القرآن دينا - كان من الواجب أن يكون تعالى هو القائم على وضع هذه السنة وتشريع هذه الطريقة فهو تعالى المالك للدين كما قال:{وله الدين واصبا} وعليه أن يشرع ما يصلح به التدبير كما قال فيما مر:{وعلى الله قصد السبيل} الآية.

وقيل: المراد بالدين الطاعة، وقيل: الملك، وقيل: الجزاء، ولكل منها وجه غير خفي على المتأمل، والأوجه هو ما قدمناه لأنه أوفق وأنسب بسياق ما يحفها من الآيات السابقة واللاحقة الباحثة عن توحيد الربوبية وتشريع الدين من طريق الوحي والرسالة.

وقوله:{ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ } استفهام إنكاري - متفرع على الجملتين جميعا - على الظاهر، والمعنى: وإذا كان كذلك فهل غيره تعالى تتقون وتعبدون؟ وليس يملك شيئا ولا يدبر أمرا حتى يعبد، وليس من حقه أن يشرع دينا فيطاع فيما وضعه وشرعه.

قوله تعالى:{ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ } بيان آخر لوحدانيته تعالى في الربوبية يفرع سبحانه عليه ذمهم وتوبيخهم على شركهم بالله وعلى تشريعهم أمورا من عند أنفسهم من غير إذن منه ورضى ويجري الكلام في هذا المجرى إلى تمام بضع آيات.

والمراد بالضر سوء الحال من جهة فقدان النعمة التي تصلح بها الحال، والجؤار بضم الجيم صوت الوحوش استعير لرفع الصوت بالدعاء والتضرع والاستغاثة تشبيها له به.

وقوله:{ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ } الكلام مسوق للعموم وليس مجرد دعوى غير مستدل فقد بين ذلك في الآيات السابقة.

على أن السامعين يسلمون ذلك ويقولون به ويدل عليه جؤارهم واستغاثتهم إليه عند مسيس الضر بفقدان نعمة من النعم.

فالمعنى: أن جميع النعم التي عندكم من إنعامه تعالى عليكم وأنتم تعلمون ذلك ثم إذا حل بكم شيء من الضر وسوء حال يسير رفعتم أصواتكم بالتضرع وجأرتم إليه لا إلى غيره ولو كان لغيره صنيعة عندكم لتوجهتم إليه فهو سبحانه منعم النعمة وكاشف الضر فما بالكم لا تخصونه بالعبادة ولا تطيعونه.

والاستغاثة به تعالى والتضرع إليه عند حلول المصائب وهجوم الشدائد التي ينقطع عندها الرجاء عن الأسباب الظاهرية ضرورية لا يرتاب فيها فإن الإنسان ولو لم ينتحل إلى دين ولم يؤمن بالله سبحانه فإنه لا ينقطع رجاؤه عند الشدائد إذا رجع إلى ما يجده من نفسه، ولا رجاء إلا وهناك مرجومنه فمن الضروري أن تحقق ما لا يخلومن معنى التعلق كالحب والبغض والإرادة والكراهة والجذب ونظائرها في الخارج لا يمكن إلا مع تحقق طرف تعلقها في الخارج فلو لم يكن في الخارج مراد لم تتحقق إرادة من مريد، ولو لم يكن هناك مطلوب لم يكن طلب ولو لم يكن جاذب يجذب لم يتصور مجذوب ينجذب، وهذا حال جميع المعاني الموجودة التي لا تخلو كينونتها عن نسبة.

فتعلق الرجاء من الإنسان بالتخلص من البلية عند انقطاع الأسباب دليل على أنه يرى أن هناك سببا فوق هذه الأسباب المنقطع عنها لا تعجزه عظائم الحوادث وداهمات الرزايا ولا ينقطع عنه الإنسان، ولا يزول ولا يفنى ولا يسهو ولا ينسى قط.

هذا شيء يجده الإنسان من نفسه وتقضي به فطرته وإن ألهاه عنه الاشتغال بالأسباب الظاهرة وجذبته إلى نفسها أمتعة الحياة وزخارف المادة المحسوسة لكنه إذا أحاطت به البلية وأعيته الحيلة وسدت عليه طرق النجاة وانهزمت الأسباب الظاهرة عن آخرها وطارت الموانع عن نظره ولم يبق هناك مله يلهيه ولا شاغل يشغله ظهر له ما أخفته الأسباب وعاين ما كان على غفلة منه فتعلقت نفسه به، وهو السبب الذي فوق كل سبب وهو الله عز اسمه.

قوله تعالى:{ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ } شروع في ذمهم وتوبيخهم وينتهي إلى إيعادهم وحق لهم ذلك لأن الذي يستدعيه كشف الضر عن استغاثتهم ورجوعهم الفطري إلى ربهم أن يوحدوه بالربوبية بعد ما انكشفت لهم الحقيقة باندفاع البلية ونزول الرحمة لكن فريقا منهم تفاجئهم الشقوة فيعودون إلى التعلق بالأسباب فينتبه عندئذ الراقد من رذائل ملكاتهم فيثير لهم الأهواء ويشركون بربهم غيره، ومنه الأسباب التي يتعلقون بها، ومعنى الآية ظاهر.

قوله تعالى:{ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} اللام للغاية أي إنهم إنما يشركون بربهم ليكفروا بما أعطيناهم من النعمة بكشف الضر عنهم ولا يشكروه.

وجعل الكفر بالنعمة غاية للشرك إنما هو بدعوى أنهم لا غاية لهم في مسير حياتهم إلا الكفر بنعمة الله وعدم شكره على ما أولى فإن اشتغالهم بالحس والمادة أورثهم في قلوبهم ملكة التعلق بالأسباب الظاهرة وإسناد النعم الإلهية إليها وضربهم إياها حجابا ثخينا على عرفان الفطرة فأنساهم ذلك توحيد ربهم في ربوبيته فصاروا يذكرون عند كل نعمة أسبابها الظاهرة دون الله، ويتعلقون بها ويخشون انقطاعها ويخضعون لها دون الله فكأنهم بل إنهم لا غاية لهم إلا كفر نعمة الله وعدم شكرها.

فالكفر بالله سبحانه هو غايتهم العامة في كل شأن أبدوه وكل عمل أتوا به فإذا أشركوا بربهم بعد كشف الضر بالخضوع لسائر الأسباب فإنما أشركوا ليكفروا بما آتاهم من النعمة.

ولما كان كفرانهم هذا – وهو كفر دائم يصرون عليه واستكبار على الله، وقد قال تعالى:{ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ }: إبراهيم: 7 أثار ذكر ذلك الغضب الإلهي فعدل عن خطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم على نعت الغيبة إلى خطابهم وإيعادهم من غير توسيط فقال:{فتمتعوا فسوف تعلمون}.

ولم يذكر ما يتمتعون به ليفيد بالإطلاق أن كل ما تمتعوا به سيؤاخذون عليه ولا ينفعهم شيء منه، ولم يذكر ما يعلمونه – وهو لا محالة أمر يسوؤهم - ليكونوا على جهل منه حتى يحل بهم مفاجأة ويبدولهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون وفيه تشديد للإيعاد.

وذكر بعضهم: أن اللام في قوله:{ليكفروا بما آتيناهم} لام الأمر والمراد به الإيعاد على نحوالتعجيز وهو تكلف.

___________

1- تفسير الميزان ،الطباطبائي،ج12،ص219-223.

تفسير الامثل
- ذكر الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذه  الآيات (1) :

دين حق ومعبود واحد:

تتناول هذه الآيات موضوع نفي الشرك تعقيباً لبحث التوحيد ومعرفة اللّه عن طريق نظام الخلق الذي ورد في الآيات السابقة، لتتّضح الحقيقة من خلال المقارنة بين الموضوع، ويبتدأ بـ: {وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}.

وتقديم كلمة «إِيّاي» يراد بها الحصر كما في «إِيّاك نعبد» أيْ: يجب الخوف من عقابي لا غير.

ومن الملفت للنظر أنّ الآية أشارت إِلى نفي وجود معبودين في حين أن المشركين كانوا يعبدون أصناماً متعددة.

ويمكن أن يكون ذلك إِشارة إِلى إِحدى النقاط التالية أو إِلى جميعها:

1 ـ إِنّ الآية نفت عبادة اثنين، فكيف بالأكثر؟!

وبعبارة أُخرى: إِنّها بيّنت الحد الأدنى للمسألة ليتأكّد نفي الأكثر، وأيُّ عدد ننتخبه (أكثر من واحد) لابدّ له أن يمر بالإِثنين.

2 ـ كل ما يعبد من دون اللّه جمع في واحد، فتقول الآية: أن لا تعبدوها مع اللّه، ولا تعبدوا إِلهين (الحق والباطل).

3 ـ كان العرب في الجاهلية قد انتخبوا معبودين:

الأوّل: خالق العالم، أيْ اللّه عزَّوجلّ وكانوا يؤمنون به.

والثّاني: الأصنام، واعتبروها واسطة بينهم وبين اللّه، واعتبروها كذلك منبعاً للخير والبركة والنعمة.

4 ـ يمكن أن تكون الآية ناظرة إِلى نفي عقيدة (الثنويين) القائلين بوجود إِله للخير وآخر للشر، ومع انتخابهم لأنفسهم هذا المنطق الضعيف الخاطيء، إلاّ إنّ عبدة الأصنام قد غالوا حتى في هذا المنطق وتجاوزوه لمجموعة من الالهة!

وينقل المفسّر الكبير العلاّمة الطبرسي في تفسير هذه الآية عبارة لطيفة نقلها عن بعض الحكماء: (نهاك ربك أن تتخذ إِلهين فاتخذت آلهة، عبدتَ: نفسك وهواك، وطبعك ومرادك، وعبدتَ الخلق فأنّى تكون موحداً).

ثمّ يوضح القرآن أدلة توحيد العبادة بأربعة بيانات ضمن ثلاث آيات ... فيقول أوّلاً { وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} فهل ينبغي السجود للأصنام التي لا تملك شيئاً، أم لمن له ما في السماوات والأرض؟

ثمّ يضيف: {وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا }.

فعندما يثبت أن عالم الوجود منه، وهو الذي أوجد جميع قوانينه التكوينية فينبغي أن تكون القوانين التشريعية من وضعه أيضاً، ولا تكون طاعة إِلاّ له سبحانه.

«واصب»: من «الوصوب»، بمعنى الدوام. وفسّرها البعض بمعنى (الخالص) (ومن الطبيعي أن ما لم يكن خالصاً لم يكن له الدوام. أما الذين اعتبروا «الدين» هنا بمعنى الطاعة، فقد فسّروا «واصباً» بمعنى الواجب، أيْ: يجب إِطاعة اللّه فقط.

ونقرأ في رواية عن الإِمام الصادق(عليه السلام) أنّ شخصاً سأله عن قول اللّه {وله الدين واصباً} قال: «واجباً»(2).

والواضح أنّ هذه المعاني متلازمة جميعها.

ثمّ يقول في نهاية الآية: { أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ }.

فهل يمكن للأصنام أن تصدَّ عنكم المكروه أو أن تفيض عليكم نعمة حتى تتقوها وتواظبوا على عبادتها؟!

هذا..{ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ }.

فهذه الآية تحمل البيان الثّالث بخصوص لزوم عبادة اللّه الواحد جلّ وعلا، وأنّ عبادة الأصنام إِن كانت شكراً على نعمة فهي ليست بمنعمة، بل الكل بلا استثناء منعّمون في نعم اللّه تعالى، وهو الأحق بالعبادة لا غيره.

وعلاوة على ذلك...{ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ}.

فإِنْ كانت عبادتكم للأصنام دفعاً للضر وحلا للمعضلات، فهذا من اللّه وليس من غيره، وهو ما تظهره ممارساتكم عملياً حين إِصابتكم بالضر، فَلِمَن تلتجئون؟ إِنّكم تتركون كل شيء وتتجهون إِلى اللّه.

وهذا البيان الرّابع حول مسألة التوحيد بالعبادة.

«تجئرون»: من مادة (الجؤار) على وزن (غبار)، بمعنى صوت الحيوانات والوحوش الحاصل بلا اختيار عند الألم، ثمّ استعملت كنايةً في كل الآهات غير الإختيارية الناتجة عن ضيق أو ألم.

إِنّ اختيار هذه العبارة هنا إِشارة إِلى أنّه عندما تتراكم عليكم الويلات ويحل بكم البلاء الشديد تطلقون حينها صرخات الإِستغاثة اللاإِختيارية.. وأنتم بهذه الحال، أتوجهون النداء لغيره سبحانه وتعالى؟! فلماذا إِذَنْ في حياتكم الإِعتيادية وعندما تواجهون المشاكل اليسيرة تلتجؤون إِلى الأصنام؟!

نعم. فاللّه سبحانه يمسع نداءكم في كل الحالات ويغيثكم ويرفع عنكم البلاء { ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} بالعود إِلى الأصنام!

وفي الحقيقة ... فالقرآن في الآية يشير إِلى فطرة التوحيد في جميع الناس، إِلاّ أنّ حجب الغفلة والغرور والجهل والتعصب والخرافات تغطيها في الأحوال الإِعتيادية.

ولكنْ، عندما تهب عواصف البلاء تنقلع تلك الحجب فيظهر نور الفطرة براقاً من جديد ليرى الناس لمن يتوجهون، فيدعون اللّه مخلصين بكامل وجودهم، فيرفع عنهم أغطية البلاء المتأتية من تلك الحجب، (لاحظوا أنّ الآية قالت: (كشف الضر) أيْ: رفع أغطية البلاء).

ولكنْ.. عندما تهدأ العاصفة ويرتفع البلاء وتعودون إِلى شاطيء الأمان، تعاودون من جديد على الغفلة والغرور، وتظهرون الشرك بعبادتكم للأصنام مجدداً!

وفي آخر آية (من الآيات مورد البحث) يأتي التهديد بعد إِيضاح الحقيقة بالأدلة المنطقية: { لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ }.

وَيُشَبَّهُ ذلك بتوجيه النصائح والإِرشادات لمنحرف متخلف لا يفيد معه هذا الأُسلوب المنطقي فيقطع معه الحديث باللين ليواجه بالتهديد عسى أن يرعوي فيقال له: مع كل ما قلنا لك... إِفعل ما شئت ولكن سترى نتيجة عملك عاجلا أم آجلا.

وعلى هذا فتكون اللام في «ليكفروا» يراد به التهديد، وكذا «تمتعوا» أمر يراد به التهديد أيضاً، أمّا مجيء الفعل الأوّل بصيغة الغائب «ليكفروا» والثّاني بصيغة المخاطب «تمتعوا»، فكأنه افترض غيابهم أوّلاً فقال: ليذهبوا ويكفروا بهذه النعم، وعند تهديدهم يلتفت إِليهم ويقول: تمتعوا بهذه النعم الدنيوية قليلا فسيأتي اليوم الذي تدركون فيه عظم خطئكم وسترون عاقبة أعمالكم.

والآية (30) من سورة إِبراهيم تشابه الآية المذكورة من حيث الغرض: {قل تمتعوا فإِنّ مصيركم إِلى النّار}(3)

_____________

1- تفسير الامثل ،ناصر مكارم الشيرازي،ج7،ص77-80.

2ـ تفسير البرهان، ج2، ص373.

3 ـ احتمل جمع من المفسّرين: أنّ «ليكفروا» غاية ونتيجة للشرك والكفر الذي نسب إِليهم في الآية التي قبلها، فيكون المعنى أنّهم بعد إِنجائهم من الضر تركوا طريق التوحيد وساروا في طريق الشرك ليكفروا بنعم اللّه وينكرونها.




وهو تفسير الآيات القرآنية على أساس الترتيب الزماني للآيات ، واعتبار الهجرة حدّاً زمنيّاً فاصلاً بين مرحلتين ، فكلُّ آيةٍ نزلت قبل الهجرة تُعتبر مكّيّة ، وكلّ آيةٍ نزلت بعد الهجرة فهي مدنيّة وإن كان مكان نزولها (مكّة) ، كالآيات التي نزلت على النبي حين كان في مكّة وقت الفتح ، فالمقياس هو الناحية الزمنيّة لا المكانيّة .

- المحكم هو الآيات التي معناها المقصود واضح لا يشتبه بالمعنى غير المقصود ، فيجب الايمان بمثل هذه الآيات والعمل بها.
- المتشابه هو الآيات التي لا تقصد ظواهرها ، ومعناها الحقيقي الذي يعبر عنه بـ«التأويل» لا يعلمه الا الله تعالى فيجب الايمان بمثل هذه الآيات ولكن لا يعمل بها.

النسخ في اللغة والقاموس هو بمعنى الإزالة والتغيير والتبديل والتحوير وابطال الشي‏ء ورفعه واقامة شي‏ء مقام شي‏ء، فيقال نسخت الشمس الظل : أي ازالته.
وتعريفه هو رفع حكم شرعي سابق بنص شرعي لا حق مع التراخي والزمان بينهما ، أي يكون بين الناسخ والمنسوخ زمن يكون المنسوخ ثابتا وملزما بحيث لو لم يكن النص الناسخ لاستمر العمل بالسابق وكان حكمه قائما .
وباختصار النسخ هو رفع الحكم الشرعي بخطاب قطعي للدلالة ومتأخر عنه أو هو بيان انتهاء امده والنسخ «جائز عقلا وواقع سمعا في شرائع ينسخ اللاحق منها السابق وفي شريعة واحدة» .



صور فنية لزائري مرقد الامام الحسين (ع) من اقصى جنوب العراق نحو كربلاء مشيا على الاقدام للمشاركة بزيارة الاربعين المليونية
مكتبةُ العتبة العبّاسية المقدّسة تشاركُ في مؤتمر الجمعيّة السودانيّة للمكتبات والمعلومات
شعبةُ الاتّصالات وتكنولوجيا المعلومات: وضعنا خطّةً محكمة لإرشاد التائهين والمفقودين خلال زيارة الأربعين
مجمّعُ العلقمي الخدميّ يُعلن عن إكمال استعداداته لاستقبال زائري الأربعين