المرجع الالكتروني للمعلوماتية
المرجع الألكتروني للمعلوماتية

الفقه الاسلامي واصوله
عدد المواضيع في هذا القسم 6997 موضوعاً
المسائل الفقهية
علم اصول الفقه
القواعد الفقهية
المصطلحات الفقهية
الفقه المقارن

Untitled Document
أبحث عن شيء أخر



قاعدة «لا ضرر»  
  
63   08:27 صباحاً   التاريخ: 5 / 6 / 2020
المؤلف : الشيخ محمد علي الأراكي
الكتاب أو المصدر : أصول الفقه
الجزء والصفحة : ج‏2، ص: 246
القسم : الفقه الاسلامي واصوله / القواعد الفقهية / لا ضرر ولا ضرار /

لا بأس بصرف عنان الكلام في التكلّم في قاعدة الضرر.

 

فنقول: الأخبار في هذا الباب تكون في الكثرة إلى حدّ لا يحتاج إلى النظر في سندها، فإنّها على ما قيل وإن لم يكن متواترة بحسب المضمون لاختلاف المضمون فيها، الّا أنّ التواتر الإجمالى ثابت، ويكون القدر المتيقّن من الجميع أنّ الضرر منفيّ في الشريعة المطهّرة، وإذن فاعتبار السند في هذه الأخبار ممّا لا كلام فيه، مضافا إلى استدلال العلماء بها في غير مقام.

وإنّما الكلام في دلالتها وهو في طي مقامات:

[المقام‏] الأوّل في بيان أنّ للقاعدة احتمالين‏

والثاني في بيان الثمرة بين الاحتمالين‏

والثالث في بيان النسبة بين هذه القاعدة والقواعد والأدلّة الأخر، وأنّها الحكومة أو غيرها.

أمّا المقام الأوّل فنقول: أمّا الاحتمال الأوّل في القاعدة فيبني بيانه على مقدّمة وهي أنّ النفي إذا تعلّق بموضوع خارجي وكان هذا الموضوع بحسب الواقع موجودا في الخارج يجعل نفيه راجعا إلى نفي آثاره لا على نحو التقدير، بل بمعنى أنّ الحكم بنفيه يكون بلحاظ نفي آثاره.

وإن شئت قلت: انّ المصحّح لنفيه نفي آثاره، كما أنّ هذا هو الحال في العكس وهو الحكم بثبوت موضوع لموضوع آخر مع عدم كون الموضوع الثاني من مصاديق الموضوع الأوّل بحسب الواقع كما في قولنا: زيد أسد؛ فإنّ المصحّح لهذا الحكم الإثباتي هو ثبوت آثار الموضوع الذي حكم بثبوته، ومثال ذلك في طرف النفي قول الشارع «لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد» فإنّ الصلاة فعل خارجي متحقّق في الخارج، فيكون الحكم بنفيه بلحاظ نفي آثاره.

وحينئذ فنقول: معنى قول الشارع: «لا ضرر» أنّ الفعل الضرري معدوم، ولا يمكن حمل ذلك على نفي الحقيقة، فإنّ الفعل الضرري كثير الوجود في ما بين العباد، فلا بدّ أن يكون هذا النفي بلحاظ نفي الآثار المترتّبة على الفعل الضرري، ولمّا لم يكن الفعل الضرري منفىّ الأثر رأسا؛ لأنّ الحرمة والضمان ثابتان فلا بدّ من التفكيك بين الآثار التى يكون ترتّبها مخالفا للمنّة وبين ما يكون ترتّبها موافقا للمنّة والحكم بأنّ القاعدة نافية للاولى دون الثانية؛ لأنّها واردة في مقام المنّة.

وأمّا الاحتمال الثاني فهو أن يكون المعنى أنّ إحداث الضرر ليس من شأن الشارع، بمعنى أنّ القواعد التي قرّرها الشارع ليس فيها قاعدة كان فيها ضرر على المكلّفين، فكلّما كان عموم أو إطلاق موهما لثبوت حكم موجب للضرر فهذه القاعدة ناطقة بأنّ هذا الحكم ليس من دين الإسلام، وذلك لأنّ الإسلام الذي جعل ظرفا لهذا النفي عبارة عن القواعد الإسلاميّة، ومعنى عدم الضرر في هذه القواعد عدم مجيئي الضرر من ناحيتها على المكلّفين.

وبعبارة اخرى: قول الشارع: «لا ضرر في الاسلام» مساوق لقوله: «لا حرج في الدين»، فكما أنّ معنى الثانى أنّ الشارع لم يجعل على المكلفين حكما حرجيّا، فكذلك معنى الأوّل أنّه لم يجعل عليهم حكما ضرريا.

وأمّا الفرق بين هذين وبين قول الشارع: «لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد» فهو أنّ الصلاة فعل صادر عن المكلّف وليس له صحّة الإضافة إلى الشارع، فلا محالة يكون نفيه في كلام الشارع محمولا على نفي هذا الموضوع الخارجي الصادر من المكلّف.

وأمّا الضرر والحرج فلهما صحّة الإضافة إلى العباد والى الشارع، أمّا إضافتهما إلى العباد بأن يوقع بعضهم بعضا في الضرر والحرج فواضحة، وأمّا إضافتهما إلى الشارع فلأنّ الشارع إذا أوجب على المكلّف عملا فيه ضرر وحرج عليه مثل إيجاب الوضوء مع الرمد في العين أو الجراحة في اليد أو الرجل يصدق أنّ الشارع أوقع المكلّف في الضرر والحرج، فإنّ الضرر والحرج وإن كانا حادثين بفعل المكلّف ويكون لهما صحّة الإضافة إلى نفسه، إلّا أنّ لهما صحّة الإضافة إلى الشارع أيضا بلحاظ أنّه الآمر بهذا الفعل الضرري الحرجي.

والحاصل أنّا نستظهر من خصوص قضيّتى لا ضرر ولا حرج أنّ المراد نفيهما بمعنى عدم صدورهما من الشارع، يعنى أنّ الشارع لم يجعل على العباد قانونا ضرريّا أو حرجيّا، ووجه ذلك أنّه لو جعل القانون الضرري والحرجي على العباد يصحّ أن يقال: إنّ الشارع أحدث الضرر أو الحرج على العباد، وليس المعنى نفي الموضوع الخارجى الراجع إلى نفي الآثار، ولكن نستظهر في سائر القضايا مثل:

«لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد» و«لا شكّ لكثير الشكّ» نفي الموضوع الخارجى الراجع إلى نفي الآثار، ووجهه أنّ سائر الموضوعات حالها بالنسبة إلى الشارع حال الحجر بالنسبة إليه في عدم ربطها بالشارع أصلا، فالمرتبط بالشارع رفع حكمها ليس إلّا.

والشاهد على هذين الظهورين ركاكة التقييد في سائر القضايا بقولنا: «في الاسلام» أو «في الدين» أ لا ترى ركاكة قولنا: «لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد في الإسلام» أو «لا شكّ لكثير الشكّ في الدين»؟ فإنّ الشكّ ليس من شأن الشارع، وكذا الصلاة، هذا مع كمال لياقة هذا التقييد ومناسبته في قضيّتي لا ضرر ولا حرج.

ثمّ إنّ الاحتمال الثاني هو مختار شيخنا المرتضى وهو الحق، كما أنّ الاحتمال الأوّل مختار بعض من عاصرناه من الأساتيد مع مبالغته وإصراره على أنّه معنى واضح عرفي.

وأمّا المقام الثاني [ظهور الثمرة بين الاحتمالين في العقد الضرري‏]

فنقول: ذهب بعض الأساتيد المتقدّم إليه الإشارة إلى ظهور الثمرة بين الاحتمالين في العقد الضرري كالعقد المشتمل على غبن أحد الطرفين، كما لو باع عمرو متاعا من زيد بأعلى من قيمته فصار الزيد مغبونا له في‏ هذه المعاملة، فبناء على الاحتمال الذى اختاره هذا البعض يقال: بأنّ هذا العقد موضوع ضرري وقد نفاه الشرع، ومعنى نفيه أنّ الشارع رفع عنه حكم اللزوم الثابت له بالأدلّة الأوّليّة، فإذا رفع عنه حكم اللزوم يثبت له حكم الجواز، فيجوز للزيد المشتري في المثال فسخ العقد حينئذ.

وأمّا بناء على الاحتمال الذى اختاره شيخنا المرتضى فلا بدّ من الحكم بعدم حدوث الضرر على الزيد المشتري من طرف الشرع، وذلك كما يمكن برفع الشارع اللزوم عن هذا العقد بالمرّة، يمكن أيضا برفعه اللزوم في خصوص صورة امتناع الغابن عن بذل الأرش مع بقاء اللزوم في صورة إقدامه بالبذل، وحينئذ فيقتصر في تخصيص الأدلّة المثبتة للزوم بهذه القاعدة على صورة الامتناع من البذل، فيختص ثبوت الخيار للمشتري المغبون بهذه الصورة، والحال أنّ الفقهاء رضوان اللّه عليهم حكموا بثبوت خيار الغبن من غير فرق بين الصورتين، ومن المعلوم انحصار مدركهم في هذه القاعدة، فإنّه لا مدرك لأصل خيار الغبن سوى هذه القاعدة.

وهذا الكلام غير جار على الاحتمال الأول، فإنّ خروج المبلغ الكثير من كيس المشتري إلى كيس البائع بإزاء المتاع القليل ضرر بنفسه، وجواز العقد أو دفع البائع الغابن للأرش لا يوجب خروج ذاك العنوان عن حقيقة الضرريّة، بل هو معهما أيضا ضرر، غاية الأمر حصول تداركه بسببهما.

وحينئذ فنقول: إنّ موضوع حكم الشارع بالنفي هو الضرر، فمتى تحقّق هذا الموضوع تحقّق هذا الحكم، فتدارك البائع الغابن ببذل الأرش يكون تداركا للضرر الذي حكم بنفيه الشرع، فللمغبون أن لا يرضى بقبوله ويختار الفسخ. هذا ما ذكره قدس سرّه.

و لكنّ الحق أنّ الكلام الذى ذكره بناء على احتمال الشيخ جار في احتمال نفسه، وذلك لأنّ نفي الموضوع بناء على احتماله قدّس سرّه يكون بمعنى نفى أثره، كما عرفت، وعرفت أيضا أنّ نفي الأثر لا يعمّ جميع الآثار، بل يختصّ‏ بالآثار التى يكون وجودها مخالفا للمنّة، ولا يجرى في الآثار التى يكون وجودها موافقا للمنّة أو غير مخالف ولا موافق لها، فإنّ القاعدة تكون في مقام المنّة، ولا منّة في رفع ما سوى الطائفة الاولى من الآثار.

وحينئذ فنقول: الحكم الثابت للعقد الضررى بأدلّة لزوم الوفاء بالعقود هو اللزوم المطلق الشامل لصورتي بذل ما به التفاوت وعدم البذل، فيستفاد من هذه الأدلّة شيئان: أصل اللزوم وإطلاقه، ولا إشكال في أنّ ثبوت أصل اللزوم في العقد الضررى ليس فيه خلاف منّة بأن يكون لازما في خصوص صورة البذل.

نعم ثبوت اللزوم فيه على وجه الإطلاق سواء بذل أم لم يبذل يكون على خلاف المنّة، فبناء على الاحتمال المذكور تختصّ القاعدة بنفى هذا الأثر أعنى الإطلاق دون أصل اللزوم، فتكون دلالة الأدلّة بالنسبة إلى أصل اللزوم سليمة عن حكومة القاعدة، فبناء على هذا الاحتمال أيضا لا تفيد القاعدة ثبوت الخيار المطلق للمغبون كما ذكره العلماء، فالاحتمال المذكور مضافا إلى بعده في نفسه كما عرفت في المقام الأول لا يظهر بينه وبين الاحتمال الآخر ثمرة.

فإن قلت: يلزم على ما ذكرت من المعنى تخصيص الأكثر، فإنّ الواجبات والمحرّمات في الدين لا ينفكّ في الغالب عن الحرج والكلفة، مثلا فعل الوضوء والغسل والصلاة والصوم والحج والزكاة والخمس شاقّ في الجملة، نعم لا يلزم ذلك في قاعدة الضرر، فإنّ المشتمل على الضرر النفسي أو المالي من الأحكام كالحج والزكاة والخمس والجهاد قليل.

قلت: قد يقال في دفع ذلك بأنّ العمل الصعب إذا كان ذا منفعة لا يعدّ في العرف صعبا، بل يكون سهلا بلحاظ غايته، مثلا المتصدّي للأعمال السوقيّة إذا رجع في آخر النهار وقد اكتسب عشرة توامين يكون فيه من الفرح ما لا يوصف وإن كان أعماله في غاية الصعوبة، وكذلك المتصدّي للجهاد يكون عليه إعمال آلات الحرب في المعركة بملاحظة النعيم الاخروي الموعود به من القصور ووصل الحور في غاية السهولة والراحة.

لكن يرد عليه- مضافا إلى أنّ العرف لا يلاحظون حصول النعيم في الآخرة، بل يصدق عندهم عنوان الضرر والحرج على الضرر النفسي والعرضي والمالي وإن كان بإزائه مثوبة اخرويّة- أنّ القاعدتين على هذا لا حكومة لهما على سائر القواعد في موارد ثبوت الضرر والحرج كما يأتي إثباتها في المقام الثالث، بل يكون لتلك القواعد ورود عليهما، وذلك لانتفاء موضوع القاعدتين بعد كشف إطلاق تلك القواعد عن ثبوت المنفعة الاخروية في تلك الموارد.

فالأولى أن يقال في دفع أصل الإشكال أنّ معنى نفي الضرر والحرج في الدين نفي الضرر والحرج الحاصلين بعد حفظ أصل الدين، فلا تتعرّض القاعدة للضرر والحرج الحاصلين بنفس المجعول، بل تتعرّض للحاصل منهما بواسطة الخصوصيات الخارجة عن المجعول، مثلا ما يقتضيه طبع الوضوء من الحرج مقدار معيّن، فإذا زاد على هذا المقدار ما يسمّى حرجا عرفا فلا يستند هذه الزيادة إلى الوضوء، بل إلى أمر آخر كعلّة مزاج الفاعل أو شدّة برودة الهواء خارجا عن المتعارف أو غير ذلك، فحينئذ يصدق أنّ في الوضوء قسمين، قسما حرجيّا يعنى ما يكون الحرج فيه زيادة على حرج أصل الوضوء، وقسما غير حرجيّ يعنى ما لا يكون الحرج فيه زيادة عليه، فيصحّ أن يقال: إنّ الحرج في الوضوء منفي، لا أنّه لا حرج في أصل الوضوء.

وكذلك ما يقتضيه طبع الزكاة من الضرر مقدار معيّن، فإذا زاد عليه ما يسمّى ضررا عرفا فلا يستند هذه الزيادة الى أصل الزكاة، بل إلى أمر آخر من ظلم ظالم وغيره، فيصحّ أن يقال: إنّ في الزكاة قسمين، قسما ضرريا وقسما غير ضرري، فالمنفيّ فيها هو القسم الضرري، لا أنّه لا ضرر في أصل الزكاة.

والحاصل أنّ مفاد القاعدة نفي الضرر والحرج الحاصلين في أقسام المجعولات لا في أنفسها، وهذا المعنى له ثمرتان، الاولى: عدم لزوم تخصيص الأكثر كما هو واضح، والثانية: عدم إمكان التمسّك بالقاعدة لنفي الحكم الحرجي المشكوك الابتدائي، لما فرض من عدم تعرّضها للحرج الحاصل بأصل الجعل، ولذا بخلاف ما إذا كان المعنى نفي الحرج في أصل الأحكام المجعولة للشرع؛ إذ حينئذ يصير عموم القاعدة موهومة بأكثريّة الخارج عنها من الداخل، فتصير نظير قاعدة أنّ «القرعة لكلّ أمر مشكل» ويحتاج في التمسك بها إلى التأيّد بعمل العلماء.

المقام الثالث: في بيان النسبة بين هذه القاعدة وسائر الأدلّة.

فاعلم أوّلا أنّ النسبة بينها وبين كلّ واحد واحد من سائر الأدلّة عموم من وجه، فإنّ دليل الوضوء مثلا شامل للوضوء الشينى وغيره، والقاعدة تختصّ بالاوّل، كما أنّ القاعدة شاملة للوضوء الشيني وغيره من سائر أفراد الضرر، ودليل الوضوء يختصّ بالأول، وكذا الحال بينها وبين دليل لزوم الوفاء بالعقود؛ فإنّه شامل للعقد الغبنى وغيره من سائر أفراد العقود، والقاعدة تختصّ بالأوّل، كما أنّ القاعدة شاملة للعقد الغبني وغيره من سائر أفراد الضرر، وذاك الدليل يختصّ بالأوّل.

وحينئذ فنقول: تارة يقال بتقديم هذه القاعدة وقاعدة لا حرج على سائر القواعد بطريق آخر مخصوص بهما ولا يجري في غيرهما، وهو أنّ هاتين القاعدتين إذا لو خط النسبة بينهما وبين مجموع سائر القواعد من حيث المجموع كانتا أخصّ مطلقا من تلك القواعد، فإنّ الدين عبارة عن مجموع تلك القواعد، وقد خرج عنه الضرر والحرج، ولا ينافي ذلك جزئيّتهما للدين، فإنّ المراد بالدين في ما إذا صار موضوعا لهاتين القاعدتين ليس إلّا ما سواهما، فهو نظير الموضوع في أدلّة الاصول لو جعلناه الشكّ في التكليف الفعلي، فإنّه يقال: إنّ حكم الشكّ أيضا تكليف فعلي، فحال المكلّف بنفس الشكّ ينقلب إلى العلم بالتكليف الفعلي فيخرج عن الموضوع، فيقال: إنّ التكليف الفعلي المأخوذ في موضوع حكم الشكّ يراد به غير حكم الشكّ.

فإن قلت: إنّ سائر القواعد لو لوحظت مقيّدة بالضرر والحرج فلا معنى لاستثنائهما عنها، وإن لوحظت مطلقة بالنسبة إليهما كانت أجنبيّة عن الدين.

قلت: هي ملحوظة بالوجه الثاني، واجنبيّتها عن الدين إنّما هي بعد جعل رفع‏ الضرر والحرج، وأمّا قبله فهي كانت دينا على وجه الحقيقة؛ لأنّ المقتضيات للأحكام تامّة في مورد الضرر والحرج أيضا، غاية الأمر أنّها كانت دينا ضرريّا حرجيّا، فتفضّل الشارع على العباد برفع اليد عن تلك المقتضيات في موارد الضرر والحرج، فهي كانت دينا قبل هذا التفضل وليست بدين بعده.

ولكنّ الحقّ فساد هذا الطريق؛ لأنّ القاعدة تعارض مع كلّ واحد من الأدلّة المثبتة للأحكام، وما ذكر من أنّ تلك القواعد بجميعها دين وقاعدة لا ضرر أخصّ مطلق منه كلام بلا محصّل؛ فإنّ مفاد القاعدة أنّ الحكم الضرري ليس مجعولا في الدين، وإيجاب الوضوء الشيني مثلا حكم ضرريّ، فتنفيه القاعدة بعمومها، ودليل إيجاب الوضوء يفيد بعمومه أنّ هذا الحكم الضرري مجعول في الدين، فيكون بينهما تعارض العموم من وجه، وكذلك الحال في سائر الأدلّة.

[ضابط الحكومة]

و اخرى يقال بتقديم القاعدتين على سائر الأدلّة من طريق الحكومة، ولتقرير ضابط الحكومة وجهان، أحدهما غير تام في المقام، والآخر تامّ فيه.

فالأوّل وهو مختار شيخنا المرتضى قدّس سرّه أن يكون أحد الدليلين ناظرا إلى مدلول الدليل الآخر، لا من حيث نفس المدلول ووجوده في عالم الثبوت، بل من حيث كونه مدلول الدليل ووجوده في عالم الإثبات.

وبعبارة اخرى: يكون أحد الدليلين بمنزلة كلمة «أي» و«أعني» بالنسبة إلى الدليل الآخر، ولازم ذلك أنّه لو لم تكن القاعدة الظاهريّة الموجودة في عالم الإثبات التي هي المحكوم كان الدليل الحاكم لغوا؛ لأنّه مفسّر بلا مفسّر وشارح بلا مشروح، نعم يكفي وجود المحكوم لاحقا بأن يكون النظر في الحاكم إلى القانون الذي يضرب بعد ذلك.

وهذا الوجه في كلّ مورد تحقّق لا إشكال في كونه موجبا لتقديم الحاكم، لأنّ المفروض أنّ المتكلّم قد تصدّى لشرح مراده من الدليل المحكوم، إلّا أنّه لا يتمّ في بعض الموارد التي نقول فيها بحكومة دليل على دليل آخر، إذ لا ينطبق هذا الضابط على أدلّة الأمارات التي نقول بحكومتها على أدلة الاصول، لوضوح أنّ‏ دليل اعتبار الأمارة مثل «صدّق العادل» لا يتّصف باللغويّة لو لم تكن أدلّة الاصول موجودة، وكذلك الحال في المقام؛ فإنّ قاعدة لا ضرر لا تصير لغوا لو لم تكن الأدلّة المثبتة للأحكام موجودة؛ فإنّ معناها أنّ الحكم الضرري غير مجعول في الأحكام الواقعيّة للشارع، وهذا أعمّ من أن يكون على تلك الأحكام أدلّة في مقام الإثبات أم لم يكن.

وعلى هذا فكما أنّ مفاد دليل وجوب الوضوء مثلا بحسب الإطلاق أنّ وجوب الوضوء الشيني يكون من الأحكام الواقعيّة، كذلك مفاد قاعدة لا ضرر بحسب الإطلاق أيضا أنّ نفي وجوب هذا الوضوء يكون من الأحكام الواقعيّة، وإنّما يتمّ هذا الوجه في ما إذا كان الدليل الحاكم نافيا لموضوع من الموضوعات الخارجيّة كما في قوله: «لا شكّ لكثير الشكّ.»

ووجه تماميّته في هذه الصورة أنّه لا يمكن أن يكون نفي الموضوع الخارجي باعتبار نفسه، بل لا بدّ أن يكون باعتبار أثره، والنفي باعتبار الأثر أيضا فرع شمول الأثر لهذا الموضوع، كما هو واضح.

وحينئذ فإن كان شمول الأثر بحسب عالم الثبوت بأن يكون الموضوع واجدا للأثر واقعا فصار منفيّا عنه بنفس النفي يلزم حينئذ أن يكون النفي نسخا وهو خلاف المراد في تلك العبارات قطعا، فتعيّن أن يكون الشمول باعتبار عالم الإثبات بأن يكون هناك قاعدة ظاهريّة وكان حكمها منسحبا في هذا الموضوع بالعموم أو الإطلاق، فقولك: لا رجال، يكون باعتبار القاعدة الظاهريّة الموجودة في أفراد الرجال في عالم الإثبات، وقوله: «لا شكّ لكثير الشكّ» يكون باعتبار القاعدة الظاهريّة الموجودة في الشكوك في مقام الاثبات، مثل كون حكم الشكّ بين الأربع والاثنين كذا، وبين الثلاث والأربع كذا، وغيرهما.

ومن هنا يعرف تماميّة هذا الوجه في قاعدة لا ضرر بناء على الاحتمال الذي اختاره بعض الأساتيد قدّس سرّه؛ فإنّ نفي الموضوع الضرري أيضا إنّما يكون باعتبار القاعدة الظاهريّة الموجودة في أفراد يكون فيها الموضوع الضرري في‏ مقام الإثبات، مثلا نفي الوضوء الشيني يكون باعتبار حكم الإيجاب الموجود في أفراد الوضوء في عالم الإثبات، وهكذا الكلام في سائر الأدلّة.

الثاني من الوجهين لتقرير ضابط الحكومة أن يقال: إنّ للحكومة موردين، أحدهما: ما ذكره شيخنا المرتضى قدّس سرّه، والآخر: ما إذا ورد دليلان من المتكلّم وكان أحدهما متكفّلا للقضيّة الواقعيّة، والآخر لعدم صدور الإرادة من المتكلّم، فإنّ العقلاء يحكمون في الدليل الأوّل بحسب أصالة العموم والإطلاق المقرّرة عندهم في كلام العاقل الحكيم بأنّ المتكلّم أراد معنى القضيّة في المورد الفلاني، فيكون نسبة الإرادة إلى المتكلّم من فعل العقلاء، ويكون خارجا عن مدلول القضيّة.

مثلا لو قال المتكلّم: أكرم العلماء، فالعقلاء يحكمون بأنّه أراد وجوب الإكرام في العالم الفاسق أيضا، وحكم العقلاء ذلك وإن كان جاريا في قول المتكلّم: إنى لست بطالب لإكرام الفسّاق ولم يصدر منّي إرادة ذلك قطّ، فيحتاج إلى حكم العقلاء بأنّ المتكلّم أراد عدم الطلب وعدم صدور الإرادة في مورد الفاسق العالم أيضا، إلّا أنّه في مورد تعارض القضيّتين أعنى العالم الفاسق إذا أغمضنا عن حكم العقلاء ونظرنا إلى مجرّد مدلول القضيّتين أعني مفهوم وجوب إكرام العلماء ومفهوم عدم إرادة الفسّاق، فحينئذ إذا أردنا إجراء حكم العقلاء في المفهوم الأوّل- بأن نقول: أراد المتكلّم وجوب الإكرام في هذا المورد- يمانع عن ذلك المفهوم الثاني، ونقول: ما أراد المتكلّم ذلك ولا عكس، فلو أردنا إجراء حكم العقلاء في المفهوم الثاني- بأن نقول: أراد المتكلّم عدم الإرادة في هذا المورد- لا يمانع عن ذلك المفهوم الأوّل، كما هو واضح.

فإذا قال الشارع: يجب الوضوء فإجراء أصالة الإطلاق فيه بالنسبة إلى الوضوء الشيني يعارضه نفس المدلول في دليل نفي الضرر الذي هو بمعنى نفي إرادة الحكم الضرري، وأمّا إجرائها في الثاني فلا ينافيه مدلول الأوّل، فأصالة الإطلاق جارية في الثاني دون الأوّل.

ومن هنا يعرف الفرق بين هذا الوجه وبين ما اختاره بعض الأساتيد في وجه تقديم قاعدتي لا ضرر ولا حرج على سائر الأدلّة، وحاصل ما اختاره قدّس سرّه أنّ سائر الأدلّة متعرّض لحكم الأفعال بعناوينها الأوّليّة، والقاعدتين لحكمها بعنوانها الثانوي، يعني أنّ سائر الأدلّة أحكام اقتضائيّة حيثيتيّة، ومفادها أنّ ذوات الأفعال من حيث هي مع قطع النظر عن طروّ حالتي الضرر والحرج مقتضية لحكم كذا، فلا ينافي أن يكون حكمها باعتبار طروّ هاتين الحالتين شيئا آخر، كما هو مفاد القاعدتين.

وبالجملة، فمفاد تلك الأدلّة اقتضائي، ومفاد القاعدتين حكم فعليّ، ولا تعارض بين الحكم الاقتضائي الغير الناظر إلى الطواري وبين الفعلي الناظر إليها أصلا، أ لا ترى أنّه لا تعارض بين دليل حليّة لحم الغنم ودليل حرمته إذا كان مغصوبا، وكذلك بين دليل استحباب صلاة الليل مثلا ودليل وجوبها إذا صارت متعلّقة للنذر وشبهه، وكذا بين دليل استحباب الإبكاء على الحسين صلوات اللّه عليه، وبين دليل حرمته إذا كان مشتملا على الغناء أو الكذب.

وجه الفرق بين هذا وبين ما ذكرنا أنّ ما ذكرنا غير مبنيّ على عدم الإطلاق لأدلّة الأحكام بالنسبة إلى موارد الضرر والحرج، بل يتمّ مع هذا الإطلاق أيضا كما هو واضح، وعلى ما ذكره قدّس سرّه لو لم يكن دليل نفي الضرر والحرج أيضا لم يمكن التمسّك في موارد ثبوتهما بتلك الأدلّة؛ لعدم الإطلاق لها، بل كان المرجع هو الاصول.

ثمّ قد تحصّل من مجموع ما ذكرنا قاعدة كلّية وهي أنّ كلّ دليلين كان لأحدهما لسان الشارحيّة بالنسبة إلى الآخر، أو كان أحدهما متكفّلا لإرادة المتكلّم أو عدمها، والآخر لإثبات حكم، أو كان أحدهما حكما حيثيتيّا والآخر فعليّا فالترجيح للأوّل منهما في الصور الثلاث من دون معارضته بالثاني، وإن كان النسبة بينهما عموما من وجه.

[الفرق بين التعارض والتزاحم‏]

هذا كلّه هو الكلام في بيان نسبة القاعدتين مع غيرهما من القواعد، وأمّا الكلام‏ في تعارض إحداهما بالاخرى أو كلّ منهما بالمثل فقبل الخوض فيه لا بدّ من بيان أن هذا التعارض هل هو من باب التعارض المصطلح أو من باب التزاحم، والمراد بالتزاحم أن يكون المقتضي في كلا الفردين من عامّ أو من عامّين موجودا تامّا وحصل الإلجاء بإخراج أحدهما عن تحت العموم من جهة عجز المكلّف، والمراد بالتعارض أن يعلم بواسطة دليل لبيّ أو لفظيّ مجمل بأنّ المقتضي في أحد الفردين من عامّ أو عامين غير موجود، فشكّ في مرحلة الإثبات في أنّ الخارج هل هو هذا الفرد أو ذاك، فيقع التعارض بين ظهور العموم في أحدهما وبين ظهور هذا العموم أو العموم الآخر في الفرد الآخر.

فعلى الثاني إن كان ذلك في عامّ واحد لا يمكن الأخذ بعمومه في شي‏ء من الفردين، ويصير مجملا في كليهما، فلا بدّ من الرجوع إلى الاصول والقواعد الأخر، وإن كان في عامّين، فإن كان أحدهما أظهر في شمول أحد الفردين من شمول الآخر للفرد الآخر كان هو قرينة على صرف ظهور الآخر، وإلّا يحصل الإجمال أيضا، وينحصر المرجع في الاصول والقواعد الأخر.

وعلى الأوّل نرجع في جميع هذه الصور إلى العقل؛ فإنّه حينئذ يغنينا عن الرجوع إلى الشرع إلّا في خصوص تعيين الأهمّ، فإنّه من وظيفة الشرع ليس إلّا، نعم حكم الشكّ فيه مستفاد من العقل.

فنقول: الأظهر أنّ التعارض في المقام من قبيل التزاحم، وذلك لأنّا كما نعلم بأنّ مطلوبيّة إنقاذ الغريق المسلم عند الشرع غير مقيّدة بحال دون حال؛ إذ معنى تقيّدها بحال أن يكون الشارع رفع اليد عن عبده المسلم في غير هذه الحالة، ونعلم أيضا بأنّ قبح الظلم عند العقل لا يتقيّد بحال، بل هو العلّة التامّة للقبح في جميع الأحوال، كذلك يمكن دعوى أنّ منّة الشارع على العباد برفع الضرر والحرج عنهم لا يتقيّد بحال دون حال ومقام دون مقام؛ لأنّ معنى تقيّدها بحالة أن يكون الشارع طالبا لإيراد الضرر والحرج على عباده في غير هذه الحالة.

وعلى هذا ففي مورد دوران الأمر بين الضرر والحرج أو بين الضررين أو بين‏ الحرجين نعلم بأنّ المقتضي وهو منّة الشرع في كلا الفردين موجود تامّ، وعدم إمكان الجمع بينهما في شمول العموم إنّما هو من جهة عجز المكلّف، وحينئذ فمجمل الكلام في المقام أنّ الضررين أو الحرجين أو الضرر والحرج إمّا أن يكونا بالنسبة إلى شخص واحد، وإمّا أن يكونا بالنسبة إلى شخصين.

فإن كانا بالنسبة إلى شخص واحد فلا إشكال في تقديم الأقلّ منهما؛ لأنّ ذلك مقتضى كون المقام من باب التزاحم، فإنّ المرفوع جنس الضرر والحرج، فملاك الرفع في الأكثر أقوى منه في الأقلّ.

وإن كان الأمران بالنسبة إلى شخصين، فإن كان الضرر والحرج على أحدهما أقلّ قدرا منه على الآخر إمّا من جهة تفاوت الشخصين في الحال، وإمّا من جهة تفاوت الأمرين في المقدار، وإمّا من جهتهما معا، كما إذا جرى الماء وكان قدّامه دور قوم ومزرعة آخرين، وكان دفعه عن كلّ منهما إرسالا له في الآخر، فإنّ ضرر خراب الدور على الجماعة الاولى أعظم بمراتب من ضرر غرق المزرعة على الجماعة الثانية.

فحينئذ ترجيح جانب الأقلّ مبنيّ على كون رفع الضرر والحرج دائرا مدار المنّة النوعيّة لا الشخصيّة، فإنّه لو كان دائرا مدار المنّة الشخصيّة فإيراد الضرر والحرج على كلّ من الشخصين خلاف المنّة الشخصيّة بالنسبة إليه وإن كان سببا لدفع الضرر الكثير في غاية الكثرة عن غيره.

وأمّا إن كان دائرا مدار المنّة النوعيّة فدفع الضرر والحرج الكثيرين بإيراد القليل منهما ولو كان على شخص آخر موافق للمنّة النوعيّة، فإنّ الشخص الآخر أيضا يندفع عنه الضرر والحرج الكثيران بإيراد القليل منهما على غيره عند ابتلائه بواقعة اخرى، وعدم الابتلاء في خصوص مقام إنّما ينافي المنّة الشخصيّة لا النوعيّة.

ولا يخفى أنّ الظاهر ورود القاعدتين في مقام المنّة النوعيّة لا الشخصيّة؛ لأنّ ذلك مقتضى كون العباد بتمامهم ملحوظين في نظر الشارع بنسبة واحدة هو جامع‏ العبوديّة له تعالى، فإنّ الشارع حاله حال الموالي الظاهريّة بالنسبة إلى عبيدهم، فكما يكون عبيدهم جميعا في نظرهم على السواء، فيطلبون سلامة عبيدهم من الضرر مهما أمكن، فلو دار الأمر بين الضرر الأقلّ والأكثر يختارون الأقلّ؛ لأنّ الضرر على العبيد على تقديره يكون أقلّ، فكأنّهم يرون الضرر على عبيدهم ضررا على أنفسهم، فكذلك حال الشارع بالنسبة إلى العباد.

وأمّا لو فرض مساواة الأمرين في المقدار، ومساواة الشخصين في الحال، كما لو كان حفر المالك البئر في داره ضررا على الجار من جهة أدائه إلى خراب حائط داره بوصول الرطوبة من البئر إلى أصل الحائط، وعدم الحفر ضررا على المالك لأدائه إلى خراب بيته بماء السماء، وكان مقدار الضررين وحال الشخصين متساويا فحينئذ مقتضى القاعدة العقليّة هو التخيير، حيث لا أهميّة لشي‏ء من الطرفين.

نعم تكون الأهميّة في خصوص المثال المذكور في جانب الحفر، وذلك لأنّ المقتضي للمنع عنه شي‏ء واحد وهو دفع الضرر عن الجار، وأمّا المقتضي للاذن فيه فهو شيئان، أحدهما دفع الضرر عن المالك، والآخر كونه تصرّفا من المالك في ملكه، وقضيّته أيضا هو الجواز والسلطنة، لقوله: «الناس مسلّطون على أموالهم» فيكون حال قاعدة السلطنة حينئذ حال جهة العالميّة الموجودة في أحد الغريقين المسلمين، فكما تكون الجهة المذكورة مرجّحة هناك، تكون القاعدة هنا أيضا مرجّحة، هذا بناء على التزاحم.

وأمّا بناء على التعارض فقد يقال: إنّ قاعدة «الناس» بعد تساقط قاعدة الضرر والحرج في الطرفين بسبب المعارضة تصير مرجعا، فإنّها وإن كانت كسائر القواعد محكومة للقاعدتين، إلّا أنّ تساقط الدليل الحاكم من جهة التعارض في نفسه يوجب حياة الدليل المحكوم، ومن هنا يعلم أنّ هذا ليس من باب تعدّد الدليل في أحد طرفي المعارضة ووحدته في الطرف الآخر، حيث إنّ المتعيّن حينئذ سقوط الجميع بالمعارضة؛ فإنّ ذلك إنّما هو فيما إذا كان جميع الأدلّة في‏ عرض واحد، وأمّا لو كان أحدها في طول الباقي من جهة حكومة الباقي عليه كما في المقام فلا يكون هذا الأحد معدودا في شي‏ء من طرفي المعارضة، هذا ما يقال.

والحقّ عدم صلاحيّة قاعدة الناس للمرجعيّة بناء على التعارض أصلا؛ لأنّ صلاحيّتها موقوفة على ثبوت الإطلاق والنظر لها بالنسبة إلى الحالات، بأن يكون مفادها أنّ للمالك التصرّف في ملكه بأيّ تصرّف شاء ولو كان هو الإضرار على غيره، ومن المقرّر في محلّه خلاف ذلك وأنّ القاعدة ليست بمشرعة، بمعنى أنّها قضيّة حيثيتيّة، ومفادها أنّ المالك من حيث إنّه مالك لا يكون ممنوعا عن التصرّف في ماله كما كان ممنوعا عن التصرّف في مال غيره، فلا تفيد القاعدة إلّا ارتفاع ذاك المنع، فلا ينافي أن يكون التصرّف في مال النفس ممنوعا من جهة عروض عارض.

ألا ترى أنّ أحدا لا يفهم من هذه القاعدة جواز رفع الإنسان عصاه ووضعه على رأس إنسان آخر مع أنّه لم يفعل إلّا تصرّفا في ملكه؟ ولا يرى المعارضة أحد بين هذه القاعدة وبين دليل حرمة هذا العمل من أدلّة حرمة الإضرار على الغير.

وحينئذ نقول: معنى وقوع التعارض في قاعدة الضرر والحرج في الطرفين كون أحد الطرفين خارجا عن عموم القاعدة في نفس الأمر، مع كون الآخر داخلا، غاية الأمر حصول الشكّ لنا في تمييز الخارج عن الداخل في مرحلة الإثبات، فوقوع التعارض يكون بهذه الملاحظة، وحينئذ فمن المحتمل أن يكون الفرد الخارج عن العموم هو نفس مورد قاعدة «الناس» أعني الحفر، فيكون محرّما، وقد فرضنا أنّ القاعدة لا نظر لها إلى المحرّمات، فتكون مجملة لا يترتّب عليها فائدة، بل يساوي وجودها مع عدمها، فينحصر المرجع في القاعدة العقليّة وهو جواز الحفر، لعدم الدليل على المنع.

فتحقّق من جميع ما ذكرنا أنّ الحفر جائز إمّا من جهة مرجحيّة قاعدة «الناس» بناء على التزاحم، وإمّا من جهة القاعدة العقليّة بناء على التعارض، ولكن جوازه لا ينافي ثبوت الضمان، بمعنى أنّ المالك لو حفر البئر كان عليه تدارك ضرر الجار، لكونه داخلا في عموم «من أتلف» ولا يمكن رفع هذا الحكم بقاعدة لا ضرر باعتبار أنّ الحكم على المالك بالتدارك ضرر عليه، وجه عدم الإمكان أنّ هذا حكم وارد في مورد الضرر، فيلزم من نفي القاعدة إيّاه عدم بقاء المورد له أصلا، بل اللازم تخصيص القاعدة بهذا الحكم، فيكون دليل الضمان مخصّصا للقاعدة لا محكوما لها.

بقي الكلام فيما يقال تمسّكا بقاعدة نفي الضرر من أنّه لو كان الضرر متوجّها إلى أحد الشخصين فلا يجوز له دفعه إلى الغير، فلو كان ماء السيل جاريا سمت الدار، أو السهم مقبلا سمت الشخص وفي رديفه شخص آخر فلا يجوز له أن يفتح سبيل الماء إلى دار الغير أو يخفض رأسه مثلا ليقع السهم على الغير، فإنّه قد يشكل عليه بأنّ منع الشخص عن دفع الضرر عن نفسه ضرر وحرج عليه وليس فيه منّة شخصيّة ولا نوعيّة كما هو واضح.

ويمكن أن يقال في توجيهه بأنّه إذا كان الماء جاريا بحسب المقتضيات الطبيعيّة الخارجيّة مع قطع النظر عن المقتضيات الشرعيّة الإلهيّة إلى دار شخص فخربها فليس المخرّب هو الشارع، بل هو الماء، ولكن لو جوّز حينئذ إرسال الماء الى دار الغير فخر بها كان المخرّب هو الشارع؛ لأنّ التخريب يستند إلى فعل المرسل، وهو مستند إلى تجويز الشرع، فيكون التخريب مستندا إلى تجويزه، وهذا بخلاف ما إذا لم يجوّز ذلك ومنع عن إيجاد المانع عن دخول الماء في الدار، فإنّ حصول الخراب حينئذ وإن كان ناشئا من أمرين: أحدهما جريان الماء بحسب المقتضي الطبيعي والآخر منع الشارع عن إيجاد المانع، إلّا أنّ إسناد التخريب لا يصحّ إلّا إلى الماء، فإنّ الأثر إنّما يستند إلى المقتضي دون عدم المانع، فالمحرق إنّما هو النار دون عدم الرطوبة.

وبالجملة، عنوان الإضرار حاله كعنوان القتل، فكما لا يصدق عنوان القاتل إلّا على من أوجد المقتضي للقتل دون من حصل عدم المانع عنه، فلو أنّ قائلا قال: لا أرتكب القتل، فرأى أحدا يقصد إيجاد مقتضيه من إمرار السكّين على حلق الغير، وآخر يقصد إيجاد مانعة من أخذ السكّين، فمنع الآخر عن إيجاد المانع لا يعدّ هذا منافيا مع قوله المذكور، ولا يصدق عنوان القاتل إلّا على فاعل الإمرار، نعم يصدق على كليها أنّه ترك حفظ النفس، فيشترك المعصية بينهما، إلّا أنّ عنوان القاتل مختصّ بالثاني، فيختصّ القصاص والدية به، فكذلك الحال في عنوان الإضرار.

فلو منع الشارع من إيجاد مانعة مع حصول مقتضيه لا يكون منافيا مع قوله:

«لا ضرر» وأمّا حكم التجويز المذكور فهو راجع إلى إيجاد المقتضي من ناحية الشارع، فيكون منافيا معه، فالمعيار حينئذ ملاحظة أنّه إلى أيّ الشخصين يوجّه الضرر بحسب مقتضيه الطبيعي.

فإن كان متوجّها إلى النفس فحكمه ما ذكر، وإن كان متوجها إلى الغير فلا يجب عليه تحمّله للدفع عن صاحبه، فلو رأى الماء جاريا بحسب مقتضيه الطبيعي إلى دار صاحبه لا يجب عليه فتح سبيله إلى دار نفسه؛ لأنّه لو أوجب عليه الشارع ذلك كان هو المخرّب لداره، فيكون منافيا مع قوله: «لا ضرر» وأمّا لو لم يوجب ذلك لم يستند إليه التخريب أصلا، أمّا بالنسبة إلى هذا الشخص فلعدم الإيجاب، وأمّا بالنسبة إلى صاحبه فلأنّ المقتضي للتخريب هو الماء دون الشارع، فلا يكون عدم الإيجاب منافيا مع قوله المذكور.

 




قواعد تقع في طريق استفادة الأحكام الشرعية الإلهية وهذه القواعد هي أحكام عامّة فقهية تجري في أبواب مختلفة، و موضوعاتها و إن كانت أخصّ من المسائل الأصوليّة إلاّ أنّها أعمّ من المسائل الفقهيّة. فهي كالبرزخ بين الأصول و الفقه، حيث إنّها إمّا تختص بعدّة من أبواب الفقه لا جميعها، كقاعدة الطهارة الجارية في أبواب الطهارة و النّجاسة فقط، و قاعدة لاتعاد الجارية في أبواب الصلاة فحسب، و قاعدة ما يضمن و ما لا يضمن الجارية في أبواب المعاملات بالمعنى الأخصّ دون غيرها; و إمّا مختصة بموضوعات معيّنة خارجية و إن عمّت أبواب الفقه كلّها، كقاعدتي لا ضرر و لا حرج; فإنّهما و إن كانتا تجريان في جلّ أبواب الفقه أو كلّها، إلاّ أنّهما تدوران حول موضوعات خاصة، و هي الموضوعات الضرريّة و الحرجية وبرزت القواعد في الكتب الفقهية الا ان الاعلام فيما بعد جعلوها في مصنفات خاصة بها، واشتهرت عند الفرق الاسلامية ايضاً، (واما المنطلق في تأسيس القواعد الفقهية لدى الشيعة ، فهو أن الأئمة عليهم السلام وضعوا أصولا كلية وأمروا الفقهاء بالتفريع عليها " علينا إلقاء الأصول وعليكم التفريع " ويعتبر هذا الامر واضحا في الآثار الفقهية الامامية ، وقد تزايد الاهتمام بجمع القواعد الفقهية واستخراجها من التراث الفقهي وصياغتها بصورة مستقلة في القرن الثامن الهجري ، عندما صنف الشهيد الأول قدس سره كتاب القواعد والفوائد وقد سبق الشهيد الأول في هذا المضمار الفقيه يحيى بن سعيد الحلي )


آخر مرحلة يصل اليها طالب العلوم الدينية بعد سنوات من الجد والاجتهاد ولا ينالها الا ذو حظ عظيم، فلا يكتفي الطالب بالتحصيل ما لم تكن ملكة الاجتهاد عنده، وقد عرفه العلماء بتعاريف مختلفة منها: (فهو في الاصطلاح تحصيل الحجة على الأحكام الشرعية الفرعية عن ملكة واستعداد ، والمراد من تحصيل الحجة أعم من اقامتها على اثبات الاحكام أو على اسقاطها ، وتقييد الاحكام بالفرعية لإخراج تحصيل الحجة على الاحكام الأصولية الاعتقادية ، كوجوب الاعتقاد بالمبدء تعالى وصفاته والاعتقاد بالنبوة والإمامة والمعاد ، فتحصيل الدليل على تلك الأحكام كما يتمكن منه غالب العامة ولو بأقل مراتبه لا يسمى اجتهادا في الاصطلاح) (فالاجتهاد المطلق هو ما يقتدر به على استنباط الاحكام الفعلية من أمارة معتبرة أو أصل معتبر عقلا أو نقلا في المورد التي لم يظفر فيها بها) وهذه المرتبة تؤهل الفقيه للافتاء ورجوع الناس اليه في الاحكام الفقهية، فهو يعتبر متخصص بشكل دقيق فيها يتوصل الى ما لا يمكن ان يتوصل اليه غيره.


احد اهم العلوم الدينية التي ظهرت بوادر تأسيسه منذ زمن النبي والائمة (عليهم السلام)، اذ تتوقف عليه مسائل جمة، فهو قانون الانسان المؤمن في الحياة، والذي يحوي الاحكام الالهية كلها، يقول العلامة الحلي : (وأفضل العلم بعد المعرفة بالله تعالى علم الفقه ، فإنّه الناظم لأُمور المعاش والمعاد ، وبه يتم كمال نوع الإنسان ، وهو الكاسب لكيفيّة شرع الله تعالى ، وبه يحصل المعرفة بأوامر الله تعالى ونواهيه الّتي هي سبب النجاة ، وبها يستحق الثواب ، فهو أفضل من غيره) وقال المقداد السيوري: (فان علم الفقه لا يخفى بلوغه الغاية شرفا وفضلا ، ولا يجهل احتياج الكل اليه وكفى بذلك نبلا) ومر هذا المعنى حسب الفترة الزمنية فـ(الفقه كان في الصدر الأول يستعمل في فهم أحكام الدين جميعها ، سواء كانت متعلقة بالإيمان والعقائد وما يتصل بها ، أم كانت أحكام الفروج والحدود والصلاة والصيام وبعد فترة تخصص استعماله فصار يعرف بأنه علم الأحكام من الصلاة والصيام والفروض والحدود وقد استقر تعريف الفقه - اصطلاحا كما يقول الشهيد - على ( العلم بالأحكام الشرعية العملية عن أدلتها التفصيلية لتحصيل السعادة الأخروية )) وتطور علم الفقه في المدرسة الشيعية تطوراً كبيراً اذ تعج المكتبات الدينية اليوم بمئات المصادر الفقهية وبأساليب مختلفة التنوع والعرض، كل ذلك خدمة لدين الاسلام وتراث الائمة الاطهار.


العتبة العلوية ... دار أبي طالب (ع) للطباعة تستحدث خدمة التوصيل لنتاجاتها العلمية والمنهجية خدمة للطلبة والأكاديميين
الاتحاد الدولي للمكتبات (افلا) يدرج مكتبة الروضة الحيدرية ضمن أهم المكتبات الفاعلة في خدمة الباحثين خلال جائحة كورونا
قسم الكهرباء في العتبة العلوية ينفذ حملة لصيانة الثريات في الصحن العلوي المطهر
العتبة العلوية تعلن عن قرب افتتاح مفرزة إطفاء متكاملة في الأحياء الشمالية بالتعاون مع الدفاع المدني في النجف الأشرف